رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والثالث والثلاثون
ما الذي تتحدث عنه بكل هذا الحماس؟ ولماذا تلمع عيناها هكذا بل وتنظر إليه بنظرة عجيبة وكأنها تنتظر منه أن يخذلها ويثبت لها كالمعتاد أنه لا يراها ضمن أولوياتها وستبقى في عينيه ليلى التي تزوجها حتى يضعها في القفص المذهب ويحركها كما يشاء.
تقدمت ليلى خطوتين منه وتساءلت بعد أن ابتلعت غصتها:
ـ ساكت ليه يا عزيز؟ أكيد هترفض موضوع الشغل وأني أحقق كياني، ولو أفترضنا أنك وافقت، هترفض تساعدني مش كده؟
خرج الكلام منها دفعة واحدة ثم انطلقت من شفتيها تنهيدة تحمل خذلانها وخسارتها أمام نفسها للمرة التي لا عدد لها.
أرادت استكمال بقية حديثها لكنه قاطعها قبل أن تستمر في سوء ظنها به:
ـ ليلى، أنا سايبك تتكلمي وساكت لأن حاجة واحدة بتدور في رأسي دلوقتي.
قطبت جبينها، فأسرع في تساؤله حتى ينهي حيرته:
ـ مين شركاؤك يا ليلى؟ عايدة صح؟
والرد ألقته في وجهه دون أدنى مماطلة:
ـ بسام وأستاذة أميمة ومرات عمي أكيد معانا.
اختفت تعبيرات وجهه عند اخترق اسم بسام مسامعه وبصوت أجش تساءل:
ـ بسام مين؟
ابتسمت ليلى ببراءة وقالت وهي لا تفسر تساؤله نحو شيء آخر:
ـ بسام يا عزيز، أنت مش فاكره ، كان زميلي في المصنع هو و سلوى؟
وبعبوس تمتمت بعد أن تذكرت ما أخبرها عنه بسام من لقائه الأخير مع سلوى وحذرها من التواصل معها والاقتراب من الشخصيات الحاقدة والانتهازية مثلها:
ـ نظرتك في سلوى طلعت صح، مش هقول غير ربنا يهديها.
وبسلاسة واصلت كلامها:
ـ الواحد بدأ يتعلم ويفهم إن مش كل الناس زيه.
زفر عزيز أنفاسه عدة مرات بعد أن نفذ صبره:
ـ بسام اتواصل معاكي إزاي يا ليلى؟ عايز أفهم عشان شكلي بقيت متقرطس جامد منكم!
ضاقت حدقتا ليلى ثم تلاقت عيناهما وعندها أدركت أن عزيز لا يصب اهتمامه لأمر المشروع الذي أسسته دون علمه، بل اهتمامه محوره بسام.
ـ ليلى، بسام تواصل معاكي إزاي؟ متختبريش صبري.
ويالها من فرصة رائعة أتتها اليوم على طبق من ذهب؛ عزيز حانق وغاضب لأن رجلاً آخر يهتم لأمرها ويسعى معها لتحقق ذاتها.
ـ من إمتى بيتواصل معاكي وتقابلتوا كام مرة يا بنت الأصول؟
استشاطت ليلى غضباً وصاحت عليه:
ـ أنت تقصد إيه بكلامك يا عزيز؟
سيطر الغضب على وجه عزيز وكاد أن يتحدث لكنها قاطعته وتحدثت بانفعال:
ـ لو عندك شك فيا يا عزيز، طلقني حالاً!
تعالت وتيرة أنفاسه وتجهمت قسمات وجهه ثم أطبق على كفيه وقال:
ـ أنا قلت إني شاكك فيكي؟ أنا بسأل سؤال لو رديتي عليه هننهي الحوار.
ـ لا يا عزيز، أنت بتشك فيا لأنك هتفضل شايفني دايماً في صورة سمية.
أغمض عزيز عينيه وانفلت من شفتيه لفظ بذيء لأول مرة يخرج منه، ثم كرر كلامه بنبرة أقل حدة:
ـ يا بنت الناس الطيبين، ريحيني وقوليلي، البيه المحترم اتواصل معاكي إزاي علشان تنفذوا مشروعكم المشترك؟
ثم أردف بنبرة متوعدة:
ـ ولا يرضيكي لما أستدعيه بكره في مكتبي في المصنع وأقوله خد مستحقاتك، ويسألني ليه، أقوله علشان تعرف كويس تلف وتدور على المدام!
انطلقت شهقة قوية منها كتمتها بيدها ثم شرعت تهز رأسها رافضة ما تسمعه منه وما يسعى إلى تنفيذه.
تنهد عزيز عندما وجدها تنظر إليه بتلك النظرة التي صارت تمزقه وقال بلين:
ـ ليلى، ليه عايزة نبني تاني بينا أسوار عالية بعد ما اتفقنا أننا هنبدأ صفحة جديدة؟
أزاحت ليلى كف يدها عن شفتيها وهتفت بنبرة صوت مهزوزة:
ـ كلامك فيه اتهام يا عزيز، وأنا كنت فاكرة أنك المرادي هتشجعني وتدعمني أني أنجح زي ما بتعمل مع نارفين!
وبأعين دامعة ونبرة مكسورة واصلت كلامها:
ـ وتدعمني ليه؟ ما أنا ليلى اللي أكرمتها في بيتك لما جات تدور على عمها، ويوم ما قررت تتجوزها أتجوزتها علشان عارفة إنها مالهاش حد ومعندهاش طموح، وكل أحلامها إن يكون ليها عيلة وناس تحبها!
وأجهشت بالبكاء الذي عادت تكتمه بكفوف يديها.
طأطأ عزيز رأسه متنهداً بيأس بعد أن أخذت حديثه لطريق آخر لا يجلب إلا الجفاء بينهما.
