رواية الي ان نفترق الفصل الحادي عشر 11 بقلم رقية الأنصاري

 


رواية الي ان نفترق الفصل الحادي عشر بقلم رقية الأنصاري


صحيت مفزوعة على صوت مكتوم جنبي، في الأول ما فهمتش حاجة، وبعدها سمعت تأوه خالد وهو بيتحرك بالعافية...فتحت عيني مرة واحدة، وقلبي وقع قبل حتى ما أبصله.

= خالد؟

ما ردش عليا فورًا، بس صوت نفسه كان تقيل، وملامحه مشدودة وهو بيحاول يغير وضعه من غير ما يحرك كتفه المصاب...قومت بسرعة وشغلت الأباجورة، والنور الخفيف وقع على وشه وخلى التعب باين عليه أكتر.

= خالد بصلي... إنت كويس؟

فتح عينه بالعافية وبصلي.

_ آه... بس كتفي وجعني شوية.

= شوية ايه بس.

حاول يقعد، وأول ما اتحرك وشه اتشد أكتر، فـ قربت منه بسرعة وسندته من ضهره بعيد عن كتفه.

= براحة، متتحركش كده.

_ أنا كويس يا ليليا.

= والله العظيم لو قولتلي أنا كويس تاني هضربك.

رغم تعبه، طرف بوقه اتحرك بابتسامة صغيرة.

_ حاضر.

قومت جبتله المية والمسكن اللي كنت سايباه على الكومود من قبل ما أنام، ورجعت قعدت جنبه.

= قوم خد ده.

أخده من إيدي، وشرب شوية، وبعدها رجع سند ضهره على المخدة وهو مغمض عينه.

فضلت باصة له وأنا حاسة إني مش مطمنة.

= الوجع جامد؟

_ أقل من الأول.

= يا خالد.

فتح عينه وبصلي...فـ قولت:

= بجد مش جامد؟

_اه والله.

فضلت ساكتة شوية، وبعدها حطيت إيدي على دراعه السليم وبدأت أمسح عليه بهدوء.

= استنى لحد ما المسكن يشتغل، متنامش على كتفك.

هز راسه من غير ما يتكلم.

عدت ثواني وأنا فاكرة إنه هيحاول ينام تاني، لكن فجأة حسيت جسمه بيتحرك ناحيتي...بصيتله، ولقيته قرب من غير ما يقول حاجة، وبعدها سند راسه عليا، وإيده السليمة لفت حواليا وشدتني ناحيته.

اتجمدت لحظة من المفاجأة.

خالد كان هو اللي قرب.

هو اللي دخل حُضني.

من غير ما أطلب منه، ومن غير ما يكون في سبب غير إنه تعبان ومحتاج يرتاح.

إيدي لفت حوالين ضهره تلقائيًا، والتانية دخلت في شعره، وبدأت أحركها فيه بهدوء.

= خلاص... اهدى أنا جنبك.

حسيت نفسه لسه تقيل في الأول، بس مع كل دقيقة كان بيهدى أكتر، وإيده حواليا كانت ثابتة، كأنه مش عايز يسيبني.

•••••••••••••••••••

مكنتش قادر أفكر وقتها في أي حاجة غير الوجع.

كتفي كان بيوجعني بشكل خلى النوم نفسه مستحيل، وكل ما أحاول أغير وضعي أحس كإن الجرح بيتشد من جديد...بس أول ما قعدت جنبي وحطت إيدها على دراعي، حسيت إن جسمي بدأ يهدى قبل حتى ما المسكن يعمل أي حاجة.

قربت منها من غير ما أفكر.

ملقتش نفسي غير وأنا ساند راسي عليها وماسك فيها جامد بإيدي السليمة.

الغريب إني مكنتش محتاج منها كلام.

كنت محتاج وجودها.

إيديها وهي بتتحرك في شعري، صوتها وهي بتقولي إنها جنبي، وطريقة حضنها وهي واخدة بالها متلمسش كتفي... كل ده كان كفيل يهديني أكتر من أي حاجة تانية.

غمضت عيني، وفضلت ساكت.

يمكن لأول مرة من وقت طويل حسيت إني مش محتاج أقاوم التعب ولا أبين إني كويس.

لأنها كانت موجودة.

•••••••••••••••••••

فضلت ماسكاه بحذر، وكل شوية أبص على وشه أتأكد إن نفسه هدي. بعد وقت، حسيت قبضته حواليا خفت سنة، وعرفت إنه بدأ يدخل في النوم فعلًا.

حركت صوابعي في شعره أبطأ، ووطيت صوتي وأنا بقول:

= نام.

مردش.

فضلت باصة له شوية، ملامحه كانت أخيرًا ارتاحت بعد التعب والوجع اللي كان باين عليه من أول ما دخل البيت، ومع كل ثانية كان نفسه بينتظم أكتر.

من غير ما أفكر كتير، قربت وشي منه سنة، وبوسته بهدوء على راسه.

هو ماحسش أصلًا.

أو على الأقل مبيّنش أي حاجة.

رجعت مكاني، وإيدي فضلت تتحرك في شعره بنفس الهدوء، وأنا قلبي لسه مقبوض من اللي حصل، بس الخوف نفسه كان بدأ يهدى.

لأنه قدامي.

ولأنه نايم.

ولأنه، رغم تعبه كله، اختار يقرب مني أنا.

