رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الثامن والثمانون
"لا إله إلا انت سبحانك أني كنت من الظالمين"
مــا بــيــنَ غِــيــابٍ لــم يَــكــن عَــابــرًا... وَمَــاضٍ لــم يَــدفَــن سِــرَّهُ بَــعــد
الــثــامــنُ والــثــمــانــون
حين كان الليلُ يمضي كعادته... مرَّت لحظةٌ واحدة، ثم لم يَعُد شيءٌ كما كان.
لا صرخةَ استغاثةٍ شقَّت سكونَ الليل، ولا فوضى تركها الراحلون خلفهم، ولا أثرَ يدلُّ على معركةٍ دارت هنا.
فقط... غياب.
غيابٌ نظيفٌ إلى الحدِّ الذي يجعلُه أشدَّ رعبًا من الدم.
لم يكن في المشهدِ ما يوحي بالخوف، ولا ما يكشفُ عمّا حدث، كأنَّ كلَّ شيءٍ جرى بهدوءٍ مُتقن... وكأنَّ الفوضى كانت آخرَ ما أرادهُ الفاعل.
ولم يكن السؤالُ الحقيقيُّ: ماذا حدث؟
بل...
لِمَن كانت الرسالة؟
ولماذا كان لا بدَّ أن تصلَ بهذه الطريقة؟
فبعضُ الرسائلِ لا تُكتبُ بالحبر، ولا تحتاجُ إلى كلماتٍ تُقرأ...
يكفي أن يغيبَ شيءٌ واحد، ليدركَ شخصٌ واحدٌ فقط... أنَّ الماضي لم ينتهِ بعد.
وربما كان الأكثرَ إثارةً للقلق...
أنَّ من أرادَ إيصالَ الرسالة، كان يعرفُ تمامًا أين يضعُها... وكيفَ يجعلُ الصمتَ نفسَه أكثرَ بلاغةً من أيِّ تهديد
ــــــــــــــــــــــــ
ركض آسر إلى منزله بأقصى سرعته، وقلبه يخفق بعنف بعدما سمع صوتها تناديه من الداخل:
ـ آسر!
فتح الباب سريعًا، ودلف إلى المنزل الذي غرق في ظلامٍ دامس، دلف بخطواتٍ حذرة على إضاءة الهاتف، استمع إلى صوتها تنادي باسمه:
ـ آسيا...أنا هنا.
ما إن سمعت صوته حتى اندفعت نحوه، تبكي كطفلة أفزعها الظلام، وارتمت بين ذراعيه تتشبَّث به:
ـ الدنيا ضلمة أوي...
احتضنها بقوَّة، ومسح على رأسها محاولًا تهدئة ارتجاف جسدها:
ـ اهدي حبيبتي...اهدي، دي الكهربا قطعت، ممكن يكون فيه عطل وبيصلَّحوه.
ابتعد عنها قليلًا، وألقى نظرة سريعة على ملابسها، ثم رفع عينيه نحو الطابق العلوي:
ـ هطلع أجيب لك حاجة من فوق تلبسيها، خلِّيكي هنا ومتتحرَّكيش.. علشان هنروح عند بابا.
تعلَّقت بذراعه على الفور، وهزَّت رأسها بعنف:
ـ لا...أنا خايفة، هاجي معاك.
توقَّف للحظة، ثم ابتسم رغمًا عنه، وهو يهزُّ رأسه بيأس:
ـ متجوز طفلة...
تحرَّك بها نحو الدرج، لكن خطواته توقَّفت فجأة.
حين رأى شيئًا ما...خيال تحرَّك خلف النافذة.
تجمَّد في مكانه.
اختفت ابتسامته تمامًا، وتحوَّلت ملامحه، أخذ يتفحَّص الظلام المحيط بهم، ثم عاد ببصره نحو النافذة.
فوجد حركة بالخارج، لكنَّها حذرة، لم يكن شخصًا واحدًا..ولم تتَّضح الرؤية تمامًا.
قبض يده بقوة، وشعر ببرودة تسري في أطرافه.
هنا تيقَّن أنَّ الكهرباء قد انقطعت ليست مصادفة.
أمسك يد آسيا فجأة واندفع بها نحو الدرج.
ـ آسر استنى! الدنيا ضلمة، هقع على وشِّي!
ـ آسيا...لازم تلبسي حاجة ونطلع من البيت.
توقَّفت عن الحركة، ونظرت إليه بخوف بعدما التقطت شيئًا غريبًا في نبرة صوته:
ـ ليه، في إيه؟
لم يجبها..سحبها خلفه بسرعة، ودلف بها إلى غرفتهما، ثم اتَّجه مباشرةً إلى الخزانة وأخرج إحدى ملابسها ومدَّها إليها:
ـ البسي دي بسرعة.
نظرت إليه بعدم فهم.
ـ لمَّا تقولِّي فيه إيه!
التفت إليها، وعيناه تتجوَّل بالخارج:
ـ آسيا...مش وقته، البسي.
ـ بس...
ـ البسي!
ارتجف صوتها، وأسرعت بارتداء الملابس بينما ظلَّ هو واقفًا قرب الباب، يصغي لكلِّ صوت يصدر من الخارج.
أخرج هاتفه واتَّصل بوالده:
ـ بابا...
جاءه صوت يزن سريعًا من الطرف الآخر:
ـ اخرج من بيتك وتعال على بيت إلياس...أو ارسلان بسرعة.
تجمَّد آسر للحظة..وتأكَّد بوجود خطر حقيقي.
ـ حاضر.
أغلق الهاتف، واتَّجه فورًا إلى آسيا، التي كانت تحاول إغلاق أزرار البلوزة في الظلام.
ـ يلَّا.
ـ استنى بس...أقفل البلوزة.
زفر بضيق، ثم اقترب منها، وأمسك طرف البلوزة وأغلق أزرارها بسرعة، وعيناه لا تفارقان الباب.
وفجأة...صوت ارتطام عنيف جاء من الخارج.. شيء سقط.
تجمَّد الاثنان.
رفعت آسيا عينيها إليه، وهمست بصوتٍ مرتجف:
ـ آسر...إنتَ سمعت حاجة؟
لم يجب.
مدَّ يده ببطء إلى درج الكومودينو، وفتحه دون أن يصدر صوتًا، ثم أخرج سلاحه.
شهقت آسيا، وتراجعت خطوة.
ـ مسدس؟!
_اشش..يلَّا ومش عايز صوت.
ثم أحاط كتفيها بذراعه وجذبها إلى جواره، يحاول أن يمنحها من ثباته شيئًا، رغم أنَّ قلبه هو الآخر كان يضرب بعنف داخل صدره.
ـ متخافيش...أنا معاكي.
قالها بهدوء متعمَّد، لكن صوته لم يطمئنها.
رفعت عينيها إليه، تحرَّك بها ببطء، خطواته محسوبة، وسلاحه مرفوع أمامه، بينما كانت أنفاسها تتلاحق، تتشبَّث بقميصه وتعانق ذراعيه.
توقَّف قبل أن يخرج من الغرفة.
ألقى نظرة سريعة على أرجاء المنزل الغارق في العتمة، ثم على النوافذ، ثم الباب الرئيسي.
ضمَّ كفَّها داخل كفِّه، وضغط عليها مطمئنًا، ثم أشار بعينيه ناحية باب المسبح.
فهمت إشارته وأومأت بصمت.
تحرَّكا معًا، ملتصقين بالجدار..
وفجأة...اصطدمت قدم آسيا بطرف إحدى القطع الأثرية الموضوعة بالقرب من الممر.
سقطت القطعة على الأرض، وانطلق صوت ارتطامها في أرجاء المنزل.
تجمَّدت في مكانها، واتَّسعت عينا آسر.
وفي الجهة الأخرى...
توقَّف الرجل الذي كان يبحث عنهما.
رفع رأسه نحو مصدر الصوت.
لمح آسر حركة أحدهم من بعيد.
لم ينتظر ثانية...أمسك آسيا من خصرها وسحبها خلفه بسرعة، ثم اندفع بها إلى أحد الممرَّات الجانبية، حتى اختبآ خلف جدارٍ بارز.
وضعت آسيا يدها على فمها تكتم شهقتها، بينما كان آسر يراقب المكان بعينينِ لا تهدآن.
أخرج هاتفه بسرعة، وكتب رسالة إلى والده:
"بابا، فيه حد في بيتي...شكلهم ملثَّمين."
ثم أغلق الشاشة فورًا.
التفت إليها، وجد جسدها يرتجف...وجهها شاحب، وعيناها ممتلئتانِ بالرعب.
ـ آسر...مين دول؟
وضع إصبعه على شفتيه:
ـ ششش...
ثم جذبها إلى صدره، محاولًا تهدئة ارتجاف جسدها:
ـ اهدي...متخافيش. أنا معاكي.
لكنَّها لم تستطع منع دموعها.
همست بصوتٍ مرتعش:
ـ أنا خايفة.
أغمض عينيه للحظة، وكأنَّ كلمتها أصابت أكثر نقطة ضعيفة فيه.
ضمَّها تحت ذراعه، وحجبها بجسده عن الممر، ثم تحرَّك بها ببطء حتى توقَّف خلف تمثالٍ كبير يحجب الرؤية عنهما.
أشار بيده إلى غرفة المكتب.
اقترب من أذنها وهمس:
ـ آسيا...بصِّيلي.
رفعت عينيها إليه.
ـ أنا هخرج من هنا وأشغلهم عنك، وإنتِ هتروحي على المكتب.
هزَّت رأسها برعب:
ـ لأ...
ـ اسمعيني.
أشار ناحية المكتبة:
ـ المكتبة هتزقِّيها...وراها باب سرِّي بيطلع على بيت عمُّو إلياس، أوَّل ما تدخلي، روحي لهم..الكلِّ هناك.
تعلَّقت عيناها به، ثم أمسكت ذراعه بكلِّ قوَّتها:
ـ لا...لا يا آسر، مش هسيبك.
ـ آسيا...
ـ مش هسيبك!
خرجت الكلمة منها مختنقة بالبكاء، فاقترب منها وأمسك وجهها بين كفَّيه:
ـ بصِّيلي.
نظرت إليه.
كان يحاول أن يبدو قويًا، لكنه لم يستطع إخفاء ذلك القلق الذي يسكن عينيه.
ـ معرفش مين دول...ولا عايزين إيه. لكن الحاجة الوحيدة اللي عارفها إنِّي خايف عليكي.
هزَّت رأسها بعناد، والدموع تنساب على وجنتيها:
ـ وأنا كمان خايفة عليك.
توقَّفت أنفاسه للحظة.
ـ عشان كده لازم تمشي.
ـ مش هسيبك مهما حصل.
شدَّ على يديها:
ـ آسيا...مش وقت عناد.
اقترب أكثر، وخفض صوته حتى أصبح همسًا يحمل رجاءً أكثر ممَّا يحمل أمرًا:
ـ أنا مش بطلب منك تسيبيني...أنا بطلب منك تنجِّي نفسك.
هزَّت رأسها وهي تبكي:
ـ بس لو خرجت...ممكن يحصلَّك حاجة.
ابتسم ابتسامة صغيرة، رغم التوتُّر الذي ينهش ملامحه:
ـ وأنا لو خلِّيتك هنا، ممكن يحصلِّك إنتِ حاجة...وده الشيء الوحيد اللي مستحيل أسمح بيه.
ثم وضع جبينه على جبينها للحظة:
ـ ثقي فيَّا.
سكتت، عاجزة عن الرد.
ابتعد عنها ببطء، ثم أمسك يدها للمرَّة الأخيرة وضغط عليها:
ـ أوَّل ما أقولِّك "روحي"...تجري على المكتب، فاهمة؟
أومأت، لكن يدها ظلَّت متشبِّثة بيده.
نظر إليها طويلًا، وكأنَّه يحفظ ملامحها في ذاكرته.
ثم همس:
ـ يلَّا...امشي.
رفضت قدماها أن تتحرَّكا.
فكرَّرها، وهذه المرَّة بصوتٍ أكثر حزمًا، يخفي خلفه كل خوفه:
ـ آسيا...امشي!
قالها وأفلت يدها.
هزَّت آسيا رأسها بالنفي، ثم أسرعت تحتضن ذراعه بكلتا يديها:
ـ مش هسيبك...ريَّح نفسك.
حاول إبعادها عن الواجهة المكشوفة، ثم جذبها إليه وضمَّ رأسها إلى صدره، بينما راحت أنفاسه تتسارع رغم محاولته إخفاء خوفه عنها.
ـ حبيبتي، اسمعيني...أنا مش عارف أتحرَّك بيكي، وخايف عليكي.
رفعت وجهها إليه، وعيناها ممتلئتان بالخوف، لكنَّها هزَّت رأسها بإصرار:
ـ مش هسيبك يا آسر...وده آخر كلام.
لم يجادلها.
فجأة...توقَّف الاثنان على خطواتٍ قريبة جدًّا.
جذب آسيا خلفه، وأشار إليها بإصبعه أمام شفتيه:
ـ ششش...
التصقت بظهره، تكتم أنفاسها بيدٍ مرتجفة، بينما ظلَّ هو ثابتًا، عيناه تجولان في الظلام، وأذناه تلتقطان أدقّ حركة.
مرَّت ثوانٍ ثقيلة...ثم دقائق.
وفجأة، بدأت الخطوات تبتعد.
تنفَّس آسر ببطء، وأغمض عينيه للحظة، وكأنَّه يستعيد قدرته على التفكير.
همست آسيا:
ـ مين دول يا آسر، وعايزين إيه؟
فتح عينيه فجأة.
تذكَّر أمر الحريق، وفهم أن وجودهم هنا لم يكن صدفة.
أمسك كفَّيها سريعًا:
ـ لازم نمشي...دلوقتي.
سحبها معه باتِّجاه الباب، لكن ما إن خطا خطوة واحدة حتى خرج رجل من العتمة، وأمسك به، ثم رفع سلاحه لتستقرَّ فوهته فوق رأسه.
تجمَّد آسر في مكانه.
اتَّسعت عينا آسيا، وارتفعت شهقتها المكتومة.
ضمَّها آسر إليه غريزيًا، ووضع جسده بينها وبين السلاح..
ـ عايز إيه؟
جاء صوت الرجل باردًا:
ـ تمشي معايا بهدوء...أي حركة، هأذيك وأذيها.
تعلَّقت عينا آسر بالسلاح، ثم انخفضتا للحظة إلى آسيا.
