رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل الثالث عشر 13 بقلم سعاد محمد سلامه


 رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل الثالث عشر 

بشقة نورهان
كانت جالسة فوق الفراش تشعر بملل، تنهدت بزهق... بنفس الوقت صدح رنين هاتفها.. جذبته... سرعان ما تفتحت ملامحها وفكرت لحظات بالتأني  فى الرد ليس من أول رنة.. بالفعل لم ترد من أول إتصال... تأنت.. لكن رغم عدم غياب عودة  الرنين الثاني لكن شعرت بالتوتر حين غاب مجرد دقائق معدودة.. أنبت نفسها قائلة: 
يكون إضايق إن مردتش عليه ومش هيتصل تاني... 
لكن توقفت عن استرسال كلامها وتبسمت بمكر
حين عاود الاتصال... قامت بالرد تعمدت ان يظهر فى صوتها الوهن وعدم معرفة هوية المُتصل: 
الو... مين معايا. 

تفوه ببعض من المكر وهو يدعي العتاب: 
كده مش عارفة أنا مين. 

أجابته بوهن: 
للآسف... 

قاطعها بعتاب ماكر: 
كده أزعل بجد... 
هقول مش مسجلة رقمي طب كمان مش عارفة صوتي.. أنا وجدي البسيوني. 

اتسعت شفتيها بابتسامة من الجيد أنه لا يراها، لكان رأي بسمتها وتأكد أنها تدعي الكذب..  عادت سريعًا لنبرتها الواهنة وهي تقول:
وجدي... 

ضحك  الطرف الآخر ضحكة قصيرة، ثم قال بنبرة عتاب مصطنعة:
أيوه وجدي... أخيرًا افتكرتيني.

عضت نورهان على شفتها كي تمنع نفسها من الضحك، ثم تمددت فوق الفراش وكأنها لا تملك طاقة للكلام: 
معليش حقك عليا...  أصلًا لسه تعبانة ومش مركزة.

بمكر تقبل ذلك: 
واضح إنك تعبانة جدًا... لدرجة إنك مش عارفة صوتي.

رفعت حاجبها بمكر، وردت وهي تحاول الحفاظ على تمثيلها:
ما أنا قولتلك للأسف... وبعدين أنت اتصلت فجأة.. مكنتش متوقعة تتصل عليا تاني. 

تهكم بنبرة وصلتها بريئة: 
فجأة... آ معليش، مع إن كنت متوقع تكلمبني تاني. 

ساد الصمت لثواني.. 
كانت تلك الجملة تحديدًا هي التي أربكتها، فاختفت ابتسامتها للحظة قبل أن تعود وتختبئ خلف نبرة هادئة:
هو المفروض أكلمك تاني ليه... آه على وقفتك معانا فى المستشفي.. ما أنا شكرتك أنا وكارلا. 

جاءها صوته أكثر هدوءًا:
مش عارف... بس كنت أتمنى تكلميني. 

توقفت أنفاسها للحظة... 
لم تكن تتوقع أن يتحول المزاح بهذه السرعة إلى شيء يجعل قلبها يسبق عقلها... حاولت الفرار من ذلك الارتباك وقالت بسؤال: 
إنت اتصلت عليا ليه. 

أجابها: 
علشان أطمن عليكِ.

تفوهت بمكر ودلال: 
عشان تطمن عليا بس. 

أجابها بسؤال: 
هو لازم  يكون فيه سبب تاني. 

ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة رغمً عنها.. تفوهت بدلال: 
مش عارفة...  ومش يمكن تكون عايز تسمع صوتي.

سكت وجدي لحظة، وكأنها أصابت شيئًا لم يكن مستعدًا للاعتراف به، ثم قال:
هو صوتك وحش للدرجة دي عشان أخجل أقول. 

ضحكت بخفة، وقالت بمكر:
لا... بس إنت شكلك بتحب تلف وتدور.

ضحك قائلًا: 
وأنتِ شكلك بتحبي تختبري اللي قدامك... 
ويمكن... عملتي كده معايا دلوقتي.

رفعت رأسها عن الوسادة، وسألت ببراءة مصطنعة:
عملت إيه. 

أجابها: 
سيبتي التليفون يرن عشان تشوفي هاتصل تاني ولا لأ.

تجمدت للحظة، ثم قالت بسرعة:
إنت بتقول إيه. 

ضحك قائلًا:
متقلقيش... مش هفضحك.

