رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني (عزازيل A. O. 666) الفصل الخامس
ارتخى جسدها بين يديه وقد سقط قلبه من خلفها مهزومًا في معركةٍ غير عادلة، تهاوت معها صرخته المرتجفة:
_مـــــــــــرين!!!!!
تناسى قدر قوته في تلك اللحظة، حام من حولها كالجريح الذي يحاصره الرصاص الحي من كافة الاتجاهات، ثباته الذي يُدرس تخلى عنه وتركه أبلها لا يفقه التعامل مع الاصابات التي باتت جزءًا من حياته.
تواثبت دقات قلبه تدريجيًا، حتى فقه ما عليه فعله، حملها على الفور وهرول بها إلى داخل المنزل، من الباب الداخلي للچراج السري، ومنها هرول لغرفته الأرضية، لقربها إليه.
وضعها على الفراش فاذا بها تآوهت وهي ترفع كتفها للأعلى، ففطن أن إصابتها من الخلف، فأسرع برفعها وقلبها على ظهرها.
مالت برأسها على الوسادة، وهي تفتح عينيها ببطءٍ له، انحنى صوبها "ياسين" وناداها بلهفةٍ وصوتٍ مبحوحٍ من الألم:
_مرين، خليكِ معايا، متفقديش الوعي!
منحته البسمة مرة أخرى ورددت وهي بين الإفاقة وفقدان الوعي:
_عثمان التميمي كان فاكرني لقمة طرية، بس أنا اتحشرت في زوره مطلعتش غير بالدم.
وتابعت وهي تميل على الوسادة بتعبٍ:
_نصبلي كمين بسلاح مزيف عشان هارون يتأكد إني بقيت ضده، بس أنا فهمت الملعوب من أول ما دخلت المكان ده، وحررت هارون وأنا ببتسمله بكل حب.
وضحكت وهي تشير له:
_الغبي مفكرني ميتة في حبه!!
وتلوت من الألم وهي تضم كتفها، بينما تستطرد بوجومٍ:
_مش هرتاح إلا لما خنجري يتلف حولين رقبته هو وعثمان الحقير، وهيحصل وقريب أوي.
أشار لها "ياسين" وهو يتفقد اصابتها البليغة:
_ارتاحي وبطلي كلام يا مرين، إهدي.
وتركها وهرول للخارج، وهو يدور حول ذاته بحيرة، بينما يهرول أعلى الدرج صوب غرفة التدريبات وهو ينادي:
_زيــــــــن!!!!
تعجب من عدم عودته حتى هذا الوقت، شدد على خصلاته حتى كاد أن يقتلعها، عاد "ياسين" يهرول إلى الأسفل، ثم ولج لغرفته يتفقدها بأعين حائرة، إن أراد نقلها إلى المشفى الخاص ب"مارال" و"رحمة" سيأخذ الأمر ساعة كاملة بالطائرة، في حين أنه سيعرضها ويعرضه لخطر شديد.
لم تكن أمامه خيارات أخرى سوى أن يسعفها بنفسه، فإن انتظر عودة "زين" الذي تأخر عن المعتاد، سيجازف بحياتها وبالطبع هو الأحق بعلاجها من أي طبيب قد يكشف أمرهم.
جذب "ياسين" حقيبة الإسعافات الأولية الضخمة، التي أعدت للتعامل مع إصابات الطلق الناري بكافة أنواعه.
ارتدى الجلفازات الطبية، وبدأ بسحب المخدر من الأنبول الصغير، ثم اقترب يبعد جاكيتها للخلف وقبل أن يحقنها، وجدها تتطلع له بهدوءٍ عجيب وتقول بابتسامة صغيرة:
_شيخ الفريق هيعالجني بنفسه! كنت فاكرة إنك هتسبني كده عقاب ليا لحد ما أخويا يرجع.
منحها نظرة منهزمة، تعكس رعبه الحقيقي عليها، بينما يتمسك بنبرته الثابتة رغم ارتجافها:
_قصاد عنادك معنديش أي حل تاني، إنتِ عندك أي حلول عنيدة هانم؟
هزت رأسها بالنفي، وتبسمت وهي تجيبه:
_لو كنت موجود معايا حلك كان هيكون حاضر، زي كل مرة كنت بتتصاب فيها مكاني، بس النهاردة قررت أتحمل نتيجة تهوري بنفسي.
واسترسلت وهي تقاوم الإغماء الوشيك:
_ إنت مالكش أي ذنب تتحمل نتيجة عنادي تاني يا ياسين!
ضم شفتيه بقوة يحجب دمعة تلوت داخل عسليته، دس المحقن بوريدها، وقال بصوتٍ كان الأخير الذي تسلل لها قبل فقدانها للوعي:
_وجعي أهون ألف مرة من وجعك، الألم الجسدي أسهل بكتير من جلد الذات اللي أنا فيه.
مالت على الوسادة استجابة لإبرته، فيما مضى هو وسحب الطلقة عنها، ثم شرع بتقطيب الجرح، ووضع اللاصق من فوقه بعدما طهره جيدًا.
انتهى مما فعله، وقد ترك حوله العديد من القطن الحامل لدمائها، لملم "ياسين" الأدوات وأعادها لحقيبته، ثم انحنى يجمع القطن بأصابع مرتجفة، استنزفت دموعه، فإذا به يجلس أرضًا مُستندًا بظهره على حافة الفراش، وهو يسمح لذاته بأن يتجرع مرارة ألمه وخوفه الذي كان يعتاد التعايش به سابقًا، ولكنه الآن يفوق طاقته.
خطف نظرة لوجهها الشاحب، المطعون بالألم الذي يتسرب لجسدها بعدما تلاشى عنها مفعول المخدر المُؤقت، وقد تحررت عنها تأوهات خافتة.
زحف حتى وصل لحقيبته، انتزع منها حبات مسكنة، ونهض بجسدٍ غير متزن، يجذب كوبا من المياه.
عاد وهو يسحب مقعدًا حديدًيا، وضعه جوار الفراش وجلس يقرب منها ما يحمله وهو يناديها:
_مرين خدي الدوا ده.
فتحت جفنيها الثقيلين بصعوبة، ورددت بهمسٍ غير واعٍ:
_ياسيـن.
عيناها الغافية خُيلت لها بأنه يفتح لها يده، تشويش رؤيتها منعتها من رؤية الحبات التي يحملها.
رفعت كفها ووضعتها بكفه، فارتجفت كل خلية بجسده مما فعلته، حتى أنه إرتد للخلف خطوة وهو يستوعب ما فعلته!
علم بأنها مازالت مشوشة تمامًا، ولكنه كان يواجه معركة شرسة، ما بين شيطانه الذي يهمس له بالبقاء جوارها، والتمسك بكفها الموضوع بكفه بإرادتها، وبين عقله الذي يدق ناقوس الخطر مرات متتالية، وهو يذكره بدينيه الذي يحرم عليه لمس أي امرأة أجنبية عنه، وما بين ثقة الجوكر والأسطورة التي وُضعت فيه من صغره.
ألا يكفيه بأنه يحمل نفسه ذنب حملها، ومعالجتها في لحظة كانت على وشك خسارة حياتها، جذب "ياسين" كفها وأعاده على الوسادة جوارها برفقٍ، ثم قرب ما يحمله منها وهو يناديها بحزمٍ:
_مرين خدي الأدوية دي هتريحك.
بدأت تسترد وعيها وهي تتأوه بخفوتٍ، ولكنها استجابت له وابتلعت الدواء والمياه، ثم غفت مجددًا استجابة لهذا المنوم القوي.
*****
انتظرت داخل غرفتها وهي تجوبها ذهابًا وإيابًا من شدة توترها، ومن الحين والآخر تفقدت الطريق من نافذة غرفتها، حتى تسلل لها صوتٌ خافت من حمام الغرفة، فتحته "قُدس" سريعًا وهي تدعو الله بأن يكون هو، ومن غيره يمتلك سرعة الحضور والظهور.