كان يعرف أنَّه لا يستطيع المخاطرة.
لكن آسيا لم تكن تنظر إلى السلاح...
كانت تنظر حولها، تذكَّرت أنَّ هناك تمثالًا ولكن كيف تصل إليه، تحرَّكت للخلف فتحرَّك آسر خلفها تلقائيًا والرجل يشير إليهم بالسلاح.
رأت من خلال الاضاءة المنبعثة من ضوء القمر من النافذة وجه الرجل الملثَّم.
جالت بعينيها حتى وقعت على التمثال الصغير بالقرب منها.
لم تفكِّر..لم تنتظر.
بسرعة التقطته، وفي اللحظة التي انشغل فيها الرجل بآسر، وهو يقول:
_أي حركة هموِّتك وأموِّتها، اندفعت نحوه بكلِّ قوَّتها:
ـ تموِّت مين يا حيوان؟!
هوَت بالتمثال فوق رأسه.
ترنَّح الرجل للخلف، وفي اللحظة نفسها استغلَّ آسر ارتباكه، وركله بكل قوَّته، فانفلت السلاح من يده وانزلق بعيدًا.
لحظة من الفوضى وآسر منقضًّا على الرجل وصوت صراخ آسيا باسمه، خوفًا عليه...كان الرجل قوي البنية، ولولا لفت الانتباه لحركات آسيا لقضيَ عليهم.
بحث آسر عن سلاحه وجده قد ألقيَ عند باب المنزل، في تلك اللحظة التي كان الرجل يحاول النهوض...
أمسك يدها بقوَّة..وتحرَّك سريعًا، مع دخول رجال آخرون منزله، التقط سلاحه من فوق الأرض وصاح:
ـ اجري!
ركضا نحو الخارج، متَّجهين إلى منزل إلياس.
لكن لم يخطُ آسر سوى خطواتٍ قليلة حتى شعر بصدمة حارقة مزَّقت كتفه.
توقَّف..دون صوت، فقد كان سلاح الرجل كاتم للصوت.
اتَّسعت عيناه..ثم سقط جسده فجأة فوق آسيا، حاميًا إيَّاها بجسده.
ـ آسر!
صرخت باسمه وهي تحاول رفعه.
التفت آسر بصعوبة، رفع سلاحه بيد والرجل ما زال يترنَّح بخطواته، رغم الألم الذي كان يمزِّق كتف آسر، ثبَّت عينيه عليه.
ثم دوى صوت الرصاصة في أرجاء المكان.
استقرَّت الطلقة في رأس الرجل.. فسقط جسده أرضًا بلا حراك.
ظلَّ آسر لثوانٍ ممسكًا بسلاحه، لتتراخى أصابعه.
ثم سقط السلاح من يده.
ـ آسر!
احتضنته آسيا وهي تبكي، وراحت يداها ترتجفان فوق كتفه:
ـ إنتَ كويس؟
حاول أن يطمئنها، أومأ لها، رغم أنَّ الألم بدأ يشتدّ حتى كاد يخطف أنفاسه:
ـ أنا كويس...
وقبل أن يكمل، دوت أصوات أقدام تركض من بعيد..وأصواتًا أخرى من داخل منزله.
اعتدل بصعوبة:
_اهدي أنا كويس.
ولكنَّها صرخت حين وجدت الدماء على قميصه.
سحب رأسها لحضنه:
_آسيا أنا كويس:
سمع الجميع صوت الرصاصة.
فهرولوا نحوهم، مع خروج الآخرين من المنزل، ولكن تراجعوا بعد وصول الأمن ويزن وطارق.
_آسر...آسيا إيه اللي حصل؟
كانت آسيا لا تزال تحتضن آسر، وتبكي بشهقات.
رفع آسر رأسه لوالده:
_إحنا كويسين، متقلقش.
اقترب يزن منه:
ـ آسر!
لكن آسر لم يهتم بنفسه.
كانت عيناه معلَّقتين بآسيا فقط.
مدَّ يده السليمة، ومسح دموعها عن وجهها بأطراف أصابعه:
ـ قولتلك...أنا كويس.
انهارت دموعها أكثر، وكأنَّها لم تعد قادرة على حبس خوفها، وارتمت في أحضانه، تتشبَّث به بكلِّ قوَّتها.
وصل بلال يركض نحوهم:
ـ ملحقتش العربية...
هوى يزن على ركبتيه أمام ابنه، يتفحَّصه بعينينِ مرتجفتين:
ـ إنتَ كويس؟
حاول أن يبعد آسيا عنه برفق، بعدما شعر بارتجاف جسدها بين ذراعيه.
ـ آسيا...بتعيَّطي ليه؟
ثم مسَّد على ظهرها بحنان، وصوته خرج هادئًا رغم الألم الذي بدأ ينهش ذراعه.
ـ حبيبتي، أنا كويس...والله كويس.
ابتعدت عنه بصعوبة، وعيناها لا تفارقان وجهه، ثم أشارت:
ـ دراعك مصاب...
وقبل أن يجيبها، دوى صوت مالك من بعيد، وهو يركض نحوهم صارخًا:
ـ الجميع بخير؟!
أومأ له طارق سريعًا، بينما جال بلال بعينيه بين الموجودين:
ـ يوسف...مخرجش من البيت؟
تبادلوا النظرات، همس مالك، وقد انقبض وجهه فجأة:
ـ يوسف...
ثم استدار وركض بكلِّ ما أوتي من قوَّة باتِّجاه منزله، ولحق به بلال وطارق دون تردُّد.
بينما، جلس يزن إلى جوار ابنه، وعيناه معلَّقتان بذراعه:
ـ إنتَ مصاب، حبيبي.
ابتسم آسر ابتسامة يحاول بها طمأنته:
ـ بسيطة يا بابا...مفيش حاجة.
ساعده يزن على الوقوف، وما إن استقاما حتى أضيئت أنوار الكمبوند دفعةً واحدة.
توقَّفت أنفاس آسيا.
فقد ظهر الدم بوضوح هذه المرَّة، ينساب من ذراع آسر ويلطِّخ يده وملابسه.
ـ بتنزف!
شهقت، ومدَّ يزن يده يضغط على موضع الإصابة، تأوَّه آسر بصوتٍ مكتوم.
ـ قولت لك يا خالو...إنُّه مصاب، حسِّيت بالدم..التفت إليها بعتاب بعدما وجد علامات الذعر على وجه والده فقال:
ـ بابا، بسيطة.
قالها وحاول أن يبدو أكثر تماسكًا ممَّا يشعر، ثم التفت إلى آسيا التي كانت تحدِّق في الدم بعينينِ مذعورتين:
ـ دا خربوش يا آسيا، مش حاجة.
لكنَّها لم تصدِّقه.
اقتربت منه، وصوتها خرج مرتجفًا:
ـ خربوش إيه اللي بينزف بالشكل ده؟!
ثم رفعت عينيها إليه، وقد اختلط الخوف بالغضب:
ـ مين الناس دي يا آسر..وعايزين منَّك إيه، إشمعنى إنتَ؟!
وقبل أن يرد..
فجأة، اخترقت صرخات مالك المكان.
وهو يتحدَّث في الهاتف، صوته حاد، يأمر رجال الأمن دون أن يتوقَّف عن الركض:
ـ اقفلوا كلِّ مداخل الشوارع بسرعة! محدش يدخل ولا يخرج...مفهوم؟!
التفت طارق إليه، وقد بدأ القلق يتسلَّل إلى ملامحه:
ـ إيه اللي حصل؟ يارب خير...
تحرَّك خلفه سريعًا، بينما اندفع مالك نحو سيَّارته، ولحق به بعض أفراد الأمن.
ـ مالك! إيه اللي حصل؟!
توقَّف مالك للحظة:
ـ طارق...افحص الكمبوند كلُّه، أي حد غريب، أي عربية مشبوهة، أي شخص ملوش تفسير لوجوده هنا...توقَّفوه فورًا.
اقترب طارق منه أكثر، وقد ازداد توتُّره:
ـ مالك، إيه اللي حصل؟!
نظر مالك إلى الجميع للحظة، ثم قال بصوتٍ خافت لكنَّه حمل وقع الصدمة:
ـ الهجوم ده...مش كان على آسر وبس.
تجمَّدت ملامح طارق:
ـ يعني إيه؟
فتح مالك باب سيَّارته، وعيناه اتجهتا نحو منزل يوسف:
ـ حد كان مستهدف يوسف كمان.. خطفوا يوسف.
ثم أغلق الباب وانطلق بالسيارة بأقصى سرعة، بينما بقيَ طارق واقفًا للحظة، يحاول استيعاب ما سمعه.
وفي الجهة الأخرى، كانت آسيا تحدِّق في آسر، ودموعها لا تزال عالقة بعينيها.
ماذا يريدون منهم، هل كانوا يريدون قتلهم؟..
_ايه اللي بيحصل يا طارق مش فاهم؟!
ـ يوسف اتخطف!
تجمَّد يزن لثانية، وكأنَّ الكلمة اخترقت صدره:
ـ يوسف...؟!
ثم اندفع الى منزل يوسف ، ولحق به الجميع.
دلف الى المنزل فرأوا باب المنزل مفتوحًا، والفوضى تضربه بكلِّ جانب.
تحرَّك يزن بخطواتٍ متوتِّرة، وعيناه تبحثان بجنون:
ـ إيه اللي حصل؟!
وجد بلال يجلس بجوار ضي، يحاول إفاقتها، يربت على وجهها بيده:
ـ ضي...حبيبتي، افتحي عيونك.
تحرَّكت جفونها بصعوبة، ثم أطلقت تأوُّهًا خافتًا.
ـ ضي...حبيبتي، سمعاني؟
فتحت عينيها أخيرًا، تحدِّق في الوجوه المحيطة بها دون أن تستوعب شيئًا.
ـ آه...أنا فين؟
دارت بعينيها في المكان، ثم وقعت عيناها على الفوضى المحيطة بها.
وفي لحظة...انتفض جسدها.
اعتدلت بفزع، تبحث بعينيها في كلِّ اتجاه.
ـ يوسف...
خرج اسمه منها كصرخة ممزَّقة.
ـ يوسف! أخدوا يوسف!
ضمَّها بلال سريعًا قبل أن تسقط، يحاول تثبيتها بين ذراعيه.
ـ حبيبتي اهدي...اهدي بس، وفهِّمينا إيه اللي حصل.
لكنَّها لم تكن تسمعه.
كانت تبكي بانهيار، تتشبَّث بملابسه، وصوتها يخرج متقطِّعًا بين شهقاتها:
ـ أنا عايزة جوزي...جوزي فين، يوسف فين؟!
وصل الجميع في تلك اللحظة.
اقترب يزن منها، وقلبه يعتصره منظرها.
ـ ضي...اهدي بقى.
ردَّدها بصوتٍ مرتفع، ولكنَّها هوت على المقعد تبكي بنشيج:
_ليه يا يوسف تعمل كدا.
جثا يزن أمامها، وأمسك كتفيها برفق:
ـ احكي لنا يا حبيبتي...إيه اللي حصل؟
حاولت الكلام، لكن شهقاتها كانت تخنق حروفها.
مسحت دموعها بعشوائية، ثم قالت بصعوبة:
ـ همَّ...همَّ قالوا إنُّهم جايين له...
ابتلعت ريقها، وانكسرت نبرتها أكثر.
ـ يوسف حاول يقاومهم...بس لمَّا هدَّدوه...لمَّا قالوا إنُّهم هيئذوني لو ما مشيش معاهم...
انهارت من جديد.
ـ مشي معاهم...
شهقت، ووضعت يدها على فمها:
ـ أخدوه مني...راح معاهم علشاني.
اقترب بلال منها، وطالعها وقال بصوتٍ يرتجف رغم محاولته التماسك:
ـ ضي، بصِّيلي...الناس دي قالت له إيه؟.
رفعت عينيها إليه، كانتا ممتلئتين برعبٍ
ـ معرفش..أنا عايزة جوزي يا بلال...
ثم التفتت إلى يزن، تتشبَّث بنظراته:
ـ أنا عايزة يوسف يا عمُّو...رجَّعولي جوزي.
لم يجد يزن ما يقوله.
للحظة، بدا عاجزًا أمام انهيارها.
لكنَّها فجأة تذكَّرت شيئًا.
راحت تبحث حولها بجنون.
ـ تليفوني...فين تليفوني؟!
ـ حبيبتي اهدي، واحنا هنتصرَّف.
ـ فين تليفوني؟!
راحت عيناها تتنقَّلان بكلِّ اتجاه حتى لمحته ملقى بالقرب من الأريكة.
اندفعت نحوه والتقطته بيدينِ مرتجفتين.
ـ ضي، استني...
لكنَّها لم تسمع أحدًا.
ضغطت على الشَّاشة بسرعة، ثم رفعت الهاتف إلى أذنها.
كانت دموعها تنهمر بلا توقُّف، وأنفاسها تتقطَّع..
لحظة واحدة الى أن جاءها صوت والدها حتى انفجرت باكية:
ـ الحقني يا بابا...
ساد الصمت من حولها..
ـ خطفوا يوسف...خدوا جوزي يا بابا!
هبَّ أرسلان من نومه فزعًا:
_اهدي حبيبتي، فهِّميني إيه اللي حصل؟.
ولكنَّها انهارت بالبكاء أكثر، كلَّما تذكَّرت ماصار، تبكي أكثر.
ضمَّها بلال وأخذ الهاتف، بعدما انهارت على الأرض:
_أيوة يا بابا.
_في إيه، أختك مالها، ويوسف ماله؟.
قصَّ له ما صار بصوتٍ مخنوق.
تجمَّد أرسلان بوقوفه، ودارت الأرض تحت قدميه، عجز لسانه عن النطق للحظات، لحظات مميتة غير مستوعب ما استمع إليه.
نطق أخيرًا بصوتٍ مختنق:
_خلاص يا بلال، أنا هتصرَّف.
_بابا..يوسف.
_قولت خلاص..اقفل وأنا هتصرَّف، خلِّي بالك من أختك، متخلِّهاش تتهوَّر، عمَّك مالك فين؟.
_عمُّو مالك مشي وراهم معرفش هيعمل إيه.
_طيب...ممنوع حد يتِّصل بإلياس، نبِّه على اللي عندك، وأنا هتصرَّف.
_خد عمُّو يزن عايز يكلِّمك.