ـ لو مش عايز تساعدني متساعدنيش يا عزيز، بس بلاش تطرد بسام من شغله عندك لأنه ملوش ذنب؛ تواصله معايا كان علشان يحذرني من سلوى، ولما سألني مبتفكريش تعرضي شغلك وتكبري، قلتله مش لاقية حد يساعدني.
رفع عزيز رأسه ونظر إليها، فتابعت كلامها بحزن:
ـ أيوه يا عزيز، أنا معنديش حد يساعدني، مافيش غير مرات عمي بتشجعني أني أعمل لنفسي حاجة تملا فراغي وأتسند عليها وقت ما أحتاج، وعرض مساعدته جالي في وقت أنت أكدت ليا فيه إني ولا حاجة في حياتك.
ارتعشت شفتي عزيز وعجز عن الكلام من شدة صدمته:
ـ بتبصلي كده ليه يا عزيز؟ أنت اللي عملت ليلى جديدة، كتر البكا بيعلم حاجات كتير، وأول حاجة بنتعلمها إننا نعرف نحب نفسنا ونهتم بيها.
اقترب عزيز منها، فأشاحت وجهها عنه لكنه أرغمها على النظر إليه:
ـ وأنا مش هخذلك تاني يا ليلى، بس احترمي مشاعري كراجل ، مراته بتقوله زميلي اللي كان عينه منه شريك معايا في مشروعي!
ابتلعت ريقها وتمتمت بتوتر:
ـ بسام كل كلامه عنك فيه احترام وحب، وهو اللي قالي إن أكتر حد هيكون داعم قوي لينا هو أنت يا عزيز.
هز رأسه بغيظ ثم زفر أنفاسه حانقاً:
ـ ولو بيحترمني، يتواصل معاكي ليه؟ ما كان جه وقالي!
نفضت ليلى كفوفه التي يحتضن بهما وجهها وصاحت بتذمر:
ـ عزيز، أنت بتتلكك علشان متساعدنيش، افتكر أنك ديماً واقف ضد أحلامي!
وكادت أن تتحرك من أمامه، فأسرع بالتقاط ذراعها قائلاً:
ـ خلينا نتكلم بعقل يا ليلى، واحكيلي فكرة المشروع وجبتي الفلوس منين وكل حاجة مهما كانت صغيرة.
قطبت حاجبيها، فقهقه عالياً:
ـ أنتِ دخلتِ السوق خلاص وأنا راجل صاحب مصنع عايزة تستوردي منه قماش ومش معاكي سيولة للدفع، فقوليلي بقى هتقنعيني إزاي؟
رمقها بطرف عينه وكاد أن يضحك على مظهرها وهي تحملق فيه ثم تنهد واستطرد قائلاً:
ـ أنتِ دلوقتي زبونة يا ليلى، وأنا مش هطلع قماش ليكم من مصنعي وأدعم المشروع غير بشرط!!
أسرعت ليلى بالتساؤل: إيه هو الشرط؟
سار عزيز أمام أنظارها واتجه نحو غرفة المكتب:
ـ الإقناع؛ اقنعيني ليه نقبل نتعامل معاكم وأنا يعتبر هكون الطرف الخسران، وبصراحة أنا مبحبش أطلع خسران في حاجة.
لاحقته بعينيها وهي تكور يديها حانقة من أسلوبه وتمتمت بخفوت:
ـ بتحط العقدة في المنشار يا عزيز، ماشي هتشوف المرادي مين هيطلع كسبان!
....
أطبق الصمت على المكان ولم يخرقه سوى صوت أنفاسهم، وسرعان ما انقطع هذا الصمت عند ارتفاع صوت رغد قائلة:
ـ اطلع بره!
ثم اتجهت نحو الباب حتى تفتحه له.
قوس شاكر شفتيه باستنكار وارتعشت يده القابضة على مقبض عكازه الأبانوس.
ـ لو مطلعتش بره بيتي هطلب البوليس!
تجلجلت ضحكات شاكر باستهزاء وسار نحو الباب قائلاً بنبرة عتاب يتغلغل فيها المكر:
ـ عايزة تطلبي البوليس لجدك يا رغد؟
حركت رغد وجهها بعيداً عنه، فابتسم شاكر وأردف بخبث:
ـ عموماً، جدك مش هيزعل منك وهيسيبك تفكري، أنتِ أكيد راجعة من رحلة إيطاليا تعبانة.
غادر شاكر وقد اختفت ابتسامته واحتل الوعيد عينيه فور صفعها للباب بعد خروجه.
ـ مكنتش حابب أقرص ودنك قرصة صغيرة، بس أنتِ هتضطريني أعمل كده.
....
ألقت شهد بالهاتف حانقة بعد أن تلقت رسالة من تلك الصديقة التي دعتها على عقد القران واعتذرت عن المجيء، لكنها الآن تسألها: أين هي صور هذا الحدث السعيد ؟ ولماذا لم تغير حالة ملفها الشخصي حتى يعلم الجميع بهذا ويهنئوها؟ أم هذه كذبة منها كما قالت لها لميس؟
سيطر عليها هذا الكلام ، فأخذت تتحرك في غرفتها بدون هوادة إلى أن عزمت أمرها والتقطت هاتفها مجدداً وقالت:
ـ كويس إني أخدت كام صورة من غير ما حد ياخد باله، من حقي أفرح بيوم زي ده.
وأسرعت بكتابة عبارة تعبر عن فرحتها وفرحة سيف بهذه الخطوة من حياتهما ثم أرفقت الصور معها.
لم تمر سوى دقيقة واحدة وبدأت التهاني تكتب لها.
التمعت أعين شهد من السعادة وتساءلت:
ـ يا ترى لميس شافت الصور؟
وبالفعل حدث ما أرادته من وراء نشر الخبر وأوصلت رسالتها لـ لميس وساهر.
ـ وأنتِ متضايقة ليه دلوقتي؟ من كلامك عنه إنه راجل مطلق ومراته خانته، يعني وقعت مع راجل معقد.
