رواية كيفك انت الفصل الثاني عشر
خرج يحيى من مكتب العميد، والابتسامة لأول مرة منذ أيام ظهرت على وجهه.
كان يمسك الخطاب بين يديه، ويعيد قراءة اسمه مرة بعد مرة.
جامعة لندن...
منحة كاملة...
سفر...
بداية جديدة.
توقف أمام باب الكلية، ورفع عينيه إلى السماء.
يحيى..... الحمد لله يا رب.
يمكن دي فعلًا فرصتي...
فرصة أهرب من كل حاجة وجعتني.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم أخرج هاتفه من جيبه.
ظل ينظر إلى اسم والده على الشاشة لثوانٍ.
كان يعلم أن حاج محمود سيكون أول شخص يجب أن يخبره.
ضغط على زر الاتصال.
بعد لحظات...
حاج محمود..... ألو يا يحيى يا ابني.
يحيى..... السلام عليكم يا بابا.
حاج محمود..... وعليكم السلام يا حبيبي. صوتك غريب... في حاجة؟
ابتسم يحيى رغم حزنه.
يحيى..... في حاجة كبيرة يا بابا.
حاج محمود..... خير يا ابني؟
سكت يحيى للحظات، ثم قال:
يحيى..... العميد استدعاني النهارده.
حاج محمود..... ليه؟
يحيى..... البحث اللي قدمته... عجب جامعات بره.
سكت حاج محمود.
ثم قال بقلق:
حاج محمود..... يعني إيه بره؟
يحيى..... يعني... اتقبلت في منحة دراسية في جامعة لندن.
ساد الصمت في الطرف الآخر.
ثم جاء صوت والده ممتلئًا بالفرحة:
حاج محمود..... لندن؟!
يحيى..... أيوه يا بابا.
حاج محمود..... يا ابني ألف مبروك! والله كنت عارف إنك هتبقى حاجة كبيرة.
ضحك يحيى ضحكة صغيرة.
يحيى..... ربنا يخليك ليا.
حاج محمود..... إمتى السفر؟
يحيى..... قريب. الإجراءات هتبدأ من الأسبوع ده.
حاج محمود..... يبقى لازم تيجي البلد يا يحيى. عايز أفرح بيك وسط أهلك. وأعملك حفلة صغيرة تليق بيك.
اختفت ابتسامة يحيى.
سكت.
حاج محمود..... يحيى؟
يحيى..... أيوه يا بابا.
حاج محمود..... إنت ساكت ليه؟
أخذ يحيى نفسًا عميقًا.
يحيى..... أنا... مش هقدر أجي البلد.
تغير صوت والده.
حاج محمود..... ليه؟
يحيى..... مش هقدر يا بابا.
حاج محمود..... يعني إيه مش هتقدر؟ ده أنا أبوك! عايز أشوفك وأفرح بيك قبل ما تسافر.
خفض يحيى عينيه.
يحيى..... أنا عايز أخلص الإجراءات وأسافر على طول.
حاج محمود..... يحيى... في حاجة حصلت؟
لم يجب.
حاج محمود..... من يوم ما كلمتني وإنت مش طبيعي. قولي يا ابني في إيه؟
ظل يحيى صامتًا.
ثم قال بصوت هادئ:
يحيى..... مفيش حاجة يا بابا.
حاج محمود..... متكدبش عليا.
يحيى..... أنا بس... مش عايز أرجع هناك.
حاج محمود..... هناك فين؟
صمت يحيى.
وكان يعرف أن والده يفهم جيدًا ما يقصده.
حاج محمود..... البلد؟
أغمض يحيى عينيه.
يحيى..... أيوه.
حاج محمود..... بسبب زهرة؟
تجمد يحيى.
لم يتوقع أن ينطق والده باسمها بهذه السرعة.
طال الصمت بينهما.
ثم قال يحيى:
يحيى..... أنا مش عايز أتكلم في الموضوع ده.
حاج محمود..... بس يا ابني...
قاطعه يحيى بهدوء:
يحيى..... لو سمحت يا بابا.
أنا محتاج الفترة دي أركز في مستقبلي.
اللي حصل حصل.
وأنا مش عايز أرجع البلد وأفتح كلام اتقفل.
حاج محمود..... إنت لسه بتحبها؟
أخفض يحيى رأسه.
لم يستطع الإجابة.
لأن الإجابة كانت واضحة في قلبه.
لكنه قال:
يحيى..... مش مهم.
حاج محمود..... مهم يا ابني.
يحيى..... بالنسبالي... لازم يبقى مش مهم.