_أرسلان إيه اللي بيحصل ومين دول، وليه يوسف؟.
_هنعرف يا يزن، المهم متخليش حد من الولاد يتهوَّر، أنا هتصرَّف.
_اللي جايين، كانوا عايزين آسر، ويوسف بالذات.
_تمام..يا يزن.
_تمام إيه يا أرسلان، بقولَّك الولاد.
قاطعه أرسلان صائحًا:
_يزن...قولت هتصرَّف، اقفل دلوقتي.
قالها وأغلق الهاتف، يدور حول نفسه بجنون، حتى كاد أن يضرب رأسه بالجدار:
_آاااه..حيوان.
هوى على المقعد وأنفاسه اختنقت من شدَّته:
_أعمل إيه ياربي، أعمل إيه؟
لحظات كاد أن يُصاب بالجنون من عجزه.
سحب نفسًا وزفره ثم رفع هاتفه واتَّصل بإسحاق:
_أيوة..
_عمو... فيه هجوم عندنا، خطفوا يوسف
_ااهدى.. عرفت، معتز، دخل مرتزقة، واحنا كنا مراقبين كويس، بس الهجوم اللي حصل في البلد، متقلقش هتصرف
_إنتَ بتقول إيه يا إسحاق، ولسه عندك؟! عايز الراجل ده...متخلِّنيش أنزل مصر دلوقتي!
ـ ممكن تهدى؟ يلا اهدى، وأنا هتصرَّف.
ـ أهدى؟!
صرخ بها، حتى ارتدَّ صوته في المكان، وانفلتت أعصابه.
ـ الحيوان ده هموِّ ته! والله لأشرب من د مُّه!
ضرب بقبضته على أقرب شيء أمامه، وصدره يعلو ويهبط بعنـ ف، كأنَّ الغضب حاصر أنفاسه..
ـ آه...حقير! حقير وابن...عارف ومتأكِّد إنِّنا مش هنعرف ننزل يوم عرفة!
ردَّ إسحاق بصوتٍ مكتوم بالغيظ:
ـ للأسف...طلع أذكى منَّنا، اهدى بس، وأنا هتصرَّف.
صرخ ارسلان:
ـ عمُّو، أنا هنزل مصر حالًا!
ـ إنتَ اتجنِّنت؟! بقالك كام ساعة وتكون على جبل عرفة، هتنزل إزاي؟!
تجمَّد مكانه.
كأنَّ الكلمات أصابته في مقتل.
نظر حوله بعينينِ زائغتين، عاجزًا عن استيعاب ما يحدث، إنَّه بالحج، وليس فقط بل..يوم عرفة...
يوم الدعاء، والوقوف الذي انتظره طويلًا، واللحظة التي جاء إلى هنا من أجلها...
كلَّها أصبحت فجأة في كفَّة، والشخص الذي يحبُّه في كفَّة أخرى.
ارتجفت شفتاه، وحاول أن يتماسك، لكنَّه لم يستطع..لم يكن الغضب وحده ما يخنقه...بل العجز.
ذلك الشعور القاسي بأنَّك تريد إنقاذ شخص تحبُّه بكلِّ ما تملك، لكن المسافة بينك وبينه أكبر من قدرتك على الوصول إليه.
امتلأت عيناه بالدموع، فمسحها بعنف، وكأنَّه غاضب حتى من ضعفه.
ـ أنا...أنا مش قادر يا عمُّو.
خرج صوته مكسورًا هذه المرَّة.
ـ مش قادر أقف هنا، هركِّز إزاي.
صمت لحظة، ثم انخفض صوته حتى صار أشبه برجاءٍ موجوع:
ـ هكمِّل إزاي الحج؟
ابتلع غصَّته، وانهمرت دمعة رغماً عنه:
ـ هقف يوم عرفة وأدعي ربِّنا بقلبٍ متيقِّن إزاي؟.
ارتجف صوته أكثر:
ـ يارب...متحطِّنيش في الاختيار ده.
دار حول نفسه في الغرفة كمن عجز عن التفكير، تحرَّك بخطواتٍ متخبِّطة، وأنفاسه تزداد اضطرابًا كلَّما أدرك أنَّه عاجز عن فعل أي شيء.
هوى على المقعد، يلتقط أنفاسه المتسارعة كمن خرج لتوِّه من سباقٍ طويل، ثم احتضن رأسه بين كفَّيه، محاولًا أن يجبر صدره على الهدوء.
لكن صورة يوسف لم تفارقه.
وأفعال معتز التي علم بها، كيف فعل بهم هذا؟!.
عضَّ على شفتيه بقوة، وقد تيقَّن أنَّه استغلَّ غيابهم، ترى لماذا خطف يوسف؟..
قطع أفكاره رنين هاتفه.
انتفض والتقطه سريعًا، ظنًّا أنَّ أحدًا من العائلة اتَّصل، لكن عينيه وقعتا على الاسم الظاهر أمامه..
إلياس..
خرجت من صدره زفرة طويلة، كادت أن تخنقه، ثم رفع الهاتف بيدٍ مرتعشة:
ـ أيوة يا إلياس.
جاءه صوته هادئًا من الطرف الآخر، على عكس الفوضى التي تعصف بأرسلان:
ـ يلَّا جهز...ولَّا أنزل أنا؟ هروح أصلِّي في الحرم ونخرج من هناك..أنا هقفل التليفون.
ـ ماشي.
خرجت الكلمة باهتة، خالية من أي حياة.
ـ يعني هتيجي معايا ولَّا أنزل أنا؟
ـ روح إنتَ...
صمت لحظة، ثم سأل إلياس:
ـ ماما والبنات فين؟
أغمض أرسلان عينيه، يحاول أن يجعل صوته طبيعيًا:
ـ مبيِّتين في الحرم.
ـ خلاص ماشي...صوتك ماله، إنتَ لسه صاحي من النوم؟
ابتلع أرسلان غصَّته، وحاول أن يخرج ضحكة خافتة لم تستطع الوصول إلى صوته:
ـ آه...هقفل علشان أدخل آخد شاور قبل ما أنزل.
ـ ماشي.
تمتم بها إلياس، ثم أغلق الهاتف.
ظلَّ أرسلان يحدِّق في شاشة هاتفه السوداء لثوانٍ طويلة.
رفع عينيه إلى السماء، وصوته خرج هامسًا مبحوحًا:
ـ أعمل إيه يارب؟
ارتعشت شفتاه:
ـ يارب احمينا...يارب.
لم ينتظر أكثر، أعاد فتح هاتفه واتَّصل بمالك.
ما إن جاءه الرد حتى قال دون مقدِّمات:
ـ وصلت لحاجة؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم جاءه صوت مالك من الطرف الآخر، وأنفاسه متسارعة:
ـ أرسلان...الوضع مش كويس خالص.
تجمَّد أرسلان:
ـ يعني إيه؟
ـ أنا مش عارف أتصرَّف.. دول مش مصريين، فيه واحد اسر ضربه
أغمض أرسلان عينيه، وضغط أصابعه على جبينه..
حتى مالك...الذي كان ينتظر منه حلًّا، لم يعد يعرف ماذا يفعل.
ـ اهدى...عمُّو إسحاق هيجيلك، شوفوا الكاميرات، يمكن توصلوا لحاجة، أنا هقفل التليفون، مش عايز إلياس يشمِّ خبر.
صمت لحظة، ثم خرجت الكلمات منه بصعوبة:
ـ مالك...أنا عاجز ومش عارف أتصرَّف أنا كمان.
ابتلع ريقه:
ـ أكيد إسحاق هيتصرَّف لحدِّ ما نرجع.
ثم قال بصوتٍ متقطِّع:
ـ خلِّي بالك من الباقيين، راقب بلال وآسر...عينك ما تسبهمش.
ـ حاضر.
ـ وأي حاجة تتقال تاخد بالك منها...كل اللي تقوله، منعرفش مين، فاهمني؟
ـ فاهم.
ـ لو زنقوك بالكلام، قولُّهم ممكن يكون شغل إلياس وأرسلان القديم.
تساءل مالك:
ـ أرسلان...
ـ إيه؟
ـ الحيوان ده ممكن يئذي يوسف؟.
توقَّفت أنفاس أرسلان.
وكأنَّ الجملة كانت الشيء الوحيد الذي لم يسمح لنفسه بالتفكير فيه.
قبض يده بقوة حتى ابيضَّت مفاصل أصابعه، وشعر بقبضة تعتصر فؤاده.
ـ معرفش...
خرجت الكلمة متقطِّعة.
ثم حاول أن يجمع أفكاره:
ـ بس هوَّ عارف بيعمل إيه.
رفع رأسه، وتاهت عيناه بالأرجاء:
_أظن راح ليوسف علشان قوِّة إلياس. مش عايز يوسف...أكيد عايز يوقَّع إلياس.. رسالته معناها كدا
صمت، ثم قال بصوتٍ أكثر ارتباكًا:
ـ اللي فهمته من سارة، كان فاكر إن يزن هوَّ اللي بيحرَّك كلِّ حاجة.
مرَّر يده على وجهه بعجز:
ـ دماغي واقفة يا مالك...مش عارف أفكَّر، حقيقي مش عارف.
ـ خلاص...خلاص، متشيلش هم.
حاول مالك أن يثبِّته:
ـ إن شاء الله ربِّنا يحميه.
أغمض أرسلان عينيه:
_أكيد مش هيئذيه، لو عايز يئذيه كان موِّته في وقتها، أنا متأكِّد إنُّه عايز حاجة تانية.
حمحم مالك وقال:
_فيه حاجة كمان...قالها وتابع:
_حاولوا يقتلوا آسر، بس الحمدلله عدِّت.
_إيه...ازاي؟!
قصَّ مالك ما صار حسب أقوال آسر.
صمت للحظات وتساءل بعيونٍ شاردة:
_طيب بلال...
_لا...معملوش حاجة معاه.
قطَّب جبينه وعشرات الأسئلة تضرب عقله حتى كاد أن ينفجر.
بمنزل أرسلان..
انهارت ضي تمامًا.
لم تعد دموعها تنزل في صمت، بل انفجر بكاؤها بعنف، حتى اختنق صوتها من كثرة الشهقات، حاولت رولا احتضانها وتهدئتها، وبلال يتنقَّل بينهما عاجزًا عن فعل شيء.
ـ ضي...حبيبتي اهدي، إن شاء الله يوسف هيرجع.
لكنَّها لم تكن تسمعه.
كانت كلَّما حاولت رولا تهدئتها، ازداد بكاؤها:
ـ يوسف...يا رولا...يوسف فين؟
لم يجد بلال أمامه سوى أن يحقنها بمهدِّئ.
وبعد دقائق طويلة من البكاء والمقاومة، بدأت أنفاسها تهدأ تدريجيًا، حتى استسلم جسدها للإرهاق وغفت.
تنفَّس بلال أخيرًا.
جلس بجوارها، يراقب وجهها الشاحب، ثم مرَّر أصابعه بين خصلاتها بحنان، وطبع قبلة طويلة على جبينها.
ـ أوعدك حبيبتي...هيرجع بالسلامة.
انحنى أكثر، وهمس وكأنَّه يقسم لها:
ـ ولو هقلب الدنيا عاليها واطيها... هجيبهولك.
ابتعدت رولا بعد أن وضعت طفلها في الفراش، واتَّجهت إليه بخطواتٍ متردِّدة:
ـ بلال...
رفع عينيه إليها:
.
ـ إيه اللي بيحصل، وإزاي الناس دي دخلت الكمبوند وخطفوا يوسف؟
مرَّر يده على وجهه:
ـ معرفش...معرفش يا رولا.
هزَّ رأسه بعجز:
ـ أنا تايه...وقلبي وجعني..
إزاي قدروا يخترقوا الأمن؟!
نهض فجأة، وبدأ يتحرَّك في المكان بعصبية:
ـ دي مصيبة يا رولا...مصيبة!
ضرب كفِّه في الهواء بعجز:
ـ ده أمن شركة من أقوى الشركات! إزاي يُخترق بالشكل ده؟ يبقى فيه حاجة غلط...حاجة كبيرة غلط.
اقتربت منه رولا وربتت على كتفه:
ـ طب اهدى...عمُّو إسحاق برَّة والشرطة مالية المكان، لازم أروح أشوف آسر، هوَّ مضروب بالنار.
توقَّف بلال، ثم مسح على وجهه وأومأ:
ـ متتأخريش.
نظر إلى الطفل النائم:
ـ يا إمَّا تاخدي يوسف معاكي.
ـ بس هوَّ نايم.
التفت إليها بحدَّة، والخوف واضح في عينيه:
ـ رولا...متشغلنيش بيوسف، علشان خاطري.
صمت لحظة، ثم خرج صوته مكسورًا:
ـ أنا دماغي واقفة...مش في حمل آخد بالي منه، لازم أخرج وأشوف وصلوا لإيه.
فهمت رولا حالته، فأومأت بهدوء:
ـ خلاص...اهدى.
ثم نظرت ناحية ضي:
ـ أنا كمان قلبي مقبوض على يوسف. ربِّنا يستر وما يأذوهوش.
ابتلع بلال غصَّته:
ـ يارب...
ـ يارب...أنا حاسس قلبي هيوقف من الخوف.
ثم خرج مسرعًا، متَّجهًا نحو مركز قيادة أمن الكمبوند.
لم يعد المكان يشبه مركزًا أمنيًا عاديًا.
كان أشبه بغرفة عمليات في قلب معركة.
أفراد الأمن يتحرَّكون بسرعة، أوامر حادَّة تتقاطع في كلِّ اتجاه، أجهزة اتِّصال لا تهدأ، رجال شرطة ينتشرون في الممرَّات، واجتماعات طارئة تُعقد واحدة تلوَ الأخرى.
أمَّا الشاشات الكبيرة، فكانت تعرض تسجيلات الكاميرات لحظة بلحظة.
كل شيء كان يقول أنَّ هناك اختراقًا خطيرًا
دلف بلال إلى المكان، شعر بالاختناق من كثافة التوتُّر.
اتَّجه نحو إسحاق الذي، وقف أمام الشاشات، ويداه خلف ظهره، ملامحه جامدة بصورة مخيفة.
لم يكن يصرخ.
لم يكن يسأل عشرات الأسئلة.
كان فقط يراقب.
وعندما يتحدَّث، كان الجميع يصمت.
