رواية يتربص الحرج لي بالمرصاد الفصل العاشر والاخير بقلم سيرين محمد
ــ نفذتي الوعيد؟
كنت اجلس على كرسياً من الخشب ويدي تحمل فرشاة، أمامي لوحةً كبيرة وتخترقها ملامحهُ عيناة تنظر لي من اللوحة نظرات لم افهمها وكأنها تريد ان تتحدث، موسيقى تحيطني لم اعلم ما مصدرها! بدأ الصداع يلتهم رأسي ولم اعرف ما السبب!
فُتحت عيناي ببطء، ظلام دامس قابلني بـ ترحيب وكأنه يقول لي:
ــ سأكون حياتِك الايام القادمة
نظرت بـ جانبي فـ وجدت الهاتف ملقى على الطاولة التي تجاور التخت، اخذتهُ بـ هدوء فـ وجدت المتصل "ليلى" نظرت إلى الساعة فوجدتها العاشرة مساءً فتحت الخط وقابلني صوتها:
ــ ايه ده كله؟ بقالي ساعة برن اكيد كنتي نايمة
خرج صوتي بـ همس حيث كنت لا اقوى على الحديث:
ــ عايزة ايه يا ليلى؟
ــ عايزة ايه؟ بعد ده كله وبتسألي لسه عايزة ايه؟ انتِ اتغيرتي اوي ! بقالك شهر حابسة نفسك واهملتي مذاكرتك وصحتك وكل ده عشان واحد انتِ ماشفتيهوش غير كام مرة بس؟ ده كلام مين ده اللي يدخل العقل !
ــ ليلى انا بجد مش قادرة اتكلم سبيني في حالي لو سمحتِ
تحدثت بـ انفعال قائلة:
ــ اسيبك؟ اسيبك تضيعي مستقبلك عشان حاجات تافهه زي دي؟
ــ شوف مين اللي بتتكلم! بالله عليكي ما تتكلميش انتِ على الموضوع ده احنا دفنينه سوا
ــ انتِ يا غبية انتِ! مستوعبة انتِ بتقولي ايه؟ يوسف ده جه اسكندريه ما كملش شهرين وفي الشهرين دول حبيتيه؟ ده ايه الهبل ده؟ هتضيعي مستقبلك عادي كدا عشانه؟ ده ماشي اهو بقاله شهر وانا في الشهر ده ماشفتكيش فيهم بسبب ام الحبسة اللي انتِ فيها دي! طب قوليلي كدا يا همسة انتِ لسه صاحية من النوم دلوقتي صح؟
صمت ولم أردّ عليها فـ أكملت:
ــ ايوا انا اللي صحيتك انتِ نومك اتشقلب وحياتك كلها اتشقلبت! الانسان الطبيعي في الوقت ده بيروح ينام مش يقوم من النوم
بكيت، حديثها كان صحيحاً مئة بالمئة، فـ لمتى سأترك نفسي هكذا؟
تحدثت وشهقاتي ترتفع:
ــ انا مش عارفه! مش عارفه ايه اللي حصلي انا عمري ما كنت كدا يا ليلى بس كلامه ليا قبل ما يمشي وجعني اوي، يعني انا كدا عمري ما هشوفه صح؟ انا حتى ما اعرفش هو راح محافظة ايه ولا لسه في اسكندريه ولا خرج برا مصر ! ولا حاجه ماعرفش عنه دلوقتي ولا حاجه غير انه مشي وسابني! ليلى انا كنت مبسوطة اوي انه كان بيفهمني المسائل اللي واقفة معايا كان دايماً بيساعدني ورغم ان المدة اللي قعدها كانت صغيرة بس قدر فيها يعلقني بيه بدون ما احس !