بنفي كاذب  تفوهت: 
أنا أصلًا مكنتش مستنياك تتصل.

ضحك قائلًا: 
أمال ليه أول ما اختفى الرنين قلقتي. 

فتحت فمها لترد،كيف له يعلم بذلك... لكنها لم تجد جملة مناسبة... صمتت
فأكمل بنبرة منتصرة:
سكتِ ليه. 

أجابته بنفي: 
علشان... علشان مفيش حاجة تتقال... إنت غلطان. 

ضحك قائلًا بمرح: 
تمام.

تضايقت من صوت ضحكته وسألته: 
تمام إيه. 

تفوه بمكر: 
هعتبر سكوتك إجابة.

احمرت وجنتاها رغم أنها كانت وحدها في الغرفة، ليس خجل بل ضيق من درايته بشخصيتها... ثم قالت محاولة الهروب من إحراجه وقالت بتهرِب:
إنت اتصلت علشان تحقق معايا ولا علشان تطمن عليا. 

صحك يبوح بصراحة: 
الاتنين.

تفوهت بنبرة نهي: 
وجدي!. 

ضحك بصوت واضح قائلًا: 
حاضر... هبطل تحقيق... 

ثم تبدلت نبرته قليلًا، وقال بصدق مفاجئ:
بس بجد يا نورهان... كنت عايز أسمع صوتك.

اختفت ابتسامتها الماكرة... 
للحظة لم تعرف ماذا تقول... 
وضعت يدها فوق قلبها كأنها تحاول تهدئة دقاته، ثم همست:
سمعته... أهو.

زاد المكر فى عقله قائلًا: 
أه... كده اطمنت بس مش أوي. 

بغباء منها سألته: 
إيه اللى مش أوي. 

جاءها صوته أكثر دفئًا أو هكذا وصلها:
لأني حاسس إن في حاجة مضايقاكِ.. وإنتِ مش عايزة تقولي.

نظرت أمامها بصمت... 
لأول مرة منذ بداية المكالمة لم تجد في نفسها رغبة في المراوغة... فأجابت: 
صدقني مفيش حاجة.

بإختصار منه نطق إسمها بنبرة عتاب: 
نورهان...

مجرد نطق اسمها بتلك النبرة جعل ابتسامتها تتلاشى... وصوتها ينخفض وهي تقول: 
نعم. 

عاد صوته يقول بتحريض: 
لو في حاجة... قوليلي... بلاش تخبي

صمتت لحظات، ثم قالت بنبرة أخف:
يمكن بس... عشان. كنت حاسة بملل.

ضحك بهدوء قائلًا بمكر:
والممل ده علاجه عندك إنك تتقلي عليا. 

عادت ابتسامتها من جديد قائلة:
يمكن.

بمرح قال: 
طب ماشي... عندي علاج أحسن.

ضحكت سائلة: 
وإيه هو. 

بخباثة قائلًا: 
أخدك ونسافر مكان هادي. 

اتسعت عيناها، وجلست فوق الفراش دفعة واحدة... بذهول من جرأته.. تفوهت بصعوبة: 
نسافر فين دلوقتي ومع بعض إزاي. 

أكدها: 
آه... دلوقتي... مش لازم صفة المهم تنبسطي. 

نظرت إلى ملابسها ثم إلى المرآة، وابتسمت رغمًا عنها... قائلة: 
إنت مجنون.

ضحك قائلًا: 
وأنتِ من شوية كنتِ بتقولي إنك زهقانة.

أعترضت قائلة: 
أه كنت زهقانة... بس مطلبتش منك تيجي.

بجرآة قال: 
أنا اللي طلبت من نفسي.

ثم أضاف بنبرة تحمل ابتسامة:
ولا إنتِ مش عايزاني أجيلك. 

سكتت... 
وكان صمتها هذه المرة كافيًا ليجعله يضحك قائلًا: 
خلاص... فهمت.

بسؤال منها: 
فهمت إيه. 

بجرآة منه: 
إنك مستنياني.

- وجدي!
قالتها بنهي... 
قبل أن تفكر فى انهاء  المكالمة، لكن سمع صوتها وهي تقول بسرعة:
مجنون. 

ترددت لحظة، ثم قالت بخجل حاولت إخفاءه:
بلاش تهور. 

ساد الصمت من ناحية وجدي  لثانيتين، ثم جاءها صوته منخفضًا:
مفيش أحلى من الجنون والتهور. 

ضحكت وانتهت المكالمة... 
ظلت نورهان تحدق في الهاتف للحظات، ثم ألقت به فوق الفراش ووضعت كفيها على وجهها... مشاعر مراهقة تعود إليها.. من ذلك المجنون... وضعت يدها على فمها قائلة: 
يا نهار أبيض... أنا إيه اللي خلاني أرد أصلًا... ده مجنون.

ألقت  هاتفها فوق الفراش، وظلت للحظات تحدق أمامها بابتسامة لم تستطع السيطرة عليها.
وفجأة شعرت بدخول كارلا الى الغرفى.. 
انتفضت، وخطفت الهاتف تخفيه أسفل الوسادة، ثم عدلت جلستها سريعًا... لكن حين
دخلت كارلا،  عينيها توقفتا عند نورهان التي بدت وكأنها ضُبطت متلبسة بشيء... 
انتبهت كارلا وابتسمت بمكر قائلة: 
واضح إني دخلت في وقت مش مناسب.

رفعت نورهان حاجبها متصنعة الهدوء.. قائلة بمراوغة: 
مش فاهمة قصدك.

اتجهت كارلا نحو الفراش، ثم جلست بجوارها، ولمحت طرف الهاتف الظاهر أسفل الوسادة... قائلة: 
غريبة... أنا حاسة إن في حد كان هنا من شوية، حتى لو كان الموبايل.

سارعت نورهان بسحب الهاتف ووضعه بجوارها.. قائلة: 
مش فاهمة قصدك. 

ضحكت كارلا بخفة.. قائلة: 
سمعتك بتقولي وجدي. 

تجمدت ملامح نورهان للحظة، ثم حاولت استعادة ثباتها.. قائلة بنفي: 
وجدي... أكيد إنتِ سمعتي غلط.  

تهكمت كارلا قائلة: 
مش مهم سمعت صح ولا لأ... المهم إن وشك اتغير أول ما نطقت اسمه.

أدارت نورهان وجهها بعيدًا وهي تتمتم:
أنتِ بتكبري الموضوع.

تهكمت كارلا  بسخرية قائلة: 
وأنتِ بتصغريه زيادة عن اللزوم.

ساد صمت قصير، حاولت نورهان خلاله أن تبدو منشغلة بهاتفها، بينما ظلت كارلا تراقب ابتسامتها التي تظهر رغمًا عنها... 
مالت كارلا نحوها قائلة بنبرة ساخرة:
على فكرة... الابتسامة دي مش بتاعة واحدة كانت بتتكلم في حاجة عادية.

رفعت نورهان عينيها إليها، ثم قالت ببرود مصطنع:
كنت بكلم حد أعرفه، وخلاص.

هزت كارلا رأسها، وكأنها اكتفت بما سمعت.
تمام... اعتبري إني صدقتك.

نهضت واتجهت إلى الباب، لكنها توقفت قبل الخروج وأضافت بابتسامة ذات معنى:
بس لو الشخص ده هو وجدي... خلي بالك، اللي بخليكِ تبتسمي بالشكل ده مش مجرد شخص عادي... ده وجدي... وإفتكري إنه أصغر منك فى السن. 
خرجت كارلا، وتركت نورهان تحدق في الباب لحظات... أخرجتها من غيمتها الوردية للحظات نبهتها الى فارق العُمر، لكن سرعان ما نفضت ذلك ولم تهتم.. فقط وضعت يدها فوق قلبها، وقالت لنفسها بضيق ممزوج بابتسامة:
حتى فرق العمر مش غلط بتحصل كيتر 
ظلت نورهان تراقب الباب للحظات، ثم عادت بنظرها إلى كارلا التي عادت الى الغرفة من جديد  جلست على المقعد القريب من الفراش... 
سكتت قليلًا، قبل أن تقول كارلا بنبرة عابرة:
على فكرة... أديم حتى متصلش يطمن عليا.

تغيرت ملامح كارلا فورًا، وظهر الضيق في عينيها... ثم قالت: 
هو أصلًا مش هنا فى إسكندرية. 

رفعت نورهان رأسها باهتمام... سائلة: 
يعني إيه. 

تنهدت كارلا بضيق، ثم أجابت وهي تعبث بهاتفها:
عرفت إنه سافر.

-سافر فين. 

أجابتها كارلا: 
معرفش بالظبط... بس عرفت إن في سفينة تابعة للشركة حصل فيها عطل، وهو راح يتابع الموضوع بنفسه.