وقف مالك إلى جواره، يتلقَّى التعليمات وينقلها بسرعة إلى رجال الأمن:
ـ اقفلوا كل البوَّابات الفرعية، ومحدش يدخل أو يخرج من غير مراجعة كاملة.
ـ حاضر يا باشا.
ـ عايز سجِّل الدخول والخروج كامل من آخر أربع وعشرين ساعة قدَّامي خلال عشر دقايق.
ـ تحت أمرك.
ـ وكلِّ واحد كان موجود في الأمن وقت الاختراق يتحط اسمه قدَّامي...واحد واحد.
توقَّفت إحدى الصور على الشاشة.
اقترب إسحاق خطوة.
كان التسجيل يعرض مكانًا داخل الكمبوند، والنيران تلتهمه.
ثبتت عيناه على المشهد.
سكت للحظات.
ثم قال بصوتٍ منخفض، لكنَّه جعل المكان كلَّه يصمت:
ـ مالك.
ـ نعم يا باشا؟
أشار إلى الشاشة دون أن يرفع عينيه عنها:
ـ هاتلي المسؤولين عن المكان ده.
تردَّد مالك لحظة:
ـ الاتنين يا باشا؟
رفع إسحاق عينيه إليه.
نظرة واحدة فقط.
ـ قلت المسؤولين...يعني عايز كلِّ واحد له علاقة بالمكان ده من أوَّل اللي بيديره لحدِّ آخر فرد دخل المكان.
ـ تحت أمرك يا باشا.
تحرَّك مالك فورًا.
أمَّا إسحاق، فظلَّ واقفًا أمام الشاشة.
النيران انعكست على وجهه، لكن ملامحه لم تتحرَّك.
ثم قال ببرودٍ مخيف:
_هنلاقيه
التفت إليه بلال:
ـ يعني إيه؟
رفع إسحاق عينيه إليه ببطء:
ـ كان بيوصِّلنا رسالة.
اقترب خطوة أخرى من الشاشة، وعيناه تضيقان وهو يعيد النظر في التسجيل:
ـ يا ترى..ليه الخطف؟.
ثم استدار إلى رجاله:
ـ من اللحظة دي...محدش يتحرَّك من مكانه من غير ما أعرف.
بعد فترة
تحرَّك متّّجهًا إلى مديرية الأمن، ليصل إلى آخر التطوُّرات، مع سجلّ كامل للتسجيلات.
تحرَّكت الجهات المعنية كلَّها بعد ذهاب إسحاق إلى المديرية.
بمكان معتز..
رفع أحدهم الهاتف:
_جبنا الدكتور يا باشا، بس معرفناش نجيب المحامي.
_أحسنت...لا يهم...الأهم الطبيب.
اتَّجه بنظره للرجل:
_لقد تمَّت المهام بنجاح، احضر جميع أوراقك.
_طيب أفهم هنكسب إيه؟.
نفث دخان سجائره، وزمَّ شفتيه بابتسامةٍ ساخرة:
_إزاي بقى، دا الحل في كل مشاكلنا..
الأوَّل حقِّي هرجَّعه، ثانيًا ودا الأهم همسح كلِّ القضايا اللي اتعملت لي
ثالثًا...ضربة قاضية لشركة الشافعي الأمنية، وضربة لإلياس نفسه، أنا كنت بلف حول دايرة مقفولة، بس إنتَ كنت صح، يزن مجرَّد كمالة عدد، وإلياس المدبِّر في كلِّ حاجة.
_أيوة...بس مفهمتش، إنتَ مالك مع يزن؟.
نفث دخان سجائره:
_إيه يا متر دا ذكاءك اللي عجبني، أنا كدا أخدت كل حاجة، يزن مكنتش هستفاد منه.
أنا كان لازم أكسر عقل العيلة المفكِّر والمدبِّر، وإلياس لو وقع الكلِّ هيقع، دول مجرَّد كمالة عدد زي ماقولت لك.
_لا..لا..آسف يا معتز باشا، إنتَ كدا فتحت نيران وهتحرقنا كلِّنا.
أطلق ضحكة صاخبة:
_ممكن توفَّر نصايحك لنفسك، وتجهَّز أوراقك، وعايز طيَّارة خاصَّة تكون جاهزة، علشان هسافر بيها.
_أكيد بتهزَّر!.
_وحياتك ما بهزَّر، ومش بس كدا، إلياس نفسه اللي خايف منه دا هوَّ اللي هيبعت التيكت باسمي.
نهض المحامي يغلق سترته ويهزُّ رأسه باعتراض:
_أتمنى..تحقَّق انجازاتك، بس نسيت معلومة مهمَّة، أرسلان دا ما بيرحمش، وزي ما قولت إلياس العقل المدبِّر، بس أرسلان اللي بيحرَّك الكل، ومتأكِّد مش هيسيبك تعمل كدا.
انحنى ينظر إليه:
_إنتَ ضربت اسم العيلة، وخطفت ابن الكبير، تفتكر هيقعدوا يتفرَّجوا عليك.
اقترب بجسده منه ينظر لعينيه:
_طيب لو نجحت، تعرف هعمل إيه، هاخد كل حساباتك، شكلك نسيت مين هوَّ معتز يا متر، إنتَ تجهِّز الورق وبس، ما لكش دعوة بالباقي.
تحرَّك المحامي بعض الخطوات إلى أن أوقفه:
_بكرة العيد عندكم صح، وعارف إنُّكم بتدبحوا عجول، ادبح على قدِّ ما تزهق، غرَّق المكان لحمة، لازم نحتفل مكان عيلة الشافعي الحرامية.
أومأ الرجل وتحرَّك دون النطق بحرفٍ واحد.
دلف أحد الرجال إلى الغرفة، وانحنى قليلًا أمام معتز:
ـ باشا...الدكتور وصل.
رفع معتز عينيه ببطء، وارتسمت على فمه ابتسامة باردة خالية من الرحمة:
ـ هاتوه...عايز أستمتع.
لم تمر سوى دقائق معدودة، حتى دلف يوسف إلى المكان محاطًا بأحد الرجال، الذي دفعه بعنف إلى الداخل.
استدار يوسف إليه في اللحظة ذاتها، ولم يمنح الرجل فرصة ليكرِّر دفعته، إذ استدار يوسف وصفعه بقوة جعلت الرجل يتجمَّد لثانية، وكأنَّ عقله احتاج وقتًا ليستوعب أنَّ الرجل الذي جاء به مقيَّدًا تجرَّأ على رد الإهانة.
اندفع الرجل نحوه غاضبًا، وكاد يهجم عليه، لكن صوت معتز أوقفه:
ـ بيتر...توقَّف.
تراجع الرجل على مضض.
رفع معتز عينيه إلى يوسف، ثم قال ببرود:
ـ سيبه...أنا هتصرَّف.
مسح يوسف بكفِّه على موضع ثيابه الذي لامسته يد الرجل، وكأنَّه يتخلَّص من أثر شيء مقزِّز، ثم رفع عينيه إلى معتز.
كان وجهه ساكنًا.
ـ تتصرَّف في إيه...يا جبان؟
تبدَّلت ملامح معتز للحظة.
تقدَّم الرجل منه ولكزه بعنف في صدره.
ثبت يوسف مكانه، ثم أدار وجهه إليه ببطء شديد..لم يرفع صوته..
لم يتراجع بل قال، بنبرة قاطعة:
ـ إيدك يا حيوان.
اقترب منه الرجل مهدِّدًا:
ـ اتكلِّم عدل يلا.
ضحك يوسف ضحكة باردة
ثم التفت إلى معتز، متجاهلًا الرجل تمامًا:
ـ عرَّف الصبي بتاعك هوَّ بيتكلِّم مع مين.
صمت لحظة، ثم تابع:
ـ الدكتور يوسف الشافعي.
رفع عينيه بثبات:
ـ ابن إلياس الشافعي...وحفيد مصطفى السيوفي.
ـ وأعتقد إنَّك عارف معنى الاسم ده كويس.
اقترب يوسف خطوة، رغم الرجال المحيطين به:
ـ عارف إنِّ اللي واقف قدَّامك مش واحد من رجَّالتك...ولا واحد جاي تستعرض عليه قوِّتك.
ثم أضاف بنبرة أكثر انخفاضًا:
_انا ابن راجل تتمنى بس تسلِّم عليه.
انحنى ينظر لمقلتيه:
ـ انا قبل ما أكون ابن الياس أنا تربية مصطفى السيوفي، اللي زيك، لو قضى عمره كلُّه يحاول يوصل للمكان اللي اتربيت فيه...مش هيعرف.
انفجر معتز بضحكة عالية، صاخبة، لكنَّها لم تُخفِ شيئًا من التوتُّر الذي ظهر بعينيه.
قهقه طويلًا، ثم أشار إلى المقعد.
تركه يوسف يضحك، وجلس بهدوء..
وضع ظهره إلى المقعد، وكأنَّه لم يُختطف، وكأنَّه لم يكن محاطًا برجالٍ مسلَّحين.
وكأنَّ المكان كلِّه لا يعني له شيئًا.
راقبه معتز لثوانٍ، ثم نهض واقترب منه:
ـ لا...قلبك جامد يا ابن إلياس.
رفع يوسف عينيه إليه:
ـ وأنا أخاف من واحد جبان ليه؟
توقَّفت ابتسامة معتز.
تابع يوسف بهدوء:
ـ اللي يتهجِّم على بيت ناس، ويجيب رجَّالة بالسلاح شوية مرتزقة يحموه..
مال برأسه قليلًا وغرس عينيه بعيني معتز:
ـ ده واحد جبان...فرحان بالسلاح اللي معاه.
اقترب معتز منه أكثر:
ـ مش خايف أموِّتك؟،
ـ لا.
قالها يوسف ببساطة.
رفع يوسف عينيه إليه، ولم تتغيَّر ملامحه:
ـ تقدر تعمل اللي ربِّنا كاتبهولي.
أمسك معتز سلاحه، وأخرجه ببطء، ثم وجَّهه مباشرة إلى صدر يوسف.
تحرَّك الرجال في الغرفة قليلًا، بينما ظلَّ يوسف في مكانه.
رفع معتز السلاح حتى استقرَّت فوهته أمامه:
ـ عايز أشوف شجاعتك دي وأنا بموِّتك.
لم يتحرَّك يوسف.
بل عاد بظهره إلى المقعد أكثر، وكأنَّه يهيِّئ نفسه للجلوس براحة.
ثم قال:
ـ طب أعتدل كده.
عقد معتز حاجبيه:
ـ إيه؟
ـ لازم أعتدل...علشان تعرف تنشِّن كويس.
وأشار إلى صدره:
ـ لو ناوي تضرب...حاول تصيب القلب.
صمت لحظة، ثم قال ببرود شديد:
ـ وخد بالك...القلب جهة الشمال.
تشنَّج فكُّ معتز:
ـ يعني مش خايف؟
رفع يوسف ساقًا فوق الأخرى، ونظر إلى السلاح ثم عاد بعينيه إلى معتز:
ـ وأخاف ليه؟
اقتربت الفوهة أكثر.
لكن يوسف لم يرمش حتى:
ـ هوَّ عمري بإيدك علشان أخاف منك؟
ساد صمتٌ ثقيل:
ـ عمري مش بإيدك.
لأوَّل مرَّة، تلاشت السخرية من وجهه.
تابع يوسف:
ـ لو ربِّنا كتب إنِّ عمري ينتهي هنا... هينتهي.
ثم مال برأسه قليلًا:
ـ ولو كتبلي أعيش، مش هتقدر تلمسني حتى لو جبت كلِّ رجالتك.
نهض يوسف من مقعده ببطء.
تحرَّك أحد الرجال نحوه، لكن معتز رفع يده يمنعه.
وقف يوسف أمامه مباشرة.
لم يكن في عينيه تحدٍّ أجوف.
ـ أنا ممكن أخاف.
سكت لحظة:
ـ آه...أخاف.
ثم انخفض صوته:
ـ بس في حاجة واحدة بس.
أنزل معتز السلاح قليلًا دون أن يشعر.
ـ أخاف أقابل ربِّنا وأنا عاصيه.
ثبَّت يوسف عينيه في عينيي معتز:
ـ أخاف أموت وأنا ظلمت حد...أو أذيت حد...أو خذلت حد ربِّنا ائتمنني عليه.
ثم اقترب منه حتى لم يعد بينهما سوى خطواتٍ قليلة:
ـ إنَّما أخاف منك؟
هزَّ رأسه ببطء:
ـ لا.
كانت الكلمة بسيطة...
لكنَّها خرجت أثقل من أي صرخة:
ـ إنتَ ممكن تقتلني، آه.
ـ ممكن تعذِّبني..ممكن تعمل أي حاجة في جسمي.
رفع يوسف عينيه إلى السلاح:
ـ لكنَّك مش هتقدر تعمل حاجة واحدة...
عاد ينظر إلى عيني معتز:
ـ مش هتقدر تخلِّي يوسف الشافعي يخاف منك.
كان معتز يتابعه بصمت، اقترب يوسف أكثر، ثم قال بنبرة هادئة تحمل هيبة اسم تربَّى عليه صاحبه منذ طفولته:
ـ لأن اللي قدَّامك مش يوسف وبس.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، خالية تمامًا من الخوف:
ـ اللي قدَّامك يوسف إلياس الشافعي.
وتابع:
ـ ابن راجل علِّمني إنِّ القوة عمرها ما كانت في إنَّك تضرب الأضعف منك...
ـ القوة إنَّك تقدر...وما تظلمش.
ثم أضاف:
ـ وحفـيد مصطفى السيوفي، اللي علِّمني إنِّ الاسم الكبير مش معناه إنِّ الناس تخاف منك...
اقترب أكثر، حتى أصبحت كلماته همسًا:
ـ معناه إنَّك تخلِّي الناس تحترمك حتى وإنتَ مش موجود.
ثبَّت عينيه عليه للحظات:
ـ فلو إنتَ جاي هنا علشان تكسرني...
ابتعد يوسف خطوة، ثم قال ببرود:
ـ وفَّر مجهودك.
ثم استدار نحو المقعد وعاد للجلوس، وكأنَّ شيئًا لم يحدث.
ـ لأنَّك اخترت الشخص الغلط تمامًا علشان تثبت لنفسك إنَّك أقوى من إلياس، بس عمرك ما تعرف توصلُّه، ممكن تخطيطك القذر يخيلَّك إنَّك فوزت عليه، بس عمرك ما توصل لمكانة إلياس.
