رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل الثامن
أمام ذلك المشفى، نظر ريان إلى ساعة يده للمرة التي فقد معها عد المرات، ثم رفع عينيه إلى باب المشفى بضيق مصطنع... فكر فى الدخول لداخل المشفي.. دون الاهتمام لوجود سبب لكن تراجع بأخر لحظة حين ، لمح كنزي تخرج من باب المشفي ، تبتسم وهي تومئ برأسها لحارس المشفى، وكأنها أنهت أمرًا بسيطًا لا يستحق كل هذا الانتظار.. شعر ريان بضيق غريب، واعتدل في وقفته قبل أن يتجه نحوها.
بينما كنزي، ما إن وقعت عيناها عليه حتى خفتت ابتسامتها تدريجيًا...
توقفت للحظة، وشعرت بدقات قلبها تتسارع على نحو أربكها...
مع كل خطوة يخطوها ريان نحوها، كان قلبها ينبض بشعور غريب عنها... شعور لا تعرفه... حتى أنها لم تسمح لنفسها يومًا بأن تفكر فيه...
هي التي كانت دائمًا تعرف كيف تسيطر على مشاعرها، كيف تخفي ارتباكها خلف ابتسامة واثقة، وكيف تضع حدودًا واضحة بينها وبين أي رجل يقترب منها...
لكن ذلك الذي يقترب منها كان شعورها مختلفًا..رغم لقائتهم القليلة لكن تشعر...
وجوده وحده كان كفيلًا بأن يجعل كل دفاعاتها تتهاوى دون أن يفعل شيئًا...
بينما
اعتدل ريان في وقفته فورًا، ثم اتجه نحوها بخطوات سريعة، اقترب توقف أمامها، ونظر إليها طويلًا قبل أن يقول بلهجة مرحة يشوبها بنبرة عتاب مُتملك:
إتأخرتي ليه يا هانم.. بقالي ساعة مستني قدام المستشفي فى الطقس العاصف.
توقفت كنزي مكانها، ورمشت عدة مرات قبل أن تنظر إليه باستغراب... إبتلعت ريقها تتلفت حولها... تشعر بإرتباك تفوهت بتعلثم:
نعم.
رفع ريان حاجبه، وقال بجِدية مُصطنعة:
نعم الله عليكِ... أنا بسأل سؤال واضح جدًا... إتأخرتي ليه.
تنهدت وهي تحاول استعادة هدوئها المعتاد كأنه كان بينهم ميعاد وهب تأخرت عليه فعلًا أجابته بتبرير هي نفسها لا تعلم سبب لردها ذلك :
كان عندي زحمة كشف.
نظر لهت ببرود قائلًا:
عارف.
ببساطة كأن بينهم عشم تفوهت:
طب بتسأل ليه؟.
أجابها:
عشان أعرف كنتِ فين في المستشفى.
نظرت إليه لحظات وكأنها تحاول التأكد إن كان يتحدث بجدية أم يسخر منها... تفوهت:
أنا دكتورة حضرتك أكيد فى أوضة الكشف أو بمُر على المرضي.
هز رأسه بتفهم مصطنع:
عارف برضه.
مازالت تتحدث كأنها بإستجواب:
وبشتغل هنا.
- عارف.
بدأت تشعر بضيق وقالت:
طب إيه المشكلة مع حضرتك
ابتسم وهو يعقد ذراعيه أمام صدره قائلًا:
مفيش مشكلة، أنا بس بجمع معلومات.
ضيقت عينيها بسؤال غبي منها:
معلومات عن إيه؟
ببرود أجابها:
عنكِ طبعًا.
شهقت بضيق قائلة:
عني أنا.. طب ليه.
تفوه بمرح:
آه... أصل واضح إن حضرتك بقيتي شخصية مهمة أوي، لدرجة إن الواحد لازم يعمل لك ملف متابعة.
لو آخر يحدثها بذلك العشم كانت صدته لكن مع ذلك تتقبل فضوله لماذا لا تعرف، حتى أنها تضحك..
حاولت كتم ابتسامتها، لكنها سرعان ما أخفتها وهي تقول:
أنت بتتطفل.
اقترب منها قليلًا، وقال بثقة:
أنا..اتطفل ! طبعًا مستحيل.