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

صحيت المرة دي على إحساس إن دراعي تقيل، ولما فتحت عيني ببطء افتكرت كل حاجة مرة واحدة...خالد كان لسه قريب مني، نايم على جنبه بحذر بعيد عن كتفه المصاب، وإيده السليمة لسه ماسكة في طرف هدومي كأنه حتى وهو نايم ماخدش باله إنه متمسك بيا.

فضلت ساكتة شوية وأنا ببصله، آثار التعب لسه واضحة على وشه، والخدش اللي جنب حاجبه باين أكتر في نور الصبح...قربت إيدي ببطء ناحية كتفه من غير ما ألمسه، بس عشان أشوف الشاش مكانه ولا لأ، ولقيته اتحرك سِنة وفتح عينه.

_ صباح الخير.

صوته كان مبحوح من النوم والتعب.

= صباح النور... عامل إيه؟

غمض عينه تاني كأنه بيفكر في الإجابة.

_ أحسن شويه.

بصيتله بشك.

= أحسن بجد ولا أحسن بتاعتك اللي معناها بموت بس مش عايز أتكلم؟

فتح عينه وبصلي.

_ لا أحسن بجد.

= طب اتحرك كده.

رفع حاجبه.

_ ليه؟

= عايزة أشوف.

_ هو امتحان عملي؟

= خالد اسمع الكلام.

اتنهد وحاول يعدل نفسه ببطء، وأول ما كتفه اتحرك وشه اتشد لحظة.

بصيتله فورًا.

= أهو.

_ إيه أهو؟

= بيوجعك.

_ طبيعي يوجعني، أنا متخبطتش في باب.

قعدت وأنا ببصله بغيظ.

=  طب قوم يلا فوق ، هنروح نكشف.

_ مش محتاج.

= لا محتاج.

_ ليليا—

= مفيش ليليا، هنروح يعني هنروح.

بصلي ثانيتين، وبعدها ضحك ضحكة خفيفة.

_ انتي لما بتحطي حاجة في دماغك بتبقي مرعبة.

= حلو انك عارف ، يبقى وفر طاقتك ومتجادلنيش.

سكت، وبعدين قال:

_ حاضر.

وقفت من على السرير، ولسه هتحرك لقيته بيناديني.

_ ليليا.

لفيتله.

_ إيه؟

بصلي لحظة، وبعدين قال بهدوء:

_ شكرا على امبارح.

سكت ثواني، يمكن عشان الجملة نفسها جات فجأة.

= على إيه؟

_ على كل حاجة.

نزلت عيني عنه وأنا بحاول أخلي صوتي طبيعي.

= أنا ماعملتش حاجة.

_ لا عملتي.

بصيتله تاني.

_ خلاص بقى، متخلينيش أندم.

ابتسم.

_ رجعنا طبيعي اهو.

ضحكت غصب عني، وبعدها خرجت أجهز نفسي.

•••••••••••••••••••

ماكنتش عايز أروح أكشف، مش عشان أنا شجاع ولا عشان الموضوع بسيط للدرجة دي، بس عشان كنت شايف إن الجرح محتاج يتنضف ويتربط وخلاص... إنما مع ليليا مفيش حاجة اسمها "أنا شايف".

هي قررت.

يبقى هنروح.

وأنا بصراحة ماكانش فيا حيل أجادلها.

فضلت قاعد على طرف السرير وأنا مستنيها، وكل شوية أبص ناحية الباب وأفتكر إني صحيت من شوية وأنا لسه قريب منها بالشكل ده.

الموضوع نفسه كان غريب.

الأغرب إني مكنتش متضايق منه.

بالعكس.

كنت مرتاح.

ويمكن دي كانت أول مرة آخد بالي إن وجودها جنبي وقت ما أنا مش كويس بقى حاجة أنا بعتمد عليها من غير ما أخطط.

كانت واقفة قدام التسريحة بتظبط شعرها بسرعة، مركزة في المراية وهي بترفعه وتسيبه تاني، وأنا فضلت باصصلها شوية قبل ما أقول:

_ طب وأنا هجهز إزاي؟

وقفت إيدها في نص الحركة، وبصتلي من المراية.

= يعني إيه؟

رفعت حاجبي وبصيت لكتفي.

فضلت باصالي ثانيتين باستغراب، وبعدها استوعبت مرة واحدة.

= آه صح.

لفتلي بالكامل.

= إنت مش هتعرف تلبس لوحدك.

_ طب كويس انك عارفه.

بصتلي بغيظ.

= اسكت، استنى مكانك.

فتحت الدولاب وطلعتلي تيشيرت واسع شوية وبنطلون، وجت وقفت قدامي.

= قوم بس براحة.

قومت، وهي وقفت قدامي ماسكة التيشيرت.

= هنلبس الناحية السليمة الأول، وبعدين الكتف ده براحة.

بصيتلها.

_ واضح إنك عاملة كورس تمريض في السر.

= خالد، لو اتكلمت كتير هسيبك تلبس لوحدك.

_ حاضر يا دكتورة.

بدأت تدخل التيشرت دراعي السليم الأول، وبعدها قربت القماش من الناحية المصابة بحذر شديد....كانت مركزة بطريقة خلتني أضحك غصب عني.

= على فكرة أنا مش هتكسر.

رفعت عيني لي.

= أنا عارفة، بس إنت لو وجعتك هتعمل فيها بطل ومش هتقول.

= ظلم.

= معلش أنا ظالمة.

سحبت التيشيرت لتحت بهدوء، واتأكدت إنه مش ضاغط على الرباط، وبعدها رجعت خطوة تبصلي.