تبادل الرجال النظرات..فصاح معتز غاضبًا:
_خدوه من قدَّامي.
أشار إليهم:
_اللي هيلمسني...هقطع إيده، مش عايز ايد قذرة تلمسني..
أنا همشي معاكم برجلي، ومش خايف منكم ولا من اللي مستنيني.
توقَّف للحظة، ثم استدار نحو معتز، يرمقه بنظرة تحدٍّ لم تستطع القيود أن تنتزعها من عينيه:
_معرفش إنتَ مين...ولا عايز مني إيه، بس قبرك بيتحضَّر من دلوقتي.
ارتسمت على شفتي معتز ابتسامة باردة، ساخرة، كأنَّ تهديده لم يكن سوى مزحة ثقيلة لم تستحق حتى أن تثير غضبه.
رفع يده بإشارة مقتضبة:
_خدوه.
اندفع الرجلان نحوه، فتراجع يشير بتحذير:
_همشي لوحدي...اقتاده الرجلان إلى الخارج، بينما ظلَّ يحدِّق في معتز حتى اختفى خلف الباب.
ما إن أُغلق الباب، حتى استرخى معتز في مقعده بهدوءٍ مخيف.
فتح حاسوبه، وبدأ يتنقَّل بين الملفَّات.
صور...تسجيلات...تحرُّكات...وجوه أفراد العائلة واحدًا تلوَ الآخر.
ظلَّ يحدِّق في الشاشة طويلًا، حتى توقَّفت عيناه عند أحد المشاهد.
ابتسم..ابتسامة لم تحمل فرحًا، بل وعدًا صامتًا بمزيد من الخراب:
_هجيبك...متقلقيش.
طرق بأصابعه على سطح المكتب ببطء، ثم التقط هاتفه الذي بدأ يرن:
_أيوه؟
جاءه صوت الرجل من الطرف الآخر متوتِّرًا:
_معتز باشا...فيه واحد في كمبوند الشافعي اسمه إسحاق الجارجي، قالب الدنيا..بيدوَّر ورا اللي حصل، وسأل عن ناس كتير، ومش سايب حد.
ضحك معتز ضحكة باردة:
_سيبه يقلِّب براحته.
صمت لحظة، ثم أضاف بنبرة واثقة:
_مش هيوصل لحاجة.
نهض من مكانه، واتَّجه نحو النافذة، يراقب الظلام:
_أنا عايز خط تليفون جديد...وبعدها تعمل بالظبط اللي هقولَّهك عليه.
_تحت أمرك يا باشا.
أغلق معتز الهاتف وهو يدندن.
في الجهة الأخرى...
كان الليل يهبط على بيت الشافعي ثقيلًا، كأنَّه يحمل فوق صدره كل أحزان اليوم.
مضى يوم وقفة عرفة...
اليوم الذي كان يُفترض أن تمتلئ فيه القلوب بالدعاء والرجاء، مرَّ عليهم بأنين القلوب، ودموعٍ لم تجد طريقًا للجفاف.
في غرفة ضي...
كانت مستلقية على الفراش، شاحبة الوجه، غارقة بين النوم والوعي.
كلَّما فتحت عينيها، بحثت عنه.
وكأنَّ عقلها، رغم كل ما حدث، ما زال يرفض تصديق غيابه.
فتحت عينيها فجأة، وانتفض جسدها، ثم راحت تبحث بعينيها في أرجاء الغرفة:
_يوسف...
خرج اسمه من بين شفتيها مبحوحًا، ضعيفًا، لكنَّه كان يحمل من الوجع ما يكفي ليكسر قلب من يسمعه:
_يوسف فين؟
حاولت النهوض، لكن جسدها خانها.
انهارت دموعها:
_عايزاه...حد يجيبلي يوسف.
اقترب منها بلال سريعًا، وأمسك بيدها:
_ضي، اهدي...عشان خاطري اهدي.
لكنَّها لم تكن تسمعه.
كانت تبكي كطفلة فقدت أمانها الوحيد.
_هوَّ فين يا بلال؟.عايزة جوزي.
تعلَّقت أصابعها بيده، بينما كانت شهقاتها تتقطَّع:
_قولولي إنُّه كويس...قولولي بس إنُّه كويس.
لم يستطع بلال الإجابة.
فحقنها بالمهدِّئ مرَّةً أخرى، وهو يحاول أن يخفي ارتجاف يده.
بدأت عيناها تثقلان شيئًا فشيئًا، وظلَّت تتمتم باسمه حتى غلبها النوم.
_يوسف...ثم سكنت.
جلس بلال إلى جوارها، يراقب وجهها المنهك، ومسح دموعها التي ظلَّت عالقة على وجنتيها.
أمَّا قلبه، فكان يصرخ بداخله..
بمنزل آسر
جلست إلى جواره منذ أن غادر الطبيب، وعيناها لا تفارقان وجهه الشاحب.
كان الطبيب قد أحضره يزن بعد رفض اسر الذهاب للمشفى،بأن الامر لا يستدعي الخوف ، أخرج الرصاصة من ذراعه بصعوبة، ثم نظّف الجرح وأغلقه، وأعطاه بعض الأدوية والمسكنات، محذرًا إياها من أن الساعات القادمة لن تكون سهلة.
فمنذ أن غادر الطبيب وهي تراقبه بصمت، كلما تحرك قليلًا انتفض قلبها، وكلما تأوه شعرت وكأن الألم يخترقها هي.
مدت يدها تتحسس جبينه، فتجمدت ملامحها.
كان ساخنًا بصورة أخافتها.
ـ آسر...
لم يجب.. اقتربت أكثر، وضعت كفها على جبينه مرة أخرى، ثم على عنقه، وكأنها تحاول إقناع نفسها أن ما تشعر به ليس حقيقيًا.
لكن حرارته كانت ترتفع.
أسرعت إلى الحمام، عادت بقطعة قماش مبللة بالماء البارد، وجلست بجواره من جديد، تضعها فوق جبينه وهي تراقب أنفاسه الثقيلة.
ـ آسر... حبيبي، افتح عينيك.
تحرك قليلًا، وانقبض وجهه من الألم.
ـ هممم...
فتحت عينيه بصعوبة، نظر إليها للحظات وكأنه يحاول استيعاب وجودها، ثم أغلقهما من جديد.
ارتجف صوتها وهي تمسح العرق عن جبينه.
ـ متخوفنيش عليك... كفاية اللي حصلك.
رفعت يدها إلى شعره، أبعدته عن جبينه، ثم بدلت الكمادة بأخرى أبرد.
كان جسده ساخنًا، بينما أطراف أصابعه باردة.
ازدادت دقات قلبها.
ـ ليه حرارتك بتعلى كده؟
نظرت إلى ذراعه الملفوفة بالشاش، فرأت بقعة صغيرة من الدم قد بدأت تظهر من جديد.
شهقت، ووضعت يدها فوق فمها للحظة.
لم تكن تخاف من الدم...
كانت تخاف من فكرة أن تفقده.
اقتربت منه أكثر، أمسكت يده السليمة بين كفيها، وضغطت عليها بقوة.
انحدرت دمعة ساخنة على خدها، لكنها أسرعت بمسحها، وكأنها لا تملك رفاهية الانهيار الآن.
ثم عادت تضع الكمادة على جبينه، تراقب وجهه في خوف، بينما كان هو غارقًا بين الوعي والغيبوبة، وأنفاسه تتثاقل شيئًا فشيئًا.
ولأول مرة، بدأ الخوف الحقيقي يتسلل إلى قلبها.
استمعت الى طرقات على الباب، ازالت دموعها سريعًا، واتجهت الى الباب وفتحته
_ماما.. الحقيني، جسمه سخن اوي
دلفت ايمان، ورحيل للداخل، ركضت رحيل اليه،
_ماله
فحصته ايمان، ثم قالت
_متقلقويش دا عادي حبيبتي
اعطته ايمان ابرة مسكنة، ثم وضعت على جبينه خافض الحرارة
_شوية وحرارته هترجع طبيعية، روحي ارتاحي شوية وأحنا هنفضل جنبه
_لا.. ياماما، روحو انتو، انا هفضل جنبه
_طيب حبيبتي، لو اي حاجة كلميني
جلست رحيل بجوار ابنها، وانحنت تقبل جبينه
_حبيبي... الف سلامة عليك
ارتفع رنين هاتفها
_ايوة يارولا
_ماما... تعالي مع يوسف شوية
_حاضر حبيبتي
نهضت وهي تنظر الى ابنها
_رولا عايزاني... رفعت عيناها لاسيا
_خلي بالك منه حبيبتي
_حاضر، غادرت رحيل
بينما جلست ايمان تتابعه لبعض الدقائق
_حرارته نزلت، وبقى كويس، همشي أنا بقى، وزي ماقولت لك، اتصل لو احتجتي
_حاضر.. تحركت بعض الخطوات، ثم استدارت تنظر الى ابنتها التي جلست بجوار زوجها، تتابعه بعينٍ يقظة
تراجعت خطوة وقالت
_خايفة عليه يااسيا
رفعت رأسها تنظر لوالدتها، ودون ان تتجمل بالرد
_اوي اوي ياماما، حاسة قلبي هيوقف لو حصله حاجة
ابتسمت ايمان تمسد على خصلات ابنتها
_يبقى بتحبيه يابنت كريم، امال ليه تاعبة قلبك وقلبه وقلبنا معاكي
انسابت دموعها، تنظر اليه بصمت، ربتت ايمان على كتفها
_اليوم اللي بيعدي مابيرجعش تاني، عيشي يومك أول بأول مع حبيبك، اسرقي من الدنيا سعادتك، ولو اسر غلط، اتصافوا مع بعض، بلاش تضيعوا الايام في العتاب
شهقة خرجت من قلبها قبل شفتيها، تلقي نفسها بأحضان والدتها
_بحبه اوي ياماما، بس مش قادرة انسى انه كسر قلبي، كسر قلبي ووجعني اوي ياماما
ضمتها ايمان بحنان
_وندم حبيبتي، واعتذر، وحاول يحافظ عليكي، عارفة ان طريقته كانت غلط، بس بيحارب علشانك، دا بيموت فيكي
ابتعدت عن احضان والدتها تزيل دموعها بضهر يدها
_متأكدة ان الرصاصة دي مش هتأذي دراعه ياماما
ابتسمت تلكزها
_يمكن تأذيه... لو ملقاش شوية حنية يابنت كريم
نهضت وقالت
_همشي بقى، سدن لوحدها، وبقت مرعوبة بعد اللي حصل
_ليه بابا فين
_كلموه في المستشفى، لو احتجتي حاجة كلميني تمام
قرصت وجنتيها بحنان
_خلي بالك من جوزك حبيبتي
اومأت لوالدتها... فغادرت والدتها دون حديث اخر، بينما هي اتجهت اليه
قامت بتبديل الكمادة الباردة، شعرت برجفة بجسده، تمدد بجواره، تضع رأسها فوق رأسه، ولفت ذراعيها حول جسده
ـ آسر...لو حصلَّك حاجة أنا هموت.
رفرفت أهداب آسر عدَّة مرَّات، تبعها تأوُّه خافت خرج من بين شفتيه. رفعت آسيا رأسها سريعًا، لتجد عينيه تنفتحان ببطء، حتى التقت عيناه بعينيها.
ظلَّ يتأمَّلها للحظات، وكأنَّ أوَّل ما بحث عنه حين عاد إليه وعيه...كان وجهها.
مدَّت يدها، مرَّرت أطراف أصابعها بحنان على وجنته:
ـ حاسس بإيه؟
ابتسم رغم الألم:
ـ كويس.
اقتربت منه، وأسندت جبينها إلى جبينه، وهمست بصوتٍ مرتجف:
ـ لو حصلَّك حاجة...هموت يا آسر.
رفع ذراعه السليمة بصعوبة، ووضعها فوق رأسها، وأخذ يمسِّد على شعرها ببطء:
ـ يا رب ما تكونيش مصدَّعة.
ابتعدت عنه تنظر إليه بذهول، ثم لكزته في كتفه بخفَّة وهي تضحك وسط دموعها:
ـ هوَّ إنتَ إيه يا بني آدم؟! حتى وإنتَ عيَّان...مستفز!
ضحك بخفوت، ثم تأوَّه عندما تحرَّكت ذراعه المصابة:
ـ بحبِّك أوي يا آسيا.
توقَّفت ضحكتها.
نزلت دمعة وحيدة على وجنتها، فمسحتها سريعًا، قبل أن تقترب منه وتهمس:
ـ وآسيا بتحبَّك أوي...يا حبيب آسيا.
أغمض عينيه لحظة، وكأنَّ كلماتها أصابت قلبه أكثر من أي شيء آخر.
ثم رفع ذراعه بتأوُّه متعمَّد:
ـ يارب البتِّ دي هتموِّتني...بتغريني بالكلام وأنا أصلًا بموت.
اتَّسعت عيناها، فدفنت وجهها في عنقه وهي تبكي:
ـ إياك تجيب سيرة الموت دي...حتى لو بهزار، سمعتني؟
ولكمته بخفَّة على صدره.
ـ آه!
انتفضت مبتعدة عنه فورًا:
ـ آسفة حبيبي! والله ما كنت أقصد.
ظلَّ يراقبها للحظات، ثم ضيَّق عينيه بمكر:
ـ متأكِّدة إنِّك مش مصدَّعة؟
حدَّقت به بعدم تصديق:
ـ مش مصدَّقني؟
هزَّ رأسه نافيًا.
ـ طيب...أأكدلك إزاي؟
ابتسم وهو يمدُّ يده إليها:
ـ بوسيني.
توقَّفت كفَّاها في الهواء، واتَّسعت عيناها للحظات:
ـ آسر...
ـ عشان أتأكِّد إنِّك واعية بس.
رمقته بنظرة عتاب، لكنَّه ظلَّ يبتسم لها، وكأنَّ إصابته وحرارته وألمه كلُّهم تراجعوا أمام لحظة قربها منه.
انحنت نحوه.
كانت قبلتها الأولى خجولة، مرتجفة، تحمل كلَّ خوف الساعات الماضية... لكنَّه ما إن شعر بقربها حتى تولَّى قبلتها بحنان، وكأنَّه يفرغ فيها كل اشتياقه، كل خوفه من فقدانها، وكل الكلمات التي عجز عن قولها.
ابتعدت عنه ببطء، وأسندت جبينها إلى جبينه.