تساءل ساهر باستغراب وهو ينظر إلى لميس التي استشاطت ملامحها غيظاً وتوقد الحقد في مقلتيها:
ـ ده مهندس ومعيد في الجامعة ودرس في أمريكا، يعني فلوس وعلم يقوم يتجوز شهد.
احتقن وجه ساهر من ردها ثم التقط علبة سجائره ومتعلقاته الشخصية ونهض.
رفعت لميس عينيها عن الهاتف وهتفت بتساؤل:
ـ أنت رايح فين يا ساهر؟
ابتسم ساهر ابتسامة مقتضبة واستدار بجسده قائلاً بوجه مستاء:
ـ افتكرت إن عندي لقاء عمل مهم.
أومأت لميس برأسها دون إضافة كلمة أخرى وعادت إلى التحديق في هاتفها.
...
خرجت أشرقت من غرفتها بخطوات حذرة بعد أن هدأت الحركة بالمنزل وتأكدت من نوم الجميع.
أنسابت دموعها عند وقوفها أمام غرفة مكتب والدها ثم تراجعت بخطواتها بعدما شعرت بعدم قدرتها على دخول الغرفة التي ما زالت معبأة برائحة والدها.
أطبقت أجفانها بوهن وهي تحرك رأسها رافضة حقيقة موته التي تمنع عقلها من تصديقها.
"آخر مكان بابا كان قاعد فيه أوضة المكتب قبل ما يجيله اتصال عن المكان اللي أنتِ كنتي فيه، أحنا كنا رايحين ننقذك."
شعرت بأختناق أنفاسها وتمنت الصراخ عالياً؛ فهي أصبحت مصدر لكل شيء سيء لعائلتها بعد أن تزوجت من مراد.
واشتعل الحقد في عينيها وأسرعت بفتح باب الغرفة بعد أن سيطر الغضب عليها.
والغضب بدأ يتلاشى من عينيها ليتحول إلى صدمة كبيرة وهي تقرأ تلك الرسالة التي حرص والدها على تخبئتها في مكان كان يعلم أنها الوحيدة التي ستبحث فيه وتعثر على ما أراد إخبارها به.
أغلقت أجفانها وسالت الدموع من عينيها ثم سقطت الرسالة من يديها.
ـ ليه يا بابا؟ ليه حطيتني تحت رحمتهم؟!
....
انتفضت زينة من نومها فزعة ثم خرجت أنفاسها بوتيرة سريعة وبدأت تنظر في أرجاء غرفتها وقد تملك الخوف منها بعد رؤيتها لوالدها في كابوسها وهو يقتل طفلها.
استيقظت إلهام على صراخها ثم صاحت بقلق وهي تندفع إلى غرفتها:
ـ زينة!
ألتقطت أنفاسها ووضعت يدها على موضع قلبها حتى تهدأ دقاته الهادرة.
انكمشت زينة على نفسها وتمتمت بخوف:
ـ هيقتله يا خالتو! عدنان هيقتله!
انحبست أنفاس إلهام لوهلة؛ فهذا ما تخشى حدوثه عند انكشاف السر.
بدأت أنظار زينة تزيغ من شدة الذعر وبصوت مرتعش أردفت:
ـ عدنان أخده من حضني وقتله وأنا معملتش له حاجة!
جرت دموع إلهام وسارت إليها بخطوات ثقيلة ثم احتضنتها بقوة:
ـ محدش هياخده منك، خليكي ثقة فيا.
هزت زينة رأسها رافضة تصديقها وصاحت عليها وهي تدفعها حتى تبتعد عنها:
ـ قلتلك هيقتله! لازم نمشي من هنا!
ـ مين اللي هيقتله؟! هو في إيه؟!
أجفلهن صوت عدنان الخشن، فأسرعت إلهام إليه ودفعتها لخارج الغرفة.
ـ عدنان! البنت نفسيتها تعبانة من ساعة ما قلت ليها إنك هتجوزها لواحد من رجالتك!
ألتوت شفتاه تهكماً وقال وهو يصوب أنظاره لداخل الغرفة:
ـ هي فاكرة بشوية الجنون اللي بتعملهم علينا هرجع في قراري؟
تنهدت إلهام بسأم واستدارت بجسدها نافرة منه:
ـ على فكرة، طريقتك دي بتقصِّر في عمري، وبسببك مفيش أمل خلاص في حالتي!
ثم زفرت أنفاسها بضيق وقالت برجاء:
ـ ويا ريت تسافر يا عدنان!
احتقن وجه عدنان وابتعد عن الغرفة ولم يعبأ بحالة زينة:
ـ ما هي بعد ما تتجوز الراجل بتاعي هسافر وهو هيكون عيني هنا!
أخذت إلهام نفساً عميقاً ثم رمقته بنظرة شذرة وغمغمت:
ـ شكلي كده لازم أحكي لمراد؛ أه غضبه هيكون شديد، لكن هيحمينا منك يا عدنان لو حمل زينة انكشف.
ثقلت أجفان زينة وحاوطت بطنها بذراعيها متمتمة بصوت ضعيف لكنه اخترق مسامع إلهام عند اقترابها منها:
ـ متخليهوش يقتله يا خالتو، متخليهوش يموت زي هشام.
...
عبست ليلى بشفتيها وتوقفت عن الكلام عندما صدحت ضحكات زوجة عمها.
ـ كملي يا ليلى.
تساءلت ليلى بوجه مستاء:
ـ ما أنتِ بتضحكي يا مرات عمي! شايفة عزيز بيه بيلعب بيا إزاي؟
مسحت عايدة على وجهها ثم تنهدت قائلة:
ـ قوليلي، أقنعتيه ولا لأ إننا ناخد القماش من مصنعه؟
هزت ليلى رأسها بحنق ثم زفرت أنفاسها بتأفف:
ـ البيه بيقول إنه هيطلع خسران من الموضوع وعايز فرصة يفكر، لأنه لو وافق هيكون لسبب واحد ، هو أننا لسا صغيرين في التسوق ونستحق الدعم!