= كده تمام؟

حركت كتفي السليم.

_ آه.

= بيوجعك.

_تقريبا.

ضيقت عينيها.

_ دي إجابة؟

_ يعني أقولك إيه؟ آه بيوجع شوية وخلاص.

= ماشي.

لفت عشان تجيب شنطتها، وبعدين وقفت فجأة وبصتلي.

= إنت هتعرف تسوق؟

ضحكت فورًا.

_ آه اومال ايه.

= متأكد؟

_ يا ليليا الإصابة في كتفي، مش في رجلي.

بصتلي ثانيتين كأنها بتقيم الكلام، وبعدها قالت بمنتهى الجدية:

= هو إنت بتسوق بدماغك مثلًا؟ ما إنت بتمسك الدركسيون بإيدك.

ضحكت غصب عني.

_ هعرف أسوق يا ظريفة.

فضلت باصالي شوية.

= لأ.

_ لأ إيه؟

= مش مطمنة.

_ يا ليليا—

= لأ بجد، إيدك أصلًا بتوجعك وإنت بتحرك كتفك، هتسوق إزاي؟

_ عادي.

= مفيش عادي.

_ أنا هعرف—

= اسكت يا خالد.

رفعت حاجبي.

= نعم؟

مسكت موبايلها.

= هنطلب عربية أحسن.

_ ليليا، الموضوع مش مستاهل—

بصتلي بنظرة عرفت منها إن النقاش انتهى قبل ما يبدأ.

= خلاص يا خالد من غير جدال ، هنطلب عربية...إنت تعبان.

فضلت باصلها ثانيتين، وبعدها تنهدت.

_ ماشي.

ابتسمت بانتصار.

= شطور.

_ متفرحيش أوي.

_ ملكش دعوه.

طلبت العربية، وأنا رجعت قعدت دقيقة لحد ما توصل، وهي فضلت واقفة قدامي تتأكد للمرة العاشرة إن التيشيرت مش ضاغط على الجرح.

ولما جالنا إشعار إن العربية وصلت، أخدت شنطتها وبصتلي:

= يلا؟

قومت ببطء.

_ يلا.

ونزلنا سوا، وأنا تقريبًا متأكد إن لو الدكتور قال لها إن كل حاجة تمام، هتفضل برضه مقتنعة إنها المسؤولة الرسمية عن كتفي لحد ما يخف تمامًا.

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

وصلنا لمركز طبي قريب، وطول الطريق خالد كان عامل نفسه طبيعي زيادة عن اللزوم، وأنا كل شوية أبصله بـ طرف عيني وألاحظ إنه بيحاول يحرك كتفه أقل ما يمكن...أول ما دخلنا، خلصنا الإجراءات بسرعة، وبعد شوية دخلنا للدكتور.

الدكتور فك الشاش وبص على الجرح، وأنا واقفة جنبه مركزة في كل حركة أكتر من خالد نفسه. لما بدأ ينضفه تاني خالد شد فكه شوية، وأنا تلقائيًا قربت إيدي مسكت ايده.

الدكتور قال إن الجرح شكله أسوأ من حجمه فعلًا، وإنه سطحي نسبيًا، بس محتاج تنظيف وتغيير شاش بانتظام كام يوم، ومسكن، ومن غير ضغط أو حركة زيادة على الكتف.

أنا سألت فورًا:

= يعني مفيش حاجة خطيرة؟

الدكتور طمني، وقال إن مفيش حاجة تستدعي قلق طالما مفيش سخونية أو تورم شديد أو نزيف جديد.

خالد بصلي بنظرة معناها: "قولتلك".

بصيتله بحدة.

= متبصليش كده.

رفع حاجبه.

_ أنا ماقولتش حاجة.

= عينيك قالت.

الدكتور ضحك وهو بيكمل الرباط، وخالد قال:

_ أهي بتسمع العيون كمان.

خبطته بخفة في دراعه السليم.

= اسكت.

بعد ما خلصنا وخرجنا، وقفنا قدام المركز شوية...خالد أخد نفس طويل، وبعدين بصلي.

_ ارتحتي؟

= شوية.

_ شوية بس؟

= لما تعدي كام يوم من غير ما تعمل مصيبة تانية أبقى أرتاح بجد.

ضحك.

_ حاضر.

بصيتله وأنا بمشي جنبه.

= وبالمناسبة، الشاش هيتغير كل يوم.

_ ما أنا عارف.

= وأنا اللي هغيره.

ضحك وهو بيهز راسه.

_ ماشي يا دكتورة.

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

اليومين اللي بعدهم عدوا أهدى...الجرح بدأ يخف، وخالد حركته رجعت أسهل شوية، بس لسه كل ما يحاول يعمل حاجة بإيده المصابة كنت أبصله النظرة اللي بقت كفاية تخليه يرجع إيده مكانها من غير كلام.

أول يوم وأنا بغيرله الشاش، كان قاعد على طرف السرير وأنا واقفة قدامه.... رفعت طرف الضمادة القديمة براحة، وهو ساكت، لحد ما قلت:

= وجعك؟

_ لأ.

بصيتله.

= خالد.

ضحك.

_ بسيط بس.

= أهو دي إجابة محترمة.

بدأت أنضف حوالين الجرح، وهو كان باصصلي طول الوقت.

بعد شوية رفعت عيني.

= بتبصلي ليه؟

_ بتتأكدي إني مش بموت؟

= آه.