خرجت منها زفرة خافتة، محمَّلة بكل ما يعصف داخل قلبها.
رفع يده، مرَّر إبهامه على وجنتها:
ـ أعمل إيه علشان أثبتلك إنِّي بحبِّك بجنون؟
رفعت عينيها إليه، ثم هبط بصرها إلى شفتيه قبل أن تعود لتنظر إلى عينيه:
ـ بحاول أنسى...وأمحي أثر اللي حصل لأختي يا آسر.
صمتت لحظة، وانكسرت نبرتها:
ـ محتاجة وقت.
ظلَّ ينظر إليها دون مقاطعة.
ـ أنا مش كارهاك...والله ما أنا كارهاك. بالعكس، أنا بحبَّك...ومجنونة بيك. بس قلبي مكسور، وكل ما أقرَّب منك... حاجة جوَّايا بتفكَّرني بالوجع.
تغيَّرت ملامحه، ومدَّ إصبعه يضعه برفق فوق شفتيها:
ـ ششش...
ثم ابتسم لها بحنانٍ موجوع:
ـ بعد الشرِّ عليكي من الكسرة يا حبيبة آسر.
مرَّر أصابعه على شعرها، وأردف بصوتٍ أكثر دفئًا:
ـ أنا مش هطلب منك تنسي في يوم وليلة...ومش هضغط عليكي علشان تسامحي قبل ما تكوني مستعدَّة.
تأمَّل عينيها طويلًا:
ـ بس أوعديني بحاجة.
ـ إيه؟
ـ ما تبعديش عنِّي وإنتِ بتتعافي.
ارتجف قلبها:
ـ ليه؟
اقترب منها أكثر، وهمس:
ـ علشان لو هداوي قلبك...عايزك تفضلي قدَّامي وأنا بعمل كده.
نزلت دموعها من جديد:
ـ هتداويه إزاي؟
ابتسم، وقبَّل جبينها قبلة طويلة:
ـ واحدة واحدة...يوم ورا يوم، هخلِّيكي تنسي الوجع من غير ما أنسى أنا سببه. وهفضل أفكَّرك كلِّ يوم إنِّك حبيبتي... وإنِّك مش لوحدك.
انكسرت مقاومتها، فدفنت رأسها في صدره، وأغلقت عينيها.
لفَّ ذراعه السليمة حولها، وراح يمسِّد خصلاتها بحنانٍ بالغ، بينما كانت أنفاسها تهدأ شيئًا فشيئًا:
ـ آسر؟
ـ هممم؟
ـ متسبنيش.
أغمض عينيه، وضمَّها إليه أكثر:
ـ عمري ما هسيبك يا آسيا...حتى لو إنتِ اللي طلبتي.
ابتسمت وسط دموعها، واستكانت إلى صدره.
وبين وجع جرحه، ووجع قلبها...
نام الاثنان معًا.
هو يضمُّها وكأنَّه يخشى أن تضيع منه، وهي تستند إلى صدره وكأنَّها المرَّة الأولى منذ زمن...وجدت مكانًا تستطيع أن تبكي فيه دون خوف.
رولا...ادخلي.
دلفت رولا إلى الغرفة بخطواتِ مترددِّة، تساءلت ونبرة القلق بصوتها:
ـ آسر عامل إيه؟
تنفَّست آسيا ببطء:
ـ كويس الحمد لله...هوَّ نايم..حرارته ارتفعت شوية، وماما جت إدتله حقنة، وبعدها ارتاح ونام.
أغمضت رولا عينيها للحظة، ثم هزَّت رأسها وهي تهمس بحمدٍ مرتجف:
ـ الحمد لله...ربِّنا يقوِّمه بالسلامة.
جلست آسيا بجوارها، وظلَّت للحظات صامتة، قبل أن تقول بصوتٍ مثقل بالخوف:
ـ كلِّ ما أفتكر اللي حصل...بترعب.
رفعت رولا عينيها إليها، ولم تجد ما تقوله سوى تنهيدة موجوعة:
ـ ومين سمعك، صعبان عليَّا اللي بيحصل ده...آسر هنا بين إيدينا، وضي حالتها لسه مقلقة...ويوسف...
توقَّفت، وكأنَّ مجرَّد نطق اسمه أصبح مؤلمًا.
ـ يوسف منعرفش عنه حاجة.
ارتجفت شفتا آسيا، وأخفضت عينيها وهي تقول:
ـ التفكير بس إنُّه يحصل له حاجة... بيموِّتنا كلِّنا.
صمتت آسيا للحظات ثم قالت:
ـ طيب...مش المفروض عمُّو إلياس يعرف؟ ده الوحيد اللي يقدر يتصرَّف.
عادت رولا بجسدها إلى الخلف، وأسندت رأسها إلى المقعد، ثم قالت بمرارة:
ـ إزاي بس؟ زمانهم رايحين على عرفات دلوقتي.
مسحت دمعة هربت من عينها سريعًا، ثم تابعت بصوتٍ مبحوح:
ـ أنا تعبانة يا آسيا..تعبانة أوي، ومش قادرة حتى أبكي قدَّام بلال، عشان هوَّ نفسه منهار، ضِي من ناحية...ويوسف من ناحية...وأنا مش عارفة أعمل إيه ولا أساعد مين.
اقتربت آسيا منها، وضمَّتها إلى صدرها، بينما راحت رولا تبكي بصمت، كأنَّها كانت تحتاج فقط إلى حضنٍ يسمح لها أن تنهار دون أن يراها أحد.
ربتت أسيا على ظهرها بحنان:
ـ إن شاء الله هيرجع بالسلامة...يوسف هيرجع، وضِي هتقوم، وآسر هيبقى كويس..إحنا مش ناقصين خوف أكتر من كده.
ابتعدت عنها قليلًا، ومسحت دموعها بإبهامها:
ـ قومي...نصلِّي الفجر، وندعي ربِّنا. يمكن دعوة من قلبنا تكون سبب إنِّ ربِّنا يعدِّي الأزمة دي كلَّها على خير.
أومأت آسيا، لكن قبل أن تنهض، تذكَّرت رولا شيئًا فقالت:
ـ عمُّو مالك قالي أقولِّك...تروحي إنتِ وآسر بيت عمُّو إلياس، قال إنِّنا منعرفش الأيام الجايَّة مخبية إيه، ولا إيه اللي ممكن يحصل.
نظرت آسيا نحو غرفة آسر النائم، ثم قالت بتردُّد:
ـ بس هوَّ نايم دلوقتي...واخد مسكن شديد.
ـ سيبيه يصحى، ولمَّا يفوق حاولي تجيبيه.
نهضت رولا، ثم توقَّفت عند الباب والتفتت إليها:
ـ كلِّنا رحنا هناك...حتى مامتك وسدن. ومامتك قالتلي أقولِّك تيجي إنتِ كمان.
أومأت آسيا، ومسحت وجهها، محاولةً أن تستجمع ما تبقَّى من قوَّتها:
ـ حاضر...أوَّل ما يصحى، نيجي إن شاء الله.
بقصر الجارحي..
بعد أن فرغت دينا من صلاة الفجر، جلست في هدوءٍ تام، ومصحفها بين يديها، تتلو آياته بصوتٍ خافت، تتتظر أن تصلي ركعتي الضحى، لتنول في هذا اليوم حجَّةً وعمرة.
فمن فضل الله على عباده أنَّ من جلس يذكر الله بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، ثم صلَّى ركعتين، نال أجرًا عظيمًا كأجر حجَّة وعمرة تامَّة، كما ورد في الحديث..
فما أعظم أن يبدأ الإنسان يومه بذكر الله، وقلبه معلَّق به، ولسانه لا يفتر عن التسبيح والاستغفار والدعاء.»
"اللهمَّ اجعلنا من الذاكرين، الشاكرين، الحامدين، ياربَّ العالمين"
استمعت إلى طرقاتٍ على باب الغرفة، ثم دخول حمزة:
_ماما ممكن أدخل؟
_ادخل حبيبي.
دلف للداخل، توقَّف أمامها، فأغلقت مصحفها وانتظرت حديثه.
_بابا فين لحدِّ دلوقتي، إيه اللي بيحصل؟ سمعتك بتقولي له الكلِّ كويس.
أشارت إلى الباب بأن يغلقه ثم قالت له:
_فيه هجوم مسلَّح على كمبوند الشافعي، وللأسف، ولَّعوا في جزء منه وخطفوا يوسف.
جحظت أعين حمزة، ولم يستوعب ما استمع إليه:
_حضرتك بتقولي إيه؟!
تنهَّدت وقالت:
_للأسف دا اللي حصل، وأبوك هناك، علشان أرسلان وإلياس في الحج.
قطَّب جبينه متسائلًا:
_معقول عمُّو إلياس، هيقدر يكمِّل وابنه مخطوف، ومين اللي عمل كدا؟.
_لا..اللي فهمته ميعرفش، وباباك قالِّي ما اتكلمش معاكم، حتى قالِّي متخلِّيش شمس تتواصل بأي أخبار، بس أنا عارفة إنَّها نايمة دلوقتي ومعظم وقتها نوم أصلًا.
دار بالغرفة يحدِّث نفسه:
_إزاي دا حصل؟ اختراق شركة أمن..
لا لا..الموضوع كدا خطر!.
نهضت دينا واقتربت منه:
_حمزة...مراتك حامل، وأبوها وأمَّها حتى عمَّها مش هنا، ولو شمِّت خبر بالي حصل لأخوها، ممكن يحصل لها حاجة.
مسح على شعره بعجز ينظر لوالدته بتيه:
_عارف..دي ممكن تروح فيها، يارب إيه اللي بيحصل دا؟!
_لو مش بكرة العيد كنت قولت لك خدها المزرعة.
_أهي العيد دي نفسها مشكلة، هتقولِّي عايزة تروح هناك.
_يمكن من هنا لبكرة أبوك يلاقي يوسف.
تنهَّد وتحرَّك للخارج وهو يتمتم:
_يارب يا ماما.
على جبل عرفات..
أنهت ميرال وردها، ثم أغلقت عينيها للحظات، ترفع كفَّيها بالدعاء، وقلبها معلَّق بالسماء.
فاليوم ليس ككلِّ يوم...
إنَّه يوم عرفة؛ أحد أعظم أيام الدنيا، يومٌ تتنزَّل فيه الرحمات، وتُفتح فيه أبواب الرجاء، ويكثر فيه العفو والمغفرة.
وهنا، عزيزي القارئ، دعني أذكِّرك...
لا تجعل يوم عرفة يمرُّ عليك كأي يوم.
فقد قال النبي ﷺ: «صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده».
فإن استطعت الصيام، فلا تحرم نفسك هذا الفضل العظيم.
وأكثر من الدعاء، فقد قال النبي ﷺ: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة»، ومن أعظم ما يُقال فيه:
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قدير».
لا تبحث عن صيغةٍ مثالية لدعائك... تحدَّث إلى الله بما يسكن قلبك.
قل له عن أمنياتك التي أخفيتها عن الجميع، عن خوفك، عن حزنك، عن ذنوبك التي أثقلت روحك، وعن أبوابٍ أغلقتها في وجهك الدنيا، وتظنُّ أن لا أحد قادر على فتحها.
الله قادر..
فادعُ بيقين، لا بمجرَّد الكلمات.
وأكثر من الاستغفار، والتكبير، والتهليل، والصلاة على النبي ﷺ، واقرأ من القرآن ما تيسَّر لك، وتصدَّق ولو بالقليل، وأصلح ما استطعت من علاقاتك؛ سامح من استطعت، واعتذر لمن أخطأت بحقِّه، واترك في قلبك مساحة للعفو.
فما أجمل أن تستقبل يومًا عظيمًا بقلبٍ أخف من الأمس.
ولا تنسَ أهلك وأحبابك من الدعاء...
فربَّما كان دعاءك في هذه الساعات سببًا في فرجٍ لا تعرفه، وشفاءٍ لمريض، وعودة غائب، ورزقٍ منتظر، وجبر قلبٍ ظنَّ أن الجبر قد تأخَّر.
رفعت ميرال يديها، وانسابت دمعة دافئة على وجنتها، ثم همست:
ـ يارب...في يوم عرفة، أسألك ألَّا تترك في قلبي أمنية إلَّا وحقَّقتها، ولا ذنبًا إلَّا وغفرته، ولا همًّا إلَّا وفرَّجته، ولا مريضًا إلَّا شفيته، ولا غائبًا إلَّا رددته سالمًا إلى أهله...
توقَّفت لحظة، وضمَّت يديها إلى صدرها:
ـ يارب...اجبر قلوبنا جبرًا يليق بكرمك، وبدِّل خوفنا أمنًا، وحزننا فرحًا، وانتظارنا بشارة.
ثم عادت إلى مصحفها، وكأنَّها أدركت أخيرًا أنَّ أعظم ما يمكن للإنسان أن يفعله حين تضيق به الدنيا...
أن يرفع يديه إلى من لا تضيق عنده أبواب السماء، بينما جلست فريدة تهلِّل وتحمد ربَّها، فيما كانت غرام تفتح يدها للسماء تدعو ربَّها بقلبٍ كلُّه يقين...بكلِّ ماتريد
انتهت أيام الحج، وعاد الجميع إلى القاهرة سالمين، بعد رحلةٍ كان من المفترض أن يعودوا منها بقلوبٍ أكثر سكينة، وأرواحٍ مثقلة بالطمأنينة.
لكن شيئًا ما كان مختلفًا.
منذ أن وطأت أقدامهم أرض المطار، لم تلمح السعادة عينًا واحدة.
كان أرسلان قد سبقهم بكلِّ ما استطاع من معلومات، يحاول أن يعرف ما حدث في القاهرة، يحاول أن يطمئنَّ على الجميع، لكن الحقيقة كانت دائمًا تصل إليه ناقصة، ومُربكة، ومخيفة.
اصطفَّت السيارات في انتظارهم، واستقلَّ الجميع سيَّاراتهم في صمتٍ ثقيل، حتى وصل الموكب إلى الكمبوند.
ما إن توقَّفت سيارة إلياس، حتى جالت عيناه بالمكان من خلف نظَّارته السوداء.
الأمن...عددٌ أكبر من المعتاد.
رجالٌ في أماكن لم يعتد رؤيتهم فيها.
وجوهٌ متحفِّزة، وحركة غير طبيعية.
قطَّب حاجبيه:
ـ هوَّ مالك غيَّر طقم الأمن ولَّا إيه؟
ـ أيوه...أنا اللي أمرته.
