رواية شلال الدم الفصل الثامن 8 بقلم ملكة الروايات


 رواية شلال الدم الفصل الثامن 

​لم تكن نيران الساقية مجرد لهيب يلتهم الخشب والزرع، بل كانت شرارة حقد أراد بها الخونة إحراق نجع الصعيد بأكمله.
​في لحظة فارقة بين الحياة والموت، وقبل أن تطبق يد "حافظ" الغادرة على زر التفجير بثوانٍ معدودات، لمست فراسة "ناجي" خطرًا يربض في العتمة. ألقى بنظره نحو محول الماي الرئيسي، فبصر بفتيل الديناميت يسري كالأفعى بين أكياس المواد المتفجرة. لم يتردد، وبصوته الجهوري الذي هز أرجاء النجع صرخ في الخفراء:

"ارجعوا وراااا.. غدر يا رجالة! انبطحوا!"
​في الكسر من الثانية، ألقى ناجي ببدنه في مجرى الترعة العميقة. دوت الفرقعة الشديدة، وانفجرت محطة الساقية لتهتز الأرض تحت الأقدام، وتصاعدت ألسنة النيران لتلتهم أجزاءً من زراعات القصب المجاورة، وتضيء عتمة الفجر بحمرة دموية. خرج ناجي من الماء بثيابه المبتلة وغبار البارود يغطي وجهه، مصابًا بجروح حافة وحروق سطحية في ذراعه، لكن روح الجبل في صدره لم تتزعزع.
​على بعد مسافة قصيرة، بين سواتر القصب المظلمة، كانت "كارولينا" تطالع المشهد بضحكة هيسترية تشفي غليلها، ظانة أن ناجي قد صار أثرًا بعد عين. التفتت إلى "حافظ" وقالت بنبرة حاقدة:

"أرأيت يا حافظ؟ انتهى أمر ولد الدهشان.. الآن أستعيد أموالي وأترك لكم هذا الجحيم!"
​لكن الأقدار كانت تكتب فصلًا آخر من الانتقام؛ إذ شق صمت الزرع صوت خطوات ثقيلة ومحسوبة. من بين الظلال، برز رجلان ضخما البنية يرتديان ثيابًا داكنة، وفي أيديهما أسلحة مجهزة بكواتم صوت!
​اتسعت عينا كارولينا رعبًا وشحب وجهها حين عرفت هوية الطارقين؛ لم تكن الخواجاية تهرب من الشرطة فحسب، بل كانت مطاردة من شبكة مافيا دولية لتهريب الآثار والسلاح، بعد أن استولت منهم على شريحة مصفحة تضم حسابات بالمليارات وشفرات مهربة.

​قبل أن تنطق بحرف، رفع أحدهما سلاحه دون تردد، وأطلق رصاصتين متتاليتين واخترقتا صدرها! سقطت كارولينا جثة هامدة فوق التراب المبلل بالطين، بينما تملك الرعب قلب "حافظ"، فألقى بجهاز التفجير وفر هارباً كالجرذ بين القصب يتخبط في الظلام.
​سمع ناجي صوت طلقات خافتة غريبة تنبعث من القصب المتاخم، فسحب بندقيته الآلية المرخصة الملقاة على الشاطئ، واندفع بنخوته نحو مصدر الصوت. شق الزرع وهو يصيح: "مين هناك؟!"

​تعثرت قدمه بجثة الخواجاية الممددة. انحنى بذهول يفحص نبضها، والبندقية في يده الأخرى يترقب المكان بحذر. وفي هذه اللحظة بالذات، شقت سرائن سيارات الشرطة عتمة المكان، وتدفقت النجدة برفقة كبار العائلتين؛ الحاج سويلم والحاج عمران، الذين هبوا على صوت الانفجار!
​وقف الجميع في حالة ذهول وصدمة.. أضواء السيارات تسلطت على المشهد الرهيب: المحطة تحترق، وناجي يتصبب عرّقًا ودمًا، وبندقيته في يده، وعلى الأرض جثة "كارولينا" غارقة في دمائها!
​تقدم رئيس المباحث بملامح جادة وسحب البندقية من يد ناجي قائلًا:

"اخفض سلاحك يا ناجي بيه.. المكان كله محاصر!"
صرخ ناجي بكرامة الصعيدي المظلوم:
"الموضوع فيه غدر يا حضرة الضابط! الساقية اتفجرت بفاعل، والخواجاية ضربوها ناس هربوا في القصب!"
​  (بعد أن تمكنت المافيا بدهاء سابق من سرقة أظرف فارغة واستخدام سلاح مطابق لتوريطه لاغلاق الملف).
​في الصباح الباكر، اقتيد "ناجي الدهشان" مكبل اليدين إلى النيابة بتهمة قاسية: "القتل العمد مع سبق الإصرار، وتفجير منشأة عامة!"

