رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني (عزازيل A. O. 666) الفصل الثامن
نظراتهما كانت في مواجهة شرسة بين شخص ظن أن لا أحد يتعدى حدود ذكائه الفائق، وأستاذ عقله كالميزان لا يترك هفوة دون أن يقيمها، بل وتفوق على فريقه بعقله الألماسي، رغم قوة جسده التي يمتلكها، التفاصيل الصغيرة قد تفوت أي شخص آخر غيره هو، ذاك الجينرال الذي ورث عن "دنجوان" عائلته الذكاء، ومن أبيه وقادته قوته الجسدية والعسكرية.
بل ولأول مرة يقف "عثمان التميمي" حائرًا أمام ذلك الرجل، الذي ظن أنه من السهل التغلب عليه وجعله خادمًا مطيعًا له، لقد وقع الاختيار عليه وعلى ذاك "السُلطان الثائر"، ولكنه ما أن قرر مقابلتهما حتى بدأ بأكثر من لفت انتباهه من بينهما، وقد فاق توقعاته منذ أول دقيقة في لقائهما.
راقبه "عثمان" بنظرة هادئة، ومازال "ياسين" معصوب العينين، يركز انتباهه وسمعه لأي صوت أو حركة تلتقطها أذنيه، حتى تحرر "عثمان" عن صمته:
_ويا ترى وصلت للرمز السري بتاعي من وقت دخولك للمكان هنا؟
ارتسمت بسمة ساخرة على شفتيه، وقال بثبات:
_معلوماتك متأخرة شويتين، وصلي الرمز من أول سلاح شيلته وأنا بدافع عن تيام وقت الهجوم.
ثبات معالمه كان مقلقًا، وخاصة حينما احتلته بسمة صغيرة جعلته أشد خطورة، بينما يميل برأسه صوب أحدٍ من رجاله، فهز الرجل رأسه في طاعةٍ، ومضى صوب "ياسين" يحرر عصبة عينيه، ليصبح كلاهما في مواجهة الآخر وجهًا لوجه!
رآه "ياسين" يجلس على مقعده ببذلته الرمادية الشبيهة للون عينيه، وهو يطالعه بثبات وقوة، خطف نظرة سريعة له، وقد قرأ في عينيه مكرًا وخبثًا يفوق كل أفراد عائلة "التميمي".
فضل الصمت والترقب لخطوته القادمة، وقد فعلها "عثمان" حينما قال:
_على كده بقى إنت خبرة في الأسلحة وأنواعها عشان تميز العلامة الخاصة باسمي على السلاح!
أجابه برزانة وصلابة نالت اعجاب "الديزل":
_هو وإنت بتجمع معلوماتك عني قالولك إني ملاك بجناحين!! اعتقد إن الاشخاص اللي كنت بتخليهم يراقبوني طول ما كنت مع تيام بلغوك أنا هربت من مصر ليه، زي ما بردو مهاراتي في قتل القناصين اللي هاجموا تيام عرفتك أنا إيه؟
قبض يديه ومال يستند برأسه عليهما:
_أوه، إنت مذاكر كويس وكأنك كنت متوقع إنك هتواجهني أنا بالنهاية!
اتسعت ابتسامة" ياسين" وقد ازداد غرورًا:
_مش توقع، ده ثقة إنك هتكون في انتظاري في أخر جولة ليا.
رفع حاجبيه دلالة على الاعجاب بشخصه، وقال بمكر:
_يعني صداقتك بتيام كانت مزيفة عشان توصلي!
ظن أنه سيوقع به، ولكنه يوقع بعالمه بأكمله دون أن تتعرقل ساقاه:
_لو اتهامك ده صح مكنتش هجازف بحياتي أكتر من مرة عشان أحميه، ثم إني شخص واضح وجريء، لو كنت عايز أشوفك كنت جيتلك في مكانك وش ومفيش مخلوق هيعرف يوقفني.
سأله "عثمان" بغموض:
_وإيه مانعك تنفذ جرائتك؟
أجابه بخبث يفوقه:
_لأني اتعودت إن اللي بعوزه هو اللي بيجيني برجليه، زي ما حصل دلوقتي كده!
ضيق رماديتاه بضيقٍ، رغم أن شخصه قد نال استحسانه، وإذا به يردد بخشونة:
_إنت شوفت من شوية جانب صغير من شغلنا، مش خايف اني أصدر فرمان دخولك الـ Red room ويكون مصيرك زيهم!
تعمق بالتطلع له وهو يقرأ عينيه جيدًا ثم قال:
_مبخافش من الموت، بالعكس أنا وهو نفسنا طويل أوي مع بعض.
واسترسل بثبات:
_وبعدين إنت لو كنت عايز تقتلني مكنتش هتجازف وتخليهم يجيبوني هنا لحد مكانك السري، وبعدين تقتلني، كنت هتعمل كده بره أو حتى جوه فخ الحلبة اللي نصبتهولي أنا والشاب اللي تبع كِنان.
اتسعت ابتسامة "عثمان"، وردد بتباهٍ:
_تحليلك ذكي، بس ناقصه كام حاجة مش هتوصلك غير بإذني.