قالها أرسلان وهو يفتح باب السيارة ويترجَّل منها.
نزل إلياس خلفه ببطء، لكنَّه لم يعلِّق.
كان يشعر أنَّ هناك شيئًا.
شيئًا كبيرًا...شيئًا حاول الجميع إخفاءه عنه.
وما إن رفع عينيه حتى وجد الجميع أمام منزله.
نزلت ميرال وفريدة، وغرام توقَّفوا إلى جوار أرسلان، ويزن وطارق وبلال وبقية العائلة بالمقابل.
لكن...
أين أبنائه؟
جالت عيناه بينهم مرَّة، ثم ثانية.
شمس ليست هنا.
يوسف ليس هنا.
ثم توقَّفت عيناه فجأة.
ضي أيضًا ليست بينهم.
تغيَّرت ملامحه.
استدار سريعًا نحو مالك، وقبل أن يسأله، جاءه صوتٌ مرتجف من خلف الجميع:
ـ عمُّو إلياس...
التفت..تجمَّد في مكانه.
كانت ضي تتحرَّك بخطواتٍ متعثِّرة، وكأنَّ كل خطوة تحتاج منها إلى ما تبقَّى في جسدها من قوَّة..وجهها شاحب..
جسدها هزيل..خصلات شعرها مبعثرة حول وجهها، وعيناها غارقتانِ في البكاء والسهر.
كانت تبدو كأنَّها لم تنم منذ أيام.
ركض بلال إليها، حين رأى جسدها يترنَّح:
ـ ضي!
أمسكها قبل أن تسقط، لكنَّها دفعته بضعف، وارتفع صوت بكاءها:
ـ عمُّو إلياس...
اقترب إلياس منها خطوة، وما إن رأى حالتها حتى تغيَّرت ملامحه.
لم يسألها ماذا حدث..لم يحتج إلى ذلك.
كان يعرف أنَّ ما سيأتي لن يكون خيرًا.
فقال بصوتٍ منخفض، لكنه حاد:
ـ يوسف فين؟
انفجرت ضي بالبكاء:
ـ أنا عايزة جوزي...
شهقت، ثم أمسكت بثوب بلال، تتشبَّث:
ـ أبويا ضحك عليَّا...قالِّي هيرجعهولي.
ارتجف صوتها:
ـ قالِّي يوسف هيرجع...
توقَّفت للحظة، ثم رفعت عينيها إلى إلياس:
ـ بس محدش رجَّعه.
في تلك اللحظة، خرج صوت أرسلان من خلفه:
ـ إلياس...لازم نتكلِّم في المكتب.
ساد الصمت..صمتٌ قاتل..لم يتحرَّك أحد.
نظرات إلياس فقط على انهيار ضي، ثم الى انحاء المكان المختلفة.
رفع إلياس يده ببطء، وأشار إلى أرسلان:
ابني فين؟.
_جماعة مسلَّحة هجمت على الكمبوند وخطفوا يوسف..تمتم بها أرسلان.
هزَّة عنيفة أصابت جسده، حتى شعر بأنَّ الأرض تُسحب من تحت أقدامه، ورغم هول الخبر، لكنَّه لم يتحرَّك...لم يصرخ.
لم يسأل كيف.
فقط قال بصوتٍ خافت:
ـ إمتى؟
ـ من كام يوم؟.
ـ وإنتَ عرفت إمتى؟
خفض أرسلان عينيه:
ـ يوم عرفة.
للحظة، لم يُسمع سوى شهقات ميرال باسم ابنها:
ـ يوسف...
ثم التفتت إلى يزن:
ـ ابنـي فين يا أخويا؟
صمت يزن، وعجز عن رفع عينيه إليها.
انتقلت عيناها إلى طارق:
ـ ابني فين يا طارق؟
ظلَّ طارق محدِّقًا في الأرض.
عندها صرخت ميرال، وكأنَّ صمتهم جميعًا كان اعترافًا.
ـ يوسف...ابني.
وضعت يدها على فمها، وانفجرت في البكاء:
ـ ابني حصل له إيه؟
في تلك اللحظة، وقعت عينا إلياس على الجزء المحترق من المكان.
توقَّف..تأمَّله لثوانٍ، ثم استدار ببطء:
ـ ميرال....لم تجبه.
ـ ميرال!
انتفضت.
أشار إلى الداخل:
ـ ادخلي جوَّا.
اقتربت منه وهي تبكي:
ـ عايزة أعرف ابني فين.
ـ هتعرفي.
قالها بثباتٍ مخيف.
ثم نظر إلى فريدة وغرام ورحيل:
ـ خدوها جوَّا.
لكن ميرال تشبَّثت بذراعه:
ـ لا...مش همشي. عايزة أعرف يوسف فين.
خفض إلياس عينيه إليها.
لأوَّل مرَّة ظهر الوجع في ملامحه، لكنَّه دفنه سريعًا تحت قناع الصرامة:
ـ هجيبه.
قالها كأنَّها ليست وعدًا، بل أمرًا صدر منه إلى الدنيا:
ـ هجيبه.
ابتعدت ميرال عنه وهي تبكي:
ـ ابني يا إلياس...
ثم انهارت بين ذراعي فريدة.
في الجهة الأخرى، كان أرسلان قد انحنى وحمل ابنته من بين ذراعي غرام.
تعلَّقت به ضي، ولفَّت ذراعيها حول عنقه، وانفجرت في بكاءٍ مكتوم:
ـ ضحكت عليَّا يا بابا...
أغمض أرسلان عينيه بقهر.
ـ ضحكت عليَّا...قلتلي هيرجع.
نظر أرسلان إلى بلال.
هزَّ بلال رأسه بأسى:
ـ كنت مضطَّر أنوِّمها.
نظر إليها أرسلان بحزن، ثم قال:
ـ شيل أختك ودخَّلها جوَّا.
لكن ضي انتفضت فجأة، وكأنَّ شيئًا داخلها انكسر.
دفعت الأيدي التي حاولت تهدئتها، ووقفت أمام إلياس:
ـ لا.
ارتفع صوتها رغم ضعفها:
ـ محدش يدخَّلني.
اقترب منها بلال:
ـ ضي، اهدي.
صرخت فيه:
ـ مش ههدى!
ثم نظرت إلى إلياس، وعيناها ممتلئتان بالرعب والغضب:
ـ قدَّامكم ساعتين.
تجمَّد الجميع.
ـ ساعتين بس...
اقتربت خطوة، وصوتها يرتجف:
ـ وترجَّعولي جوزي.
لم يجب إلياس.
ـ أنا بقولُّكم أهو...
انفلتت دموعها:
ـ أنا ماليش دعوة بأي حاجة حصلت. ماليش دعوة بشغلكم، ولا بأعدائكم، ولا بحساباتكم.
وضعت يدها على قلبها:
ـ أنا عايزة جوزي.
شهقت، ثم قالت بصوتٍ مكسور:
ـ عايزة يوسف وبس.
ساد الصمت.
نظر إلياس إليها طويلًا.
ثم خلع نظَّارته ببطء.
كانت عيناه حمراوتين، لكن صوته ظلَّ ثابتًا:
ـ هيرجع.
رفعت ضي عينيها إليه:
ـ وعد؟
اقترب منها، وضمَّ رأسها لأحضانه وقال بحسم:
ـ وعد.
ثم استدار نحو أرسلان.
اختفت كل ملامح الأب المكلوم، وحلَّ محلَّها وجه الرجل الذي يعرفه الجميع:
ـ على المكتب.
ثم نظر إلى مالك، ثم إلى بلال:
ـ بلال خلِّيك مع ضي وميرال.
وأخيرًا ثبَّت عينيه على أرسلان ومالك
ـ عرفت مين عمل كدا؟.
_معتز.
التقط بلال الاسم وهو يتحرَّك..
بالداخل
جلس إلياس خلف مكتبه، ، يضغط على أصابعه ببعض حتى ابيضّت مفاصلها، بينما قلبه يضرب بعنف داخل صدره، كأنه يحاول الفرار من ذلك القفص الذي ضاق عليه فجأة.
كلما مرت في رأسه صورة يوسف، شعر بشيء يعتصر قلبه.
ابنه...ابنه الذي لم يعرف أين هو، وماذا يفعلون به، ولا إن كان لا يزال بخير.
كان أسوأ ما في الأمر أن إلياس، للمرة الأولى، لم يكن يملك القوة لحمايته.
قطع أفكاره رنين هاتفه.
رفع الهاتف سريعًا، وكأنه كان ينتظر أي صوت يطمنه عن ابنه
ـ حمد لله على السلامة يا عمو... حج مبرور وذنب مغفور إن شاء الله.
أغمض إلياس عينيه للحظة، ثم أجاب بصوت خافت أثقلته الهموم:
ـ اللهم آمين... شمس عاملة إيه؟
ـ آسف يا عمو... مجيناش استقبلناك. شمس متعرفش اللي حصل عندكو، ومتنساش إنها حامل.
تغيرت ملامح إلياس للحظة، وكأن كلمة حامل ذكّرته أن هناك أرواحًا أخرى يجب أن يحميها.
ـ تمام... خلي بالك منها.
أغلق الهاتف ببطء.
في تلك اللحظة، فتح مالك الشاشات أمامه، وبدأ يعرض كل ما توصلوا إليه، يشرح لهم بالتفصيل ما حدث وما يجب فعله.
ظل إلياس صامتًا، عيناه معلقتان بالشاشات.
حتى توقفت عيناه فجأة عند إحدى الكاميرات.
ـ استنى...
اقترب من الشاشة.
ـ هنا فيه خلل.
ثم رفع إلياس عينيه إلى مالك
ـ عملت إيه مع العيال دي؟
انخفض صوت مالك.
ـ للأسف... اتقتلوا.
أومأ إلياس ببطء.
لم يكن في إيماءته خوف...
بل يقين مرعب.
ـ متأكد من كده.
ـ بس يا ترى كنت فين يا باشا وقتها؟ وفيه خلل في الأمن...!! وشوفت الأخبار، شوفت أسهم شركاتنا اللي بقت في الأرض؟
ابتلع ريقه بصعوبة.
ـ ابني... اللي معرفش عنه حاجة.
وقبل أن يكمل، رن هاتفه مرة أخرى.
نظر إلياس إلى الشاشة، ثم أجاب.
ـ أيوة.
جاءه صوت معتز من الطرف الآخر، ساخرًا مستفزًا:
ـ مبروك يا حج إلياس... مش بقيت حج برضه؟
لم يرد إلياس.
فقط أشار إلى مالك أن يبدأ تتبع المكالمة.
قهقه معتز بصوت مرتفع.
ـ مسمعتش صوتك يا وحش عيلة الشافعي... فين نفخة الصدر؟
شد إلياس قبضته.
ـ مش لما أشوف راجل قدامي علشان أتكلم.
تغير صوت معتز فجأة.
ـ اسمعني علشان مش هعيد كلامي... حضرة الدكتور مش هيرجع غير بشروطي.
ارتجف شيء في صدر إلياس.
ـ عارف لو لمست ابني هعمل فيك...
قاطعه معتز ببرود:
ـ ما تهددش بحاجة وإنت مش قدها يا إلياس.
ثم تابع، وكأنه يستمتع بكل حرف يخرج من فم إلياس:
ـ تسمع وإنت ساكت.
صمت الياس و عيناه ثابتتين أمامه، لكن كل خلية في جسده كانت تصرخ.
ـ أولًا... حقي وحق السنين دي كلها، وحق أمي اللي الحيوان عمك عمله فيها.
ارتجفت أنفاس إلياس.
ـ ثانيًا... كل القضايا اللي أخوك عملها تتشطب من سجلات النيابة. وإنت قادر يا ابن الشافعي.
ابتلع إلياس غضبه.
ـ ثالثًا... طيارة خاصة، وإنت اللي توصلني للمطار بنفسك وتودعني بحضن كمان.
اوقفه الياس بصرامة:
ـ طيب خد رابعًا دي من عندي يا مختل عقليًا.
و دون تردد، بصوت خرج مبحوحًا لكنه حاد:
ـ ابني هرجعه.
ـ ووعد من إلياس السيوفي... ما هسيبك غير لما تتعلق في المشنقة.
قهقه معتز.. قهقهة باردة، خالية من أي رحمة.
ـ يبقى انتظر جثة ابنك بعد ساعات.
توقفت أنفاس إلياس.
ثم أضاف معتز:
ـ وأهو هتعلق على حاجة تستاهل.
قالها وانقطع الاتصال.
لم يتحرك إلياس.
ظل الهاتف في يده، وعيناه معلقتان به، كأنه ينتظر أن يعود الصوت مرة أخرى ويخبره أن ما سمعه لم يكن حقيقيًا.
ثم فجأة...ارتخى جسده بالكامل.
استند بذراعه إلى المكتب، وانحنى قليلًا، كأن الكلمات الأخيرة سحقت آخر ذرة قوة بداخله.
خرج مالك من الغرفة دون كلمة.
أما أرسلان، فاقترب منه.
ـ إلياس... هنرجع يوسف. متقلقش.
رفع إلياس عينيه إليه.
كانت عيناه ممتلئتين بعجز لم يعتده أحد منه.
ـ الضربة المرة دي... تقطم الضهر يا أرسلان.
صمت لحظة، ثم خرج صوته مكسورًا:
ـ الحيوان ده مش خطف يوسف علشان عايز يوسف...
تلعثم قبل أن يكمل:
ـ خطفه علشان يهدني.
أطرق أرسلان رأسه.
ـ للأسف... ده اللي حصل.
وفي اللحظة نفسها، ارتفع رنين هاتف أرسلان.
أجاب بسرعة.
ـ ألو؟
جاء صوت إسحاق من الطرف الآخر:
ـ أرسلان... سمعنا المكالمة، وطبعًا بالنت. الجهاز كله بيراقب، متقلقوش.
رفع أرسلان عينيه نحو إلياس.
ـ إسحاق، مفيش جديد؟
ـ لا... فيه حاجة، بس لسه بنحاول نوصلها.
ثم قال بصوت أكثر ثقة:
ـ خلال ساعات إن شاء الله... يوسف هيكون في بيته.
أغلق أرسلان الهاتف.
كانت تقف منذ دقائق...تستمع إلى كل شيء.
