رواية أخطر ملف الفصل التاسع 9 بقلم مصطفى محسن

 

 

 

 

 

رواية أخطر ملف الفصل التاسع بقلم مصطفى محسن


رامي خد نفسه بالعافية، وعينيه بتدور في كل زاوية. في الشارع، صمت مرعب مفيش فيه غير صوت هوا الليل اللي بيلف حوالين أعمدة الأنوار. رامي طلع الموبايل وطلب رقم اللواء عزمي، التليفون رن مرتين والتالتة، وجِه الصوت من الناحية التانية تقيل: "إيه الأخبار يا رامي؟ وصلت لحاجة في المعمل؟" رامي وقف في نص الشارع وبص للسما وقال بنبرة مكسورة ومخلوطة بغضب: "يا فندم... السفاح طلع وليد، وليد هو القاتل، وهو اللي كان بيمسح الأدلة وبيتحرك بالتفويضات، ودلوقتي هرب مني بعد ما قتل الدكتور أيمن جوه المعمل." اللواء عزمي متكلمش وكان ساكت لثواني، وبعدها جه الرد من اللواء عزمي وهو مش متفاجئ ولا متأثر، بالعكس، جه بصوت بارد ونبرة ساخرة هزت كيان رامي من الجذور لما قال له:
-
أخيرًا فهمت يا رامي؟ بس للأسف الاستنتاج بتاعك ناقص خطوة واحدة... وليد مش هو السفاح، وليد كان مجرد الإيد اللي بتنفذ الأوامر، الإيد اللي أنا بتحكم فيها من الأول عشان أربيك وأعلمك إزاي تكون ضابط بجد"، رامي اترمى على حيطة العمارة اللي جنبه من هول الصدمة، الموبايل كان هيقع من إيده والصوت كمل في السماعة ببرود مرعب: "دلوقتي يا رامي، القوة الأمنية في طريقها للمعمل، وهتلاقيك واقف جنب جثة الدكتور أيمن وسلاحك على الأرض، وليد بلغ عنك إنك اتصبت بنوبة جنون وقتلت الشاهد الوحيد، اللعبة انتهت يا سيادة الرائد... وإنت بقيت القاتل المطلوب في مصر كلها".
-
رامي كان مسنود على الحيطة، وصوت سرينة عربيات الشرطة بدأ يظهر من بعيد، جاي يقطع هدوء الليل وبيقرب من المعمل بسرعة مرعبة، وأضواء النجوم الحمراء والزرقاء بدأت تعكس على حيطان الشارع الضيق، رامي أخد نفس عميق، وجمع فيه كل ذرة عقل باقية جواه، وكان فاهم إن الانهيار في اللحظة دي معناه الموت أو السجن لبقية حياته، بصّ على الموبايل في إيده وقفل المكالمة في وش اللواء عزمي من غير ما ينطق بكلمة واحدة، رمى التليفون القديم على الأرض وداس عليه بجزمته وكسر الشريحة نصين عشان يمنع أي تتبع لجغرافيته، ودخل في الممر الجانبي المظلم الموازي للشارع الرئيسي قبل ما القوات تقفل المكان بالكامل، تحرك بخطوات سريعة وساكتة وسط الأماكن الضيقة، عقله شغال زي الماكينة بيمسح كل الساعات اللي فاتت ويحلل النقط الخفية: عزمي ووليد كارت واحد، والتهمة متفصلة عليه بالملي، وسلاحه الشخصي محطوط جنب جثة أيمن في المعمل بالبصمات، يعني خط الدفاع بالقانون بقى زيرو، الوحيد اللي يملك المفتاح الحقيقي للغز ده هو
-