واستكمل وهو يلتقط كأسه من أعلى الصينية التي يحملها أحد رجاله:
_إنت وهو عجبتوني، عشان كده كنتوا تحت عنيا طول الفترة اللي فاتت، ودلوقتي جيه الوقت اللي تشتغلوا معايا بشكل مباشر.
سحب رشفة طويلة من كأسه، ثم سأله:
_جاهز تكون راجل من رجالتي، ولا تحب ترجع تكمل شغلك في المطعم مع تيام؟
طال صمت" ياسين" وهو يتطلع له ببرود حتى قال:
_وإيه يخليني أثق فيك؟
ضحك بصوتٍ مسموع، وقد ترك الكأس من يده ليهوى أرضًا ويتحطم، بينما يجيبه بصوتٍ مقبض:
_معنديش ضمانات ثقة للاسف، بس أعتقد إنك زي ما قولت من شوية اني مش هجازف وأبعت أجيبك لحد هنا عشان أتخلص منك مثلًا، شغل مخك اللي كان سبب وجودك قدامي من كتر اعجابي بذكائك.
واستطرد وهو يشير إلى رجاله:
_فكر وإنت عارف هتوصلني ردك ازاي.
اقترب الرجال منه، عصبوا عينيه واجبروه على المشي رفقتهم، بينما يحسب "ياسين" كل خطوة يخطوها رفقتهم، فتوترت معالمه حينما تيقن بأنه يعود من طريق غير طريق الحبس الذي ظل فيه، بل كان طريق الخروج من هذا العرين المقبض، وقد تيقن من شكوكه فور أن أجبروه على الصعود والجلوس على أحد المقاعد، ومن ثم تسلل له صوت الهيلكوبتر وهي تنطلق به بعيدًا عن المكان الذي ظل رفيقه رهينًا داخله!!!
*****
بالرغم من أنه كان جوارها طوال الحفل، الا أنها كانت شاردة أغلب الوقت، يتغلب الحزن على ملامحها بشكلٍ ملحوظ.
مال "نوح" صوبها وهمس يشاكسها:
_لو مش واثق في قصة حبنا الاسطورية كنت ظنيت أنك متجوزاني غصب!
وأضاف يمازحها حتى يهون ما تمر به:
_مش حاسة أن لوية البوز دي لسه عليها شويتين تلاتة، المفروض تكوني مبسوطة وفخورة بانتصارك العظيم.
تغضن حاجباها باستفهام:
_انتصار إيه؟
أجابها بعنجهية:
_انتصارك بيا، ده في حد ذاته انتصار عظيم، أنا مش أي حد بردو يا تالا!
منحته نظرة خبيثة، وأطاحت بجبهته:
_عندك حق، إنت دكتور نوح نحانيحو على سن ورمح.
صوبها بنظرة غاضبة، بينما تعلو ضحكاتها تباعًا، فاذا به ينسى انزعاجه من كلماتها ويتابع ضحكاتها ببسمةٍ هادئة، وهمس خافت لمس قلبها:
_اترضيت بالضحكة دي، من غيرها كنت هأخد حقي منك.
وأضاف وهو يضمها بحنان:
_هييجي وهيحضر الحفلة، لإنه ميقدرش على زعلك، إنتِ بالنسباله بنته مش أخته، تيام عمره ما قصَّر من نحيتك عشان يعملها دلوقتي.
بسمتها الرقيقة تشكلت على محياها باستحياء، فاذا بصوت طائرة يجتاح الأفق، وتقبع فوق اليخت بالتحديد، يتدلى منها حبل طويل، استخدمه "تيام" ومن خلفه "كنان".
أشرقت الفرحة على وجهها المنطفئ، فهرولت راكضة صوب أخيها الذي تلقفها بين ذراعيه بمحبة، وهو يتأمل جمالها الهادئ فيما ترتديه، بينما تنطق هي بدموعٍ شاركتها:
_كنت خايفة متجيش!
حاوطها بحنان وحب يرويها كنبتة حرص أن تشتد منذ صغرها:
_مقدرش مكنش جانبك في يوم زي ده يا تالا.
وطبع قبلة على جبينها بينما يدعو لها بصدقٍ:
_بتمنالك حياة سعيدة مع الشخص اللي حبتيه واخترتيه.
وتطلع" تيام" تجاه "نوح" الذي كان يرافق اخاه ويلكزه بضيق:
_ابن عمك دخل يحضن أخته ويهني ويبارك، وإنت واقف تبصلي ببرود كأني نايم في حضنك طول الليل والنهار!
وأضاف وهو يشاهد كتلة البرود التي تتطلع له بثبات:
_يا أخي خاف على منظرنا حتى قدام الناس، احضني وباركلي حتى لو بتمثل هسقفلك وأقولك إنك ممثل فاشل!
زم "كنان" شفتيه بنزق وهو يتمتم بسخط:
_مش قادر تداري غيظك إن حضني بقى لغيرك! ما أنت شوية وهتبقى نفس الوضع، ده لو بتفهم يعني!
طالعه "نوح" بنيران كادت ان تحرقه، ثم لكزه بغضب:
_إنت من إمته وإنت وقح يا كِنان؟
غمز لها ضاحكًا:
_من لما كنت إنت في اللفة لسه يا نحنوح!