هزت رأسها قائلة:
أمال ده اسمه إيه.
فكر لثانية، ثم قال ببساطة:
اهتمام بريء..
رفعت حاجبها بسخرية وعاد جملته:
إهتمام بريء؟
اكد ذلك:
برئ جدًا.
تتفست بقوة قائلة:
إهتمتم برئ إنك بتسألني اتأخرت ليه.
أكد ببساطة:
أيوه عشان كنت مستنيكِ .
خرجت الكلمة منه ببساطة، فاختفت ابتسامتها للحظة، وشعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجنتيها...
لاحظ ريان ارتباكها، فابتسم بانتصار وقال:
أهو... اتوترتي.
رفعت رأسها بسرعة قائلة بنفي:
أنا مش متوترة.
تفوه ببرود:
لا متوترة وباين عليكِ كمان.
تفوهت بتبرير:
حضرتك أنا دكتورة يا ريان، وبعرف أتحكم في أعصابي.
ضحك قائلًا:
إيه كلمة حضرتك اللى ماسكه فيها دي، وبعدين
كويس إنك خرجتى... أصل أنا كنت خايف يكون عندكِ حالة طوارئ.
نظرت إليه بغيظ وقالت:
أنت الحالة الطارئة الوحيدة هنا.
ابتسم بسعادة قائلًا:
حلو... يعني اعترفتي إني مأثر فيكِ.
شهقت وهي تتجه نحو سيارتها قررت عدم الوقوف وسماع منه كأنه بعدما تداركت نفسها لماذا تركته يحدثها بهذا العشم تفوهت :
يا رب الصبر
ولحق بها ريان وهو يضحك يفرض نفسه قائلًا:
طب استني يا دكتورة، لسه مخلصتش التحقيق.
لحق بها قبل أن تفتح باب سيارتها، وأسند يده على سقف السيارة وهو ينظر إليها بفضول واضح.
استني بس، التحقيق لسه في أوله.
رمقته كنزي بنظرة جانبية... تخفي توترها وبسمتها ووقارها قائلة:
تحقيق إيه حضرتك.
ببرود تحدث بسؤال وتغاضي عن نبرتها الساخرة:
أول سؤال... كنتِ بتضحكي لمين
ببساطة كانه يخدرها ويجعلها تعترف:
ده حارس فى المشفى.
بسؤال منه:
وبتضحكِ له ليه.
أجابته:
عشان هو إبتسم لى، ومن الذوق ابتسم له.
تفوه بنبرة خاصه:
وهو لازم يسلم عليكِ بابتسامة كده.
حدقت فيه بعدم تصديق قائلة:
هو حضرتك صفتك إيه عشان تسالني،اللى يسمعك يقول بتغير عليا من حارس المستشفى؟
ضحك مبررًا:
أنا مش بغير... سؤالي عادي...أنا كنت برصد الموقف.
ضحكت رغماً عنها قائلة:
بترصد إيه... وليه.
هز رأسه بثقة قائلًا:
طبعًا، أنا رجل دقيق جدًا.
ضحكت قائلة:
دقيق... ده إنتَ فضولي بشكل مستفز.
تفوه ببرود:
فضولي لا يا دكتورة... أنا مهتم بالتفاصيل.
اعترضت سائلة:
تفاصيل إيه حضرتك.
أجابها:
مثلًا... ليه خرجتي متأخرة وليه كنتِ مبتسمة؟ وليه أول ما شوفتيني بطلتي تبتسمي
اتسعت عيناها، ثم قالت بسرعة:
عشان شوفتك!
ابتسم بانتصا ر قائلًا :
يعني أنا بقيت السبب.
انتبهت لما قالته، فعضّت على شفتيها بضيق قائلة بتبرير:
مش قصدي كده.
أومأ قائلًا:
بس قولتيها.
بصبر قالت:
أستاذ ريان.
تعمد نطق إسمها بلا لقب قائلًا:
نعم يا كنزي.
نطقه إسمها زاد توترها تفوهت بصبر: متستفزنيش.
رسم بسمة قائلًا:
أنا بستفزك... ده أنا حتى لسه ما بدأتش.
وضعت يدها على جبهتها وقالت:
يا نهار أبيض...