عادت عايدة للضحك، فأكملت ليلى حديثها بيأس:
ـ بيحط لينا العقدة في المنشار علشان المشروع يفشل وما نكملش!
مسحت عايدة دموعها التي أنسابت مع ضحكاتها ثم ربتت على يد ليلى قائلة:
ـ عزيز بيه مش هدفه يعقد الدنيا، هو بيلعب معاكي لعبة أنا فاهمها، واللعبة المرادي محتاجة ذكاء منك!
زَّمت ليلى شفتيها حانقة ثم التقطت كوب الشاي وارتشفت منه.
ـ كلامي مش داخل دماغك صح؟ لكن فكري فيها كده هتلاقي إن ورا قراره ده هدف تاني.
ازداد وجه ليلى عبوساً عند تذكرها ما فعله عزيز معها بالأمس كلما حاولت إقناعه بالأسباب التي تجعله يدعم مشروعهم.
ـ أنا مش هتفاوض معاه تاني وهدور على مصنع غيره نتعامل معاه.
انفرجت شفتا عايدة بابتسامة خفيفة والتقطت هي الأخرى كوب الشاي الخاص بها.
ـ خليكي ناصحة يا ليلى وألعبي معاه نفس لعبته، لأن لعبته المرادي مفهومة وهتاخدتي كل غرضك وبرضاه كمان، ما هو مش كل حاجة هتاخدها الست من جوزها بالعند!
وخفق قلب عايدة بأسى عندما لمحت بطرف عينها تلصص شهد عليهن.
وقفت شهد تتابع المشهد وقد خانتها دموعها؛ فهي أصبحت منبوذة من والدتها، وعند خروج خالها من المستشفى سيزداد الأمر سوءاً معها.
طأطأت رأسها ثم اتجهت إلى غرفتها في صمت.
....
ابتسمت بيسان ساخرة عند انتهائها من مكالمة سمية ثم أسرعت بفتح جهاز الحاسوب وانتظرت تواصلها مع فارس، وفور انفتاح المكالمة المرئية تساءل:
ـ آخر مرة هارون بيه كلمك أمتى؟ وعندك علم إنه هنا في لندن؟
اتسعت أعين بيسان وهتفت بصوت بالكاد استطاعت إخراجه من شدة فزعها:
ـ بابا في لندن إزاي؟! فارس، بابا بيعمل إيه عندك؟!
أطلق فارس تنهيدته ثم التقط علبة سجائره وأشعل واحدة وقال بضيق:
ـ هارون بيه مخطط يقتل سمية يا بيسان.
صرخت بيسان وهي لا تستوعب ما تسمعه:
ـ أعمل حاجة يا فارس! أعمل أي حاجة علشان خاطري متخليش بابا يتورط في واحدة زيها!
....
اندهش مراد عند رؤيته لتلك الرسالة التي أرسلتها له إلهام تخبره فيها بضرورة حضوره سويسرا إذا ما زال يحمل هم زينة ولا يريد أن يخسرها.
....
وقفت سمية أمام المرآة تتطلع إلى هيئتها المثيرة في ثوبها الأحمر القصير ثم تنهدت بأنفاس ثقيلة واستكملت وضع زينتها.
انتهت من استعدادها وحدقت بالخاتم الذي سيتم من خلاله تصوير كل شيء، ثم ألقت بنظرة سريعة على مظهرها.
غادرت غرفتها بالفندق متجهة إلى الحفل الذي يدعوها فارس إليه، وبعدها يتم تنفيذ الخطة وإسقاط فارس في شرك الخطيئة، وبعدها تنتهي مهمتها وينتهي آخر عمل لها مع تلك المنظمة التي يقودها كمال "سيادة الوزير".
صعدت السيارة التي تنتظرها أمام الفندق وقد غفلت عن أعين هارون التي تترصدها في السيارة التي اتبعتها.
سرحت سمية في خططها القادمة وكيفية خلاصها من هارون ليجفلها إشعار تلك الرسالة التي وصلتها والتي كانت عبارة عن تسجيل صوتي يتوعد فيه كمال بإنهاء حياتها بعد أن ينتهي من أمر ابن شقيقه لأنها أصبحت بطاقة منتهية.
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
ما أقساه من شعور عندما تكشف لك الحياة في أواخر المطاف أنك لم تكن سوى لعبة تتحرك بين أصابع من ظننتهم أحباءك، وليس هذا فحسب بل أسقطوك تحت الأقدام ووقفوا يضحكون وهم يدهسونك مثل عقب السيجارة.
تسارعت أنفاس هارون بوتيرة عالية مع تغلغل كل لحظة مرت عليه مع سمية وهو يظنها الزوجة المخلصة التي تراعي معه ابنتها وتسعى إلى رفع مكانته بين منافسينه، وقد حسده كل شركائه على اختياره لها، وهو كان كالأبْلَه فخور بهذا المديح ولا يعلم أن الزوجة الرائعة لا تصل إلى مبتغاها إلا بعد أن تقدم خدماتها في الفراش.
ـ هارون بيه، هارون بيه.
رددها الحارس ـ الجالس جوار السائق الذي يقود السيارةـ حتى يجتذب انتباه هارون الغارق في ذكرياته الأليمة.
أطبق هارون بقوة على يديه المرتعشتين بعد أن اقتحم رأسه مقتطفات من اللقاءات التي كانت تفعلها سمية مع بعض المسؤولين، والتي كانت تعود بعدها إلى المنزل في ساعات متأخرة منهكة الجسد، وتخبره قبل أن تنام جواره أنه بالغد سيسمع خبراً يعجبه وسيتأكد أن زوجته تستحق تلك المكانة التي أعطاها لها.
ـ هارون بيه، عربية سمية هانم غيرت اتجاهها، في حاجة في الخطة بتتغير.
هذه المرة كان صوت الحارس المرافق له في رحلته ينتشله من الماضي.