اقتربت بخطوات مترددة، ووجهها شاحب، همست وهي تبكي
يوسف... حبيبي.. شهقت فوضعت كفيها على فمها وتراجعت للخلف
بينما بالداخل، جلس ارسلان بجوار الياس
_هننقذه، لو هحرق الدنيا كلها هنقذه
رفع إلياس رأسه إليه
وفجأة انفجر كل ما بداخله.
ـ ليه؟!
نهض من مكانه بعنف، حتى كاد المقعد يسقط خلفه.. بعدما فقد اتزانه
ـ ليه؟! قولي ليه؟!
اقترب أرسلان منه:
ـ إلياس...
لكنه دفع يده بعيدًا.
ـ بيقول خلال ساعات!
خرجت الكلمة من فمه كصرخة موجوعة.
ـ بيقول هيبعت جثة ابني!
ارتجف صوته، وانكسرت آخر حواجزه.
ـ جثة ابني يا أرسلان!
هوى جسده فوق المقعد، وارتفعت يده لتغطي وجهه، بينما اهتز كتفاه بعنف.
وللمرة الأولى...
لم يكن إلياس السيوفي.
لم يكن الباشا الذي يخشاه الجميع.
لم يكن الرجل الذي اعتاد أن يقف في وجه الموت دون أن تهتز له شعرة.
كان فقط...أبًا خائفًا على ابنه.
أبًا لا يريد شيئًا من الدنيا كلها...
إلا أن يرى ابنه مرة أخرى.
دلفت ضي غرفتها، جلست تحتضن رأسها
دخلت رولا تحمل طعامها
_حبيبتي جبت لك اكل
رفعت عيناها الذابلة اليها
_ماليش نفس، هاكل ازاي وأنا معرفش حالة جوزي
جلست رولا بجوارها
_متقلقيش، الكل بيدور، وان شاء الله هيلاقوه.
_يارب يارولا أنا هموت لو حصله حاجة
ضمتها رولا تبكي على بكاؤها
_ان شاء الله.. حبيبتي هيرجع بالسلامة
استمعت الى رنين هاتفها برسالة
رفعت رولا هاتفها تقرأ محتوى الرسالة
شهقت وتوسعت عيناها
_دا يوسف
سحبت ضي الهاتف سريعًا من يدها، وما إن وقعت عيناها على الشاشة حتى تجمد الدم في عروقها.
كان يوسف واقفًا أمام نافذة، يضع كفيه داخل جيبي بنطاله، يحاول أن يبدو ثابتًا رغم السلاح المصوّب مباشرة إلى رأسه من الرجل الواقف خلفه.
شهقت ضي، وارتفعت كفها إلى فمها، بينما خرجت منها صرخة مذعورة:
ـ آآآه... يوسف!
اقتربت رولا من الشاشة، تحدق فيها بتيه، وكأن عقلها عاجز عن استيعاب ما تراه.
ـ ليه... ليه بعتلي الفيديو ده؟ مين دول؟
لم تمر سوى لحظات، حتى اهتز الهاتف بين يديها بوصول رسالة جديدة.
فتحتها، وراحت تقرأها بصوت مرتجف:
ـ "لو عايزة ابن عمتك مايتقتلش، تيجي على العنوان ده خلال ساعة... ولو حاولتي تعرفي حد، هبعتلك جثته. هتوصلي المكان هتلاقي عربية مستنياكي."
لم تنتظر ضي ثانية واحدة.
اندفعت نحو الباب كالمجنونة.
ـ ضي!
ركضت رولا خلفها، لكنها لم تستمع إليها.
هبطت الدرج مسرعة، وفتحت الباب وخرجت دون أن تفكر حتى في العواقب.
توقفت رولا في مكانها، والتفتت نحو بلال الذي خرج من الغرفة على صوت الفوضى.
ـ رولا... إيه اللي بيحصل؟
حدقت فيه بعينين امتلأتا بالرعب.
ـ بلال... الحق ضي!
اقترب منها بسرعة.
ـ مالها؟
ـ راحت... راحت للناس اللي خاطفين يوسف!
اتسعت عيناه بصدمة.
ـ نعم؟! وهي عرفت منين؟
ـ بلال، مش وقته!
اندفع خارجًا يبحث عنها، لكنه لم يجدها.
ركض نحو سيارته، وما إن فتح الباب حتى وجد آسر يقترب منه بقلق.
ـ بلال! في إيه؟
التفت إليه بوجه شاحب، وقال بسرعة وهو يلتقط أنفاسه:
ـ ضي راحت لمكان خاطفين يوسف... ومحدش عارف هي راحت فين.
تجمد آسر للحظة.
ـ إيه؟!
ـ اركب!
استقل آسر السيارة بجواره، وانطلقت السيارة بسرعة جنونية.
في الأعلى...
ظلت رولا تدور داخل الغرفة ذهابًا وإيابًا، تضغط أصابعها ببعضها بعصبية، بينما عقلها يعصف بآلاف الاحتمالات.
ـ أروح أقول لعمو إلياس؟ ولا أعمل إيه؟
توقفت فجأة.
ـ مين الشخص ده؟ وليه اختارني بالذات؟
ثم شهقت وهي تضع يدها على صدرها.
ـ طيب لو أذوها؟
لم تستطع إكمال الجملة.
هوت على طرف الفراش، وعيناها معلقتان في الفراغ، تحاول التفكير في أي طريقة تنقذ بها يوسف وضي قبل أن يحدث ما لا يمكن إصلاحه.
مرت ساعة كاملة...
ساعة بدت لها كأنها دهر.
وفجأة، اهتز الهاتف من جديد.
التقطته بأصابع مرتعشة.
وصلتها رسالة صوتية.
ضغطت عليها.
جاءها صوت معتز ببرود مستفز:
ـ كده زعلتيني، دا أنا بحبك.. بايعة مراته ليه؟ أنا عايزك إنتِ.
شهقت رولا، وتراجعت خطوة.
تابع بصوت أكثر قسوة:
ـ قدامك نص ساعة... وإلا جثة ابن عمتك بس.. صمت لحظة، ثم أضاف:
ـ ضيفي كمان حضرة الدكتور جوزك... اللي أصلًا هموته، هموته.
ارتجف جسدها بالكامل.
ـ وأخوكي.
انحبست أنفاسها.
ـ هتلعبي معايا تاني؟
صرخت رولا بجنون، وقد تحول خوفها إلى غضب أعمى:
ـ آآآه... إنت يا حيوان!
اندفعت خارج الغرفة بكل قوتها.
ركضت حتى وصلت إلى غرفة آسيا، ودفعت الباب بعنف.
ـ آسيا! الحقيني!
استدارت آسيا إليها، وكانت تجمع بعض ملابسها، وما إن رأت وجه رولا حتى عقدت حاجبيها.
ـ في إيه؟ مالك؟
اقتربت منها، ومدت الهاتف أمامها.
ـ معتز!
توقفت آسيا.
ـ مين؟
ـ معتز هو اللي خطف يوسف!
أخذت الهاتف، وراحت تقرأ الرسائل.
تغير وجهها تدريجيًا.
ـ يا لهوي...
رفعت عينيها إليها.
ـ وبلال وآسر؟ راحوا فين؟
ـ مشيوا... ورا ضي.
شهقت آسيا.
ـ إزاي خرجوا؟! ده ممنوع حد يخرج!
ثم توقفت فجأة.
تبادلت النظرات مع رولا
ـ لحظة...
قالتها آسيا ببطء.
ـ وإزاي ضي خرجت أصلًا؟
ثم رفعت آسيا الهاتف واتصلت ببلال.
ثوانٍ...ثم جاءها صوته:
ـ رولا؟
ـ بلال، إنتوا فين؟
ـ ضي ركبت عربية... وإحنا ماشيين وراها.
تسارعت أنفاس رولا
ـ بلال، اسمعني كويس... ما تتحركوش
وفجأة...
جاء صوت صرخة حادة من الطرف الآخر.
صرخة واحدة.
ثم...انقطع الاتصال.
تجمدت رولا في مكانها.
وظلت تحدق في الهاتف، وكأنها تنتظر أن يعود صوته من جديد.
ـ بلال؟
لا إجابة.
ـ بلال!
أبعدت الهاتف عن أذنها، وعيناها تتسعان برعب.
ـ الخط... قطع.
مدت يدها المرتجفة واتصلت بآسر.
مرة...مرتين...
ثم جاءها الرد الآلي.
الهاتف مغلق.
ابتلعت آسيا ريقها بصعوبة، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها.
ـ آسر كمان قفل موبايله...
نظرت إليها رولا، وقد بدأ الرعب الحقيقي يلتهم ملامحها.
ـ يعني إيه؟
لم تجب رولا
كانت عيناها معلقتين بالهاتف، وقلبها ينبض بعنف
رفعت رأسها فجأة، وقالت بحسم رغم ارتجاف صوتها:
ـ لا... أنا مش هسكت.
ثم اندفعت نحو الباب.
بمكتب اسحاق
_اسحاق باشا... وصلنا للدكتور، والقوة خلال دقايق هتكون هناك
_مش عايز حد يلمسه بسوء، سمعتني
بمكتب الياس
وصل الياس فيديو يوسف المرسل الى رولا، ثم ارتفع رنين هاتفه
_قدامك ساعة بالكتير، وتتنازل عن كل ماتملك، والا اذا... مش هكمل
_تمام... وأنا موافق، هتنازلك على كل مااملك
قهقه الآخر
_ماكان من الأول، بس اعترف أنا، اشطر منكم
ضغط على الكوب بقوة حتى انكسر بيده
_لا... برافو، اشطر مننا
هستنى منك تحويل بكل اموالك
صمت لحظة ثم قال
_لا غيرت رأيي، عايز تحويل لآل الشافعي كله، قدامك ساعتين بالظبط ياا... قالها وأغلق الهاتف، بينما هوى الآخر على المقعد حين فقد جسده الصمود
دفعت ميرال الباب وصرخت
_انا عايزة ابني، سمعتني، لا شغلك ولا عيلتك تهموني، انا عايزة ابني، ابني وبس
صرخت باكية
_عايزة ابني، ابني لو حصله حاجة يبقى انت السبب
دخلت فريدة على صياح ميرال
اومأت برأسها لالياس برجاء
_معلش حبيبي هي ام
_خديها من قدامي ياماما
دفعته غاضبة
_ايوة... يعني لو ممشتش هتعمل ايه، ايه
قولي هتعمل ايه
سحبتها فريدة من ذراعيها
_حبيبتي... تعالي سيبي جوزك يشوف شغله
هوت على الارضية تبكي بنحيب
_انا عايزة ابني ياماما، خليه يجب لي ابني
تحركت بها فريدة للاعلى
دخل مالك المكتب
_الياس... بلال مش موجود في العربية
__يعني ايه يامالك، مش بلال اللي في عربيته
_معرفش ياالياس، هو دخل قدامي
انتفضت عروقه بغضب
_تقلب الأرض وتوصله، شوف اخر حد كلمه مين، اتصرف، سمعتني
_طيب روق ياالياس، انا بلغت الأمن والكل بيدور عليه، بس هو فيه حاجة تانية
طالعه إلياس بتدقيق، ثم اشار اليه
_ارمي ياباشا قنبلتك، ارميها
_آسر... قالها بخفوت
أطاح إلياس بيده مافوق مكتبه
_اطلع برة، برة
صاح بها بغضب حارق حتى شعر بانهياره، ثم رفع هاتفه سريعًا
_ارسلان..
_متقلقش، كله تمام
_ارسلان، خلي الظابط يكمل وشوف لي اسر وبلال فين
_يعني ايه، اشوف اسر وبلال
اغلق إلياس الهاتف دون رد
وهوى على مقعده يمسح على وجهه بغضب، كاد أن يقتلع جلده
_أنا السبب، أنا السبب
بمنزل يزن
دفعت الباب، وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة
_خالو... انا جاية افتن على ابنك وبلال
توقف يزن حين تأكد ماترمي إليه
_هربوا من الأمن... صح
هزت رأسها، تنظر للاسفل
_يابريئة ياختي منك ليها
قالها وهو ينظر رولا
_انتوا بتلعبوا بيا علشان العيال دي تهرب صح
اشارت اسيا إلى رولا
_والمصحف هي
كور قبضته، محاولًا السيطرة على ألا يصفعهما
وتحرك للخارج سريعًا
رمقتها رولا
_ياله.. هينشغلوا ببلال واسر، نكون خرجنا
_وحياة ربنا، موتي على ايدك
ضربتها على رأسها
_بطلي رغي ياغبية، دي فرصة عمو الياس هيعمل اجتماع
_طيب هنخرج ازاي، مفيش ولا عربية بتخرج من الكمبوند، ضي اخدت عربية ابوها، وبلال اخد عربية الياس لما عمل خدعة على مالك
وقعت عيناها على عربية مالك
وركضتا الاثنتين اليها
_والله موتي على ايدك، يابنت خالي
بعد فترة وصلت الى المكان
_انزلي... فيه تكتوك اركبيه
_نعم
_هتركبي ولا لا... وبعدين جايبة البت دي معاكي ليه
_بت في عينك اللي هقلعها ان شاء الله
طالعتها رولا بذهول
_انت متربية فين يابت
_مش متجوزة اخوكي
_ايوة صح... قالتها ثم نظرت للتوكتوك
_ياااي، ايه البتاع دا
_حمار ياختي
_هو شكله عامل كدا ليه
_يلا يااسيا... جلست بجوارها وتحرك بهما
ضحكت اسيا على حركاته
ضربت رولا كفيها في بعضهما
_احنا مخطوفين يابنتي، مش رايحين نتفسح
_تفتكري الراجل المتخلف دا عايزك ليه
_هنعرف.. فتحت الساعة تنظر اليها باابتسامة
_عمو ارسلان، المرة دي هيعلقني على باب الكمبوند
_اه... دا لو رجعنا عايشين
شردت رولا بحديث ارسلان
_لو اي حركة غبية منك هقطع راسك
بمكتب الياس
_الياس... عرفنا مكان يوسف
_ابعت لي اللوكيشين بسرعة
نهض وسحب سلاحه
رفع وجهه وجد احد الرجال يقف أمام مكتبه
_باشا فيه حاجة
هز رأسه
_عربية حضرتك، حد خرج بيها
_جهز العربية التانية
قالها الياس دون اضافة شئ
استمع إلى رنين هاتفه، وجد اسم ميرال يضئ الهاتف
_مش وقتك خالص ياميرال
قالها وجمع اشيائه واتجه للخارج