​ساد الناحية ذهول قاتل، وفي الدوار، كانت الفاجعة كبيرة. جلس الحاج عمران مكسورًا، والحاج سويلم يضرب كفًا بكف، بينما تعالت أصوات الشماتة في بيت حافظ.
​لكن في الجناح الغربي، لم تكن "رحمة" تبكي كباقي النساء.. وقفت كـ "اللبؤة" الجريحة، تتلفت في وجوه الرجال بكبرياء وثبات. رفعت رأسها وقالت بصوت هز جنبات الدوار:
" ولد الدهشان راجل يواجه في الوش وما يقتلكِش حريم! ناجي ما يضربش في الضهر، واللي فجر الساقية هو اللي قتل الخواجاية عشان يلبّس جوزي التهمة! الصعيد كله عارف مين العويل ومين الراجل!"

​لم تنتظر رحمة عدالة بطيئة؛ سحبت عباءتها السوداء وتلثمت بوشاحها، وجمعت ثلة من خفر والدها الأوفياء، وانطلقت بثبات بنت سويلم نحو بيت حافظ المهجور وأرض الساقية المترامية.
​بدأت بنفسها تفحص المكان بعين لا تغفل؛ أزاحت القش لتجد أثر أقدام لأحذية ضخمة غريبة لا يرتديها أهل النجع، ولاصقاً طبياً أوروبياً ملوثاً بالدماء، ورصاصة فارغة غريبة من طراز كاتم للصوت لم يلتفت إليها رجال المباحث وسط فوضى الانفجار.

​عرفت رحمة حينها أن غريم زوجها ليس حافظ وحده، بل هناك شيطان أكبر يخيم على النجع، وأن حياة ناجي باتت معلقة بين حبل المشنقة وأنياب مافيا لا ترحم!
​وفجأة.. ومن بين زوايا المنزل المهجور، أطلت عيون سوداء تترقب خطوات رحمة بحذر.. لقد علم رجال المافيا أن الخواجاية قبل مقتلها أخفت "الفلاشة المصفحة" في مكان ما داخل الدوار أو في غرفه رحمة دون أن تدري!

​انحبست الأنفاس في أزقة النجع، وخيم سكونٌ يسبق العاصفة، بينما كانت رحمة تقف في حوش البيت المهجور، تشعر ببرودة غريبة تسري في كاهلها. لم يكن الخوف هو ما يحركها، بل نار العشق والكبرياء التي تأكل صدرها وهي ترى زوجها وتاج رأسها مكبلاً بالحديد خلف قضبان التهمة الظالمة.
​أمسكت رحمة بالرصاصة الفارغة ذات الطابع الغريب بين أصابعها النحيلة، ونظرت إلى خفير والدها العجوز "عم منصور" وقالت بنبرة قطعت صمت المكان:

"شايف يا عم منصور؟ الرصاصة دي مش بتاعت بندقية ناجي.. دي رصاصة غدر، تسري في السكات من غير صوت، ولا يعرفها ولا يقتنيها حد من عرب الصعيد! اللي قتل الخواجاية ناس جايين من ورا البحور!"
​وقبل أن يرد عم منصور، شق زفير الريح صوت تحرك سريع بين أعواد القصب المتاخمة للبيت. صرخ عم منصور وهو يرفع بندقيته القديمة:
"مين هناك؟! اطلع للضوء بدل ما أفرغ فيك الخزنة!"
​خرج "حافظ" من بين الزرع، تتخبط قدماه في الطين، ووجهه أصفر كالموتى، وثيابه الممزقة تشهد على ليلة رعب عاشها مطارداً. ألقى بنفسه على الأرض أمام رحمة وهو يلهث بانهيار:
"الحقيني يا بنت عمي! الحقيني يا رحمة.. الشياطين هيقطعوا راسي ويقتلوني زي ما قتلوا الخواجاية!"
​انقضت عليه رحمة كالشاهين، وجذبت جلبابه بقوة وقالت والشرار يطير من عينيها:

"انطق يا عويل! انطق قبل ما أقطع خبرك بيدي! أنت اللي اتفقت مع الخواجاية وفجرتوا الساقية؟ اتكلم مين اللي قتلها ولابّس التهمة لناجي؟!"
​بكى حافظ بذل ورعب وهو يرتعد:
"والله ما ضربت نار عليها يا رحمة! الخواجاية اتفقت معايا نفجر الساقية عشان نشعل الثأر بين الدهشان وسويلم.. بس بعد التفجير طلعوا علينا رجال زي الجبال، ملثمين وبيتكلموا رطين غريب.. ضربوها بالرصاص في قلبها وفتشوا جثتها وكأنهم يدوروا على حاجة غالية! أنا هربت واستخبيت، ولما عرفت إن الشرطة لبّستها لناجي عرفت إن الدور عليا!"
​سادت لحظة صمت رهيبة، وفجأة.. انطلقت صفارة خافتة من بين الزراعات البعيدة، وتبعتها طلقة خفيفة بأزيز حاد كتمه الليل، لتخترق كتف عم منصور ويقع أرضاً!
​صرخت رحمة: "عم منصور!"

جذبت رحمة حافظ وقادت عم منصور المصاب بسرعة خلف السور الطيني للبيت المهجور. أطلت بحذر من فتحة الجدار، لتلمح خيالات أربعة رجال مدججين بأسلحة حديثة وكواتم صوت يحيطون بالمكان بثبات وتكتيك عسكري خطير.
​صاح أحدهم بلغة عربية مكسورة ونبرة حادة:
"أخرجي يا امرأة! نحن لا نريد قتلكِ.. نريد الشريحة المصفحة (الفلاشة) التي كانت مع كارولينا! نعلم أنها وضعتها في حقيبتكِ أو ثيابكِ في الدوار قبل الانفجار.. سلمينا إياها ونترككِ وشأنكِ!"

​اتسعت عينا رحمة بذهول، وعادت بذاكرتها إلى ليلة الأمس.. حين جاءت كارولينا إلى الدوار تتوسل وترتعد قبل هربها، وسقطت منها شالها الأوروبي قرب سجادة رحمة، فنفضته رحمة ووضعته في الجناح الغربي دون أن تدري أن داخل بطانته جيباً مخفياً يضم الشريحة المصفحة التي تبحث عنها المافيا الدولية!
​وقفت رحمة في مخبئها، ورفعت رأسها بشموخ بنت سويلم، وقالت بصوت هز أرجاء المكان رغم الحصار:
"يا أوباش.. تحسبوا إن الصعيد سايب ولا مالهوش كبار؟! الفلاشة اللي بتدوروا عليها مش هتنفعكم، وولد الدهشان هيطلع براء رغماً عنكم وعن غدركم!"

​في تلك الأثناء.. وفي مركز الشرطة، كان ناجي يجلس في مكتب رئيس المباحث، مكبل اليدين، والهدوء الثابت يرتسم على ملامحه الرجولية. دخل رئيس المباحث يحمل تقريراً جديداً ورد للتو من المعمل الجنائي الرئيسي بالقاهرة!
​نظر رئيس المباحث إلى ناجي بدهشة وقال:
"ناجي بيه.. التقرير النهائي للطب الشرعي وصل.. أثبت إن الرصاصة المأخوذة من جثة كارولينا مدهونة بطلاء سيراميك خاص لا يُستخدم إلا في الأسلحة الكاتمة للصوت الخاصة بالمافيا، وأن  البصمة  الأولى كانت مفبركة عبر أظرف فارغة مسروقة! أنت براءة من تهمة القتل يا ناجي!"
​قفز ناجي من كرسيه وقال بنبرة كالرعد:
"افتح الحديد يا حضرة الضابط بسرعة! رحمة في خطر.. القتلة الحقيقيين في النجع وبيدوروا على حاجة مع الخواجاية!"


تعليقات