تنهدت في راحة حينما تلاقت عيناها مع زيتونيته الفاتنة، فإذا بها تسرع له وهي تهمس بصوتٍ مرتجف:
_زين الحمدلله إنك جيت على طول، أنا مصدقتش إنك هتوصل بالسرعة دي، أنا لسه بعتالك مع عُقاب من ربع ساعة بس.
نزع لثامه وهو يزوي حاجبيه بدهشةٍ، ليصبح نسخة لا تتجزأ من أبيه:
_مستلمتش الإشارة، أنا كنت في طريقي ليكِ من غير إشارات يا قدس.
تساءلت في حيرة وهي تقرأ الجدية تنعقد بمُقلتيه:
_ليه؟؟
ملامحه الغاضبة والحزينة بالوقت ذاته جعلتها تنصب كافة اهتمامها على ما سيقول، تحرك "زين" بخفة حتى وصل إلى أحد المقاعد الخشبية، جلس وهو يتحدث بهدوء:
_كنت عايزاني ليه؟
تعلم بأنه لا يملك وقتًا كبيرًا للمراوغة عمن سيتحدث أولًا، لذا جذبت مقعدها وقربتها منه وهي تخبره:
_مرين عملت حاجة خلت عثمان في حالة مرعبة، أنا أول مرة أشوفه في الحالة دي، وسمعته بيتوعدلها بالموت.
اعتدل بجلسته بامعانٍ، وتساءل:
_عملت إيه؟؟!
هزت كتفيها في حيرة وتغاضت عن مشاركته في التخمين، بينما استطردت بذكاء ومهارة:
_ عثمان مش طبيعي يا زين، وقت غضبه ضرب ماتيو، وقدر إنه يطبقله وشه كله، إنت متخيل إن ايده تأثر في إنسان آلي، اتصنع من معدن قوي أوي.
طالعها باهتمام، وتساءل:
_المعنى؟
هزت كتفيها بحيرة:
_معرفش، يمكن دراعه مش طبيعي، يمكن مركب طرف صناعي مثلًا!!
وضمت جبينها بإرهاقٍ، وهي تهتف:
_بس أنا وأنا بتعامل معاه مشكتش في حاجة زي دي خالص، الإنسان ده غامض بشكل معداش عليا، وخبثه كله في عقله مش في قوته، وده في حد ذاته نقطة لازم نركز فيها.
ورفعت بصرها نحوه تتساءل بفضول:
_وإنت كنت جاي تشوفني ليه؟
تنهد وهو يسحب نفسًا طويلًا، ليفصح لها عن تحذيره:
_تيام اخترع عقار مسؤول عن الإدراك البشري الكامل، والمفروض إنه حرق التقارير وكل اللي يخص العقار المرعب ده، بس طبعًا دي مش هتفوت عثمان، المختبر كله كان متراقب، وقدر إنه يصنعه ومحدش بيستخدمه غيره.
ضيقت بنيتيها باستفهام:
_إيه العقار ده؟
رد عليها دون أن يؤخر إجابته:
_عقار بيتحكم بالإنسان تحكم كلي، بيسيطر بيه على العقل، ويخليه يطيع كل أوامره، اقتل فلان دمر كذه، حتى لو طلب إنه يقتل نفسه هيعمل كده والعقل مُغيب تمامًا، ومستحيل يفتكر حاجة عملها بعد ما يفوق، وطول مهو بالحالة دي مبينطقش بحرف واحد.
وحرك كتفه بحزن شديد وهو يتابع:
_ويمكن ده تفسير منطقي لبعض الجرايم اللي بتحصل واللي بتخلي المتهمين في حالة صدمة تامة من اللي عملوه، لدرجة إنهم ممكن يفقدوا عقولهم!
جحظت عيناها في صدمة زادت حينما دقق النظر فيها وقال:
_وجودي هنا دلوقتي تنبيه ليكِ، القادة شاكين انه بيستخدم عليكِ نفس العقار يا قُدس.
رمشت بأهدابها الثقيلة بصعوبة، وراحت تتساءل بصدمة:
_عليا أنا!! طيب ليه؟؟
وردت على ذاتها قبل أن تترك له الفرصة:
_أنا فعلًا شكيت إن بيحصل معايا حاجات غريبة، في كل مرة بسترد فيها وعيي، بس اللي مش فاهماه ليه؟ لو هو شاكك فيا هيستخدم معايا اللي يخليني أتكلم وأقر بيه عن نفسي، مش عقار بالمواصفات دي!
هز رأسه مُؤيدًا لحديثها، وأكد عليه:
_دي حقيقة، عشان كده أنا عايزك تكوني واعية لكل حاجة بيعملها الكلب ده.
وسحب ظرفًا مطويا قدمه لها، وهو يخبرها بجدية:
_الدوا اللي بالظرف ده خدي منه حباية واحدة أول ما تشكي فيه، هيساعدك بعد كده تستردي اللي حصل، حتى لو مش كله بس على الاقل هتكتشفي الكلب ده بيفكر في إيه تجاهك!
واستطرد وهو ينبهها مجددًا:
_طبعًا مش محتاج أقولك كل ما أشوفك، إنك لو حسيتي بأي خطر انسحبي بشكل مباشر، وأنا وياسين هنتعامل.
هزت رأسها بتأكيدٍ وجذبت منه الظرف، تفتحه، فتفاجأت بسلسال شبيه لما ترتديه حول عناقها باستمرار، ولكن هذا كان يحمل خزنة سرية وضع فيها مكان صغير فيه مساحة لحبة واحدة من الدواء الذي وجدته داخل الظرف، دست فيه واحدة ونزعت سلسالها تستبدله بالآخر وهي تردد ببسمة هادئة:
_التفاصيل مش بتفوتكم.
منحها بسمة صغيرة، وهدر بمشاكسة:
_عيب يا دوسة، رقبتك متسلمة لناس آمينة، توكلي إنتِ بس على الله ومتقلقيش، هأخد تارك تالت ومتلت إنتِ والبايرة اللي مش عارف نيلت إيه دي!!
واستكمل وهو يضع لثامه ويستعد للرحيل:
_الله يكون في عون الجارحي من المصيبة اللي ارتكبتها، هروح أسلك المسائل إياكش يكونوا خلصوا على بعض وأرتاح أنا بقى!!
*****
الظلام يحوم على الجناح بأكمله، حتى رؤية أصابع اليد تكون محالا، ومع ذلك يميل برأسه على كرسيه أمام النافذة، ويديه تتمسك بذراعي المقعد بقوة، شاردًا أمامه، والبسمة تزور شفتيه من الحين والآخر، بشكل يعجز العقل عن تخمين ما يدور به.
وفجأة يشق صوته سيل الليل، لمن يجلس جواره وهو يردد:
_بذمتك ماتيو مكنتش هايلة.
ومال برأسه صوب محل جلوس الآلي الخاص به بعدما قام بإعادة اصلاحه، وهدر بالإيطالية:
_بربك يا فتي، كانت رائعة، لقد نجت من حيلة قمت أنا بصنعها بنفسي لها، تلك الفتاة تستحق الثناء حقًا.
ومال برأسه للنافذة مجددًا وقد قبض على ابتسامته كالبعوضة التي دعسها من أسفل قدميه، بينما يردد برغبة مخيفة:
_مش هرتاح غير لما تكون معايا وليا، كل ما بحاول أصرف إعجابي عنها بتشدني ليها الغبية!
وضحك وهو يهز رأسه للخلف:
_لا دي مستحيل تكون غبية، دي ذكية بشكل ميتصدقش، لدرجة إنها..
لف رأسه لماتيو وهو ينطق الأسم بشرٍ كأنه يستدعي الشيطان:
_عجبت عزازيل بذات نفسه!
ثم ضم شفتيه باستمتاعٍ:
_دخلت الجحيم وبرجليها، بس realy أنا مبسوط منها وليها باللي عملته ده.
وأشار له بينما تتلاشى عنه ملامحه المستمتعة، ويحل فيه النفور والانزعاج:
_أووف، مش ناقصة هي قرف هارون، مزاجي رايق، افتحي لفقرة الدراما آيلا!