فتح هارون عينيه في اللحظة التي اهتزت فيها السيارة مع تغيير السائق مسار اتجاهه.
ـ في إيه؟ إيه اللي حصل؟
تساءل بها هارون وهو ينظر يميناً ويساراً ولا يفهم شيئاً.
ـ هنعرف كل حاجة دلوقتي يا هارون بيه.
قالها الحارس المرافق له وقد بدأ في إجراء اتصالاته السريعة مع الأطراف الأخرى التي تساعدهم في إنهاء تلك المهمة.
توقد الغضب في أعين هارون بعدما شعر بأن زمام الأمور تخرج عن سيطرتهم ولن ينال هدفه المرجو الليلة، وصرخ بالسائق:
ـ خليك ماشي وراها.
واستكمل وعيده وهو يتابع سير السيارة التي تتحرك بها:
ـ أنا مش هرجع مصر غير وأنا قاتلك يا خاينة.
....
ابتلعت سماح غصتها وهي تستمع إلى كلام الطبيبة مع السيدة حكمت مالكة العقار الذي تسكن فيه، والتي أتت معها إلى المستوصف الطبي القريب من المنزل بعد أن سقطت مغشية عليها واستنجد بها صغارها.
ـ هي شكلها مش عارفة إنها حامل؛ لأنها لو عارفة مش هتشتغل شغل يهدها، ده إنتي بتقولي كانت طول اليوم بتغسلك السجاد وتمسح الحيطان، وبعدها راحت تساعد مدام عنيات في خطوبة بنتها.
نظرت السيدة حكمت إلى سماح بنظرة لائمة تحمل صدمتها فيها.
ـ محدش فينا يعرف إنها حامل، لو كنا عارفين مكناش خليناها تخدمنا، مع إن والله بنراضيها في الفلوس.
تنهدت الطبيبة التي قامت سماح بخدمتها من قبل بعدما رشحتها السيدة حكمت لها، وهكذا كانت مساعدة أهل المنطقة السكنية بعد أن علموا بقصتها التي خدعتهم فيها.
ـ هو في خطر على الطفل يا دكتورة أميرة؟
وجهت الطبيبة أميرة أنظارها نحو سماح قائلة:
ـ أكيد، والخطر مش هيكون على الطفل وبس، ده كمان على الأم، ولازم تفكر في ولادها الصغيرين لو هي ليها هدف إنها تسقط اللي في بطنها.
خرجت من شفتي سماح شهقة ذعر كتمتها سريعاً بيديها بعد أن أتت صورة أطفالها أمام أعينها.
ـ دلوقتي لازم الراحة التامة يا سماح، مفهوم؟ لو خايفة طبعاً على نفسك وعلى ولادك وبتفكري فيهم.
انسابت دموع سماح وتقابلت عيناها مع أعين السيدة حكمت التي هزت رأسها بأَسَف.
طأطأت سماح رأسها بصمت ممزوج بشعور الخزي فور مغادرتها المستوصف الطبي.
رمقتها السيدة حكمت بنظرة ثاقبة ثم تنهدت وتساءلت بصوت صارم:
ـ مقولتليش ليه إنك حامل يا سماح؟
رفعت سماح رأسها وأسرعت بمسح دموعها ثم ردت بنبرة تحمل قلة حيلتها:
ـ لو قولتلكم مكنتوش هتوافقوا إنكم تشغلوني عندكم يا أبلة حكمت.
ثم أردفت بنبرة مكسورة:
ـ وأنا عندي أربي عيالي من الخدمة في البيوت ولا أقبل إحسان حد عليهم.
سحبت السيدة حكمت نفساً عميقاً وخرجت تساؤلاتها بشك هذه المرة:
ـ إنتي قولتيلي إنك متجوزة وهربتي منه بعد ما خوفتي على نفسك وعلى ولادك منه، مش كده يا سماح؟
ظهر الارتباك على وجه سماح بعد أن شعرت بشك السيدة حكمت فيها، والتي كررت سؤالها:
ـ هربتي من جوزك التاني علشان ولادك يا سماح وعلشان بيشرب ومبهدلك معاه ولا في سبب تاني؟
سالت الدموع على خدي سماح، وأسرعت بالتقاط يد السيدة حكمت حتى تقبلها، لكن الأخرى سحبت يدها عنها ونهرتها قائلة:
ـ أستغفر الله العظيم! ليه يا بنتي عايزه تحمليني وزر أنا مش ناقصاه؟
ارتعشت شفتا سماح وقالت بصوت مختنق نبرته من البكاء:
ـ أنا هحكيلك كل حاجة يا أبلة حكمت، بس أبوس إيدك متطردنيش أنا وولادي، أنا ما صدقت لقيت مكان يأويني بيهم وأعيش عند ست بتخاف ربنا زيك.
....
خرجت سمية من السيارة التي وقفت أخيراً عند الفندق الذي يقضي فيه كمال ليلته بعيداً عن حراسته، وقد أفشى لها أحد رجاله من طاقم حراسته بمكان وجوده.
ـ يعني بتورطني في تصفية حساباتك مع أبن أخوك، وعايز بعدها تخلص عليا علشان خلاص ورقتي معاك بقت بخسارة؟ ماشي يا كمال.
غمغمتها سمية وهي تتجه نحو بهو الفندق، ثم وقفت فجأة بعد أن بدأ هاتفها بالرنين.
حدقت برقم فارس بنظرة طويلة ثم ألغت المكالمة وأغلقت هاتفها متمتمة:
ـ تنفيذ المهمة الأخيرة قصاد كل صورة وفيديو متسجل ليا، وسيادة الوزير يخلصني من هارون الأول وبعدين ألعب عليك أنت يا نونو، وعادي لو أتجوزك أهو أَعوض شبابي معاك.
واتجهت بعدها نحو موظف الاستقبال الذي رفض إخبارها برقم الغرفة.