ساد الصمت مرة أخرى.
ثم تنهد حاج محمود وقال:
حاج محمود..... براحتك يا يحيى.
أنا مش هضغط عليك.
بس افتكر إن باب بيتك مفتوح ليك في أي وقت.
رفع يحيى عينيه إلى السماء.
يحيى..... عارف يا بابا.
ربنا يخليك ليا.
حاج محمود..... ويخليك ليا يا ابني.
انتهت المكالمة.
ظل يحيى واقفًا أمام الكلية للحظات.
ثم نظر إلى الخطاب الذي بين يديه.
هذه المرة...
لم يشعر بالخوف من المستقبل.
بل شعر أنه أخيرًا أمام طريق يستطيع أن يسير فيه دون أن يلتفت خلفه.
وفي مكان آخر...
كان حاج محمود يجلس وحده داخل غرفته.
الهاتف ما زال في يده.
ينظر إلى الشاشة بعد انتهاء المكالمة.
ثم قال بحزن:
انتهت المكالمة...
وضع حاج محمود الهاتف بجواره على السرير.
ظل للحظات ينظر إلى الشاشة في صمت.
ثم أطلق تنهيدة طويلة، وأسند ظهره إلى الكرسي.
رفع عينيه إلى صورة يحيى الموضوعة أمامه.
حاج محمود.....
أقولك يا ابني؟
أقولك إن زهرة فكت الخطوبة؟
أقولك إنها سابت البيت ومشيت؟
ولا أسكت...
وأخليك تسافر وتبدأ حياتك من جديد؟
سكت قليلًا، ثم مسح على وجهه بحيرة.
حاج محمود.....
لو عرف...
هيرجع.
ومش هيفكر في السفر ولا في المنحة ولا في مستقبله.
هيجري وراها زي ما أنا عارفه.
يمكن يقول إن دي فرصته الأخيرة.
ويمكن يضيع كل اللي وصل له.
نظر إلى صورة يحيى مرة أخرى، وابتسم بحزن.
حاج محمود.....
أنا عارف ابني.
عارف قلبه متعلق بيها قد إيه.
وعارف إنه رغم كل اللي حصل...
لسه بيحبها.
لكن مستقبله؟
مين هيرجعه له لو ضيعه؟
تنهد، ثم وقف واتجه ناحية النافذة.
ظل ينظر إلى الخارج للحظات.
حاج محمود.....
يمكن ربنا فتح له باب تاني...
باب بعيد عن كل الوجع ده.
يمكن السفر ده هو الخير اللي أنا مش شايفه.
وبعدين...
لو كان ليهم نصيب مع بعض...
ربنا هيجمعهم.
ولو مفيش...
يبقى ليه أعلقه بحاجة انتهت؟
صمت لحظة.
ثم هز رأسه وكأنه يحسم قراره.
حاج محمود.....
لا...
مش هقوله.
مش دلوقتي.
خليه يسافر.
خليه يشوف الدنيا.
خليه يبني مستقبله.
يمكن البعد يخليه ينسى...
ويمكن الأيام تعالج اللي أنا مش قادر أعالجه.
ثم عاد وجلس على الكرسي.
أخذ الهاتف بين يديه، ونظر إلى اسم يحيى مرة أخرى.
حاج محمود.....
سامحني يا ابني...
يمكن تعتبرني خبيت عليك.
بس أنا أبوك...
ومستقبلك عندي أهم من أي حاجة.
وضع الهاتف جانبًا.
ثم تمتم بحزن:
حاج محمود.....
زهرة...
ربنا وحده عالم إنتِ عملتي كدة ليه كنتى ارفضى إبراهيم من الأول إنما وجودك دلوقتى هيفرق الأخوات أكتر لو اتجوزتى واحد فيهم البعد ارحم
ولو كنتِ فعلًا بتحبيه...
مش كنتى وافقتى اصلا على الخطوبه حصل اللى حصل ........
تنهد حاج محمود.
حاج محمود.....
ربنا يكشف الحقيقة في وقتها.
أما دلوقتي...
يحيى لازم يسافر.
ولأول مرة...
كان حاج محمود يخفي عن ابنه سرًا...
ليس خوفًا من الحقيقة...
بل خوفًا على مستقبله.
بقلم ميادةيوسف الذغندى
أكيد، نخلي الوداع مؤثر، خصوصًا إن حاج محمود شايل سر زهرة ومش قادر يقوله، ويحيى فاكر إنه بيودع البلد وحياته القديمة كلها.