تحدثت بـ هدوء:
ــ الموضوع صعب عليكي انا عارفة لكن لو فضلتي كدا هتـ*ـدبحي نفسك! لو فعلاً بتحبيه زي ما بتقولي اهتمي بـ مستقبلك عشان لما تشوفيه في يوم من الايام يشوفك وانتِ محققة حلمك اللي حكتيله عنه اظن انه مش هيكون مبسوط وانتِ في الحالة دي
لم يمر كثيراً وكنت قد أغلقت معها الهاتف، نهضت من الفراش ثم اتجهت إلى مكتبي وجلست وانا اضع كتبي التي تراكمت عليّ وانا اقسم بـ أنني سوف افعلها، لـ أراه مهندساً مثل ما تمنى ويراني رسامة مثل ما تمنيت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"بعد مرور خمس سنوات"
ــ ايوا يا همسة عايزة اقابلك دلوقتي
ــ هتقابليني فين يا هبلة انتِ الساعة 8 الصبح انتِ مقوماني من النوم عشان كدا؟
تحدثت بـ ضيق:
ــ ماليش دعوة بقا أنا قولت اللي عندي
تفوهت بـ هدوء:
ــ انتِ وزين لسه متخانقين عشان سيراميك الحمام؟
انفجرت قائلة:
ــ ايوا هو السيراميك، مش عارفه ايه ده والله الموضوع ده البنات هي اللي مفروض تختاره يختاره هو بصفته ايه؟
اعتدلت على الفراش وانا امسك رأسي بـ صداع ثم هتفت:
ــ طيب انتِ عايزة لون ايه؟
ــ أنا عايزة اوف وايت وهو عايزُه بيبي بلو
ــ ليلى حبيبتي مش انتِ برضو كنتي قايلالي زمان انك هتعمليه بيبي بلو عشان هو بيحبه ومش مهم انتِ؟ ايه اللي غير الموضوع دلوقتي؟
ــ كنت بقول اي حاجه عشان يحبني وخلاص بس اكتشفت انه اصلا كان بيحبني فـ اعمل اللي انا عايزاه بقا
تحدثت بـ غضب:
ــ انتِ دلوقتي رنّه عليا انا ليه؟ انا مال امي هو انا زين؟
ــ ماعرفش بقا مالقتش غيرك قدامي هو دلوقتي بيكون نايم ومارضتش اقلقه
ــ تقومي تقلقيني انا من نومي ياا..
لم اكمل ثم أغلقت الهاتف في وجهها وانا القي الهاتف، دثرت نفسي في الفراش مجدداً وحاولت ان اكمل نومي ولكن لا فائدة نهضت وانا أردف:
ــ منك لله يا ليلى اديني مش هعرف انام وهفضل طول اليوم هموت وانام
نهضت متجهة إلى المرحاض بعد عدة دقائق خرجت ثم دلفت إلى غرفتي أو بمعنى أصح "مرسمي" حيث كانت تحيطها الكثير من اللوح و جميع الألوان بـ انواعها، ابتسمت ثم اتجهت إلى الفراش وانا أزيح طرفه ليظهر صندوقاً كبيراً تحتهِ سحبته وبدأت ادخل المفتاح فيه حتى فُتح ازلت عديد من الكتب وانا أضعها على الارض لـ يكشف عن لوحةً كبيرة رفعتها بـ هدوء وانا انظر الى ملامحه بدأت الدموع تتجمع داخل مقلتيّ هتفتُ:
ــ تعرف ان لولا الوعد ده كنت نسيت ملامحك يا يوسف؟ ياترى انت عامل ايه دلوقتي عايش ولا لا؟ اهلك وصلولك عشان يقتلوك ولا لا؟ ولا قدرت توقف الموضوع ده وبقيت عايش في سلام؟ طب نستني؟ نسيت ملامحي؟ نسيت مواقفنا سوا؟ عايزة اقولك ان انا عمري ما نسيتك فـ امنيتي من الدنيا أنها ما تكونش نساتك ملامحي ونساتك روحي ونساتك مواقفنا، انا حققت حلمي يا يوسف ونفذت وعدنا انت بقا حققته؟ اتمنى تكون حققته!
وضعت اللوحة مكانها ثم اضعت فوقها الكتب حتى لا يراها احد سواي ثم اغلقت الصندوق و وضعته مكانه.
بعد مرور ساعتين كنت أتحدث إلى امي:
ــ أنا نازلة رايحة المعرض يا ماما عايزة حاجة؟
هتفت:
ــ لا يا حبيبتي ما تتأخريش بس عشان فرح ابن خالتك ولا لسه مصممة انك ما تروحيش؟
قلبّت عيناي بـ تملل:
ــ انا مش فاضية للشغل ده يا ماما والله انا النهارده تالت يوم في افتتاح المعرض بتاعي فـ مش هسيب كل ده واسافر القاهرة عشان فرح آدم مشبك
ــ بت احترمي نفسك الّه! مش كفاية ان اخوكي مش جاي وعامل حجة لارا انها كانت خطيبته قبل كدا؟
ــ ايوا فادي معاه حق ومراته من حقها أنها تخليه مايروحش وهي عارفة ان لارا كانت خطيبته ولسة لحد دلوقتي بتحبه فـ انا شايفه انها معاها حق جداً
ألقت نعلها في وجهي وهي تردف:
ــ يعني هتسفروني لوحدي ياللي ماعندكوش ريحة الد*م؟
ــ طب اعملك ايه يعني يا ماما؟ وبعدين انا لو رحت هروح افضل قاعدة لوحدي!
ــ خلاص كلمي ليلى تيجي معانا هي كانت متضايقة اصلاً من الواد زين خطيبها كانت بتكلمني امبارح فـ رنّي عليها وخليها تيجي
لمعت الفكرة في رأسي فـ اردفت لها:
ــ حاضر سبيني بقا هجهز معاها واقولك لما ارجع يلا سلام
ــ سلام
نزلت من البناية ثم استقليت سيارة أجرة لأذهب المكان الذي انتمي اليهِ، ولكن قبل وصولي أخرجت الهاتف من الحقيبة لـ اجري اتصالاً
ــ الو يا ليلى كنت عايزاكي في موضوع كدا
ــ موضوع ايه؟ انتِ فين ايه الدوشة اللي عندك دي؟
ــ أنا في المعرض دلوقتي بصي بس ايه رأيك تيجي معايا القاهرة نقضي يومين؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ يلا يا همسة وصلنا قومي بقا
فتحت عيوني بـ تكاسل لارى اننا في السيارة فـ قالت ليلى:
ــ هو انتِ كل ما تركبي عربية لازم تنامي فيها؟
ــ طبعاً انام ما انتِ مصحياني النهارده الساعة 8 يا مفترية وبعدين المسافة بين القاهرة واسكندرية طويلة عليا فـ اكتمي بقا
بعد مرور ساعة كنا نقف أمام منزل خالتي بعد إصرار من امي اننا نذهب الى هُناك، كنت لا اريد الذهاب فـ خالتي حتى الآن لم تتقبلني بسبب رفضي لـ ابنها الوغد ذلك !
ــ الف مبروك يا حبيبتي عقبال لارا يارب
احتضنتها خالتي وهي تردف:
ــ اللهم امين يا حبيبتي، ازيك يا همسة عاملة ايه وانتِ يا....
وجهت اخر حديثها إلى ليلى فـ ردّت عليها قائلة:
ــ ليلى يا طنط
ــ ايوا صح ليلى اعذريني بنساكي علطول، اتفضلوا اتفضلوا
دلفنا وبعد قليل كنت اجلس انا وليلى في الغرفة التي سننام فيها حتى حلول الصباح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ واو ايه الجمدان ده؟ الفستان هياكل منك حتة
ابتسمت وانا ادير حول نفسي:
ــ بجد؟ تسلميلي يارب يلا بقا بسرعة عشان هما سبقونا على القاعة
نزلنا انا وهي من المنزل ، لم يمر وقتاً طويلاً وقد كنا نجلس داخل القاعة اردفتُ إلى ليلى بـ تملل:
ــ ده ايه الفرح الكئيب ده؟ انا خارجة شوية برا
ــ ماشي انا هفضل انا هنا مع خالتي نجوى
ــ ماشي
نهضت ثم خرجت ومن حسن حظي ان كانت القاعة أمام النيل فـ وقفت انظر له بكل هدوء، مر دقيقة وشعرت بـ أحد يقف بجانبي وينظر لي، وجهت نظري له بـ استفهام و...
تحدثت ليست انا ولكن عيوني تحدثت بكل ما لم يقوَ الفم على قولهِ التهمت عيناه عيني وكأنه يأخذها في عناقٍ دافئ يعوضها عن خمسة سنوات من الشوق والعذاب !
ادخلت مفتاح الامل داخل عيني ليفتح سجن الدموع لتنهمر بـ سلام وكأنه يقول إلى الزنزانة:
ــ هذه آخر مرة تسقط دموع نار الشوق وسيحل محلها دموع السعادة والامل
حاول فمي ان يخرج كلماتٍ بسيطة ولكنها توقفت في الحلق وكأنها تخشى الخروج، انتظرتهُ يتحدث ولكنه كان في نفس حالتي، مرّ عدة دقائق والعيون تتحدث لترمم جرح القلب الذي ظل مفتوحاً خمسة سنوات ينتظر الطبيب يأتي لـ يخيطهُ وها هو اليوم انظر الى الطبيب وعيناي تفيض بالدمع، افاق آخيراً قائلاً:
ــ وحشتيني، كل حاجة خلصت بس حكايتنا لسه هتبدأ حققت حلمي يا همسة وبقيت زي بابا وخلصت من اهلي واخدت ورثي وكل واحد اخد نصيبه من اللي عملوه، حاولت اوصلك بس ما قدرتش جيت العمارة واكتشفت انكم عزلتوا ليه عزلتوا؟
ــ ماقدرتش اقعد هناك وانت مش موجود، وحشتيني يا يوسف اوي، انا كمان حققت حلمي وبقيت رسامة كبيرة ونفذت الوعد و وقتها فكرت ان حكايتنا خلصت !
ابتسم لي قائلاً:
ــ لا حياتنا لسه هتبدأ يا همسة جاهزة نعيش ايام ثانوية عامة تاني؟
وجاهزة تعملي مواقف تضحكني تاني؟
بكيت بقوة قائلة:
ــ جاهزة، جاهزة وانا مبسوطة ان الدنيا حققتلي الأمنية الوحيدة اللي طلبتها منها
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