ودفعه برفقٍ صوب "تيام" وشقيقته:
_روح انبسط مع عروستك وفكك مني!
ثم شكل المدعوون بنظرة دقيقة، وهو يردد بحفاوة:
_وسيبني أدور على زوجتي المصون وأشوفها مختفية فين؟
قالها واندس بين الزحام يبحث عنها، بينما انضم "نوح" لزوجته وإلى "تيام".
******
مازال مكتوف الايدي بذلك الحبس المنفرد، يعلم بأنه وضع فيه عمدا ليكون بانتظار اختبارهم الاخير، ومع ذلك جلس بهدوء ثم رفع زيتونته صوب المكان السري المطموس من خلفه الكاميرا، والذي من الصعب الكشف عنه لشدة ظلام الغرفة، تطلع لها" زين" وقال ساخرًا:
_محتارين تعملوا معايا إيه؟ ولا خلاص خطتكم كلها محروقة!
وأضاف وهو يبتسم باستهزاء:
_اختبارات كدب وسبق وعملتوها، بعتوني للسفينة بطولي والنهاردة دخلتوني جولات مع الموت، يا ترى إيه الجديد اللي عندكم لسه؟
واستطرد وهو يضحك بسخرية:
_معتقدش أنكم هتبهروني في شيء لإنكم فشلة ومعندكوش أي جديد!
وأضاف وهو يفك عقدة يديه بسهولة:
_إيدي نملت!
ثم نهض يجلس على احد المقاعد ويضع ساقًا فوق الأخرى بينما يستطرد بثبات:
_الحركات دي اتحرقت في الافلام من أيام ما كانت بالابيض والاسود، شوفولكم مخرج متطور يعلمكم كام حركة تجندوا بيها رجالة لصفكم.
وصفق كفًا بالآخر مستهزأ:
_معرفش اساسًا إيه لازمة الشو ده كله ما أنا معاكم من البداية، وولائي أعلنته لكِنان من لحظة دخولي معاه.
وضحك مجددًا وهو يعزز من وضعية ساقيه فوق الاخرى:
_شكلكم عندكم ملل ومش لاقيين اللي يسليكم، طيب تعالوا دوغري معايا من الأول وأنا أجاريكم على أي وضع، بس بلاش مقاطع الفيديو اللي تصد النفس دي،أنا حتى طالع من عركة ومحتاج عشواية ترم العضم اللي تعب في تكسير الجتت دي!
ومال برقبته لحافة المقعد وهو يطرق بقدميه باستمتاع:
_هريح هنا شوية،تكونوا حضرتولي صينية أكل معتبرة،مش هتغلبوا يعني!
وأضاف ومازالت عينيه منغلقة:
_ويا ريت لو أي مشروب مع الأكل غير الخمرة حد الله بيني وبينها،أنا سفاح آه بس سفاح متدين، وهعيش وأموت بشرف!!
****
ومن خلف الشاشات يتابعه "هارون" بغضبٍ حارق، ثم يحاول استمالة غضب من يجاوره فنفث لهيب النيران:
_الحقير بيتمسخر بينا!! خليهم يخلصوا عليه أو يسموه ونخلص، الواد ده مش سهل يا عثمان.
ابتسامته الواثقة وهو يتابع الشاشة بتمعن، كانت تقص غموضًا آخر، حرر جزءا منه حينما قال:
_عارف إنه مش سهل، أمال أنا اخترته ليه؟
ودقق بالشاشة من أمامه وهو يتحدث:
_طريقة قتاله مش طبيعية، وراها قصة مخيفة، عندي فضول أسمعها منه شخصيًا، بس للاسف عمره ما هيقولي الحقيقة.
تساءل "هارون" بعدم فهم:
_إنت تقصد إيه؟
رد ومازالت رماديتاه تقتنص شاشة العرض:
_جسمه رغم إنه مش ضخم بس قوي، عنده قوة دفاع تلقائية مسبقش ليا إني شوفتها قبل كده، سُلطان مش مجرد قاتل مأجور، سلطان ده مُقاتل درجة أولى، وسؤالي اللي مش هلقى عنده اجابة ليه وصل للقوة والقدرة دي ازاي!!
حاول فك الغموض الشديد الذي يضعه من أمامه وتساءل:
_إنت شاكك مثلًا إنه يكون متجند أو ظابط!!
شرد بالشاشة من أمامه قليلًا ثم أجابه:
_لا أستبعد ده تمامًا، طريقة قتاله ملهاش علاقة بأي جهاز استخباراتي، الولد ده لغزه أكبر من عمر، واللي يحيرك إنه عنده أكتر من شخصية مدموجة كلها في نفس الشخص!!!!!!
انفتح الباب من أمامهما، وولج أحد الرجال يحمل صينية الطعام والمشروب الذي طالب به، فاذا ب"زين" يفتح ساقيه الذي سندهما على مقعدٍ أمامه ليرى من القادم؟
اعتدل بجلسته وهو يشير له بأن يضع الصينية أمامه، فاذا به يتأمل محتوياتها وهو يهمس بنفور:
_عيش وجبن!! دي العشواية اللي ترم العضم!
راقبه الرجل بضيق، وقال:
_تناول ما وضع لك والا سنتركك تتضور جوعًا أيها الأبله.