الكتابة
رواية كيفك أنت
بقلم: ميادة يوسف الذغندى
البارت الثاني عشر
في مطار القاهرة......
كان المطار مزدحمًا بالمسافرين، أصوات النداءات تتردد في المكان، والحقائب تتحرك من حولهم في كل اتجاه.
لكن بالنسبة لحاج محمود...
لم يكن يرى أحدًا.
كل تركيزه كان على ابنه الواقف أمامه، يحمل حقيبته على كتفه، وجواز سفره في يده.
يحيى.....
بص يا بابا، متقلقش عليا.
حاج محمود.....
أنا مش قلقان عليك يا ابني...
أنا بس...
سكت لحظة، ثم ابتسم وهو يحاول يخفي تأثره.
حاج محمود.....
أنا بس مش مصدق إنك بقيت كبير كده وهتسافر لوحدك.
ابتسم يحيى.
يحيى.....
ما أنا لازم أكبر يا بابا.
حاج محمود.....
كبر يا ابني...
بس أوعى تنسى نفسك.
وأوعى الدراسة والشغل يخلوك تنسى إن ليك أب مستني يسمع صوتك كل يوم.
يحيى.....
وعد.
هكلمك أول ما أوصل.
اقترب حاج محمود منه، وعدّل ياقة قميصه كما كان يفعل منذ طفولته.
حاج محمود.....
وخلي بالك من نفسك.
متسهرش كتير.
وكل كويس.
ومتثقش في أي حد بسرعة.
ولو احتجت أي حاجة...
كلمني مهما كان الوقت.
ابتسم يحيى بحنان.
يحيى.....
حاضر يا بابا.
حاج محمود.....
ولو الدنيا ضاقت عليك...
متسكتش.
افتكر إن ليك بيت وأب هنا.
نظر يحيى إلى عيني والده.
يحيى.....
عارف.
وعمري ما هنسى.
سكت حاج محمود.
كان يريد أن يقول شيئًا آخر.
شيئًا ظل يخفيه منذ أيام.
زهرة سابت الخطوبة.
الكلمات كانت على طرف لسانه.
لكنه ابتلعها.
ثم قال بدلًا منها:
حاج محمود.....
ربنا يكتبلك الخير يا ابني.
يحيى.....
آمين.
اقترب صوت النداء من مكبرات الصوت معلنًا قرب موعد صعود الركاب إلى الطائرة.
نظر يحيى إلى شاشة الرحلات.
ثم عاد بعينيه إلى والده.
يحيى.....
خلاص يا بابا...
لازم أدخل.
حاج محمود.....
أيوه...
روح يا ابني.
ربنا يحرسك في كل خطوة.
مد يحيى يده ليصافحه، لكن حاج محمود لم يكتفِ بالمصافحة.
جذبه إلى حضنه بقوة.
ظل يحتضنه طويلًا.
أغمض يحيى عينيه، وشعر للحظة أنه عاد طفلًا صغيرًا.
يحيى.....
خلي بالك من نفسك يا بابا.
حاج محمود.....
إنت اللي خلي بالك من نفسك.
ثم ابتعد عنه قليلًا، ووضع يده على كتفه.
حاج محمود.....
أنا فخور بيك يا يحيى.
فاهم؟
مهما بعدت...
ومهما الدنيا أخدتك بعيد...
إنت ابني اللي أنا فخور بيه.
ابتسم يحيى، لكن عينيه امتلأتا بالدموع.
يحيى.....
ربنا يخليك ليا.
حاج محمود.....
ويخليك ليا يا ضنايا.
حمل يحيى حقيبته، واستدار متجهًا إلى بوابة السفر.
خطواته كانت بطيئة.
كل عدة خطوات كان يلتفت إلى والده.
وكان حاج محمود يرفع يده له مبتسمًا.
حتى ابتعد يحيى عن عينيه.
اختفى خلف بوابة المغادرة.
أنزل حاج محمود يده ببطء.
وبمجرد أن اختفى ابنه...
اختفت ابتسامته.
نظر إلى المكان الذي اختفى فيه يحيى، وتمتم بصوت مكسور:
حاج محمود.....
سامحني يا ابني...
يمكن أنا خبيت عليك الحقيقة...
بس والله ما كان قصدي أوجعك.
أنا بس خفت عليك.
خفت تضيع مستقبلك بإيدك...
عشان واحدة لسه قلبك متعلق بيها.
تنهد ومسح دمعة نزلت من عينه.
ثم رفع رأسه إلى السماء.
حاج محمود.....
يارب...
لو السفر ده خير ليه...
افتح له أبواب الدنيا كلها.