_ طب مطمنة؟

= بنسبة سبعين في المية.

_ طب حلو.

= متحلمش، لسه تحت المراقبة.

ابتسم، وبعدها سكتنا.

المسافة بينا كانت قريبة جدًا، بس المرة دي مفيش خوف ولا عياط. مجرد أنا بغيرله الشاش، وهو سايبني أعمل ده بهدوء.

الغريب إن القرب نفسه بقى طبيعي.

يمكن أكتر من الطبيعي.

وفي آخر اليوم التالت تقريبًا، كتفه كان أحسن بوضوح، ورجع يحرك دراعه بحذر...ساعتها حسيت إن الموضوع فعلًا خلص.

أو على الأقل، إصابته خلصت.

لكن اللي حصل بعدها بينا ما رجعش زي الأول.

••••••••••••••••

مرت أسابيع، وبعدها شهور.

من غير ما نحس، الأيام بدأت تجري أسرع. الشغل نفسه دخل مرحلة أهدى، والبرنامج بقى جزء عادي من يومنا بدل ما يكون هو محور حياتنا كلها...أنا وليليا بقينا نعرف بعض بطريقة مكنتش موجودة حتى بعد أول شهور الجواز.

مش بس نعرف مين بيعمل ايه أو مين بيتعصب من إيه.

بقيت أعرف من وشها إنها تعبانة قبل ما تقول، وأعرف إمتى أتكلم وإمتى أسيبها ساكتة....وهي بقت تعرف إمتى أكون مضغوط حتى لو قولت إن مفيش حاجة، وتعرف إمتى تهزر معايا وإمتى متقربش من نقطة معينة.

ومع الوقت، الحاجات اللي كانت بتحصل بينا بقت أقل احتياج للتفسير.

لو مسكت إيدها، ما بقاش لازم نسأل ليه.

لو قالتلي استنى نرجع سوا، ما بقاش في نقاش.

لو قعدت جنبي بالساعات من غير كلام، بقينا نعتبر ده وقت حلو مش صمت محرج.

الغريب إن كل ده حصل بهدوء.

من غير ما حد فينا يعلن إن في حاجة اتغيرت.

ومن غير ما حد فينا يسأل التاني السؤال اللي كان واضح إنه موجود في مكان ما بينا.

وبعد فترة، لأول مرة من مدة طويلة، البرنامج رجع يفكرنا بنفسه.

••••••••••••••••••••

كان آخر الشهر الخامس تقريبًا لما جالنا الإشعار.

مفيش حاجة درامية في شكله، مجرد إيميل عادي من البرنامج، نفس التصميم ونفس اللغة الرسمية اللي بقينا حافظينها من كتر ما شوفناها، لكن أول ما فتحت الموبايل وقرأت أول سطر حسيت إن الوقت وقف ثانية.

فاضل عشرة أيام على نهاية المرحلة المشتركة.

فضلت باصة للشاشة كأني مستنية الرقم يتغير لو بصيتله أطول.

عشرة أيام.

بس.

بعد كل الشهور اللي عدت، وكل الأيام اللي في الأول كانت تقيلة ومش عارفة هتخلص إمتى، فجأة بقوا عشرة.

خالد كان قاعد قدامي على الكنبة، اللابتوب مفتوح على رجله، ولما لاحظ إني سكت مرة واحدة رفع عينه.

_ مالك؟

مديتله الموبايل من غير كلام.

أخده، قرأ الرسالة، وسكت.

أنا كنت مركزة في ملامحه أكتر من الإيميل نفسه...مفيش حاجة واضحة، بس حسيت إن نظرته ثبتت على الشاشة أطول من الطبيعي.

_ عشر أيام.

قالها بعد شوية.

= آه.

_ وبعدين كل واحد هيكمل باقي السنة لوحده.

= ايوه.

الكلمة التانية طلعت أهدى.

سحبت الموبايل من إيده وبصيت للرسالة تاني.

المرحلة المشتركة كانت هتخلص، وبعدها كل واحد فينا هيروح لمساره لوحده، شغله لوحده، جدول مختلف، فريق مختلف، ويمكن حتى أيام مختلفة تمامًا.

من أول ما جينا وإحنا تقريبًا كل حاجة بنعملها سوا.

الشغل.

المشاوير.

الأكل.

الخروجات.

حتى المشاكل.

فكرة إن كل ده هيتفك في عشر أيام بس حسيتها غريبة.

= حاسس إن الوقت عدى بسرعة؟

خالد قفل اللابتوب ببطء.

_ جدًا.

بصيتله.

= مع إن أول شهر كنت حاسة السنة عمرها ما هتخلص.

ابتسم ابتسامة صغيرة.

_ وأنا كنت شايف الست شهور دول عقوبة إدارية.

ضحكت غصب عني.

= ده حقيقي.

سكتنا بعدها شوية.

كنت متوقعة إننا نكمل هزار، أو نقفل الموضوع زي أي حاجة تانية، بس ولا واحد فينا عمل كده.

فضل الرقم واقف بينا.

عشرة أيام.

مش بس عشان البرنامج.

عشان الاتفاق كله كان مربوط بالنقطة دي.

وأنا من غير ما أقصد افتكرت الجملة اللي خالد قالهالي وقت الصلح:

بعد البرنامج والست شهور كل واحد فينا يرجع لحياته.

وقتها الكلمة خوفتني.

دلوقتي بقت قريبة.

قريبة أوي.