ابتسم فارس عندما أعاد الاتصال بها ووجد الهاتف قد تم إغلاقه، مغمغماً في نفسه:
ـ نبدأ في العد التنازلي ونقول لك يا عمي العزيز باي باي، ونقول لسمية هانم رحلة سعيدة.
....
اتسعت حدقتا السيدة حكمت ذهولاً وهي تستمع إلى قصة سماح والسبب الحقيقي وراء هروبها بأولادها وما تسعى له، لكن كل مرة ينتهي بالفشل.
ـ عايزه تاخدي وزر تاني أنتِ مش قده يا بنتي؟ مش خايفة من عقاب ربنا ليكي وأنتِ بتسعي تقتلي روح مالهاش ذنب؟
أطبقت سماح أجفانها وهمست بضعف وهي تحتضن بيديها كوب الماء:
ـ والله يا أبلة حكمت لما عرفت إن جوازنا يعتبر باطل وأنه مجرد ورقة ممكن تتقطع، بعدت عنه وسيبت شغلي في الفيلا، وقولت شغل السوق ومرمطي وأني أكل أنا وولادي عيش حاف أهون عليا من غضب ربنا، لكن....
وفاضت عينا سماح بالدموع وارتفع صوت شهقاتها، وأردفت بصوت متحشرج نبرته:
ـ أنا وافقت والله على عرض الجواز في السر علشان قالي إنه عايزني ممرضة له وأنه مش عايز مني غير أهتم بمواعيد أدويته وأكله.
التوت شفتا السيدة حكمت باستنكار وقالت بوجه عابس:
ـ ممرضة برضه! البيه ضحك عليكي واستغل سذاجتك وحوجتك يا بنتي، وأهو النتيجة هربانة خوفاً من تهديدات مراته، وفي بطنك طفل منه ويا عالم هيقبل بيه ولا هيرفضه.
أسرعت سماح بهز رأسها في خوف عندما تذكرت تهديد سمية لها:
ـ لأ، أنا مش هقوله، لو عرفوا بيه هياخدوا مني وأتحرم منه.
تفرَّست السيدة حكمت النظر إليها ثم تنهدت قائلة:
ـ ولما يتولد يا بنتي هتسجليه باسم مين؟
أخفضت سماح رأسها وابتلعت غصتها دون رد، فهذا ما تسأل به نفسها كل ليلة تلمَّس فيها بطنها.
وواصلت السيدة حكمت كلامها الذي جاء كالصفعة التي ارتجف فيها قلب سماح خوفاً:
ـ وهتقولي إيه لأولادك يا سماح؟ تفتكري إنهم مش هيسألوكي لما بطنك تكبر، ولو افترضنا إننا ممكن نقول أي كلام في الموضوع ده وممكن يصدقوه، لكن يوم ما تولدي هتقولي ليهم إيه؟ إنك لقيتيه في الشارع مثلاً؟!
وكادت أن تستمر السيدة حكمت في كلامها لولا مجيء الصغير أنس إليهن وجعلها تتوقف عن الكلام.
ـ ماما.
صوبت سماح عينيها نحو صغيرها أنس الذي استيقظ للتو من نومه، ثم أسرع بالارتماء في حضنها قائلاً:
ـ خدي حضن علشان تخفي بسرعة.
أشاحت السيدة حكمت عينيها عنهم والتي امتلأت بالدموع تأثراً بالمشهد.
....
تنفست بيسان الصعداء بعد أن أرسل إليها فارس مقطعاً مصوراً لسيارة الإسعاف التي تنقل جسد والدها إلى المشفى، ثم أرفق رسالة نصية مع هذا المقطع يخبرها فيها أن والدها بخير لكن لم يجدوا حلّاً معه سوى تخديره بطريقة آمنة حتى يبتعد ويترك له هذه المهمة، فلا شيء سيخمد تلك النيران المندلعة في صدره منذ عدة سنوات بعد موت شقيقه إلا إنهاء حياة عمه وتلحقه فضيحته معه والتي ستظل وصمة عار مُخلدة.
....
استطاعت سمية بعد معاناة مدبرة مع موظف الاستقبال أن تصل إلى غرفة كمال والتي كان يقضي فيها ليلته مع مديرة مكتبه.
توقفت سمية أمام الغرفة وقبل أن تتقدم وتطرق الباب وجدته ينفتح.
ارتبكت الواقفة ثم قالت بتوتر:
ـ سيادة الوزير، مدام سمية هنا يا فندم.
ابتلع كمال سريعاً حبة الدواء التي يتناولها لانتظام ضربات القلب ، ثم هتف بدهشة وهو يضع كوب الماء على أقرب مكان وقعت عليه يده:
ـ سمية!
ابتسمت سمية وأزاحت تلك الواقفة بعد أن ألقت عليها نظرة جعلت الأخرى تزداد توتراً.
ـ أيوه سمية يا سيادة الوزير.
ثم أردفت ساخرة وهي تنظر إلى هيئته التي تؤكد لها ما كان يفعله هو ومديرة مكتبه:
ـ مش كنت قولتلي وكنت جيت علشان أبسطك وبلاها من ابن أخوك!
اختفى الارتباك عن وجه كمال بعد أن ذكرته بأمر فارس ومهمتها التي عليها تنفيذها الليلة:
ـ أنتِ بتعملي إيه هنا؟
ثم صاح عليها:
ـ شكلك عايزه تفضحينا! سمية فوقي، المهمة دي لو متمتش هتشوفي مني وش مش هيعجبك، وزي ما رفعتك هفعصك تحت رجلي.
صدحت ضحكات سمية بعد حديثه هذا، ثم توقفت عن الضحك والتقطت كوب الماء الذي ارتشف منه منذ لحظات وارتشفت منه هي الأخرى حتى ترطب حلقها الجاف.