ضحك قائلًا:
مالك بس.
تفوهت بتيرير:
مش عارفة إنتَ بتتكلم كتير كده إزاي.
ببساطة قال:
عادي، لما تكوني قدامي بيجيلي إلهام.
أخفت توترها قائلة:
طب ممكن تاخد الإلهام ده بعيد عني.
ضحك بصوت عالٍ، ثم أشار إليها قائلًا :
شايفة بقيتي بتدعي عليا كمان.
تنهدت بصبر قائلة:
عشان تستاهل.
ببرود تحدث:
طيب، بما إنك دكتورة...
قاطعته فورًا:
لأ.
ضيق عينيه قائلًا:
أنا لسه هسأل.
تفوهت بقطع:
عارفة سؤالك، ولأ... بلاش تسأل.
ببرود وضع يده فوق قلبه قائلًا:
طب لو عندي وجع في قلبي.
سكتت لحظة، ثم نظرت إليه ببرود مصطنع:
روح لدكتور متخصص فى القلب.
وضع يده على صدره متألمًا بتمثيل قائلًا:
ما هو الدكتور موجود قدامي.
تنهدت قائلة:
أنا دكتورة أطفال.
رفع حاجبه قائلًا:
يعني شايفاني طفل.
بملل قالت بوصف:
لا، شايفاك صداع نصفي.
انفجر ريان ضاحكًا قائلًا بتكرار:
أنا صداع نصفي! دي أول مرة حد يشبهني بحاجة فيها نصيب من الرومانسية.
إستغربت قائلة:
إيه الرومانسية في الصداع النصفي.
ببرود تحدث:
إنك مش قادرة تستغني عني.
سىمت من مجادلته... فتحت باب سيارتها وهي تتمتم:
أنا غلطانة إني وقفت أتكلم معاك.
أمسك الباب قبل أن تغلقه وقال بابتسامة:
استني، آخر سؤال.
تنهدت بصبر قائلة:
قول.
بتطفل سألها:
بكرة هتخرجي من المستشفى الساعة كام؟
ضيقت عينيها قائلة بسؤال:
ليه؟
ابتسم بمكر قائلًا:
عشان أجيلك قبلها بنص ساعة... وأحقق معاكِ بدري.
أغلقت الباب في وجهه، فانحنى ريان على نافذة السيارة وهو يضحك... قائلًا:
كنزي.
خفضت الزجاج قليلًا، فقال بسرعة:
متنسيش... التحقيق بكرة الساعة سبعة.
ردت عليه بغيظ:
ابعد عن العربية حضرتك.
ضحك وتراجع خطوتين قائلًا:
حاضر يا هانم... بس خلي بالك، أنا بدأت أحب لقب "الهانم" ده!
انطلقت بالسيارة، بينما ظل واقفًا مكانه يضحك، وهو يهز رأسه قائلًا لنفسه:
دي شكلها هتطلع عيني... بس تستاهل.
❈-❈-❈
بشقة نورهان، داخل غرفة المعيشة، جلست نورهان تنظر إلى كارلا باستغراب بعدما أخبرتها الأخيرة بما حدث، قائلة:
النهاردة روحت لـ أديم الشركة وطلبت منه أشتغل في الشركة.
ببساطة، سبقتها نورهان بالحديث:
و أكيد رفض.
ضحكت كارلا وهي تضع ساقًا فوق أخرى، وقالت بثقة:
ده اللي كنت متوقعاه، لكن دخول الغبية ميراچ خلاه يوافق بسهولة... لأ، وكمان قال إن هو اللي طلب مني أشتغل في الشركة.
اتسعت عينا نورهان بصدمة قائلة:
معقول؟! طب ليه عمل كده؟
تنهدت كارلا وهي ترفع كتفيها قائلة:
معرفش،بس أعتقد عشان يغيظها... واضح إن وجودها مفروض عليه، زي جوازهم كده... لو مش الوصية، كان مستحيل يتجوزها... واضح إنه بيكرهها... ومتحملها غصب.
ضيقت نورهان عينيها وهي تفكر للحظات، ثم قالت بنبرة تحمل بعض الشك:
تفتكري كده فعلًا؟ ولا عاوز يثير غيرتها عليه.