••••••••••••••••••

قريت الإيميل مرتين رغم إن محتواه واضح من أول مرة.

عشر أيام.

الغريب إن الرقم ضايقني أكتر من اللي كنت متوقعه.

أنا عارف من أول يوم إن المرحلة دي ليها نهاية....عارف إن شغلنا المشترك مش دائم، وإن بعده كل واحد هيكمل باقي السنة في مساره لوحده.

دي مش مفاجأة.

ولا حاجة اتغيرت فجأة.

بس يمكن المشكلة إن حياتنا هي اللي اتغيرت.

بصيت لليليا وهي ماسكة موبايلها وبتقلب في الرسالة كأنها لسه بتستوعبها.

كان في حاجات كتير ممكن أقولها.

إننا هنفضل في نفس المدينة.

إننا ممكن نشوف بعض عادي.

إن ده مجرد شغل.

لكن ولا جملة منهم حسيتها مناسبة.

فـ سكت.

وهي كمان سكتت.

وأول مرة من فترة طويلة، حسيت إن في سؤال كبير بينا والاتنين عاملين نفسهم مش شايفينه.

وبعدين؟

••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

فضل موضوع الإيميل معلق بينا باقي اليوم، رغم إن محدش فينا فتحه تاني.

أنا قفلت الموبايل، وخالد رجع فتح اللابتوب وكمل اللي كان بيعمله، وبعد شوية أنا كمان قومت عملت قهوة وقعدت جنبه، واتكلمنا في حاجات تانية عادي جدًا.

بس كل شوية، ومن غير سبب، الرقم كان يرجع في دماغي.

عشر أيام.

حاولت أقنع نفسي إن الموضوع مش بالحجم اللي أنا مدياهوله....إحنا أصلًا هنفضل في برشلونة، وكل واحد هيكمل شغله ومساره هنا، يعني مش معنى إن شغلنا المشترك خلص إن خالد هيختفي من على وش الأرض يعني.

بس حتى الفكرة دي مريحتنيش.

لأن المشكلة مكنتش في الشغل بس.

الشغل المشترك نهايته بعد عشر أيام، ومعاه تقريبًا كل حاجة إحنا بنينا عليها اتفاقنا من الأول.

والحاجة الوحيدة اللي كنت بعاند نفسي عشان مفكرش فيها هي إن نهاية المرحلة دي معناها إننا فعلًا وصلنا للنقطة اللي طول الوقت كنا بنتكلم عنها كأنها بعيدة.

النقطة اللي بعدها مفيش سبب يجبرنا نفضل متجوزين.

زقيت الفكرة بعيد قبل ما تكمل.

مش دلوقتي.

••••••••••••••••••••

الغريب إن الأيام اللي بعدها ما اتغيرش فيها شيء.

أو يمكن إحنا اللي تعمدنا منغيرش حاجة.

صحينا، رحنا شغلنا، رجعنا مع بعض، اختلفنا مرة على مكان هناكل منه، وليليا أصرت إن المكان اللي أنا اخترته آخر مرة كان سيئ وأنا فضلت أدافع عنه لمجرد إني أستفزها.

كل حاجة كانت ماشية بطبيعتها.

وده كان مريح ومستفز في نفس الوقت.

لأن كل ما اليوم يعدي، الرقم بيقل.

تسعة.

تمانية.

سبعة.

ومع ذلك، مفيش حد فينا جاب سيرة اللي هيحصل بعدها.

وأنا كمان ماجبتش.

مكنتش عارف أنا مستني إيه أصلًا.

إحنا متفقين.

الاتفاق واضح من أول يوم، ومفيش فيه نقطة محتاجة نقاش.

بس لأول مرة، كلمة "واضح" نفسها مكانتش مريحة.

••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

كنت قاعدة على الكنبة بكلم ماما فيديو، وخالد في المطبخ بيعمل قهوة.

= عاملة إيه يا ماما؟

_ الحمد لله، انتي اللي عاملة إيه؟ بقالك يومين مبتبعتيش غير مسدجات.

= والله الشغل كان كتير اليومين دول.

_ كل مرة نفس الحجة.

= يا ماما والله—

سمعت صوت باب بيتفتح عندهم، وبعدها صوت مروان جه من بعيد:

_ مين؟ ليليا؟

غمضت عيني أول ما سمعته.

= يا رب لأ.

ظهر وشه جنب ماما في الشاشة بعدها بثانيتين.

_ وحشتك؟

= جدًا، كنت هعيط من غيرك.

_ عارف، أنا وجودي مؤثر.

= روح ذاكر يا مروان.

_ خلصت.

ماما بصتله.

_ لا مخلصتش.

ضحكت، وهو بص لماما باعتراض.

_ يا خالتو متفضحيناش قدام الناس.

= ناس مين يا حبيبي؟ دي بنتي.

_ ما هي عايشة بره خلاص بقت أجنبية.

= أيوه طبعًا، خمس شهور في اسبانيا نسيتوني العربي.

خالد خرج من المطبخ في اللحظة دي وهو شايل مجين، ومدلي واحد فيهم قبل ما يقعد على الطرف التاني من الكنبة.

مروان لمح إيده في الكاميرا.

_ مين ده؟ خالد؟

خالد سمع اسمه وقرب سِنة

_ مين اللي بيسأل؟

مروان ابتسم أول ما شافه.

_ إزيك يا جوز أختي؟

بصيت لمروان.

= أختك مين يا ابني؟

_ ما انتي زي أختي.