نظر إليها كمال بنظرة مستاءة ،فانفرجت شفتاها بابتسامة واسعة بعدما وضعت كوب الماء الفارغ وقالت باستهزاء:
ـ ولما تفعصني تحت رجلك تفتكر أنا هقف ساكتة يا سيادة الوزير ولا أنت فاكرني مش عامله حساب اليوم ده؟
وبغضب استطردت:
ـ مش كل طير يتاكل لحمه يا كمال، ولو وقعت هتقع معايا، وساعتها الناس كلها هتعرف الصورة القذرة لسيادة الوزير.
احتقن وجه كمال من الغضب واقترب منها ثم باغتها بوضع يده على عنقها:
ـ شكلك عايزه تتقرصي قرصة حلوة يا سمية علشان تفوقي، لكن هنأجل حسابنا دلوقتي ونتكلم بعد مهمتك.
دفعت سمية يده عن عنقها بكل قوتها صائحة:
ـ ومين قالك إني هنفذ المهمة؟ ليه، هو أنا غبية بعد ما كشفت ورقتك الأخيرة ليا أحط رقبتي تحت أيدك
يا كمال؟!
سيطرا كمال على اتزان جسده وألقاها بنظرة غاضبة:
ـ مش بقول عايزه تتقرصي قرصة حلوة يا سمية!
واندفع نحوها إلى أن أسقطها على الأريكة وقام بتكبيل يديها بقبضة يد، وباليد الأخرى التقط هاتفه حتى يهاتف أحد رجاله:
ـ محدش بيلوي دراعي، وأنتِ اللي استعجلتي على نهايتك يا سمية.
تجهم وجه سمية بالحقد بعدما تأكدت تماماً أنه أتى بها إلى لندن حتى ينهيها بعد أن تحقق له مطلبه.
ـ نهايتك مع نهايتي يا كمال.
ارتخت ذراعا كمال عنها وسقط الهاتف من يده وقد ظنت أنه بسبب دفعها له بتلك الركلات التي تهاجمه بها.
نهضت سمية من أسفله وسرعان ما كانت تلتقط عيناها السـ. ـلاح الناري الموجود بالقرب منها.
اعتدل كمال في وضعيته بأنفاس متهدجة ونظر إلى السـ..ـلاح الذي تحمله وقال بسخرية وهو يحاول التقاط أنفاسه الهادرة:
ـ مش قولت بتلعبي لعبة مش قدها يا سمية، وخليكي فاكرة كلامي كويس علشان...
قهقهت سمية باستهزاء وانقطع معها كلام كمال فجأة ثم انبطح أرضاً بعد أن انطلقت من السلاح رصاصة وكأنه كان مجهزاً لهذا.
جحظت أعين سمية من الصدمة وسقط السلاح من يديها المرتعشتين، ثم زاغ بصرها في هلع غير مصدقة ما حدث.
اقتحمت الشرطة الغرفة في اللحظة التي أوشكت فيها على التقاط السلاح والفرار به.
ـ اعتقلوها!
نظرت سمية إلى أفراد الشرطة ثم جسد كمال وصرخت بجنون:
ـ مقتلتهوش، مقتلتهوش!
....
توقف عزيز عن الاسترسال في مكالمته ونظر نحو ليلى التي وقفت تنظر إلى هيئتها بالمرآة.
استدارت إليه بوجه مبتهج ثم قالت وهي تعدل من هندام غطاء رأسها:
ـ خمس دقايق وأنزل وراك يا عزيز.
تنهد عزيز واستعاد جزءاً من تركيزه مع المتصل، والجزء الأكبر كان معها.
التفتت ليلى ناحيته مرة أخرى واستعجبت من وقوفه وتتبعه لها في كل حركة تفعلها.
ـ بكرة في اجتماعنا يا أستاذ عنان هنكمل كلامنا، مع السلامة.
أنهى عزيز حديثه مع المتصل سريعاً ثم باغتها بالتقاط قلم الكحل الذي كادت أن تكحل به عينيها.
ـ في إيه يا عزيز؟!
تساءلت بها بعد أن أجفلها فعله، فألقى بقلم الكحل على طاولة الزينة قائلاً بوجه عابس:
ـ ضيفي من قائمة المحظورات وأنتِ خارجة إنه ما فيش كحل يتحط.
احتدت أعين ليلى بنظرة مستاءة وتمتمت بضيق:
ـ الكحل مش حرام يا عزيز، وأنا بحب أحطه وأنا خارجة.
برد قاطع وحازم قال:
ـ مادام هتخرجي وهتختلطي مع التجار يبقى ممنوع أي حاجة تلفت نظر حد ليكي.
أشاحت ليلى وجهها عنه متأففة، فرفع أحد حاجبيه متسائلًا:
ـ مش عجبك كلامي يا ليلى؟
كادت أن تجيبه وتخبره أن اعتراضه على أمر تزينها البسيط لم يعجبها، لكن تذكرت كلام زوجة عمها بالأمس لها.
ضاقت حدقتا عزيز وتساءل وهو يتفرس في وجهها:
ـ أنتِ بتفكري في إيه قبل ما تردي عليا؟
ابتسمت ليلى ابتسامة ملتوية ثم أحاطت وجهه بيديها قائلة:
ـ بفكر في كلامك، وقولت لنفسي أكيد هو خايف عليا.
داعبت شفتا عزيز ابتسامة عريضة وتمعن بالنظر إليها ثم مرر أصابعه على أحد خديها:
ـ حبيبتي العاقلة.
وواصل كلامه وهو يظن أنها تقبلت أمره برضا تام:
ـ وعشان أنتِ بتسمعي الكلام يا حبيبتي هبدأ أفكر في الطلب بتاعك، وممكن أقسط ليكم أول دفعة من الأقمشة.
تهللت أسارير ليلى وتردد في رأسها مجدداً صوت زوجة عمها:
"وفي إيه لما تريحيه في الكلام؟ واحدة ورا واحدة هتاخدي كل اللي أنتِ عايزاه بذكاء."