ضحكت كارلا ثم اجابتها بيقين:
يثير غيرتها ليه.. واضح أصلًا أنها مش في دماغه... بالعكس، واضح إنه متضايق من الوصية اللي جمعتهم، وكل اللي بيحصل ده بالنسبة له مجرد أمر مفروض عليه.
ابتسمت نورهان ابتسامة جانبية، وقالت بهدوء:
ساعات اللي بيبان كراهية بيكون حاجة تانية خالص يا كارلا.
عقدت كارلا حاجبيها بسؤال:
قصدك إيه؟
ردت نورهان وهي تراقب رد فعلها:
ولا حاجة... بس أنا شايفة إن أديم مش بالبساطة اللي إنتِ متخيلاها.
ساد الصمت للحظات، قبل أن تميل كارلا إلى الخلف، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة تحمل شيئًا من الحقد... قائلة
بصراحة يا مامي.. أنا مش هكدب عليكِ، أنا مش زعلانة إن ميراچ اتجوزت أديم... أنا زعلانة إنها وصلت لحاجة كان المفروض تبقي من حقي.
رفعت نورهان حاجبها باهتمام قائلة:
من حقك؟
ضحكت كارلا بسخرية مؤكدة:
أيوه من حقي... أديم ده عمره ما كان شايفها أصلًا، ولا كان ممكن يبصلها لولا الوصية دي... وأنا كنت موجودة قبليها، وأعرفه أكتر منها... بس لو مش وصية العجوز الغبي الله يجحمه.
ابتسمت نورهان ابتسامة خبيثة وهي تقول:
بس دلوقتي هي مراته.
تغيرت ملامح كارلا للحظة، ثم أجابت بغيظ:
مراته على الورق... إنما في الحقيقة هو مش طايقها... وشوفت ده بعيني.
اقتربت نورهان منها قليلًا، وقالت بنبرة ذات مغزى وبث الطمع:
وده اللي يخلي فرصتك أكبر.
نظرت إليها كارلا سريعًا... سائلة
تقصدي إيه.
ابتسمت نورهان بمكر قائلة:
لو أديم فعلًا بيكره ميراچ، يبقى وجودك في الشركة مش مجرد شغل... ممكن يبقى نقطة ضعف في جوازهم.
لمعت عينا كارلا بطمع واضح، وقالت:
قصدك يعني أقرب منه أكتر... يمكن يرجعلى تاني.
اكدت نورهان ذلك بتحريض:
تقربي من حياته الأول.
ثم أضافت بخبث:
خليه يشوفك كل يوم، يسمع صوتك، يعتمد عليكِ في شغله... وفي نفس الوقت خلي ميراچ تشوف ده كله بعينيها.
ضحكت كارلا ضحكة خافتة قائلة بتوافق:
عايزة تخليها تغير وتتضايق.
اومأت نورهان:
أيوه.. عايزاها تحس إن مكانها بيتسحب منها واحدة واحدة.
سكتت كارلا لحظة، ثم قالت بنبرة مليئة بالحقد:
لو هي دخلت حياة أديم بالوصية... أنا هخرجها منها بأي طريقة... لازم يرجعلي من تاني، أنا الأحق بيع.
نظرت إليها نورهان بثبات، وقالت:
بس خلي بالك... أديم لازم يفضل فاكر إنك إنتِ اللي اخترتي تقربي منه، مش إنك داخلة تنافسي مراته.
ابتسمت كارلا بثقة قائلة:
سيبيها عليا... ميراچ لسه ما تعرفش يعني إيه تدخل في حرب معايا.
تبادل الاثنتان نظرة تحمل اتفاقًا صامتًا، بينما كان الحقد يتغلغل في قلبيهما أكثر، وكأنهما لم تعودا تنتظران سوى اللحظة المناسبة لإشعال أول شرارة.
لحظات
ابتسمت نورهان ابتسامة ماكرة، وهي تسند ظهرها إلى الأريكة، ثم قالت بنبرة تحمل رضا واضحًا عما فعلته:
تعرفي أنا قابلت درية،النهارده في النادي.. وشوفنا كمان لميس، مامت ميراچ.
رفعت كارلا عينيها باهتمام قائلة:
بجد وقعدتوا مع بعض.. غريبه مش كنتِ بتقولى رافضة تخرج من البيت.