ولو زهرة لسه ليها نصيب في حياته...
رجعها له في الوقت الصح.
أما لو مفيش...
فعلّق قلبه بيك وحدك يا رب.
ثم استدار وغادر المطار بخطوات بطيئة...
بينما كانت طائرة يحيى تستعد للإقلاع.
وفي مكان آخر...
كانت زهرة لا تزال تحمل سرًا أكبر من مجرد خطوبة انتهت.
سر سيجعل لقاءها بيحيى بعد سنوات...
مختلفًا تمامًا.
نكمّلها بحيث خبر سفر يحيى ينزل على زهرة كالصاعقة، خصوصًا إنها فسخت الخطوبة أصلًا لأنها كانت بتتمنى تلحقه.
دخلت عليها صفية، وكان الغضب واضحًا على ملامحها.
صفية.....
شاطرة إنتِ كده؟
ارتاحتي؟
فسختي خطوبتك من إبراهيم...
وأهو يحيى سافر!
كانت زهرة جالسة على طرف السرير، وما إن سمعت آخر كلمة حتى رفعت رأسها بسرعة.
زهرة.....
سافر؟
سافر فين؟
اقتربت صفية منها وهي تنظر إليها بغضب.
صفية.....
أيوه، سافر.
كان في منحة وجات له فرصة يكمل دراسته بره.
زهرة.....
بره فين يا ماما؟
صفية.....
لندن.
تجمدت زهرة في مكانها.
وكأن الكلمة نزلت عليها فجأة دون أن تستوعبها.
زهرة.....
لندن؟
صفية.....
أيوه... لندن.
سكتت زهرة لحظات.
ثم وقفت بسرعة.
زهرة.....
إمتى؟
صفية.....
سافر النهارده.
اتسعت عينا زهرة.
زهرة.....
النهارده؟
ليه محدش قالي؟
صفية.....
وإنتِ كنتِ عايزة تعرفي ليه؟
ما إنتِ اللي فسختي خطوبتك.
وإنتِ اللي سيبتي إبراهيم ومشيتي.
كنتِ مستنية إيه؟
زهرة.....
أنا...
توقفت الكلمات في حلقها.
صفية.....
كنتِ فاكرة إنه هيفضل مستنيك؟
كنتِ فاكرة إنه هيفضل مكانه لحد ما تقرري تعملي إيه؟
زهرة.....
أنا مكنتش عايزة إبراهيم...
صفية.....
وأهو يحيى كمان مشي.
دلوقتي ارتحتي؟
نزلت دمعة من عين زهرة.
زهرة.....
هو كان يعرف إني فسخت؟
صفية.....
معرفش.
بس أبوه كان عارف.
زهرة.....
يعني حاج محمود عرف؟
صفية.....
أيوه.
زهرة.....
وما قالوش؟
صفية.....
يمكن كان خايف عليه.
يمكن شايف إن مستقبله أهم.
جلست زهرة على السرير مرة أخرى، ووضعت يدها على قلبها.
زهرة.....
أنا كنت فاكرة...
كنت فاكرة لما أفسخ الخطوبة وأرفض إبراهيم...
إن لسه قدامي فرصة أشرح ليحيى.
أقول له الحقيقة.
إن كل اللي حصل...
مكانش بإرادتي.
صفية.....
والفرصة دي راحت.
زهرة.....
لا...
هزت رأسها وهي تبكي.
زهرة.....
لسه موجودة.
صفية.....
إزاي؟
زهرة.....
هستناه.
حتى لو سافر آخر الدنيا...
هستناه.
صفية.....
يا بنتي إنتِ فاهمة بتقولي إيه؟
زهرة.....
فاهمة.
بس هو لازم يعرف الحقيقة.
لازم يعرف إني لما وافقت على إبراهيم...
مكنتش موافقة من قلبي.
ولما فسخت الخطوبة...
مكنتش بلعب.
أنا كنت بحاول ألحقه.
رفعت صفية عينيها إليها بحزن.
صفية.....
بس يحيى دلوقتي في طريقه لحياة جديدة.
وإنتِ...
يمكن تكوني اتأخرتي.
انهمرت دموع زهرة أكثر.
زهرة.....
حتى لو اتأخرت...
مش هسيبه يصدق إني خذلته.
مش بعد كل اللي بينا.
نظرت صفية إليها طويلًا.
ولأول مرة...
بدأ الغضب في عينيها يتحول إلى خوف.
لأنها شعرت أن الحكاية بين يحيى وزهرة...
لم تنتهِ بعد.
بل ربما...
كانت قد بدأت للتو........