انفتح باب الجناح بأمر منه، فاذا ب"هارون" يندفع إلى الداخل بملامح متعصبة للغاية، يبحث عنه في الأرجاء، ولم يرَه إلا حينما انفتحت الأضواء.
إتجه إليه بخطواته المنفعلة، وقبل أن تتحرر عنه أي كلمة، ردد "عثمان" ببرود:
_خد نفسك بصياحك التافه اللي طالع تعمله وإنزل ارتاح يا هارون، وراك تسليم صفقة أسلحة مهمة إنت وولاد عمك خلال كام ساعة.
وأستطرد وهو يسدد له نظرة قاتمة، بينما يعلن له بجرأة:
_آه على فكرة،الأوامر رجعت تكون في إيدين كِنان من تاني، واللي عليك السمع والطاعة لأوامري قبل أوامره.
كاد الغيظ أن يفجر أوردته، فمال صوبه "عثمان" وقال:
_خرج الكلام اللي محشور في زورك لتفطس يا هارون.
ورفع إصبعه يشير له بتحذير مُقبض جعل الأخير يهتز بوقفته ارتباكًا:
_بس أوعى تقلب معاك وتنسى إنت واقف قصاد مين بالظبط!
وببسمةٍ ساخطة هدر "عثمان":
_متخليش حتة بت زي دي تمشيك وراها زي الكلب، لو كنت عايز أقتلك مين اللي هيمنع أمر صادر من عزازيل بذات نفسه.
واستكمل بتفاخر:
_لولايا أنا كان زمانك إنت وولاد عمك في خبر كان، فأقف عدل كده وإمسح ريالتك وبهدوء تخرج البت دي برة حياتك كلها.
رد عليه باندفاع غاشم:
_أطلعها عشان عينك عليها، وعايز تتخلص مني عشان تكون ليك!
تطلع له وهو يدعي صدمته بشكل أثار ريبة "هارون"، وخاصة حينما تعالت ضحكاته الأكثر رعبًا ثم قبض عليها فجأة وهو يخبره:
_وأنا لو عايز حاجة إنت هتكون عقبة في طريقي!! أنا مش شايفك أساسًا يا هارون!
وتابع وهو يطالعه بثبات:
_كده كده البنت دي ليا، سواء برضاك أو غصب عنك، أنا سايبك تسليها لحد ما أفضى ليها.
هتف باستنكارٍ لكلماته:
_أسليها!
أكد له" عثمان" بقوة تليق بشخصيته الغامضة:
_إنت بالنسبالها كلب بتلهث ورا كل عضمة بترميهالك، والدليل إنك بلعت الطعم اللي رمتهولك وطالعلي ومفكر نفسك هتثور قدامي وتأخد حقك اللي مالوش وجود.
وبنفس إشارة إصبعه صاح:
_فوق لنفسك وخليك فاكر إن بينك وبين قبرك امضة قلم لو خرجت مني مش هيكونلك وجود بعدها.
وأنهى الحديث بينهما وهو يستدير بمقعده للخلف:
_انزل ريح أعصابك من كلامي، وخليك بعيد عن البت دي، دماغها عجباني وهدخل قصادها الجولة الجاية، ويا عالم مصيرها معايا هيكون إيه؟
ثم مال برقبته على حافة المقعد وهو يغمز له بخبث:
_جايز تعوضني عن آيلا وأولادي اللي اتقتلوا، على الاقل هبقى مطمن إنها هتقدر تدافع عن نفسها في أي خطر تتعرض ليه جوه أو بره القصر ولا إيه يا هارون؟
وببسمة خبيثة جعلت الأخير يتطلع له بكراهيةٍ شديدة، وخاصة حينما قال:
_مش إنت هتكون مبسوط إني بحافظ على سلسالنا وبكون أسرة للمرة التانية!
احتقن الغضب بعيني "هارون"، حتى كادت النيران المُنبعثة داخله أن تحرقه حيًا، حتى استمع لقوله الساخط:
_انزل يا هارون، ومتركزش معايا، اشغل عقلك بالنار اللي شعلتها في كل اللي حوليك ومصيرها هتطولك لا محالة!
غادر" هارون" على الفور وهو يحزم نيران حقده وانتقامه، وما أن وصل للطابق المخصص له حتى تفاجأ بصوتٍ حازم يتساءل من خلفه:
_رحيق فيـن؟
******
كانت تغفو على الفراش بتعبٍ شديد، وفوق رأسها منشفة قطنية مبللة بالماء، ولجوارها العديد من الأدوية.
وعلى بعدٍ منها، كان "ياسين" يصلي قيام الليل كما اعتاد، و هذه المرة لامست دموعه سجادته في صلاة القيام، أطال من سجوده وهو يدعو لها بكافة جوارحه، أن يشفيها الله وألا يفقدها.
جسده القوي يصيبه نقطة ضعف واحدة، هو قلبه الذي يعد أضعف نقطة فيه، وقلبه لا ينخضع إلا لها.
سجد يدعو بصوتٍ باكي:
«اللهم إنها أحب الناس لي، فلا تجعل ابتلائي فيها يا الله، اللهم إشفيها وعافيها وإحفظها لي بحفظك يا رحمن، اللهم إن عبدك الضعيف لا يملك إلا الرجاء والتوسل فلا تردني خائبًا يا الله، اللهم إنت تعلم أن القلوب لا سلطان عليها، وقلبي قد مال لها رغمًا عن إرادته فاللهم جمعني بيها بحلالك وباعد بيني وبين شيطان الشهوات والسوء، اللهم إني أسالك عافيتها فاشفيها واحفظها يا الله»
سالت دموعه على سجادته، فانتهى من صلاته وجلس أرضًا يراقبها من محله، وجهها مازال يصطبغ بحمرة الحرارة التي تصيب كافة جسدها، مازالت تهذي بنفس الكلمات المتفرقة:
_بابي..... ياسين..... مارال.....مامي..... زين!!
تنادي على الجميع تباعًا حتى "رحيم"، ومازال "ياسين" عاجزًا عن تركها وهي بتلك الحالة، يتفحصها من الوقت للآخر، ويستكمل صلواته وقراءته للقرآن جوارها بصوته العذب، وحينما يشعر باستكانتها فور سماع صوته كان يطول بالقراءة حتى يغمرها بشعور الإطمئنان والإسترخاء الظاهر عليها.
تسلل إلى "ياسين" صوت الدراجة النارية الخاصة ب"زين"، نهض من محله يبعد ستائر الغرفة ويتفقده، وحينما تأكد من عودته خرج يستقبله بقلقٍ من تأخره.
أسرع "زين" بالدخول، وحينما وجد "ياسين" أسرع صوبه وهو يسأله بلهفة:
_مرين فين؟؟؟؟
نظراته الحزينة قبضت قلب "زين" وجعلته يفطن أنها ليست على ما يرام، وخاصة حينما رأى بقع الدماء المتناثرة على قميصه الأبيض، فإذا به يمسكه من قميصه وهو يصيح برعبٍ:
_مرين حصلها حاجة! رد عليا يا ياسين؟
اخترق مسمعه صوت تآوهات خافتة، قادمة من غرفتهما، جعلته يتركه ويهرول إلى الداخل، تخشبت ساقاه على باب الغرفة، حينما وجدها تغفو بجسدها من فوق عدة وسائد، وإصابة كتفها المغطاة بالعديد من الشاش والقطن قد أفصحت له عن كل شيء.
تلقمه الألم بين أضلعه، ومزقه دون رأفة، عقله البائس لم يتخيلها يومًا بهذة الصورة التي سبق وعاش بها هو وياسين حينما يتعرض كلاهما لأصابات نارية، ولكنها أرق من أن تحتمل هذا الألم القاتل.
تحرك ببطء نحوها، حتى جلس جوارها، ينزع المنشفة عن جبينها ويناديها بصوتٍ متقطع من فرط ما طعن حلقه:
_مرين!!!!!