خالد أخد رشفة من القهوة بمنتهى الهدوء.

_ الحمد لله يا حبيبي، مستحمل أختك بالعافية.

لفيتله بسرعة.

= نعم؟

مروان انفجر ضحك.

_ ربنا يقويك يا أخويا، أنا فاهمك.

= فاهم إيه يا عين مامتك؟

_ شايف؟ أهو ده اللي بتعامل معاه.

بصيت لخالد بعدم تصديق.

= إنت بتشتكي مني لمروان؟

_ الراجل سألني، لازم أكون صريح.

مروان قال بسرعة:

_ طب لو احتجت أي نصايح في التعامل معاها كلمني.

خالد هز راسه بجدية مصطنعة.

_ أبعتلي رقمك.

= خالد!

ضحك، ومد إيده أخد الموبايل مني قبل ما ألحق أبعده.

_ عامل إيه يا مروان؟

_ زي الفل، إنت عامل إيه؟ ليليا لسه بتتخانق معاك كل يوم؟

_ لأ، خفت شوية بقى يوم اه ويوم لا.

قربت من الموبايل.

= يا كداب!

مروان ضحك.

_ والله كنت عارف إنها هي المشكلة.

خالد بصلي بانتصار.

_ شهادة من أهلك أهي.

ضربته بالمخدة اللي جنبي، فتحرك بسرعة وهو بيضحك.

= هات موبايلي.

_ استني بكلم صاحبي.

= صاحبك؟!

مروان من الشاشة:

_ خلاص يا ليليا سيبينا إحنا الرجالة نتكلم.

= بس ياض هما كلهم خمستاشر سنة على بعض.

_ العمر مجرد رقم.

خالد ضحك بصوت عالي المرة دي، وأنا فضلت باصة للاتنين وأنا مش مصدقة إنهم اتحدوا عليا في أقل من دقيقتين.

والأغرب إن للحظة افتكرت خناقتنا القديمة بسببه.

نفس مروان اللي مجرد اسمه كان كفاية وقتها يقلب ليلة كاملة بيني وبين خالد.

دلوقتي خالد ماسك موبايلي وبيهزر معاه عادي، ومروان بيتعامل معاه كأنه يعرفه من سنين.

مفيش توتر.

مفيش غيرة.

مفيش حتى بقايا للموقف القديم.

ماما كانت بتتفرج علينا من جنب مروان وهي مبتسمة، وبعد شوية قالت:

_ طب ممكن آخد بنتي منكم شوية ولا خلاص؟

خالد مدلي الموبايل.

_ اتفضلي بنتك، إحنا أصلًا زهقنا منها.

خدت منه الموبايل.

= والله؟

قرب مني قبل ما يقوم وقال بصوت واطي، لكنه كان مسموع:

_ بهزر يا رخمة.

وبعدين قام رجع ناحية المطبخ.

بصيت وراه لحظة قبل ما أرجع لماما.

لقيتها باصة لي بنفس الابتسامة.

= إيه؟

_ ولا حاجة.

= ماما.

_ بقول ولا حاجة يا ليليا.

= ما أنا عارفاكي.

ضحكت.

_ وأنا عارفاكي أكتر.

سكتّ، ومروان من جنبها قال:

_ وأنا كمان عارفك.

= إنت اخرس خالص.

ضحكنا كلنا، وكملت المكالمة بعدها بشكل طبيعي.

بس لما قفلت، فضلت ماسكة الموبايل شوية وأنا مبتسمة.

خمس شهور فاتوا.

وفي خمس شهور، حاجات كتير جدًا اتغيرت لدرجة إن الخناقة اللي وقتها حسيتها ممكن تنهي كل حاجة، بقت دلوقتي مجرد موقف قديم أفتكره وأستغرب إننا كنا الأشخاص دول أصلًا.

رفعت عيني ناحية المطبخ.

خالد كان واقف بضهره، بيغسل المج اللي استخدمه، عادي جدًا.

وفجأة الرقم رجع لدماغي من تاني.

الأيام اللي فاضلة بقت أقل.

والغريب إن كل ما علاقتنا كانت بتبقى أحسن...

النهاية كانت بتقرب أكتر.

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

اليوم اللي بعده عدى عادي، وبعده كمان.

بس الإحساس اللي سابه الإيميل مراحش.

بالعكس، بقى موجود في تفاصيل صغيرة جدًا.

وأنا ببص على جدولنا.

وإحنا راجعين من الشغل.

وإحنا بنتكلم مين فينا عنده ميتينج بدري اليوم اللي بعده.

حتى وإحنا بنتخانق على حاجة سخيفة في السوبرماركت.

كنت كل شوية أفتكر إن قريب جدًا كل واحد فينا هيبقى عنده يوم منفصل عن التاني بشكل حقيقي.

مش مجرد ساعات.

مش مجرد مشوار.

شغل مختلف، فريق مختلف، مواعيد مختلفة...سكن مختلف.

وحاولت أقنع نفسي إن ده طبيعي.

إن إحنا أصلًا اتجوزنا بسبب المرحلة دي.

يعني الطبيعي إنها تخلص.

بس الغريب إن الطبيعي بقى هو الحاجة اللي مش مريحة.

••••••••••••••••••••

في يوم من الأيام دي، كنا راجعين بدري شوية، والجو كان حلو، فبدل ما نرجع على طول خالد بصلي وقال:

_ نتمشى شوية؟

بصيتله.

= دلوقتي؟

_ آه.