الملف الخفي بتاع "زكريا شوقي" اللي اتسحب من المصحة النفسية، لأن عزمي مش هيتحرك ويعمل كل التمثيلية دي إلا لو كان زكريا ده هو الورقة الرابحة أو المادة الكيميائية نفسها اللي بيستخدموها، رامي وصل لآخر الحارة ونزل لسوق الخضار كان فاضي في منطقة بولاق، قطع الشارع وركب أول عربية ميكروباص طالعة على الجيزة وهو حاطط كاب على وشه، طلع من جيبه مفتاح صغير، مفتاح الخزنة الشخصية اللي أجرها باسم مستعار في محطة قطار الجيزة من أسبوع لما بدأ يحس إن القضية دي مش طبيعية، كان عارف إن هو الأمان الوحيد المتبقي له بره شبكة عزمي ووليد هو إنه يسبقهم للسر اللي خفوه في ملف زكريا، ورغم إن كل أجهزة الأمن في البلد هتكون بتدور على صورته خلال ساعات، إلا إن الشر اللي في عينيه اتقلب ليقين مرعب: اللعبة ما انتهتش، اللعبة يادوبك اتحولت من مطاردة لسفاح، لمعركة بقاء ضد النظام كله.
-
وصل رامي محطة قطار الجيزة والساعة كانت داخلة على أربعة الصبح، الضباب مالي الجو وحركة الناس قليلة جدًا، نزل من الميكروباص وهو ضاغط على الكاب على وشه، عينه على الشاشات والمخبرين اللي واقفين على المداخل، مشي بخطوات مظبوطة من غير ما يلفت الانتباه، لحد ما وصل لغرفة الخزانات في آخر المحطة، وقف قدام الخزنة رقم 42، حط المفتاح ولفه، الخزنة اتفتحت، جوه الخزنة ما كانش فيه غير طبنجة مجهولة الهوية مش مسجلة في الميري، وشريحة تليفون جديدة، وموبايل ولاب، مد إيده وخد كل حاجة وحطها في جيبه وقفل الخزنة، وهو بيحط المفتاح في جيبه لاقى فلاشة، افتكر إنه أخد الفلاشة دي من المعمل وحطها في جيبه ومشي باتجاه الشوارع الجانبية المظلمة بعيد عن عين الكاميرات، دخل بنسيون صغير في إمبابة، أجر أوضة في الدور الأخير وباسم وهمي، دخل الأوضة وقفّل الترباس، قعد على السرير.
-
وطلع اللابتوب وحط الفلاشة اللي كان جايبها من المعمل، وبدأ يفتح الملفات المشفرة اللي كانت على الفلاشة الخاصة بأبحاث الدكتور شوقي والدكتور أيمن، المادة الكيميائية اللي بيقتلو بيها ما كانتش مجرد سم عادي، دي كانت مركب عصبي ملوش أي لون أو ريحة، وبيتحلل في الدم خلال ساعتين من الوفاة، وما بيظهرش في التحليل الروتيني للطب الشرعي، يعني أي ضحية بتقع، التقرير بيطلع وفاة طبيعية بسكتة قلبية أو هبوط في الدورة الدموية، وعشان كده عزمي ووليد كانوا مأمنين نفسهم تمامًا، لكن رامي وهو بيقلب في صفحات الأبحاث، عينيه جت على ملف خفي مكتوب عليه تاريخ قديم من خمس سنين، فتح الملف وكانت الصدمة اللي غيرت مجرى الحسابات كلها: زكريا شوقي ما كانش ابن الدكتور شوقي، زكريا كان الضحية الأولى للتجارب اللي كان بيعملها اللواء عزمي مع الدكاترة جوه المعمل، زكريا اتجنن بسبب المادة، والتقرير المزيف عشان يدخلوا زكريا المصحة كان مجرد غطاء عشان يستغلوه كحقل تجارب وينفذ عمليات التصفية لصالحهم، وفي اللحظة دي، شاشة اللابتوب طفت فجأة، والنور قطع في الأوضة كلها، رامي سمع صوت خطوات بتطلع على السلم بره الأوضة ووقفت قدام الباب بالظبط.


تعليقات