سكتت نورهان لحظة، ثم قالت بقلق ظهر رغمًا عنها:
طب والعطل ده مكنش يتحل من غبره.. ده حتي مسألش ولا اتصل من بعد ما كلمتيه وقال جاي. 

رفعت كارلا كتفها... قائلة: 
لو كان الأمر  بسيط، مكنش ساب كل حاجة وسافر بنفسه.

انعقد حاجبا نورهان، وراحت تفكر للحظات..قائلة: 
وكان ممكن على الأقل يتصل.. يعتذر. 

خرجت الجملة منها بعفوية، فالتفتت إليها كارلا بابتسامة جانبية.
أهو ده اللي كنت مستنياه أسمعه منك.

انتبهت نورهان لما قالت، فسارعت بإخفاء ارتباكها:
قصدي... مهما كان، كان يقدر يطمن علينا.

ابتسمت كارلا بسخرية خفيفة قائلة: 
إنتِ بالذات زعلانة إنه ما اتصلش.

تنفست نورهان ببطء، ثم قالت محاولة إنهاء الحديث:
مش زعلانة... بس استغربت.

هزت نزرهان رأسها، لكنها لم تعلق... 
أما كارلا فظلت تحدق أمامها، وشعور غريب بدأ يتسلل إلى قلبها... 
لم تكن تريد الاعتراف بأنها كانت تنتظر مكالمة من أديم فعلًا... 
لكن غيابه لم يمر عليها بسهولة... 
رفعت نورهان  إلى كارلا وسألت بهدوء:
بقاله قد إيه مسافر. 

أجابتها كارلا دون أن تنظر إليها:
كام يوم... 
ثم أضافت بغيظ واضح:
قلبي مش مطمن... لسفره بالطريقة دي. 

صمتت نورهان، بينما أخذت كلمات كارلا تتردد داخل رأسها.
وفي اللحظة نفسها، شعرت بأن انزعاجها من أديم لم يعد مجرد أمنية بل هاجس.. 
تفوهت نورهان: 
تفتكري إن يكون بيتهرب منك وتكون الغبية ميراچ هي اللى ممكن تكون سيطرت عليه و.. 

إنتفضت كارلا تنفي ذلك قائلة: 
مستحيل... 
أديم مش بيحبها وأكيد مش هتعرف تسيطر عليه والا كنا عرفنا، إنت مش بتقولى إنها لما زارتك جابت سيرة إن زفتة ميراچ هنا. 

أومأت نورهان بتوافق ثم قالت بنصيحة: 
خلي بالك... نوعية إديم بيحب يبان إنه مسيطر، وده الخوف من إن مشاعره تخونه... لازم ترجعي تتقربي منه. 

زفرت نفسها بضيق قائلة: 
أنا قدامه طول الوقت حتى حاولت وكشفت له تزوير فى الحسابات وقدمت سليم إنه المسؤول ومعرفش ليه طنش الموضوع. 

نظرت لها نورهان  قائلة: 
تفتكري ممكن ميراچ تكون ادخلت فى النهاية هو باباها.. لو ده صحيح يبقي بدأ يبقي لها تأثير عليه... وده يخوف. 
❈-❈-❈
بشقة لميس
- أنا يا مدام. 

"مدام" 
كلمة نطقها عن عمد منه كي يصل معناها الى ذلك البغيض "فارس" الذي لا يشعر نحوه بأي أُلفة ليست ناشئة اليوم  بل قديمة ربما منذ طفولتهما... 

نظر له فارس هو الآخر يبادله نفس الشعور بل ربما وأكثر منه... لكن رسم بسمة باردة، وفهم أن نطقه لكلمة"مدام "كان قصدًا منه كي يوصل له أن ميراچ مِلكه.. ضاق قلبه لكن لن يعطيه إنتصارًا... 

بينما توترت ميراچ التي تفاجئت بمجيئه الليلة رغم شجارهم الأخير قبل أن يسافر.. ظلت صامتة، بينما جائت من خلفها لميس تبسمت بتحفُظ حين رأت أديم لكن رحبت به قائلة: 
أهلًا يا أديم... واقف عالباب ليه إنت مش غريب. 

تقدم أديم للداخل رفع يده بباقة الزهور نحوها قائلًا: 
الورد ده لحضرتك. 

تبسمت له لميس بود قائلة: 
شكرًا... ميراچ  كانت بتقول إنك كنت مسافر. 

أومأ قائلًا: 
أيوه... ولسه راجع دلوقتي. 

عيناه كانت مسلطة على ميراچ التى وقفت صامته... بينما تبسمت لميس قائلة: 
حمد الله عالسلامة.. 
إحنا كنا هنتعشي، إنت مش محتاج عزومة. 

كان أديم على وشك أن يرفض البقاء تمامًا، يأخذ ميراچ ويغادر دون أن يمنح أحدًا فرصة للاعتراض، لكن وجود فارس وحده كان كافيًا ليجعله يتراجع لحظات... 
خصوصًا حين تحدث ذلك السخيف وكأنه صاحب المكان، وكأن وجود ميراچ بجواره أمر طبيعي اعتاد عليه: 
أنا وميراچ خلصنا تحضير السفرة، وحتى كنا بنتخانق على اللي يعمل السلطة... بس في الآخر هي اللي كسبت طبعًا.

قالها فارس وهو يضحك، فثبتت عينا أديم عليه للحظات... 
شعر بانقباض حاد في صدره، كأن الكلمات لم تمر عبر أذنيه فقط، بل استقرت تحت جلده وأشعلت شيئًا حارقًا في داخله... 
لم يعجبه أسلوبه...
ولا ضحكته السمجة.. 
ولا الطريقة التي نطق بها اسم ميراچ  .. بألفة بدت له قريبة أكثر  مما ينبغي... 
والأهم... لم تعجبه جلمة "أنا وميراچ".
تلك الكلمة وحدها جعلت أصابعه تنقبض فوق حافة المقعد وشد فكه حتى آلمه... كان يعرف أن فارس يقصد استفزازه، ويعرف أن غيرته لا تمنحه حق الاعتراض، لكن معرفته لم تمنع الدم من الصعود إلى وجهه ولا النبض من التسارع في عنقه...
رفع أديم حاجبه ببرود، ثم قال بنبرة هادئة تخفي خلفها ضيقًا واضحًا:
إنت وميراچ. 

ابتسامة فارس اتسعت، وكأنه تعمد أن يلتقط نبرة الغيرة في صوت أديم... قائلًا بسخافة متعمدة: 
آه، مالك مستغرب ليه... 

تدخلت ميراچ سريعُا.. وهي تضع آخر طبق فوق المائدة:
فارس ساعدني بس، متفهمش كلامه غلط.

نظر إليها أديم قائلًا  بحدة: 
أنا مش بفهم غلط.

خرج صوته أخفض مما أراد، لكنه كان أكثر خشونة... ظل يراقب وجهها، يبحث عن أي أثر للراحة أو الألفة في حديثها عن فارس، لم يجد شيئًا هدأ قليلًا، ثم عادت الغيرة لتشتعل بمجرد أن تقع عيناه على ابتسامة فارس... 
ثم نقل عينيه إلى فارس وأضاف:
بس واضح إنك واخد راحتك هنا زيادة.

ساد الصمت للحظة... 
كان قلب أديم يضرب بعنف، حتى خُيل إليه أن الجميع يستطيع سماعه... حاول أن يرخي كتفيه، وأن يبدو غير مبالي.. لكن قبضته المشدودة وعضلة فكه المرتجفة فضحتا ما عجز صوته عن إخفائه... بينما
فارس لم يتراجع، بل سحب أحد المقاعد  وجلس عليه براحة... قائلًا: 
دي ميراچ... بنت خالي، ومن حقنا ناخد راحتنا مع بعض... متربين سوا من صغرنا. 

شد أديم فكه، وشعر بحرارة حادة تمتد من صدره إلى أطرافه. كاد يرد بكلمة أقسى، كاد يضع حدًا واضحًا لكل تلك الألفة المستفزة، لكنه لمح نظرة ميراچ إليه... شكت فى تلك النظرة واضحة جيدًا... 
نظرة الرجل الذي يحاول السيطرة على غيرته قبل أن تفضحه... 
نظرة جعلت صدرها يضيق قليلًا؛ فقد رأت كيف تحركت يده بعصبية، وكيف انخفض صوته قبل أن ينفجر، وكيف كان يراقب فارس كما لو أن وجوده وحده تهديد لا يستطيع تجاهله... 
اقتربت منه بهدوء وقالت:
أديم... تحب أغرفلك. 