= مش تعبان؟

_ لأ.

= وكتفك؟

لف دراعه بحركة بسيطة.

_ كتفي بقى أحسن خلاص.

= طب كويس.

مشينا من غير هدف محدد، وكل شوية نقف عند محل، أو خالد يشاور على حاجة غريبة ويقرر إنها مناسبة جدًا للبيت وأنا أقوله ذوقك كارثة.

بعد شوية وقفنا عند مكان صغير نجيب منه حاجة نشربها.

قعدنا برا، وأنا كنت بقلب في الموبايل، لحد ما خالد قال:

_ انتي ساكتة بقالك كتير ليه، مالك؟

رفعت عيني.

= عادي.

_ لأ، انتي لما بتبقي عادية بتتكلمي أكتر من كده.

ضحكت.

= يعني عايزني أرغي؟

_ بصراحة اتعودت.

بصيتله ثانية.

الجملة نفسها رجعتلي أول ليلة بعد ما ماما وبابا مشيوا.

"واضح إني اتعودت عليكي."

وقتها كانت جملة صغيرة.

دلوقتي، بعد شهور، حسيتها أكبر بكتير.

= خالد.

_ نعم؟

= إنت متضايق إن الشغل بينا هيخلص؟

السؤال خرج مني فجأة.

هو ما ردش فورًا.

فضل يقلب الكوباية بين صوابعه شوية، وبعدها رفع عينه ليا.

_ آه.

استغربت من صراحته.

= عادي كده؟

_ عادي إيه؟

=  بتصارحني كده من غير ما تتقل.

_ عشان هي الحقيقة.

سكت.

هو كمل:

_ اتعودنا نشتغل مع بعض.

= بس إحنا هنفضل في نفس البرنامج.

_ ما أنا عارف.

= ونفس المدينة.

_ عارف برضو.

بصيتله.

= أمال؟

ابتسم سنة بسيطة.

_ انتي اللي سألتي لو متضايق إن الشغل بينا هيخلص...قولتلك آه.

فضلت ساكتة.

هو نفسه سأل:

_ وانتي؟

بصيت قدامي.

= شوية.

_ شوية بس؟

بصيتله.

= ما تتلككش.

ضحك.

_ خلاص.

سكتنا شوية، وبعدين قال:

_ على فكرة، إحنا ممكن نشوف بعض عادي حتى لو كل واحد فينا بقى في فريق مختلف.

الجملة المفروض كانت تطمن.

لكنها عملت العكس.

لأن كلمة "نشوف بعض" طلعت كأنها بتتكلم عن اتنين مش عايشين في نفس البيت.

وأنا أخدت بالي من ده.

وهو تقريبًا أخد باله برضو ، لأنه سكت بعدها وماكملش.

••••••••••••••••••••

أنا أول ما قولت الجملة حسيت إنها غريبة.

"ممكن نشوف بعض عادي."

إحنا أصلًا بنرجع نفس البيت.

بنصحى في نفس المكان.

بقالي شهور عارف هي صحيت امتى، أكلت ولا لأ، رجعت من الشغل متضايقة ولا مبسوطة.

فجأة بتكلم كإننا أصحاب هنحتاج نحدد معاد عشان نشوف بعض.

وأظن ليليا فهمت نفس الحاجة، لأنها سكتت وبصت قدامها.

كان سهل جدًا أغير الجملة.

أقول لها قصدي بعد ما كل واحد يبقى عنده جدوله.

بس مقلتش.

لأن الحقيقة إن اللي بعد الاتفاق هو الجزء اللي أنا نفسي مش عايز أفتحه.

••••••••••••••••••••

رجعنا البيت متأخر شوية، وأكلنا حاجة خفيفة، وبعدها كل واحد دخل أوضته.

حاولت أنام.

مقدرتش.

قلبت في الموبايل، فتحت أي حاجة، قفلتها، وبعد شوية لقيت رسالة من خالد.

_ نمتي؟

بصيت للشاشة شوية.

= لأ.

ظهر إنه بيكتب.

اختفى.

رجع تاني.

وبعدين بعت:

_ تعالي اقعدي معايا شوية.

من غير ما أسأله ليه، قومت.

خرجت من أوضتي ومشيت ناحيته، وخبطت خبطة خفيفة قبل ما أفتح.

كان قاعد على السرير، ضهره مسنود على المخدة، وموبايله جنبه.

بصلي أول ما دخلت.

_ تعالي.

قعدت على الناحية التانية من السرير، وبصيتله.

= خير؟

_ مفيش.

= أمال ناديتني ليه؟

رفع كتفه.

_ عايز أقعد معاكي.

قولها كإنها أبسط حاجة في الدنيا.

وأنا برضو حاولت أتعامل معاها كإنها أبسط حاجة.

= ماشي.

فضلنا نتكلم في حاجات عادية شوية، عن الشغل، وعن واحد من الفريق كان عامل موقف سخيف الصبح، وعن ماما اللي بقت مقتنعة إن مروان وخالد صحاب رسمي.

وبعدين خالد افتكر حاجة وقال:

_ على فكرة، في خطوبة آخر الأسبوع.

بصيتله.

= خطوبة مين؟

_ واحد من صحابنا في البرنامج.

= مين؟

قال اسمه، وافتكرته على طول.

= آه، ده.

_ تقريبًا كل الناس رايحة.

هزيت راسي.

= ماشي، أنا جاية معاك.

بصلي كإن الإجابة كانت متوقعة.