تحسس وجنتها فوجدها تعاني من حرارة مرتفعة، فرفع بصره صوب "ياسين" الذي لحق به ووقف يستند على الباب بتعب يظهر على عينيه المتورمة، حتى تحرر "زين" عن صمته القصير:
_مين اللي عمل فيها كده؟؟؟؟
رد عليه بصوته المبحوح وقال:
_هيكون مين يعني غيره، ده اللي أنا كنت خايف منه، ونبهتك قبل ما أمشي إنك تعقلها.
ثم شملها بنظرة وجع وهو يستطرد:
_بس كالعادة هي مبتسمعش لحد، بتنفذ اللي في دماغها وبس.
أجابه "زين" وهو يضع المنشفة بالمياه الباردة، ثم طرحها على رأسها مجددًا:
_كان لازم أقابل ليل العربي وإنت عارف، مشيت وأنا فاكر إنها عقلت ومش هتعمل حاجة.
وأضاف بحزن شديد:
_لو كنت أعرف كده كنت فضلت جنبها!!
وتابع وهو يتفقد إصابتها بعدما أزاح الشاش:
_إنت اللي نضفتلها الجرح؟
هز "ياسين" رأسه بتعبٍ شديد، فظهر الغضب والغيرة على وجه "زين" الذي طعنه بنظرة قاتلة، فإذا بالآخر يصرخ من فرط الضغوطات التي وضع بها:
_كنت مضطر!! سيادتك مكنتش هنا وهي كانت بتموت، أعمل إيـــه يعني!!!!!! وأكيد مكنتش هجازف بحياتها لحد ما أوصل بيها أي مستشفى، غير إن ظهورنا مع بعض هيكشفنا كلنا، مكنش قدامي أي حل تانـــــــــي!!
قالها وخرج من الغرفة بأكملها، فتنهد "زين" وهو يسحب الغطاء على ذراعها، ويهمس:
_تعبتينا كلنا يا مرين.
فتحت عينيها بتعبٍ شديد، ثم أغلقتهما، فإذا به يناديها بلهفة:
_مرين سامعاني؟؟؟؟؟
هزت رأسها ورددت بصعوبة:
_زين.
مال صوبها ليستمع لما ستقول، فهمست له:
_عايزة مية.
نهض من جوارها يسحب من ثلاجة الغرفة الصغيرة، زجاجة من المياه، سكب بالكوب الزجاجي، وأسرع لها، حملها إليه بقوة تتناسب مع جسده القوي، حتى تمكنت من ارتشاف بضعة قطرات.
أبعدت الكوب عنها ومالت على صدره، تردد بتعب شديد:
_خليك جنبي، أنا بردانه أوي!
مال بها على الفراش، مُستندًا على الحائط وهو يتمتم ساخطًا:
_لا إنتِ مش بردانة إنتِ مضروبة بالنار يا عيوني.
غفت على ساقه برأسها، وإصابتها نصب عينيه مما زاد من وجعه، فإذا بها تخبره وهي تجاهد تأثير الأدوية:
_أنا عايزة بابي يكون جانبي، وده صعب فإنت البديل يا شبح.
ضحك بنزق على حديثها، ومال يبعد خصلاتها خلف أذنيها بينما يخبرها بصوتٍ منخفض:
_والواد اللي هيموت من القلق عليكِ بره ده وضعه معاكِ إيه؟ إتقي الله فيا وفيه! هتموتينا واحنا في عز شبابنا يا بومة!!!!
ابتسمت على حديثه ورددت بصوتٍ دافئ مطموس بالمشاعر، كأنها تسأله عمن يقصد:
_ياسيـن!!
زوى حاجبيه ساخطًا وهو يهزها برفق:
_الأدوية أثرت عليكِ ولا إيه، كويس إنه خرج لتعترفيله بحبك وإنتِ متدهولة كده، أنا من شوية رميتله نظرة خليته ساب الأوضة وجري قبل ما يقتلني، فإيه رأيك أستغلك وإنتِ بالوضع ده وأضربلكم ورقتين عرفي، عشان بس أعيش مرتاح الضمير.
رفعت رأسها إليه ومنحته نظرة غاضبة، ثم قالت قبل أن تفقد وعيها مجددًا وقد نجحت بتسديد هدفها على من كان على وشك الدخول إلى الغرفة:
_أنا وياسين هنتجوز رسمي وقصاد الدنيا كلها، وهبقى أخلي أولادك إنت ومارال يمسكولنا الشموع.
مال "ياسين" على باب الغرفة من الخارج وهو يتنهد في تعب، وابتسامته الساخرة تزين وجهه، بينما صاح فيها "زين" بصدمة:
_يخربيت سنينك، إنتِ ناوية تخللي الواد جانبك لحد ما أتجوز وأخلف عيال كمان، يعني مش ماشي معاكِ عيل واحد!!!
رددت وهي تغفو ببطء:
_لا ولد واحد مش كفايا يا زين.
هز رأسه بيأس، وهدر:
_هتعنسي إنتِ والواد اللي حيلتي يا بايرة.
ربت على خصلاتها وهو يبتسم على حديثها، ثم ناداها مجددًا وهو يسألها:
_مش هتحكيلي حصل معاكِ إيه؟
سحبت الغطاء من فوقها بانزعاجٍ وأنهت حديثها:
_إسأل القائد.
عند هذا الحد عاد "ياسين" للمطبخ، يستكمل صنع حساء الخضروات الذي كان يصنعه لها، ومازال يبتسم من الحين والآخر حينما يتذكر حديثها مع "زين".
تنهد فجأة وتمتم بضجر:
_لسه هستنى لما يتجوز ويخلف أكتر من مرة، إيه الشروط التعجيزية دي!!!
*****
لم يكن ينقصه في هذا اليوم العصيب، إلا مواجهته، استدار" هارون" للخلف وهو يزفر بضيق شديد، فوجد "تيام" يقابله بنظراتٍ حادة، تملؤها الشكوك حيال أمرها:
_أفندم، بتسأل عن مراتي بصفتك إيه؟
واجهه "تيام" بانفعالٍ شرس:
_متكدبش الكدبة وتعيش الدور يا هارون، رحيق فين؟؟
ترك "هارون" المفتاح معلقا بباب جناحه، ورنا إليه بملامح شامتة بالفرصة التي أتت إليه على طبقٍ من ذهب، فإذا به يهمس له بدناءة:
_جوه في أوضتي، بتستناني، وكل شوية بتبعتلي ليها صورة شكل وبتعبرلي عن شوقها ليا، تحب تدخل معايا وتملي عينك منها؟
لكمة قوية تحررت من "تيام" لفك ذلك المعتوه، فبادله "هارون" اللكمة بأخرى قوية، دس فيها حقده وغله تجاهه وتجاه "عثمان" والجميع.
إلتحم الطرفان في قتالٍ عنيف، ولم يفصلهما إلا "كِنان" الذي اندفع بقوته الجسدية، يحيل بين كليهما وهو يصرخ فيهما:
_في إيـــــــه؟
رفض "تيام" الابتعاد عنه، أراد أن يقتلع عنقه في تلك اللحظة، فصاح فيه "كِنان":
_خلاص يا تيام، اهـــــــدى!!
صوتهما المرتفع جعل" تالا" تخرج من غرفتها، ومن خلفها "نوح" الذي حاول الفصل بينهما هو الآخر، بينما تعلقت "تالا" بذراع أخيها ونادته ببكاء حينما وجدت الدماء تنسدل من فمه:
_تيام.
انتبه لوجودها فدفعها للخلف وأمرها:
_إنتِ إيه اللي طلعك من أوضتك، إمشي من هنا حالا!
رفضت التزحزح من محلها ومازالت تتعلق في ذراعه وتحاول جذبه معها، في تلك اللحظة استغل "كِنان" انشغاله وحرر "هارون" ثم دفعه بعنف صوب باب غرفته وبكره شديد قال:
_ادخل جناحك يا هارون وخلي الليلة دي تعدي على خير.
وزع نظراته الدامية بينهما، وأزاح الدماء عن وجهه، بينما يردد بتوعد لهما:
_فاكرين إني هعديلكم اللي بتعملوه ده، أنا عارف إنكم متفقين عليا، بس اللي متعرفهوش إني عمري ما هديكم الفرصة إنكم حتى تشموا نفسكم.