هزت رأسها حتى يختفي صوت زوجة عمها وتستطيع الرد عليه بدهاء:
ـ يا سلام على عزيز الزهار لما بيكون راجل كريم، أنت ما فيش منك يا زيزو.
برقت أعين عزيز بزهو رجولي انتبهت عليه ليلى، فازدادت قناعتها بنصائح زوجة عمها.. فالطريق الجديد مع عزيز الزهار هو التلاعب مع عقليته الصلدة التي تحترمها في بعض الأمور، ولكن في أمور أخرى لا تصيبها إلا بالنفور.
ـ نفسي أعرف عقلك بقى ياخدك لفين يا ليلى، أنا مبقتش مطمن ليكي.
أطرقت رأسها حتى لا يرى ابتسامتها البلهاء وهي تهتف في نفسها بشعارها الجديد الذي لم يكن في نهج والدتها عائشة ووالدها حامد، لكن مع عزيز الزهار عليها اتباع هذا النهج:
"خدي على قد عقله وقوليله أنت صح."
وها هي أول البداية تحصدها بذكاء مادام ما زالت راغبة في استكمال رحلة الحياة معه.
ـ عندي اجتماع بعد ساعتين، خلينا نتحرك يا ليلى.
التقطت حقيبة يدها بعجالة وسارت أمامه بهرولة:
ـ أهو اتحركت، أنت اللي معطلنا يا عزيز.
ابتسم عزيز واتبعها وقد انخمد من داخله بعد حوارهما شعور التملك الذي يسيطر عليه كلما وسوس له الشيطان أنه لم يعد مسيطراً على علاقتهما، وأن أمر عدم إنجابه سيجعله يتنازل عن الكثير من أجل إرضائها.
ـ أستغفر الله العظيم، أستغفر الله العظيم.
تمتمها كثيراً وهو يسير وراءها ولم يدع عقله يفكر إلا في سعادتها وحماسها الذي يراه يتلألأ في عينيها.
وانطلق عزيز بسيارته وهي تجاوره وتتحدث معه في خطوتها هذه وخوفها ألا ينجح مشروعها.
....
وضعت عايدة طبق الحساء جانباً بعد أن امتنع العم سعيد عن تناول شيء من يدها.
تنهدت عايدة وقالت ما ليست مقتنعة به لكن عليها التبرير له:
ـ قولي كنت عايزني أعمل إيه يا سعيد وأنا شايفة بنتي خلاص عينيها انكشفت على حاجات كبرتها بدري وبقت عايزه تتجوز، وعزيز بيه من كلامه معايا أكد لي إن قراره من جوازها لسيف ستر ليها.
ابتلع العم سعيد ريقه بوهن ونظر إليها قائلاً بصوت يخرج بصعوبة منه:
ـ دي أخرة دلعك ليها يا عايدة.
طأطأت عايدة برأسها قائلة باختناق:
ـ عندك حق يا سعيد، عندك حق يا أخويا دلعتها وأهو بحصد خيبة أملي فيها.
أغلق العم سعيد عينيه ثم فتحهما وربت على رأسها بشفقة بعد أن تعالت شهقاتها وأخذت تتوسل إليه أن يظل بجانبها ويهون عليها خيبتها في ابنتها الوحيدة.
ـ أقف جنبي يا سعيد، أقف جنبي؛ لأن من غير وجودك معايا يا أخويا وكأني ناقصة، وأوعدك لما تخرج بالسلامة مافيش حاجة تخصها إلا وأنت قرارك الأهم عندي.
....
خارت قوة أشرقت وسقطت على ركبتيها عند قبر والدها باكية، تسأله في عتاب يحمل غصتها:
ـ ليه يا بابا وصلتنا لكده؟ ليه يا سيادة المستشار خلتني واقفة عاجزه قدامه وأيدي مربوطة، ولازم أتنازل وأقبل في مساومته معايا وياخد ابني ويسافر ويبدأ حياة جديدة وأدفع أنا الثمن طول عمري؟ قولي ليه يا سيادة المستشار؟
وأردفت بحرقة اهتز فيها قلبها الذي ملأه الحزن:
ـ وحملتني أمانة أنا مش قدها! عملت أسامة وزينب جديدة يا بابا!
...
توهجت أعين ليلى بالأمل وهي ترى واجهة المكان على الحقيقة وليس من مجرد صور يرسلها لها بسام.
التفتت نحو عزيز وقالت بصوت يظهر فيه سعادتها:
ـ أنا متفائلة أوي بالمكان يا عزيز، وحاسة إنه هيكون فاتحة خير والمشروع هيكبر وهيكون براند له أسمه.
ألقى عزيز بنظرة متمعنة نحو الخارج ثم امتعض وجهه عند رؤيته لبسام يخرج من باب المكان المستأجر.
ـ إن شاء الله يا ليلى.
تمتم بها بعدما صرف نظره عن بسام.
ـ عزيز، أنت بتدعمني من قلبك صح؟
خرج هذا التساؤل من ليلى دون ترتيب بعد أن رأت عبوسه يتكرر، فقال برد قاطع:
ـ أكيد يا ليلى، لكن تحفظي مع...
انقطع الكلام منه والذي كان سيضع فيه بسام، لكن رنين هاتفه برقم نيرة جعل قلبه يشعر بالقلق متمتماً بحاجبين معقودين:
ـ دي نيرة! غريبة بترن عليا دلوقتي.
....
لم يتأخر مراد عليها وقد جاء باليوم التالي إلى سويسرا قلقاً على شقيقته.
ـ مالها زينة.. عدنان عمل فيها إيه؟
فركت إلهام يديها بتوتر وقالت وهي تتحاشى النظر إليه:
ـ ارتاح الأول وبعدين نتكلم.
مرر مراد عيناه عليها بنظرة متفرسة ثم سحب أحد المقاعد الملتفة حول الطاولة التي كانت تحتسي عليها قهوتها وتتابع أعمالها من خلال الجهاز اللوحي وقال:
ـ أختي حياتها في خطر ليه يا إلهام هانم.