واستدار ليغادر، فاذا به يشير له:
_استنى طيب إحنا لسه بنتكلم، متسربع على إيه؟ يكونش وراك طالعه تانية بتوزيع أكل السجون ده على زنزانة تانية؟
وقف محله بينما ينصب "زين" عوده، فكان أقصر وأرفع من ذاك الرجل الذي يشكل كهضبة ضخمة، وقف قبالته يحك رقبته وهو يردد:
_طيب إنت جبتلي أكل ومعجبنيش وأنا بعبرلك بمنتهى الديمقراطية عن رأيي، لازمتها إيه الغلط بروح أمك!
قالها وهو يسدد له ضربة قوية استهدفت منتصف رقبته، فاذا به يهتز من قوة ما تعرض له، حتى سقط أرضًا، فاستدار "زين" صوب الكاميرا يتحدث بانزعاج:
_باعتلي رجالتك تضايقني بعد اللي عملته عشانكم، لعلمك الباب المفتوح قدامي ده لو خرجت منه مفيش قوة هتقدر تمنعني من الخروج، بس وجودي هنا بمزاجي، عايز أشوف أخركم إيه، أو بالأخص أخرة كبيركم اللي بيراقب في صمت!
وعاد يجلس على المقعد وهو يتمتم بسخط:
_وأخرتها بتأكلوني جبن!!! صحيح الغني غنى النفس.
هو كده الفلوس بتولد البخل وبتفقس نتانة، وأهو في الآخر ملك الموت بيقبض كل الارواح وبتتساب الثروة للي وراكم ده اذا كان في حد أساسًا، يعني تعبكم وشقائكم بيرجع للحكومة والدولة بالاخر، وممكن يتعمل بيه ملجأ على روحكم القذرة!
وتناول الطعام بازدراء، بينما يلتفت "هارون" تجاه "عثمان" المُبتسم باعجابٍ، ثم تحرر عن صمته قائلًا:
_لاقيت الشخص المناسب اللي هعيد عليه تجربة الشريحة!
جحظت عينيه صدمة، وصاح منفعلًا:
_شريحة إيه!! إنت بعقلك يا عثمان، عايز تخرج سرنا بره!!
مال برقبته صوبه وفاه بصرامة:
_عقلي موجود وعمره ما ساب مكانه زيك يا هارون، مش هرجع وأعيد كلامي معاك تاني.
سيطر على غضبه بصعوبة، بينما يستميله بهدوء مخادع:
_طيب وأنا؟
رد وهو يدقق النظر في الحاسوب:
_سبق وحاولنا أكتر من مرة وجسمك رافض الشريحة، فلو إنت عايز تخاطر بحياتك أنا مش جاهز أبوظ شغل سنوات طويلة على الشريحة عشان جنابك.
وأنهى حديثه قبل أن يتحرر عنه:
_إنت تعبان ومحتاج ترتاح شوية، ارجع مكان ما جيت.
أمره كان قاطعًا، فاذا به يطالعه بحقد وغضبٍ مُضاعف، كان يحاول تخبئته بعد ما قصته له "مرين" عن نية "عثمان" بالتفرقة بينهما والتخلص منه، ازدادت نيران غضبه وحقده أضعافًا، فسحبهما رفقته وغادر على الفور، بينما أصدر "عثمان" أمره لرجاله بالسماح ل"سُلطان" بالرحيل.
****
لم تستطع أن تحتمل بالحفل أكثر من ذلك، صداع رأسها ازداد بشكلٍ كاد أن يُفجر رأسها، انسحبت "رزان" من بين الحضور خلسة، وهبطت للطابق السُفلي من اليخت، ومن ثم انزوت في إحدى الغرف.
ولجت للداخل وهي تحك أنفها ورأسها بتعبٍ شديد، وعيناها تبحث بالغرفة الصغيرة عن مكان مناسب لها، اتجهت للسراحة وألقت من عليها الاغراض، ثم فتحت حقيبتها تسكب ما بداخلها بعشوائية تامة، وهي تبحث عن غايتها بصعوبة، حتى وجدته!
وفي تلك اللحظة لم يتمكن "كِنان" من العثور عليها بالاعلى، فانتابه القلق الشديد عليها، لذا أسرع للطابق العلوي من اليخت حتى يبحث عنها، وحينما لم يجدها هبط للطابق السفلي المُخصص للغرف.
فتح الغرف بعشوائية، فاذا به يستمع لصوت سقوط أشياء على الارضية يأتي من إحدى الغرف، فتحها "كِنان" مُتلهفًا لرؤيتها، فتخشبت ساقاه محل وقوفه، ومُقلتاه تبرقان في صدمةٍ وعدم استيعاب.
يحاول أن يستوعب الصورة المّلتقطة بعدساته، يراها تنحني وهي تسحب السموم المسؤول عنها لأنفها، بينما تكرر ما تفعله بالفتحة الأخرى من أنفها غير مُدركة بوجوده.
أما هو فكان يصارع بكل ما فيه حتى ينفي ما يراه، كان يعلم بأنه سيدفع ضريبة أعماله السيئة ذات يومٍ، ولكنه كان يظن بأن حياته هو ستكون الثمن!
رفعت "رزان" رأسها للاعلى وهي تغلق عينيها بانتشاءٍ، بعدما حصلت على جرعتها الزائفة من السعادة والاسترخاء، اعتدلت بجسدها أمام المرآة وفتحت عينيها تحاول أن تتفقد زينتها.
اختلجت أنفاسها داخل أوردتها وهي ترى إنعكاس صورته بالمرآة، فاستدارت مرتعبة صوبه، وشفتيها المُرتعشة تحرر بخفوت:
_كِنـان!!
أجبر ساقيه على الحركة، حتى بات قبالتها، ازدرد أنفاسه تدريجيًا، ولآخر لحظة ظن أنه ولربما مُخطئ، فسحب الورقة البيضاء المُلقاة على السراحة باهمال، يشمها وهو يتمنى أن يكون مُخطئًا في تقييم تلك الرائحة التي يعلمها جيدًا، ويميزها وإن كانت على بعدٍ منه.
أغلق عينيه بقوة، بينما تعتصر قبضته الورقة بعنفوانٍ، ثم فتحهما فجأة وهو يطالعها بغضب جحيمي، جعله ثائرًا، فاذا به يهوى على وجهها بصفعةٍ قوية، وقبل أن تستوعب ما فعله، سحبها من خصلاتها وهو يصرخ بغضبٍ قاتل:
_ليـــــــــــــه؟!!
وتابع وهو يرفع وجهها إليه:
_ردي عليــــــــا، عملتي فيا وفي نفسك كدا ليــــــه؟؟؟
ارتجفت بين يديه وهي تحاول تخليص نفسها من بين ذراعيه، بينما تهمس له بضعف:
_أنا آسفة، أنا آ....
ألقاها أرضًا بعنف، بينما يصيح بجنون تام:
_آسفة!!!!! إنتِ مستوعبة براءة الكلمة دي من اللي عملتيه!!!
تفاجأ بعدد من المدعين يقفون بالخارج ويتابعون ما يحدث، اندفع صوب الباب يغلقه، وهو يطمئن بأنه عازل للصوت ، ثم عاد يحوم حولها كالجريح.
ضمت "رزان" ساقيها إليها ومالت تبكي وتتمتم بخفوت:
_كان غصب عني!
لم يسمعها بل كان يجوب بخطاه الثقيلة، وهو يحاول استيعاب تلك الشرارة القاتلة، والتي ستقضي عليه لا محالة، يحاول ان يجد المخرج من هذا المأزق، ولكنه لم يجد!
عاد إليها، يجثو أمامها، وهو يطالعها بنظرة رجلٍ يشهد الهزيمة لأول مرة، بينما ينبح صوته المتقطع من الآلآم :
_أنا حاولت أخليكِ إنتِ ونوح بره دايرة شغلنا القذر، حافظت عليكي وعليه على قد ما قدرت.
ورفع يديه لها وهو يتابع بوجع:
_رفعتكم بايديا فوق وأنا كنت بغرز في الوحل ، كنت واثق إن أخرة اللي أنا فيه ده الموت وأخترت أكمل لو ده في حياة ليكم، يبقى ده جزاتي في الآخر؟!
دفنت رأسها بين ساقيها وهي تبكي بانهيارٍ تام، فاذا به يرفع وجهها عنوة وهو يصرخ كالمذبوح:
_متداريش نفسك مني!! ردي عليا ده جزاتي؟!!!
همست بألم يمزق نياط قلبها حينما رأت دموعه تنهمر على وجنتيه:
_كان غصب عني، أنا آسفة يا كِنان سامحني!
تجاهل ما قالته ومال يتطلع لها بنظرة مُقبضة، أظهرت جانب قوته الخفي:
_حصل إمته وإزاي؟ وأنا كنت فين من كل ده، اتكلمي والا لو فقدت السيطرة على نفسي هقتلك بين ايديا وبدون ما أحس!
ارتعبت من وميض عينيه الذي تراه لمرتها الاولى، مسكته القوية لذراعها التي تضاعفت بشكلٍ غير مُحتمل، حاولت "رزان" الزحف للخلف قليلًا عنه، ولكنه كان يسيطر على جلستها كليًا، أمسكت يده تحاول تحريرها قليلًا عن ذراعها ولكنها فشلت للمرة الآخرى، وحينما لم تجد مجالا لنجاتها، تعمقت بعينيه وناشدته ببكاء:
_كِنان سيبني إنت بتوجعني!
راقبها بنظرة مُظلمة دون أن يرف له جفنٌ:
_ما أنتِ وجعتيني!
قالت وهي تحاول تحرير أصابعه عن ذراعها قليلًا:
_ أنا معملتش كده في نفسي، أنا اتعمل فيا كده غصب عني.
حرر يدها بعدما ألقت كلماتها، وقد التقط عقله كل كلمة قالتها، وعمل بسرعة البرق:
_قصدك إيه؟؟
طالعته ببكاءٍ فعاد يقربها إليه ولكن تلك المرة برأفة عن مرته السابقة:
_رزان اتكلمي، احكيلي كل حاجة!
هزت رأسها وبدأت بسرد كل ما حدث لها بداية من صنع الخادمة لها القهوة، ونهاية بكيس المخـ. ـــدرات التي وجدته بغرفتها بعد رحيلها.
*****
أزاحت السلوك عن جسدها الضعيف، ونهضت عن الفراش تحاول الاستيناد على الكومود والحائط، وحينما ضربها الدوار تمسكت قدر المُستطاع وهي تبصق الادوية التي احتفظت بها أسفل لسانها، بعد أن تيقنت بأنها منوم قوي يرغمها على النوم.
استمدت "رحيق" قوتها، واتجهت إلى الباب الزجاجي الموصود، راقبت من خلاله الردهة البيضاء الطويلة، فوجدت أحد الاطباء يمرون منها وهو يتفحص احدى الملفات التي يحملها.
اختبأت بمحاذاة الحائط حتى مر بسلام من أمام غرفتها، ثم خرجت من الغرفة تتسلل برفقٍ حتى وصلت للباب الخارجي للطابق الذي تم احتباسها به.
واصلت الخطى ومازالت تراقب الطريق بعناية، حتى وصلت للباب المصفح الخارجي، والذي من المحال عليها فتحه، لأنه موصود بالاسلاك والشفرات.
خابت كافة آمالها، ولم يبقَ أمامها حتى طاقة ضوء تنير ظلمتها، حتى وقت الحزن لم تمتلكه، حينما استمعت لدعسات أقدام تخطو رفقتها، فأسرعت واختبأت بين سيارتين من الاسعاف المصفوفتين باحدى الجوانب، وحينما كانت تحاول الاختباء لمحت أحد هواتف المحمول مُوضوع على الشحن المتنقل داخل إحدى السيارات.
لمع الأمل بعينيها، فحاول فتح الباب الامامي للسائق ولكنه كان مُغلقًا، ومع ذلك لم تفقد آمالها تلك المرة، وضعت كل يقينها بالله عز وجل، ووثقت بأنها رأته لأنه كُتب لها أن تصل له.
عادت للخلف تحاول فتح الباب الخلفي الخاص بالسرير المتحرك، وللعجب وجدته مفتوحًا، صعدت "رحيق" وأغلقته من خلفها، ثم اتجهت للمقاعد الامامية وسحبت الهاتف، تدون على أزراره العادية الرقم الذي ظنته طوق النجاة لها.
أعادت الرن مرة والآخرى، حتى أتاها صوته:
_الو!
غامت عينيها بالدموع، لقد ظنت أنها ما أن تمسك الهاتف ستسرع بالبوح والصراخ لتفصح له عما تعرضت له، وتطالبه بالمساعدة، فما بال لسانها أصبح ثقيلًا عن النطق، ما بال قلبها يوخز بضربات موجعة تجعلها تود بالصراخ من فرط الألم.
_مين معايا!!!!!
صوته مرة اخرى يعجز لسانها، بل وما زاد قلبها مرارة ألمه حينما ناداها بيقينٍ:
_رحيــق!!
تحرر بكاؤها وأصبح له صوتًا منقولًا له، فاذا به يردد بلهفة:
_رحيق انتِ فيــن؟ وليه اختفيتي فجأة، أنا حاسس إنك مش بخير، ردي عليا إنتِ فيــــن؟
تحرر صوتها الثقيل بصعوبة:
_أنا بموت، هارون هيقتلني!
طُعن قلبه، وانسحبت عنه الكلمات، بينما تعود لحديثها:
_كل اللي بيني وبينه كدبة كبيرة اتفرض عليا أصدقها وأخلى اللي حوليا يصدقها، أنا مش زعلانه على اللي عمله وهيعمله فيا، حتى لما قدرت أهرب منه فشلت في الأخر، بس تعرف أنا فرحت لما لاقيت التليفون ده عشان أقدر اسمع صوتك للمرة الاخيرة.
استمعت لصوت شهقاته التي تنم عن بكائه الثقيل، بينما يحاول أن يستخرج أحباله الصوتية:
_بلاش كلام فارغ، أنا خلاص حددت موقعك من المكالمة، ساعة وهوصلك يا حبيبتي .
حررت دموعها بين جفونها ورددت:
_معتش ينفع خلاص، هارون قتلني خلاص، مبقاش فيا شيء حي غير نفس داخل وخارج مني، وقريب هيتمنع عني.
صرخ بجنون عاشقٍ تحرر من داخله:
_هقتله قبل ما يعملها، رحيق أنا مبطلتش أحبك ولا هبطل أحبك، أنا بقيت متأكد انك اكيد مظلومة.
أعتصرت جفنيها وألقت جسدها أرضًا تبكي:
_لا يا تيام أنا مش مظلومة، دي الحقيقة البشعة اللي بتمنى إنها تكون حلم.
وأضافت بما يبيد بها قلبها:
_أنا متجبرتش اتجوزه زي ما أنت فاكر، أنا اتجوزته برضايا يا تيام.
صعد على متن الطائرة الخاصة به وب"كنان" والتي أوصلته للحفل، مُستغلًا غيابه المُفاجئ، استقر بالمقعد الخلفي، وهو يستمع لاعترافها الغريب، بينما تستكمل وهي تستند على جسد السيارة:
_أنا اتجوزته عشان هو الوحيد اللي كان لازم أتجوزه بعد اللي حصل.
ثقلت أنفاسه حتى كاد أن يشعر باختناقه، فتساءل بتوتر:
_حصل إيه يا رحيق، ريحيني واحكيلي!
ابتسمت بوجع وهي تهمس له:
_مش هترتاح بالعكس هتتوجع أكتر!
ردد بهدوء زائف رغم ما يتلقاه:
_صارحيني بكل اللي حصل، ممكن من وجهة نظرك هيكون عذاب ليا بس يكونلي الدوا لكل العذاب اللي عيشته ده.
ابتسامة قاتمة تشكلت على وجهها الذي احتله يأس البقاء على قيد الحياة، فقالت:
_هقولك بما إنها هتكون مكالمتنا الاخيرة، كلها دقايق وهيحسوا بغيابي، وهارون لما يعرف ده هيقلتني، يا ريت يكون رحيم المرادي ويخلص عليا من غير ضرب وعذاب يخليني اتمنى إنه يعجل بموتي.
ضغط بيده على قلبه الذي ينزف مما تقصه، بينما تستكمل هي ببسمة باهتة رغم نزيف عينيها:
_إنت كنت بتكرهني وبتحقد عليا وفاكر إني عايشة حياتي معاه بالطول والعرض، وأنا كنت محبوسة في الجناح الملعون ده زي الجواري، بتضرب وبتهان فيه كل يوم، حتى حقوقه كان بيأخدها بأكتر طريقة خلتني أكرهه وأكره نفسي.
تيقظ لأخر ما قالته وقد عملت حواسه بسرعة البرق، فاذا به يتوقف عن البكاء ويسألها بخشونة:
_هارون اتجوزك ازاي يا رحيق؟؟
دموعها انشقت، قلبها وخز، آنينها يطمس، جوارحها تنزف، بينما تحرر كلماتها:
_ما أنا قولتلك مكنش حد ينفع يتجوزني غيره، لإني غلطت معاه واللي يضحك إنه كان بمزاجي، أنا شوفت ده في الفيديو اللي كان بيبتزني بيه، أنا مكنتش مغيبة ولا حتى مغمي عليا، أنا كنت معاه وأنا في كامل وعيي.
وأضافت وهي تبتسم بسخرية رغم شلال دموعها:
_فكرت أجيلك وأحكيلك كل حاجه، بس انت كنت هتصدقني ازاي وانا نفسي لما شوفت الفيديو اتصدمت في اخلاقي!!، فكرت بردو أهرب بس لو نفذ تهديداته وفضحني، فكرت في الموضوع من كل الاتجاهات، وملقتش غير اني أختار الستر ليا من كل الناس حتى منك انت!!
واسترسلت وهي تبكي بانهيار:
_بس اللي كان مستنيني بعد كده كان أبشع من الموت، واللي حصل في المرة الاولى كان بيتكرر، معرفش ازاي!! بس كان بيحقني بمادة غريبة هي اللي خلتني بالرخص ده.
حدقتاه اتسعت تدريجيًا، ودموعه توقفت عن الانهمار، كل ما قالته يضربه كسوطٍ قاس، يجعله فاقد الحس والادارك.
حرر جرفاته بصعوبة، وهو يجاهد تلك السخونة التي لفحت جسده، بينما يهوى بساقيه أرضًا وهو يتشبث بمقاعد الطائرة، وبصعوبة بالغة استخرج ما يعيق أنفاسه حينما صرخ:
_آآآه.
صرخته جعلتها ترتعب خوفًا من أن يكون أصابه سوءًا، بل خمنت بأنه ربما طعن أو ضرب بالرصاص من شدة صرخته، ظنت بأن "هارون" قد وصل له، فصاحت بخوف:
_تيام مالك؟؟ رد عليا!
لاحقه صوت بكاء قوي، وهمس مبحوح:
_أنا السبب في اللي حصلك، أنا السبب، كنت متوقع إيه بعد القذارة اللي ارتكبتها، أكيد كانت هتطول أقرب ما ليا.
ضيقت عينيها بعدم فهم لما يقول، بينما يقبض على هاتفه وهو يبكي:
_أنا الوحيد اللي ممكن يصدقك، لإني أنا اللي اخترعت الحقن اللي حقنك بيها الكلب ده، أنا اللي كويتك وكويت قلبي بالنار دي، أنا السبب يا رحيـــــــق!
تجمدت أصابعها على الهاتف، بينما يتسلل لها صوت هرج ومرج، الحرس ينتشرون بالمخبأ يبحثون عنها بعد ان انكشف أمر عدم وجودها بالغرفة.
صدح صوتٌ للحارس مسموع للطرفين:
_لاقيتوهااا؟؟
وأحدهم يقول:
_أنا بلغت هارون باشا هو قريب مننا وعلى وصول!
خفق قلبه رعبًا عليها، بينما هي ولاول مرة لم تشعر بالخوف من الموت، بل ما استمعت له هو الموت بعينه، عاد صوته يصدح باذنيها وهو يردد:
_متخافيش يا رحيق، مش هخليه يلمسك، أنا قربت أ...
تحرر صوت الجثة المذبوحة:
_الموت أهون عليا من إني أشوفك أو ألمحك بعنيا، ياريتك سبتني أموت وأنا فاكرة إن أنا اللي ظلمتك، يا ريتك سبتني أموت وأنا بصبر قلبي بحبك.
أتاها صوته الباكي:
_أنا آسف، حاولت أبعد عن القرف ده وأبدأ معاكِ صفحة جديدة، مسابونيش في حالي، وكان أول انتقامهم مني فيكِ يا رحيق.
وأضاف وهو يترجاها:
_أنا روحي فارقتني مع فراقك ليا، رجوعك ليا هيقويني وهيخليني أرجع أبعد عن الطريق ده، وكلي ارادة اني أحارب عشانك.
انشقت دموعها تباعًا وهي تبتسم بسخرية، وفجأة حررت جملتها الاخيرة له:
_مع السلامة يا تيام.
صرخ فيها بكل قوته:
_لاااااا، رحيق متقفليش، خليكِ مكانك لحد ما أوصل، رحيـــــــــــــــق.
أغلقت الهاتف وألقته باهمالٍ، متعمدة أن تصدر صوتًا قويًا جعل الجميع ينتبه لوجودها، فأسرعوا بفتح الباب وقبضوا عليها.
اعادوها لغرفتها وقد تم التحفظ على الهاتف الذي استخدمته، وحينما وصل "هارون" قدموه له، فحمله وولج إلى غرفتها بملامح مقبضة كالشيطان الذي تلبسه فجأة.
وجدها تجلس على الفراش بثبات وترحاب لما سيفعله بها، فاذا به يرفع الهاتف أمام وجهها وهو يردد بخشونة مرعبة:
_مكالمة 30 دقيقة بينك وبين حبيب القلب، يا ترى قولتوا فيها إيه لبعض؟ لحقتوا تجددوا الغرام ولا فاتكم القطر؟
رفعت حدقتيها إليه ورددت بانكسار:
_الـ30دقيقة انتهوا بدقيقة واحدة قتلني فيها، وحاليًا أنا منتظرة إنك تكمل اللي هو بدأه وتخلص عليا.
راقبها بنصف عين، ثم هدر بسخط:
_فزورة دي ولا إنتِ بتكسبي وقت لحد ما يوصل حبيب القلب، لو فاكرة إنه هيوصل هنا حي تبقي بتحلمي.
وأضاف وهو يجذب خصلاتها بعنف:
_وإنت كمان مصيرك هيبقى أبشع منه يا ******
******
بالرغم من أن العقار الذي تم حقنها به يرغمها على النوم لعشرة ساعات متواصلة، الا أن بفعل قوتها البدنية، وما استخدمته من الوسيلة الآمنة التي قدمها لها "زين"، تمكنت" قدس" من المعافرة وفتح عينيها الثقيلة بقوة.
استندت على ذراعيها واستقامت بجلستها، تضم جبينها الذي يؤلمها من شدة الصداع، مرت خمس دقائق عليها حتى تمكنت من استعادة ثباتها.
راقبت الغرفة بنظرة دقيقة، فاذا بها بمكانٍ تراه للمرة الاولى، وقد جعلها الديكور المختلف عن جناح "عثمان" تحاول تخمين محل وجودها، والاهم هو تذكار ما حدث قبل غفوتها.
تمكنت أن تستعيد بعض اللقطات المُشفرة، فتذكرت حينما أسرع بحقنها، وفجأة رأت ذاتها تقف كالصنم وتنفذ أوامره دون أي جدال أو حتى كلمة تخرج اعتراضًا منها!
لقد ناداها وأمرها بالاقتراب فاقتربت، ومن ثم أمرها بتتبع "ماتيو" إلى الغرفة السرية، وللعجب أنها تطيع الاوامر دون أعتراض.
رأته وهو يقترب منها بالمقعد المتحرك، يحرك يده على خصلاتها المفرودة على الوسادة، ويهمس لها ببسمة غامضة:
_بتبقي جميلة وإنتِ هادية ومطيعة يا دكتورة.
وأضاف وهو يتطلع لها بابتسامته:
_الشراسة بتضيع جمال عيون الغزال دول، بالعكس ميليقش ليهم غير السكينة والراحة، فبتمنى إنك تلاقيهم بجناحي السري.
ومنحها قبلة على جبينها بينما يهمس لها بمكر:
_اتعودي عليه عشان هتفضلي فيه على طول.
ثم قال ومازال يلمس خصلاتها:
_نامي يا قدس، نامي وارتاحي!
فور أن نطق أمره لها، حتى انصاعت له وغفت على الفور!!
كادت "قدس" أن تجن وهي تستعيد تلك الذكريات التي لا يستوعبها عقل بشري، وقبل أن تتهيأ للتعامل مع ما يحدث، حتى تسلل لها صوت الباب الخارجي وهو يُفتح.
تحركت عن الفراش وهي تبحث بالغرفة عما يمكن استخدامه للدفاع عن ذاتها، وحينما فشلت استخدمت إحدى الانتيكات وصنعت منها سنا حادا لتتمكن من استخدامه جيدًا.
فما أن انفتح الباب السري، حتى اختبأت من خلفه، وانتظرت حتى مر بمقعده المتحرك، ثم فاجأته من الضهر وهي تضع سلاحها على رقبته بينما تفوه بنبرة هجومية:
_قولتلك زمن السلاطين والجواري ده انتهى، وعصرك أنا اللي هنهيه وبنفسي!