وأضاف وهو يوزع بصره نحو "تالا" و"نوح":
_آه نسيت أبارك للعرسين مش فرحهم بكره بردو.
وأضاف بابتسامة شيطانية:
_ولو بعتوهم لآخر الدنيا إيديا هتوصل ليهم بردو.
تلك المرة انقلب "كِنان" من الدفاع إلى الهجوم، حينما رنا صوبه وهدر فيه بخشونة مرعبة:
_قبل ما إيدك تطولهم هتكون رقبتك بتتدحرج تحت رجليك، أوعى تنسى تمامك ووضعك في وجودي، وجهز نفسك للي جاي، عشان كله هيبقى إهانة فيك.
قالها وسحب شقيقه ودفع "تيام" الذي يضم شقيقته وهو يصيح فيهم:
_يالا من هنا، اتحركوا.
انصاع له الجميع، وتحركوا رفقته حتى غادروا من أمام أعين "هارون" الحارقة والمتوعدة لكلُ منهم.
اجتمعوا بغرفة "نوح"، جلس" كِنان" قبالة "تيام" الذي يلتقط أنفاسه الهادرة بصعوبة، بينما يهاجمه الآخر بعتابٍ:
_ممكن تفهمني إيه اللي عملته ده؟؟ مش قولتلك تنسى البنت دي وتبطل تنكش في هارون، إنت عايز إيه منها يا تيام مش خلصنا؟!
كان "نوح" يجلس لجواره، و"تالا" تعد لأخيها كوبا من المياه، أحضرته واتجهت إليه، ولكنها تجمدت فور أن استمعت له يقول:
_رحيق مختفية من القصر من كام يوم، الحقير ده أكيد آذاها!
سقط الكوب من يدها أرضًا، فاسترعت انتباه الجميع، كان "نوح" أول من هرول لها، يعاونها في لم الزجاج ويهدئ من روعها، في حين أن كسب "كنان" اهتمام "تيام" له عسى ألا يشك في شقيقته:
_هيعمل فيها إيه يعني! هي بتفضل في الجناح بالكام شهر محدش بيشوفها اصلا!
رد عليه بغضب حارق:
_مش في جناحه.
اندهش "كِنان" مما قال، وسأله بشكٍ:
_إنت دخلت جناح هارون يا تيام؟؟
تابع "نوح" و"تالا" الحوار بينهما بقلق وارتباك، فإذا به يجيب:
_أيوه دخلت جناح القذر ده وشكوكي زادت ناحيته، رحيق بالفترة الأخيرة كانت بتحاول تحكيلي حاجة، بس أنا من غبائي وغيرتي مكنتش مديها أي فرصة، اختفائها ده بيأكدلي إن في حاجة غلط وأنا لازم أعرفها، ومش هسكت الا لما ألقيها سامـــــع!!
زاد الرعب جليًا في أعين الجميع، فاذا ب"كنان" يقطع الصمت بسؤاله:
_إنت منستهاش يا تيام؟
منحه ابتسامة ساخرة، قبل أن يجيبه:
_هو أنا كنت نسيتها قبل كده عشان أنساها دلوقتي!
تيقن "كنان" بأنه لن يتراجع حتى يستخرج ما دفن بالماضي، نبشه فيما مضى سيجعل نهاية "هارون" وشيكة، والمخيف بالأمر أنه ليس بالهين، فلن تكون نهايته سهلة المنال، مؤكدًا بأنه سيعيث بأعماله الماكرة ليتمكن من النيل من كليهما.
استقام "كنان" بوقفته وهو يشير لهم:
_اقفل الموضوع ده دلوقتي، وقوم ارتاح شوية قبل الفرح، لازم نفكر إزاي هنبعد نوح وتالا عن عيون هارون اللي شكله بيراقبنا وعارف اللي ناويين عليه.
لحق به "تيام" وقد حاوط كتف شقيقته، ومضى برفقتها لغرفتهما، بينما رنا "نوح" من أخيه وقال:
_هيعمل إيه لو إتأكد أن هارون فعلا أذى رحيق وأنه ممكن يكون قتلها أصلًا؟؟
استدار له "كِنان" وهو يشير له:
_وطي صوتك يا نوح، تيام مش لازم يعرف اللي حصل سامع، نبه على تالا متجبلوش سيرة بأي حاجة لحد ما أشوف هحلها ازاي دي!
وربت على كتفه يطالبه:
_يلا يا حبيبي ادخل نام انت، وراك فرح الصبح وليلة بطولها يا عريس.
عدل نظارته الطبية بإصبعه وهو يجاريه بنظرة غاضبة:
_إنت ليك في الكلام الفاسق ده يا كيوي، بترميلي ايحاءات مش لذيذة ولا لايقة عليك أصلًا.
ضحك رغمًا عنه ومازحه بخبث:
_والله أنا اللي خايف عليك لتفضحنا أصلًا، إركن أخلاقك العالية دي يالا مش هتأكلك عيش، ولا يكونش خوفك من أخوها ربالك عقدة، صارحني يا حبيبي ده أنا أخوك الكبير وزي أمك!
رفع حاجبيه بسخط:
_أمي!! هي فين أمي دي أصلًا، إحنا شبه اللي اتولدنا من رحم صناعي يا كيوي، أعتقد مفيش حد في العيلة قتالة القتلة دي شاف أمه، عشان كده كلكم طلعتوا زرع شيطاني، الا أنا طالع محترم وعلى الفطرة.
تشكل الألم على وجهه من حديثه، ومع ذلك رسم بسمة ساخرة:
_مصدق إنك محترم وعلى الفطرة يا قلب أخوك، ربنا يسترها معاك دنيا وأخرة، ويسترنا قدام تيام اللي لو مسك عليك الزلة المرادي هيخلعها منك وش في المحكمة.
وتركه وهو يتمتم بنزق:
_تصبح على خير يا نحنوح!!
صفق "نوح" كفًا بالآخر وهو يردد:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، أخويا أخلاقه انحرفت، يا خسارة تربيتي فيك يا كيوي!
*****
ولج "كِنان" إلى غرفته، يبحث عن زوجته التي تنزوي عن الأعين بالفترة الأخيرة، وكلما حاول التسلل لعقلها يفشل في معرفة ماذا أصابها؟
وجدها تجلس على الشيزلونج القريب من الشرفة، الحزن يجعلها كالزهرة التي انطفأت، جاورها "كِنان" وناداها:
_رزان!
مالت إليه بعينيها المتورمتين، ومنحته نظرة صامتة، اخترقت قلبها النابض بين ضلوعه، فإذا به يضم وجهها الذابل، ويتساءل بلهفة:
_مالك يا حبيبتي، فيكِ إيه؟
تعمقت بالتطلع لعينيه، ويدها تضم يده المحتضنة لوجهها، زادت في بكائها وهي لا تعلم من أين وبماذا ستخبره؟
صعق حينما تعالى صوت بكائها، فجذبها بين ذراعيه، ومازالت يده تضم وجهها وتقربه من رقبته:
_حصلك إيه بس يا روز؟
ترددت عنها شهقات متقطعة، أرادت أن تريح ذاتها من الهم الثقيل الذي تحمله، أرادت الإفصاح له عن السموم التي تسللت لجسدها، ولكنها وجدت نفسها تقص له عن ألمٍ آخر يدمرها:
_هارون قتل رحيق صح يا كِنان؟
زاد من ضمها بصمتٍ، بينما تعود هي لحديثها المنكسر:
_أنا ماليش في الدنيا غيرها، هي الوحيدة اللي كانت جانبي وحاسة بكل معاناتي، شاركتني وجعي ووحدتي وكل شيء بعيشه، حرام اللي حصلها ده والله حرام.
وتابعت وصوت بكائها يزيد تارة فالآخرى:
_عاشت معاه مظلومة وبعدها بردو بظلمه وتجبره، تيام كمان ظلمها ولازم يعرف ده، أنا هقوله الحقيقة كلها، أيوه هو لازم يعرف عشان يموت من عذاب الضمير اللي غايب عنه.