_ ماشي.

وبعدين سكت ثانية، وبصلي من فوق لتحت بطريقة خلتني أضيق عيني.

= إيه؟

_ عندك فستان؟

= نعم؟

_ للخطوبة.

بصيت قدامي وأنا بفكر.

= فستان...

سكتت ثانيتين.

= اه صح.

_ إيه؟

بصيتله فجأة.

= أنا معنديش حاجة ألبسها.

ضحك.

_ كنت متوقع.

= لا والله، أنا نسيت خالص إن معنديش هنا حاجة مناسبة لفرح.

_ عادي.

= عادي إزاي؟

_ ننزل بكرة أو بعده نجيبلك فستان حلو وخلاص.

بصيتله.

= ننزل نجيبلي فستان؟

_ آه.

= انت؟

رفع حاجبه.

_ هو في حد تاني قاعد معاكي في الأوضة؟

ضحكت.

= لا، بس يعني هتنزل تلف معايا على فساتين؟

_ أيوه يا ليليا.

= وهتستحمل؟

_ على حسب عدد المحلات.

= لا كده مش عاجبني.

ضحك.

_ خلاص، أنا اللي اقترحت، هستحمل.

ابتسمت.

= ماشي.

_ اتفقنا.

فضلنا ساكتين بعدها شوية.

كنت لسه مبتسمة من فكرة إن خالد بنفسه هييجي معايا أجيب فستان، لكن فجأة الرقم رجع في دماغي.

الأيام اللي فاضلة.

أول الأسبوع الجاي.

بصيتله.

الابتسامة راحت من وشي من غير ما أقصد.

هو خد باله.

_ مالك؟

فضلت ساكتة ثانية، وبعدها قلت:

= إنت واخد بالك إننا أول الأسبوع الجاي هنتطلق، صح؟

الهدوء اللي نزل بعد الجملة كان مختلف.

خالد ملامحه ثابتة، لكنه ما ردش فورًا.

بصلي كام ثانية، وبعدها نزل عينه قدامه.

_ آه.

سكت.

وبعدين كمل بهدوء:

_ عامل حسابي، متقلقيش.

متقلقيش.

معرفش ليه الكلمة دي بالذات ضايقتني.

يمكن لأنه قالها كإنه بيطمني إن كل حاجة ماشية حسب الخطة.

وهي فعلًا ماشية حسب الخطة.

دي الخطة من أول يوم.

إحنا اتجوزنا عشان البرنامج.

وصلنا تقريبًا لنهاية المدة.

هنطلق.

بس وأنا قاعدة قدامه، بعد كل الشهور دي، وبعد ما بقى طبيعي إنه يطلب مني أقعد معاه لمجرد إنه عايزني جنبه، وبعد ما بقينا بنتكلم عن فستان هختاره معاه لفرح هنروحه سوا...

حسيت إن كلمة "هنطلق" مش راكبة على أي حاجة من دول.

بصيتله، وحاولت أبتسم.

= ماشي.

طلعت مني بصوت واطي.

هو بصلي، وأنا بسرعة بصيت بعيد.

أنا اللي فتحت الموضوع.

أنا اللي فكرته.

ومع ذلك، أول ما أكدلي إنه فاكر، تمنيت للحظة لو كان ناسي.

••••••••••••••••••••

قولتلها متقلقش كإن الجملة سهلة.

كإن الموضوع مجرد حاجة في الجدول وأنا فاكر ميعادها.

هي سألت.

وأنا جاوبت.

ده الطبيعي.

لكن أول ما شوفت ملامحها بعد الرد، حسيت إني يمكن جاوبت أسرع مما كان لازم.

أو يمكن أهدى مما أنا حاسس.

بصت بعيد وقالت ماشي ، وأنا عرفت إنه مش ماشي خالص.

والمشكلة إني مكنتش عارف أقول إيه بعدها.

أقول لها إني عارف؟

هي عارفة إني عارف.

أقول لها إننا اتفقنا؟

هي أكتر واحدة فاكرة الاتفاق.

أقول لها إن الموضوع عادي؟

لأ.

دي بالذات مكنتش هعرف أقولها.

لأن لأول مرة من يوم ما بدأت الحكاية دي كلها، فكرة إننا ننفذ الاتفاق زي ما هو مكتوب ما بقتش عادية بالنسبالي.

بصيتلها وهي قاعدة جنبي، وسألت نفسي نفس السؤال اللي بقالي أيام بهرب منه.

لو اتطلقنا؟!

هترجع تبقى إيه بالنسبالي؟

زميلة قديمة؟

صاحبتي؟

حد هشوفه من وقت للتاني؟

ولا هنفضل قريبين بالشكل ده وكإن الورقة هي الحاجة الوحيدة اللي اتغيرت؟

مكانش عندي إجابة.

ويمكن أكتر حاجة ضايقتني إني لأول مرة مكنتش متأكد إني عايز أوصل للنهاية اللي إحنا الاتنين اتفقنا عليها من البداية.

رفعت عيني ناحيتها.

هي لسه باصة قدامها.

وأنا بدل ما أقول أي حاجة، فضلت ساكت.

لأن أي كلمة كنت ممكن أقولها ساعتها كانت هتفتح باب أنا لسه مش عارف إذا كنت مستعد أدخله ولا لأ.

بصيت قدامي وانا خلاص بحسم الفكرة في دماغي...

فكرة قررتها من كام يوم.

 وفعلا…هنفذها.


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات