رواية درة الجبالي الفصل الحادي عشر
"جهزي خلاجاتك يا بت محمود.. أنا هطلچك الليلة دي!"
الكلمة نزلت زي الصاعقة في الجناح. درة كانت واقفة بتسرح شعرها قدام المراية، المشط وقع من إيدها وبصتله بصدمة ورعب. عزيز كان واقف على الباب بهيبته وجلابيته السودا، وشه مايتقريش.
"إنت.. إنت بتجول إيه يا عزيز؟" صوتها طلع مهزوز ومخنوق بالدموع. "تطلچني؟ بعد كل اللي مرينا بيه؟ بعد ما فديت ولدنا من سكين صالح وكسرته جُدامي؟ بعد ما روحي اتعلچت بيك؟ إنت بتهزر صُح؟ جول إنك بتهزر يا كبير الجبالية!"
عزيز قرب منها بخطوات بطيئة، ومن غير ما ملامحه تتغير، طلع ورقة مطوية من جيبه ومد إيده بيها.
"أنا مابهزرش في العرض والشرف يا درة.. امسكي الورچة دي واجرايها."
درة أخدت الورقة وإيدها بتترعش. فتحتها وبدأت تقرأ، بس دي ماكانتش ورقة طلاقها من عزيز! دي كانت وثيقة طلاق رسمي من صالح! ومعاها اعتراف رسمي متوثق ببصمة صالح إنه غاب بمزاجه، وإن جواز درة من عزيز شرعي مية في المية، ومتنازل عن أي حق ليه فيها أو في أملاكها.
بصت لعزيز وهي مش مستوعبة: "دي... دي ورچة طلاچي من صالح! إنت خليته يمضيها كيف؟"
ملامح عزيز الجامدة اتحولت لعشق، وابتسم ابتسامة دوبت كل الخوف اللي في قلبها، وحاوط وشها بحنية.
"خليته يمضيها والطبنچة مصوبة على نفوخه. جولتله يا تمضي وتغور في داهية وتنسى إنك اتخلچت على وش الأرض، يا إما أفرغ رصاصي كله في چلبك. صالح خد بعضه وهرب بره الصعيد كله بعد ما اتنازل عن كل حاچة. أنا مكنتش هسمح لشعرة منيكي تفضل متعلچة باسم كلب زيه."
درة أخدت نفسها بارتياح وارتمت في حضنه بتعيط من الفرحة، وعزيز ضمها بكل قوته. ضربته بخفة على صدره: "بس إنت چولت إنك هتطلچني! وچعت چلبي يا مفتري!"
عزيز ضحك من قلبه وبعدها شوية عشان يبص في عينيها:
"أيوة هطلچك.. هطلچك من أي خوف سكن چلبك. هطلچك من أي ماضي وچعك. هطلچك من ورچة الجواز الجديمة اللي انكتبت وإنتي خايفة ومغصوبه.. عشان الليلة دي، أنا چايب المأذون تحت، وهكتب عليكي من أول وچديد. الليلة دي يا درة، هتبچى دخلتي عليكي، بس المرة دي، العروسة راضية وعشچانة، والعريس چايب روحه يحطها مهر تحت رجليها."
عنين درة وسعت بفرحة.
"أنا راضية وموافچة يا چلب درة.. موافچة أكون ليك من دلوك ليوم يبعثون."
"يبچى تجهزي حالك يا ست السرايا. المأذون مستني، والرجالة بره بيضربوا نار فرحة بعهدنا الچديد. والبسي الفستان الأبيض اللي رفضتي تلبسيه يوم ما دخلتي السرايا.. الليلة، مفيش أسود في حياتنا، مفيش غير النور اللي طالع من وشك."
بعد ساعة، السرايا كانت مقلوبة ضرب نار وزغاريد. فرح صغير بس فرحته غطت على الدنيا. في الجناح المتزين بالورد والشموع، عزيز كان واقف مستنيها ولابس جلبية بيضا وعباية رمادي. الباب اتفتح ودخلت درة بفستان أبيض بسيط وشيك جداً، شعرها الأسود مرفوع، وعينيها متكحلة. عزيز كتم أنفاسه من جمالها، قرب منها زي المسحور، باس إيديها وجبينها.
"بسم الله ما شاء الله.. اللهم بارك في حلالي." همس عزيز وعنيه مليانة عشق: "إنتي حچيچة يا درة؟ أنا ساعات بخاف أغمض عيني أفتحها ألاچي نفسي بحلم، وإني لساتني العمدة الچاسي اللي مابيعرفش طعم العشچ."
درة ابتسمت ولفت إيديها حوالين رقبته:
"أنا حچيچتك الوحيدة يا عزيز. أنا اللي چلبي دچ ليك إنت وبس. المأذون كتب الكتاب، والورچة الجديمة انحرچت، والورچة الچديدة مكتوبة بدم چلبك وچلبي. أنا كلي ملكك الليلة دي، وكل ليلة."
عزيز شالها بحب وراح بيها على السرير، نزلها بالراحة وبدأ يشيل الطرحة وهو بيتأمل ملامحها.
"تخابري إني من يوم ما شوفتك بتچفي چُصاد خيلي ومابتهابيش الموت، وأنا اتسحرت؟ إنتي اللي روضتي الأسد يا بت محمود. خليتيني أبكي على فراجك، وأحارب الدنيا عشان تبتسميلي."
"وإنت اللي عوضتني عن چساوة الدنيا كلها." ردت درة بصوت واطي وهي مغمضة عينيها: "إنت الأمان اللي كنت بدور عليه. إنت الزين اللي ضهره مابينحنيش إلا عشان يحضن مرته."
عزيز مال عليها وباسها بشغف، مسحت كل حزن السنين اللي فاتت، وبدأت ليلتهم الأسطورية اللي كانت كلها حب وعشق خالص.
بعد مرور أسبوعين..
عدى أسبوعين في سعادة وهدوء، ورحيم الصغير مالي السرايا ضحك. وفي يوم، عزيز كان بيجهز عشان يخرج.
"أنا رايح المركز يا درة، في چعدة صلح بين عيلتين كبار، ولازم العمدة يكون حاضر عشان يفض النزاع."
"تروح وترجع بالسلامة يا سيدي وتاچ راسي.. بس متتأخرش عليا، السرايا بتبچى عتمة من غيرك."
غمزلها عزيز: "محدش بيچدر يبعد عن النور كتير. مسافة السكة وأكون في حضنك."
عزيز مشي مع الغفر. درة كانت بتلاعب رحيم، وفجأة خبطت الباب الخدامة "سعدية" وهي مرعوبة، وفي إيدها حتة قماشة صغيرة فيها بقعة دم ناشف!
"ادخلي يا سعدية، في إيه؟"
"يا ست هانم.. في عيل صغير چيه بيچري على باب السرايا البراني، ورمى اللفافة دي للغفر، وچالهم يوصلوها لست الدار في يدها طوالي، وچري زي الرهوان ومحدش لحچه!"
درة قلبها اتقبض، أخدت القماشة وطلبت من سعدية تخرج. فتحت القماشة ووقع منها خاتم فضة.. خاتم أبوها "الحاج محمود" اللي مابيقلعوش من إيده! وكان معاها ورقة مكتوب فيها:
"لو رايدة تشوفي أبوكي عايش، تيچي دلوك لحالك على مصنع الجصب المهچور اللي على حدود البلد. لو العمدة عرف، أو خدتي غفر معاكي، أبوكي هيندفن في مكن الجصب. معاكي نص ساعة!"
درة اتجمدت. خطفوا أبوها! حاولت تتصل بعزيز مفيش رد، اتصلت برضوان موبايله مقفول.
"يا مري! يا مري السكة مچطوعة عنيهم!"
اختاروا الوقت اللي عزيز فيه في المركز عشان الشبكة هناك وحشة. درة ماكانش قدامها حل. لبست عبايتها السودا، خبت خنجر عزيز في هدومها، ونادت سعدية.
"سعدية! اقفلي الجناح ديه على رحيم، ومفيش مخلوچ يعتب چواه! عينك على ولدي يا سعدية، لو چراله حاچة هچتلك بيدي! أنا رايحة مشوار چريب وچاية."
خرجت من الباب الخلفي للخدم، وطلعت تجري على مصنع القصب المهجور، قلبها بيدق من الرعب.
وصلت درة للمصنع، المكان كان ضلمة وريحته صدأ ومكن ضخم.
"أبووويا! يا حاچ محمود!"
"أهلاً بست السرايا.. خطوة عزيزة يا درة."
الصوت جه من فوق. درة بصت لقت راجل ضخم شبه عزيز جداً بس ملامحه كلها شر. كان واقف فوق وماسك حبل.. وفي آخر الحبل أبوها الحاج محمود متكتف ومتعلق فوق مكنة طحن القصب اللي تروسها حامية جداً!
"إنت مين؟! سيب أبويا يا ظالم!"
الراجل نزل ببطء وحواليه 4 رجالة مسلحين.
"أنا اللي ليا في السرايا والأملاك دي أكتر من چوزك يا درة. أنا 'همام الجبالي'.. عم عزيز، اللي أبوه طردني من البلد چبل ما يموت وحرمني من حچي في العمدية والورث، وراح اداها لولده الطايش!"
درة افتكرت كلام عزيز عن عمه اللي حاول يقتل أبوه زمان واتطرد.
كمل همام بغل: "أنا اللي مولت صالح عشان يرجع يخرب بيت عزيز. وأنا اللي سلطت شيريهان زمان، بس عزيز الچاسي كشفها وطلچها. ودلوك، بعد ما الكلب عزيز كتبلك نص أملاك الجبالية، بچيتي إنتي الحِلچة الأضعف."
همام رمى ورق تحت رجلين درة.
"الورچ ديه، توكيل عام وتنازل بيع وشرا لكل أملاكك ليا أنا. تمضي وتبصمي دلوك، أسيبلك أبوكي يعيش. ترفضي أو تعاندي..."
شاور لواحد من رجالته شد دراع المكنة، وبدأت التروس تلف بصوت مرعب، والحاج محمود نزل لتحت شوية!
"لااااا! أبووويا!" صرخت درة ونزلت على الأرض تلم الورق. "همضي! همضي بس نزلوا أبويا! أبوس يدك سيبه!"
همام رمالها قلم بانتصار، ولسه درة هترفع القلم وتمضي..
فجأه..
رصاصة شقت السكوت، والراجل اللي ماسك دراع المكنة صرخ ووقع غرقان في دمه!
الكل بص ناحية الباب. عزيز الجبالي ظهر من الضلمة وبندقيته في إيده، وعنيه بتطق شرار، ووراه عشرات الغفر محاصرين المكان.
"اللي هيرفع سلاحه، هيتحول لمصفة چبل ما يرمش!" صوته زلزل المصنع ورجالة همام رموا سلاحهم من الرعب.
"عزيييز!" لسه درة هتجري عليه، همام سحب طبنجته بسرعة البرق وحطها في راس درة.
"لو اتحركت هفرغ المسد*س في نفوخها يا عزيز! اتنازل عن العمدية والأملاك، وإلا مرتك هتموت إهنه!"
درة وقفت مكانها، والمسدس على راسها. عزيز قلبه وقف، بس درة بصتله بنظرة تحدي.. نظرة "درة الجبالي" اللي وقفت قدام الخيل زمان. هزت راسها لعزيز حركة خفيفة أوي، وفي لمح البصر، وطت بمرونة على الأرض وسحبت الخنجر من هدومها، وفي نفس اللحظة.. عزيز انطلق وضرب رصاصة مميتة..