أبعدها "كِنان" عنه وهو يضم وجهها بين يديه بخوفٍ:
_لا يا رزان، أوعـــي تدخلي نفسك في الحرب اللي ما بين هارون وتيام أوعــــــــــي!!
واسترسل بهلعٍ وخوف عليها:
_لو عملتي كده هارون مش هيسمي عليكِ، عشان خاطري أوعي تعملي كده.
منحته بسمة ساخرة، ورددت بصوت خافت:
_هيعمل معايا إيه تاني وحش أكتر من اللي عمله فيا، ده شيطان مش بني آدم، أنا بقيت واثقة إنه مستحيل يكون أخويا.
حديثها كان غامضًا إليه، بالشكل الذي دفعه لسؤالها:
_عمل إيه هارون؟ إنتِ مخبية عني حاجة؟
توترت ملامحها، وتهربت من الإجابة بقولها الساخر:
_كل اللي أنا فيه ده وعملي إيه؟ ضربه وإهانته ليا واصراره إني أكسر نفسي قدامك عشان تقبل تتجوزني وبتسألني عمل إيه؟؟ إجباره ليك إنك تتجوزني غصب عنك وبتسألني!
شدد من ضمه لها وصاح بجدية تامة بينما يدقق النظر في زرقتيها الحمراء:
_نهاية قصة الحب اللي ما بينا أكيد كانت هتكون الجواز يا رزان، إنتِ واثقة من حبي ليكِ، فإيه لازمته الكلام ده؟؟؟ معقول بتشككي في حبي ليكِ.
مالت على يديه ببكاء وهي تهز رأسها بنفيٍ، بينما تزحف نحو أحضانه وهي تهمس بصوتٍ مبحوح:
_أنا تعبانه أوي يا كِنان، نفسي أمشي من المكان ده، خدني في أي حتة تانية، أنا بتخنق هنا.
شدد من ضمها وهو يقبل رأسها وخصلاتها، فإذا بها تطالبه بمشاكسة حزينة:
_بقولك مخنوقة، محتاجة هوا نقي، يمكن ينفعني في وضعي ده.
ارتسمت ابتسامة جذابة على وجهه، وردد بسخرية:
_إنتِ حججك بتكتر خدي بالك، ما تيجي دغري وتقوليلي ليتس جو يا سوبرماني، وهقولك بينا من غير وصلة النكد دي!
أحاطت رقبته وتعلقت فيه وهي تميل على ذراعه بإرهاق:
_let's go.
ضحك من قلبه وهو يحل عنه قميصه، ثم ارتفع بها وهو ينبهها ساخطًا:
_لو ردار عثمان لقطني كل يوم والتاني وأنا واخدك أفسحك، هطلقك بالتلاتة ومن غير ولا قلم.
أغلقت عينيها باستمتاعٍ ورددت:
_متقدرش تستغني عني، ولا عشان عثمان ولا هارون ولا أي قوة على وجه الأرض.
زاد من ضمه لها وقال بصدق عاشق عاش على حبها:
_ولا حتى قوة من الجحيم يا روزيلا!
*****
وضع "ياسين" الحساء والعصير على الصينية، وما أن استدار حتى تفاجأ ب"زين" يقترب منه، ويجلس على المقعد المعتاد له قبالة الرخامة، يخبره عما أبلغه به "ليل العربي"، وعن زيارته ل" قدس" وما أخبرته به، وضع "ياسين" ما بيده على الرخامة وردد بحيرة:
_لو عثمان مركب طرف صناعي أعتقد قدس كانت عرفت بده من أول ما بدأت تمارين معاه، أكيد في حاجة تانية ورا الحوار ده.
هز "زين" رأسه، وقال:
_كِنان كلمني وبلغني أكون عنده من بدري، بيقول في عملية مهمة جدًا هيقوموا بيها هما التلاتة.
رد عليه وهو يخمن عن طبيعة تلك المهمة:
_كويس إنه ابتدى يثق فيك وهيدخلك معاه في عمق أكبر من اللي قبله، بس خد بالك الكلاب دول ملهمش أمان، وبالأخص عثمان القذر.
على ذكره ابتسم "زين" وفاه بفخر:
_زمانه هيموت من القلم اللي ختمته بيه مرين، قدس قالتلي إنها أول مرة تشوفه بالغضب ده، أنا حقيقي فخور ببنتي الغالية،المرة الجاية تهورها هيطول هارون وعثمان الكلب.
سدد له "ياسين" نظرة غاضبة، جعلت الآخر يسحب ملعقة ويتناول الحساء وهو يشير له:
_روق بقى يا جارحي، البت الحمد لله تجاوزت مرحلة الخطر وهتبقى زي الفل، هنفضل نبكت وننكد على نفسنا ليه ما نفرح بالإنجاز اللي علم على قفا "عثمان التميمي"، واللي مش هيكون الأخير قول إن شاء الله.
صرخ فيه بعصبية بالغة:
_الأخير منها هي، لكن احنا الجايات كلها لصفنا، وياريت تعقلها وتقنعها باللي بقوله، وإلا أقسم بالله لأبعدك إنت وهي عن المهمة دي ساامع يا زين!!
ترك الملعقة بالطبق ورفع يده على قلبه بدراما مضحكة:
_بتتخلى عني يا جارحي!! هان عليك يطلع على لسانك كلام زي السم كده، هانت عليك العشرة والعيال وقسيمة الجواز اللي ما بينا، أخص عليك ده حتى دم الشهود على أم دي جوازة لسه مبردش بس أنا مش هزعل منك عارف ليه؟
زوى حاجبيه بسخرية، فسحب" زين" الملعقة واستكمل طعامه بخبث:
_عشان البايرة قايمة بواجبها معاك، هيبقى أنا وهي عليك، لا أنا قلبي رهيف وطيب يا جارحي.
واستطرد بينما يشير له بغرور على ذاته:
_ده غير إني مش محتاج أتغر وأنا بحكيلك عن بطولاتي، وإنك للأسف من غيري متقدرش تنجح بأي مهمة، لإن كل واحد مننا بيكمل التاني، اللي متعرفش تعمله أنا فنان فيه، وإنت كذلك، فمن الآخر من غير الحلة والغطا الطبخة مش هتستوي.
تنهد بضجر وهو يتمتم:
_يادي المطبخ اللي مبتخرجش منه.
وصاح بصدمة وهو يتأمل الطبق الذي أصبح فارغًا:
_إنت أكلت أكل أختك!
خطف نظرة للطبق، ثم رد عليه بضيق:
_ما إنت اللي نفسك جاحد في أي حاجة، حتى أكل العيانين يا مفتري، إنت مكانك في المطبخ مش الجهاز اسمع مني ومتراجعش ورايا.
سحب "ياسين" صينية الطعام الفارغة، وصوبها فوق رأسه وهو يتمتم بعصبية:
_هلاقيها منك ولا منها ولا من مين بالظبط!!!!!!
خرج من خلف الحائط يهز كتفه بدلال:
_لو مش عاجبك طلقنا احنا الإتنين، وشوف مين هيبص في خلقتك العكرة دي يا جارحي!!
قضم شفتيه معًا وهمس وهو يحاول الاسترخاء:
_اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه.
رفع "زين" ذراعيه من خلف الحائط الذي يتخذه وسيلة نجاة له:
_آمين يا ررب، ألطف بيه من خطط مروان أشطا اللي هتجيب أجله وأجلي يا ررب.
وأدلى برقبته له وهو يخبره بشماتة:
_قفشتك وإنت بتتصنت علينا، يالا متنساش إني الشبح الجبار، بس شمتان فيك، بتقولك هتتجوزك بس بشرط أتجوز أنا وأجبلكم دستة عيال، فإنت مجبور تدعيلي قبل وبعد الجواز إن ربنا يعجلي بالخلف.
وأضاف بسخرية مضحكة:
_ولازم تبقي ذكي، وتسلكني من رحيم توابيت، بمعني إنك تطلع بدالي المهمات السرية اللي بيرميها عليا، وتسيبني أجتهد في تحقيق شرط البايرة دي، وأجبلكم دستة العيال اللي هيمسكولكم الشمع.
تفاجأ "زين" بفوه السلاح مسددًا على رأسه، فرفع يديه وهو يتمتم:
_بسم الله عليك يا حبيبي، إنت مش تباعنا فوق كده وروق إنت من عيلة الجوارحه بتاعت الورد والشوكولاتة مالك هنجت معانا ولا إيه؟؟ القفشة دي قفشة رحيم زيدان!!!
دفعه "ياسين" من أمامه وهو ينذره بغضب ساحق:
_اختفي من قدامي، بدل ما تشوف أسوء نسخة مخبيها فيا، وأسوء من الأسطورة نفسه.
ابتلع ريقه وهو يدعي الخوف، ثم أشار له:
_همشي ولما نسختك تنصرف اعملي بيض بالسجق لحسن واقع من الجوع أنا!!
*****
ولج إلى مكانه السري، قاصدًا غرفتها، طالعها وهي تصارع للحياة على الأجهزة بنظرةٍ شامتة، انخفض صوبها وهو ينزع قناع الأكسجين عنها.
فتحت عينيها الثقيلة بتعبٍ شديد، فانكمشت معالمها ضيقًا وانزعاجًا حينما رأته أمامها، وصوته الكريه ينطلق إلى مسمعها:
_حبيب القلب بيسأل عنك، شكلك لسه معششة جوه قلبه!
تدفق الدمع من عينيها، وهي تقابله بنظرة بثت فيها كراهيتها الشديدة له، بينما يتابع هو:
_لو فاكرة إني بإنقاذي ليكِ من الموت هكون بديكِ فرصة معاه تبقي بتحلمي يا رحيق، ده أنا أقتلك بإيديا قبل ما تتجمعوا مع بعض.
حاولت إبعاد عينيها عن محله، فلف يده حول رقبتها ليجبرها على رؤيته:
_بصيلي وملي عينك مني كويس، اللي عيشتيه معايا ده نقطة في بحر، أوعي تكوني فاكرة إني كنت هسيبك تخلفي مني بجد، تبقي هبلة، إنتِ بالنسبالي صفقة زي أي صفقات من اللي بتم على الأجنة في المستشفى الخاصة بينا، بس إنتِ اللي استفزتيني وخلتيني أفقد أعصابي، بس بردو مش ندمان على أي حاجة تخصك، إنتِ بالنسبالي كرت محروق يا رحيق.
ودفعها بعنفوان على الفراش، فتأوهت بضعف وهي تميل على الوسادة تناجي ربها بصوتٍ مبحوح، ودموع تنسكب على الوسادة بغزارة:
_يا رب، ألطف بيا وإرحمني!
*****
طمس الليل بسواده الكحيل، وأشرقت شمس يومٍ بدايته كانت غامضة مثله، استعدت "قدس" جيدًا للقاء وحش القلعة كما لقبته.
صعدت للطابق الأخير وفور اقترابها من الجناح وجدت بابه ينفتح من أمامها، كأنه كان بانتظارها، ولجت للداخل بخطواتها الواثقة، فوجدته يجلس بانتظارها بابتسامة واسعة، كأنه لم يكن على وشك قتلها بالأمس، بل ويستقبلها بترحابٍ:
_صباح الجمال كله يا دكتورة.
ضيقت عينيها بنظرة مستنكرة، وبقيت تراقبه بصمتٍ وهي تعقد بذراعيها أمام صدرها، تلاشت ابتسامته وردد بحزن خبيث:
_وشك مرهق ليه يا دكتورة، إيه اللي طير النوم من عيون الغزال دول!
تحررت عن صمتها بسخريتها من حديثه:
_الطور اللي قابلته هنا امبارح راح فين؟ أعتقد إنك محتاج تتعلم إزاي تتعامل مع ضيوفك!
تحررت ضحكة جلجلت منه، وهو يتأملها بنظرة عميقة:
_هو فعلًا طور ومعندوش أي ذوق، عمومًا حقك على رأسي أنا يا جميلة، متزعليش عشان زعلك بيضايقني.
قابلته بنظرة باردة، رددت من بعدها بجمودٍ:
_يا ترى الإعتذار ده خارج من مين، من طور امبارح ولا النسخة الحالية.
ضحك مجددًا وأشار بيده:
_احنا الاتنين.
تجاهلت قوله، ومضت صوب حقيبتها تستخرج الجهاز الذي جذبته لتكشف عن أمر ذراعه، واتجهت نحوه وهي تحذره:
_اللي حصل امبارح ده لو اتكرر تاني أنا هنسحب من هنا، أنا مبشتغلش عندك.
رنا إليها بمقعده، ورد بغموض تام:
_مش هيتكرر تاني، مش عشان تهديدك ده لأن زعلك فعلًا بيفرقلي يا دكتورة.
تغاضت عن نظراته الغامضة، وأشارت له بالنهوض ليستند على السور الخشبي الخاص بتدريباتهما، ثم طالبته بالمرور والعودة بمفرده.
فعل "عثمان" مثلما طلبت منه، وأخذ يخطو بخطوات بطيئة، بينما تتابع "قدس" يده بمهارة وذكاء، واذا بها ترنو صوبه وهي تشير بالجهاز الذي تحمله:
_ده لازم يكون حولين رجليك.
هز رأسه برفق، بينما انحنت هي وقامت بعقده ، وحينما نصبت عودها ادعت انزلاق ساقها وكادت بالسقوط، فسارع "عثمان" بمسكها، تعلقت بذراعه وقد تعمدت غرز أظافرها الطويلة بلحم ذراعه، والآخر يتطلع لها بابتسامة هادئة ونبرة أكثر رزانة:
_على مهلك يا دكتورة.
خطفت نظرة لذراعه فرأت بقعة الدماء تظهر من أثر أظافرها، اسرعت "قدس" بالإعتدال بوقفتها، وهتفت وهي تبعد خصلاتها للخلف:
_جرحت إيدك، أنا آسفة.
قالتها وهي تشير على ذراعه، فرد عليها بنفس الإبتسامة:
_فداكِ، المهم إنك متتأذيش، مش إنت بخير يا جميلة؟
سددت له نظرة حادة، وإتجهت لحقيبتها تجذب القطن واللاصق الطبي، ثم عادت تنحني أمام مقعده بعدما عاد إليه:
_طالما جرحتك هدويك.
مد ذراعه على الفور، وهو يغمز لها:
_يا ريت كل المداوية كده، هشرحلك نفسي هنا لو تطلب الأمر.
انتهت من وضع اللاصق ونهضت تردد بسخط:
_والله عندك انفصام بالشخصية.
رد بما جعلها تطالعه بصدمة:
_لو شايفاني شخصين فاطمني الاتنين وقعوا في حبك يا دكتورة!
وتابع وهو يدقق النظر فيها، غير عابئ بصدمتها:
_الوحش وقع في حب الجميلة أم عيون زي الغزال!!!
******
وصل عدد من السيارات السوداء إلى بقعة منعزلة عن أطراف المدينة، والخاصة بعالم السلاح السفلي، المكان المخصص للمزاد العلني لنوعية الاسلحة الحديثة، التي تطئ السوق لاول مرة.
هبط من إحدى السيارات هارون وحاشيته المكونة من سبعة رجال بأجسادهم الضخمة، ومن خلفه سيارة كِنان الذي هبط منها تيام، وزين الذي تكفل بالقيادة، وكان يلتحف بنظارة قاتمة تجمع كل لقطة خاصة بهذا المكان الاجرامي.
وبالسيارة الآخرى رجال كِنان بقيادة حيدر، الذي لا يرى سوى سلطان، خصيمه اللدود، منحهم هارون نظرة عدائية ورنا صوب الباب الحجري المثقوب داخل الكهف، والذي من المحال أن يشك في أمره أي انسان.
ولج هارون ومن خلفه رجاله، بينما اتبعه تيام، وقد أشار كنان لحيدر ورجاله باللحاق به لحمايته، بينما رنا صوب زين وببسمة خبيثة قال:
_أنا فاكر وعدي ليك، جهز نفسك عشان هتخلص النهاردة.
تجعد جبين زين بدهشة، وتساءل:
_إتاكدت من خيانته؟
هز رأسه بالنفي، وبثقة هدر:
_هنتأكد دلوقتي وبعدها مش هسمي عليه!
وتقدمه وهو يشير له بتحذير وجدية:
_خليك ورايا يا سلطان، وأوعى ترتكب أي غلطة جوه، الناس دول مبيهزروش!
لحقه زين لهذا المكان الذي يستكشفه لأول مرة، مكان دمس أسفل الأرض، مخفي عن الأعين، يجتازه طاولة عريقة من الرخام الحجري، ويحيطه عدة مقاعد، بينما تلتف فيه عدد من الشاشات الضخمة، تعجب زين مما رآه ولكنه يعلم بأن باطن تلك العائلة يحوي المبهر وما لا يستوعبه عقل البشر.
لحق بكِنان وهو يسلم على أفراد من هيئة بدت من جنسيات مختلفة، أغلبهم من الصين، والأخرون بدوا بأنهم بجنسية أمريكية، وأخرى من كوريا، والصادم في الأمر وجود جنسيات عربية المظهر، عدد مهيب من الجنسيات العربية والغربية.
وقف يراقب تفاصيل المكان والوجوه بأكملها، حتى أتت اللحظة التي اجتمع فيها الجميع حول الطاولة الخشبية الدائرية، ولم يتبقى الا ثلاثة مقاعد، منهم المقعد الأساسي للطاولة، والمقعدين يتطرفان على الجانبين.
ابتسم كِنان بمكر وخاصة وهو يرى حيدر ملتصق به، وعلى الجهة الاخرى يقف سلطان، الذي أشار له فانحنى صوبه،فاذا بكِنان يهمس له بصوتٍ شبه مسموع:
_حطيتله السم على الكرسي؟
هز زين رأسه بحبور وخبث يفوقه:
_آيوه،بس إنت واثق إنه هيقعد عليه؟ مش المفروض إن ده بقى مكانك!!
رد ببسمة باردة وهو يراقب تغير ملامح حيدر:
_عارف،بس لإني عارفه فهو هيصر يقعد عليه عشان الكبار ميعرفوش إني رجعت مكاني،وأنا مش همنعه، بالشفا على قلبه.
جحظت عيني حيدر بصدمة، بينما يتابع الجميع المشهد، فاذت بهارون يتقدم من المقعد الاساسي وكاد أن يجلس من فوقه، لولا أن ردد تيام بغلظة:
_مبقاش مكانك، بقى مكان كِنان وبأمر من الديزل.
احتقنت معالمه غضبًا، بينما يجذبه كِنان وهو يقول بخبث:
_سيبه، اقعد يا هارون.
عدل هارون جاكيته بغرورٍ، وأتجه ليحتل المقعد، فاذا برسالة على هاتفه تأتيه، فجعلته ينحرف بنظراته الغاضبة صوب كِنان الذي همس لزين:
_ نفذ.
ابتسم بتشفي وهو يرفع رأسه بتعالي:
_بكل صدر رحب.
رفع كِنان من صوته وقال بسخرية:
_وقفت ليه يا هارون ما تقعد يا حبيبي؟
جلس هارون على المقعد الجانبي وهو يشير له بمكر ظنه سيقلب ما فعله ضده:
_ده مكانك إنت ميصحش بردو.
تعجب تيام بما يحدث بينهما، ولكن كِنان فجأه حينما جلس وهو يضع ساقًا فوق الآخرى، في نفس لحظة سقوط جسد حيدر أرضًا أسفل قدمي هارون، ومن خلفه طل زين بعدما حطم عنق الأخير، وعاد يحتل محله جوار مقعد كِنان تاركًا الافواه تكاد تصل للارض من فرط الصدمة، بأن ذلك الحارس بالرغم من جسده العضلي القوي ولكنه يبدو ضعيفًا مقارنة بجسد حيدر العملاق، كيف تمكن من قتله بتلك السهولة وهذا الدم البارد!!!!!!!!!
قطع كِنان الصدمات المنتشرة على الوجوه حينما قال:
_دعنا مما حدث، ولنبدأ المزاد العلني.
وأشار بيده لرجاله الذين احتشدوا جميعًا لحمل هذا الجثمان الضخم، بينما تحرر أحد الرجال عن صمته حينما قال باعجاب شديد:
_كيف استطاع هذا الحارس بكسر عنق حارسك الآخر، وقد يبدو لنا الفرق بينهما!
تخلف زين عن صمته وأجابه بثبات قاتل:
_إن كان استعراض القوة لكم بالاجساد الضخمة لأهتم الجميع بآبر تضخيم العضلات، وليس قوتهم الجسدية.
استفز بحديثه من بالقاعة، بإذا بكِنان يحذره بنظرة سريعة ويحاول استدراجهم لما أتوا إليه:
_دعونا نبدأ بالمزاد، ولنستقبل عدد المشتركين.
وأشار لتيام بالسماح لهم بالظهور على الشاشات، ولكن أحد الرجال منعه وهو يتمتم:
_لقد أعجبني ما قلته للتو أيها الشاب، ولكننا بحاجة لتبرهن لنا هذا علنًا.
وأشار على نفسه وعلى بقية المجموعة قائلًا:
_نحن من جنسيات مختلفة، ولكلٌ منا حُراسنا الذين تم تدريبهم على أعلى مستوى، فلما لا تقبل بالنزاع بينكم لنرى حقًا إن كانت القوة لا تقاس بالاجساد الضخمة أم أن حسن الحظ هو من خدمك اليوم!
ارتعبت ملامح كِنان خوفًا على صديقه، فنصب عوده وهو يشير له:
_سيد مايكل لقد بالغت في الأمر قليلًا، اجتمعنا اليوم لحضور مزاد علني خاص بالاسلحة الحديثة وليس لاستعراض قوة رجالنا!
ساهم أحد رجال الصين بالحديث قائلًا:
_هيا سيد كِنان، الأمر ليس بهذا السوء، الفكرة نالت اعجاب الجميع.
وقال الآخر بانتشاء مرضي وهو يشير على الشاشات:
_لا تنسى أن هذا جزءًا من عملنا، الرهان والفارس الرابح، لذا فليضع كل منا رهانه على فارسه الخاص.
ارتشف هارون من كأس الخمر الخاص به بتشفي بهذا الحارس الذي قضى على الخائن الذي يسرب له أسرار كنان، ودعمهم حينما قال:
_لا آراها فكرة سيئة!
التفت كِنان إلى زين بقلق وخوف، بينما الآخر قال مُبتسمًا:
_هأخد على الجتة مية ألف دولار، أقعد وعد.
صرخ فيه كنان غاضبًا:
_اخرس يا سلطان إنت مش فاهم حاجة مكنش ينفع أدخلك هنا، أنا غلطت!
رد ببرود وعدم مبالاة:
ولا يقدروا يعملولي حاجة.
تغاضى عما يقول وعقله يعمل بسرعة البرق، فاذا به يسحب تيام ويخبره بهمس خافت:
_كلم صاحبك ده وخليه يجي، اطلع قابله بره ودخله هنا على إنه راجل من رجالتنا.
جحظت عينيه في دهشة تحررت له:
_إنت اتجننت ولا ايه، مال عمر ومال قذارتكم دي إنت عايز منه أيه؟؟؟
رد عليه بحزم وقد نجح بزرع التوتر والارتباك فيه:
_الموضوع أكبر مما تتخيل، الكلاب دول لو غلبوا سلطان هيحطوا علينا، وده هينتهي بكارثة مع عزازيل نفسه، هاااا هتتحرك ولا الليلة تسود كلها علينا!!
تمتم بحيرة وعدم فهم:
_مش فاهم حاجة، ومال عمر باللي بيحصل وهيحصل؟
دفعه بقوة وغضب:
_بعدين هفهمك نفذ اللي بقولك عليه وحالا، صاحبك لازم يكون هنا خلال عشر دقايق من دلوقتي حتى لو هتبعتله هيلكوبتر سامــــــــــع!!!