ضحكت نورهان بخبث قائلة:
بصعوبة أقنعتهت... وقعدت بقى أزرع شوية وساوس في عقل درية من ناحية ميراچ... وإن يمكن هي السبب إن أديم عايش فى مكان بعيد عنها إنها عاوزة تستحوذ عليه.
مالت كارلا نحو أمها بحماس قائلة:
قولتلها إيه كمان.
أجابتها نورهان وهي تبتسم:
ولا قولت حاجة صريحة... أنا أذكى من كده... بس خليتها هي اللي تسأل نفسها... قولت لها إن ميراچ من يوم ما دخلت حياة أديم، وهو مش هو، وإن الوصية دي ممكن تكون بداية لمشاكل أكبر.
اتسعت ابتسامة كارلا قائلة:
وهي صدقتك.
ضحكت نورهان بخباثة قائلًا بثقة:
طبعًا لا ، أنا بس حركت المية الراقدة.
ثم اقتربت نورهان من ابنتها، وقالت بنبرة أكثر مكرًا:
وقولت لها كمان إن الست العاقلة ما ترميش ابنها في جوازة مفروضة عليه من غير ما تسأل نفسها: هو هيكمل معاها ليه.
هزت كارلا رأسها بإعجاب قائلة:
برافو يا مامي.
ابتسمت نورهان قائلة:
ولسه ما خلصناش... خلي درية تبدأ تبص لـ ميراچ بعين مختلفة... ساعتها أي غلطة صغيرة منها هتكبر في عينها، وأي خلاف بينها وبين أديم هتعتبره دليل إن الجوازة دي فاشلة.
سألت كارلا بلهفة:
وإنتِ عايزة توصلي لإيه.
أجابتها نورهان ببرود:
عايزة درية نفسها تبقى مقتنعة إن ميراچ مش مناسبة لابنها... ولما يحصل ده، مش هنحتاج نعمل حاجة. هي هتتكفل بالباقي.
ابتسمت كارلا ابتسامة خبيثة قائلة:
يعني هنخليهم يحاربوا بعض وإحنا نتفرج.
ضحكت نورهان بتوافق:
بالضبط كده.. أذكى الحروب هي اللي تخلي عدوك يحارب نفسه.
ضحكت نورهان بخبث، ثم مالت قليلًا نحوها وقالت:
ولسه، أنا ما سبتش موضوع ميراچ لوحده... أنا زرعت في دماغ درية حتة تانية أخطر.
رفعت كارلا حاجبها بفضول:
إيه.
ابتسمت نورهان ابتسامة ماكرة:
الغيرة من لميس... مامت ميراچ.
ضحكت كارلا بسؤال:
ولميس عملت إيه.
أجابتها:
ولا حاجة وده اللي خلى الموضوع أسهل...قولت الست حلوة ولسه في عز شبابها، وشكلها يهتم بنفسه، وبصراحة يا درية، لميس لسه صغيرة وجميلة، ومش بعيد جدًا حد يتجوزها... خصوصًا إن الست لما تكون بالمواصفات دي أكيد هيكون ليها معجبين.
اتسعت ابتسامة كارلا وهي تستوعب مقصد أمها:
قصدك تخليها تخاف إن أونكل نصر ممكن يبص لميس.
هزت نورهان رأسها بضحكة:
مش بس كده... خليتها تبدأ تفكر إن بسبب تقارب العلتين ممكنيحصل أكتر مما هي متخيلة.
ضحكت كارلا بسخرية قائلة:
يا مامي، إنتِ كده ولعتي الدنيا في دماغها.
ضحكت ببرود قائلة:
أنا بس حطيت البذرة... والغيرة لوحدها بتعرف تسقي نفسها.
ثم قالت بثقة:
من النهاردة درية مش هتشوف لميس على إنها مامت ميراچ وبس... هتشوفها ست جميلة ممكن تخطف الأنظار، وممكن تدخل حياتهم من أوسع أبوابها.
ابتسمت كارلا بحقد قائلة:
ولو درية بدأت تغير منها، يبقى ميراچ كمان هتدفع تمن ده.
أجابتها نورهان ببرود:
بالضبط... إحنا مش محتاجين نهاجم ميراچ مباشرة... نخلي الشك والغيرة يشتغلوا بدلنا.
ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن تتبادل نورهان وكارلا نظرة طويلة، كانت كافية لتكشف ما يدور في عقل كل واحدة منهما...
ثم ارتسمت على شفتيهما ابتسامة باردة، خالية من أي ذرة مودة.
قالت كارلا بهدوء:
شكلها هتبقى لعبة حلوة.
ضحكت نورهان ضحكة خافتة، وهي تقول:
ولسه اللعبة ما بدأتش.. إحنا فى مرحلة التسخين
تبادلا نظرة أخرى، ثم ابتسمتا ببغض، وكأنهما اتفقتا دون الحاجة إلى كلمة واحدة... أن ميراچ لن تنعم طويلًا بالهدوء.
❈-❈-❈
بشقة لميس...
بالمطبخ، وقفت ميراچ خلف لميس وهي تُجهز لهما كوبين من القهوة... مدت لميس يدها بالكوب نحو ميراچ قائلة:
كنتِ في الشركة النهارده استلمتي الشغل هناك هتشتغلي إيه؟
أخذت ميراچ الكوب منها، ثم رفعت كتفيها قائلة:
مستلمتش أي شغل... قضيت الوقت بين مكتب أديم وريان.
رفعت لميس حاجبها باستغراب قائلة:
يعني إيه.. رحتي الشركة ومشتغلتيش.
هزت ميراچ رأسها، قبل أن ترتشف رشفة صغيرة من قهوتها، ثم ساد الصمت للحظات.
كانت تشعر بغصة كلما تذكرت ما رأته اليوم...وحديث أديم مع كارلا وطريقته المُقربه.. لم تنسي أنها كانت خطيبته لفترة...
معاملة أديم لكارلا كانت مقبولة، بل بدت طبيعية بصورة أوجعتها من الداخل. لم ترا في نظراته إليها ذلك النفور الذي اعتادت أن تراه حين تكون هي أمامه، ولا تلك القسوة التي يتعامل بها معها وكأن وجودها في حياته عبء فُرض عليه...
لم تستطع ميراچ أن تنكر الحقيقة...
كارلا كانت خطيبته يومًا...
وحتى إن انتهت خطبتهما بالفشل، إلا أن أديم بدا وكأنه ما زال يكن لها شيئًا من المشاعر... شيئًا لم تستطع هي انتزاعه منه، مهما حاولت.
أما هي
هي لم تدخل حياته من باب الحب، ولا حتى الاختيار...لقد فُرضت عليه بوصية.
مجرد اسم كُتب في وصية، وشرط اضطر لتنفيذه...
ضغطت ميراچ أصابعها حول الكوب، محاولةً إخفاء الوجع الذي تسلل إلى عينيها...
لاحظت لميس شرودها، فاقتربت منها قليلًا وسألت:
مالك يا ميراچ من ساعة ما جيتي وإنتِ ساكتة.
رفعت ميراچ عينيها إليها سريعًا، وابتسمت ابتسامة باهتة قائلة:
مفيش... أنا بس يمكن مرهقة شوية.
لم تصدقها لميس، لكنها لم تضغط عليها...
بينما ميراچ، فطعادت تنظر إلى قهوتها، وهي تفكر في شيء واحد فقط...:
ماذا لو كانت كارلا هي من وقفت مكانها في تنفيذ الوصية
ربما وقتها كان أديم سيبتسم...ربما كان سيعاملها بحنان...وربما لم يكن سيشعر يومًا أن وجود امرأة في حياته أصبح إجبارًا عليه.
تنبهت لميس لشرود ميراچ وهي تراقب ملامحها، وضعت كوبها على الرخامة واقتربت منها أكثر... قائلة بدفئ:
ميراچ... بصيلي.
رفعت ميراچ عينيها إليها بصمت.
قالت لميس بنبرة هادئة:
إنتِ زعلانة من حاجة حصلت في الشركة.
هزت ميراچ رأسها نافية، لكن لميس لم تقتنع...فحأتها:
ولا من أديم.
توقفت أنفاس ميراچ لثواني، ثم قالت محاولة التهرب:
أديم أنا مالي وماله.
توهت فى الكلام وضعت كوب القوة الخاص بها على الرخامة وقالت بتهرُب:
الجو فيه رياح قوية وممكن تقلب بمطر لازم أمشي قبل ما الجو يسوء أكتر.
لميس وميراچ... بحكم حياتهم معًا بمفردها... تفهمها جيدًا حين تريد أن تتهرب.. لكن لم تضغط عليها تركتها تغادر وهي على يقين أن هنالك ما يؤرق ميراج.. وداخلها ندم، ليتها أصرت على رفض تنفيذ تلك الوصية.
❈-❈-❈
بـ فيلا القصاص
بغرفة نوم نصر ودرية...
نظرت درية إلى نصر المُستلقي فوق الفراش، ثم خلعت ثوبها العلوي، لتبقى بمنامتها الحريرية ذات أكمام قصيرة... أزاحت الغطاء، ثم تمددت إلى جواره، بينما راحت تُصغي إلى صوت العاصفة بالخارج...
نظر نصر نحو النافذة، وقال بنبرة هادئة:
الجو فيه عاصفة جامدة... واضح الشتا هييجي بدري السنة دي.
أومأت درية برأسها، قبل أن يتابع نصر:
أديم كان المفروض يسافر سفاجا النهارده، بس بسبب الطقس قولت له بلاش... خليه لبكره... مفيش طيار هيخاطر ويطلع معاه في الطيارة الخاصة في الجو ده.
ابتسمت درية براحة وقالت:
كويس إنك أقنعته بكده.
استدار إليها، وقد تبدلت ملامحه إلى شيء من القلق... تنهد ثم قال وهو ينظر أمامه:
تعرفي... أنا حاسس إن أديم بقى بيتهرب مني من وقت ما نفذ وصية جده واتجوز من ميراچ... حاسس إن في فجوة بينهم.
توقفت درية عن تحريك أصابعها فوق طرف الغطاء...
كانت جملة عابرة بالنسبة إليه... لكنه لم يكن يعرف أنها وقعت داخلها كحجر ثقيل قُذف بوسط قلبها..
نظرت إليه للحظات، تنتظر أن يلتفت إليها، أن يلاحظ الصمت الذي حل عليها فجأة، أو حتى يسألها عن سبب شرودها...
لكنه ظل يتحدث، وكأن كل ما يشغله هو أديم...
خفضت عينيها، وابتسمت ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها، ثم قالت:
يمكن... الجواز لسه جديد عليهم. طبيعي يكون بينهم مسافة لحد ما يفهموا بعض.
أومأ نصر، وقال بشرود:
بس أنا عارف أديم ... عمره ما كان بيبعد عني بالشكل ده... حاسس إنه مش بيحكيلي، وكأنه شايل حاجة جواه.
ابتلعت درية غصة استقرت في حلقها.. وسألت بداخلها:
وأنت عمرك ما حسيتش إني أنا كمان شايلة حاجات جوايا.
بينما نظرت إليه مرة أخرى، وقالت بهدوء:
يمكن هو محتاج وقت.
تفوه نصر:
وأنا مش هضغط عليه... بس مش هقدر أتفرج عليه وهو متشتت كده
تسللت مرارة إلى ملامح درية، سرعان ما أخفتها وهي تدير وجهها ناحية النافذة...
كان يتحدث عن ابنه بكل هذا القلق لأنه شعر بفجوة صغيرة بينه وبين زوجته اللذان تزوجا مننذ فترة قليلة..
بينما هي تعيش منذ سنوات بجواره، وتزداد المسافة بينهما يومًا بعد يوم، ولم يسألها مرة واحدة إن كانت تشعر بالوحدة.
مد نصر يده، وأطفأ المصباح القريب منه، ثم استلقى مستريحًا وهو يقول:
بكرة هكلمه وأفهم منه إيه اللي مضايقه.
أومأت درية دون أن تنظر إليه قائلة:
آه... كلمه.
ثم استدارت على جانبها، وأعطته ظهرها.
أغمضت عينيها، محاولةً منع دمعة ساخنة من الانزلاق فوق وجنتها...
لم يكن يؤلمها اهتمامه بشأن أديم وزوجته...
بل كان يؤلمها أنه استطاع أن يلاحظ تشتت أديم ، بينما لم يلاحظ يومًا غيابها هي... رغم أنها كانت تنام إلى جواره كل ليلة.
❈-❈-❈
بمنتصف الليل بمنزل الشاطئ
فجأة دوي صوت يُشبه صاعقة قوية يضرب باب تلك الشُرفة التي بالغرفة من ثم بعدها إنقطع الضوء..
بنفس اللحظة فتحت ميراچ عينيها، سُرعان ما دب الخوف فى قلبها.. من الظلام وحفيف تلك الأصوات بباب شُرفة الغرفة.. نهضت جالسة... رفعت يديها تتحسس طاولة جوار الفراش حتى عثرت على هاتفها الخلوي، سُرعان ما أضائت الكشاف الخاص به...
نظرت الى الساعة بالهاتف.. إقتربت من منتصف الليل، لم تعرف متي إستسلمت للنوم
وغفت... ولا تعلم متي عاد أديم... بالتأكيد يجلس بتلك الغرفة الأخرى كعادته... للحظات شعرت بالأمان يعود لها... خرجت من الغرفة تسير على ضوء كشاف الهاتف، ذهبت نحو تلك الغرفة الأخرى... سلطت الضوء بالغرقة سُرعان ما شعرت بعودة الخوف بل أقوى ... حين إكتشفت عدم وجود أديم بها.. عادت تسير وقلبها يرتجف... تنطق بإسمه:
أديم...
لكن لا رد يأتيها... إذن هي وحدها هنا مع الظلام وتلك الأصوات المُخيفة الآتية من الخارج... مع الظلام.. وتلك الأصوات... عقلها يوسوس لها بصور وخيالات مُرعبة لم تستطيع الحركة.. جلست على تلك الآريكة التي بالردهه تتمسك بهاتفها تشعر بتبُس جسدها مع خوفها.. تسيل دموعها... لا تستطيع التفكير فقط ضمت ساقيها لصدرها...
بينما قبل وقت قليل بالشركة... إلتهي أديم بالعمل حتي سحبه الوقت... فاق على ضوء خاطف ضرب السماء تسرب من زجاج شُرفة مكتبه...
نهض من خلف المكتب توجه نحو الزجاج... لاحظ تكرار ذلك الضوء...
لكن سُرعان ما تذكر منزل البحر... لابد أن ذلك الرعد قريب للغاية منه...
تذكر ميراچ... هي لديها فوبيا منذ صغرها الخوف من ذلك الطقس... بل الخوف من بقائها بمكان وحدها...
سريعًا لم يُفكر، ذهب نحو مكتبه جذب هاتفه ومفاتيح السيارة... وغادر، كان يقود السيارة بسرعة رغم تلك الرياح التي تُعاكس طريقه..... وصل الى المنزل... كان الظلام يسود من داخل المنزل على غير العادة... ترجل من السيارة... ذهب نحو المنزل بخطوات سريعة...
وضع المفتاح فى مقبض باب المنزل فتحه...
بينما قبل لحظات... سمعت ميراچ صوت وضع المفتاح بمقبض الباب... وعقلها يصور خيالات مُرعبة... تصنمت مكانها لم تستطيع الحركة، حتي أنها أغمضت عينيها... بقوة للحظات تستسلم لهلعها... قبل أن تعود وتفتح عينيها حين شعرت بتسلُط ضوء على وجهها أتبعه صوت أديم وهو ينطق إسمها:
ميراچ.
إتسعت عينيها حين تيقنت أنه أمامها.. زال تجمد جسدها نهضت سريعًا توجهت نحوه بتلقائية منها كأنها وجدت الأمان وهي ترفع يديها تُعانقه قائلة بصوت مُرتجف:
أديم... أنا خايفة أوي... صوت الرعد مُخيف... أرجوك متسبنيش لوحدي.
ضمها بقوة... يشعر برجفة جسدها بين يديه يسمع دقات قلبها المتسارعة...
كُل ذلك مع حديثها المُترجي أثر فيه، همس بنبرة دافئة:
مش هسيبك لوحدك يا ميراچ.
وبداخله شعر بالذنب نحوها، وقرار آخر كان يتخذه عقله... يكفي....