نظر إليها لحظات، وفي عينيه صراع واضح بين رغبته في الرحيل ورغبته في ألا يتركها وحدها معه لانها بالتأكيد لو طلب أن تغادر معه قد ترفض.... أظهر أنه يثق بها، لكنه لم يحتمل أن يرى فارس يتصرف معها بتلك الراحة والتقارب..، وكأن بينهما مساحة لا يملك هو حق الاقتراب منها... 
سحب المقعد  المقابل لفارس وجلس... بينما 
فارس ابتسم في انتصار صغير.... 
لكن أديم لم يبادله الابتسامة... 
بل مال قليلًا نحو ميراچ وقال بصوت منخفض يسمعه سواها:
أنا قعدت عشانك إنتِ.

ارتبكت ميراچ، وحاولت إخفاء ابتسامتها وهي ترتب الأطباق أمامها.. قائلة: 
عارفة.

أكمل حديثه: 
وعشان تبقي عارفة كمان... مش عاجبني موضوع "أنا وميراچ" ده.

قالها وهو يضغط على كل كلمة، ثم تراجعت يده عن حافة الطاولة بصعوبة، كأنه يخشى أن تفضحه ضغطه على أصابعه.. 
رفعت عينيها إليه بدهشة مصطنعة.
اقترب أكثر، حتى شعرت بحرارة أنفاسه قربها، وقال بنبرة امتزج فيها الضيق بغيرة واضحة:
لأنك مراتي يا ميراچ.

ثم استقام في جلسته، وكأنه لم يقل شيئًا، بينما بقيت هي تنظر إليه وقلبها يخفق بقوة.
أما فارس، الذي التقط آخر جملة رغم انخفاض صوت أديم، فابتسم بمكر وقال:
واضح إننا هنحتاج نحط حدود جديدة في التعامل.

التفت إليه أديم ببطء... 
كانت عيناه هادئتين على نحو مخيف، لكن التوتر المشدود في كتفيه كشف أن هدوءه لم يكن إلا آخر ما تبقى من سيطرته على نفسه.. قائلًا:
أخيرًا فهمت.

تناولوا الطعام فى جو من عدم الألفة... 
حتى نهض أديم ونظر لـ لميس قائلًا: 
أنا راجع من السفر ، كان بودي أقعد مع حضرتك أكتر، بس أنا مرهق جدًا. 

ابتسمت له لميس  بقبول ونظرت نحو ميراچ التي ظلت صامته حتى بعدما سمعت قول أديم: 
يلا بينا يا ميراچ. 

إبتلعت ريقها، هي مازالت تكتم بقلبها كل ما يحدث بينها وبين أديم من خلافات، لا تود سماع لوم لميس لها عن ذلك الإختيار التي كانت معترضة عليه من البداية، ربما لو تقدم لها أديم، بلا تلك الوصية لكانت رحبت به ووافقت على زواجهم بسهولة، لكن وجود تلك الوصية بالمنتصف هي مثل إنشطار وسط طريقين.. 

أومأت ميراچ... كذالك حتى تتهرب من فارس نفسه، تحشرج صوتها قائلة: 
تمام هجيب موبايلى من جوة. 

أومأ  أديم... 
لحظات وعادت ميراچ.. 
نظر أديم نحو لميس  وتبسم قائلًا: 
كنت مبسوط بالعشا مع حضرتك. 

أومأت له ببسمه قائلة: 
شكرًا عالورد يا أديم. 

تبسم لها، وأشار بيده لـ ميراچ أن تسبقه...فعلت ذلك بالفعل... مر من جوار فارس لم بنظر له، شعور بالبُغض متبادل... لكن هو الفائز بذهاب ميراچ معه. 

بعد وقت قليل بالسيارة...
التزمت ميراچ الصمت، كانت تنظر إلى الطريق من النافذة، وكأنها منشغلة تمامًا بما يمر أمام عينيها...
وكذلك أديم... 
عيناه مثبتتان على الطريق، وملامحه جامدة، لكن بين لحظة وأخرى كان يختلس النظر إليها سريعًا... 
كان يشعر بضيق غريب في صدره... 
منذ أن غادرا، لم يتحدث أي منهما... 
كان يريد أن يسألها عن فارس، عن قربه منها، عن تلك الراحة التي يتحدث بها معها، لكنه كان يعرف أن أي كلمة ستفضح غيرته التي حاول جاهدًا إخفاءها... 
أما ميراچ، فكانت تعرف... 
تعرف أنه غاضب...  
وتعرف أكثر أن غضبه لم يكن بسبب فارس وحده... 
التفتت إليه للحظة، فالتقت عيناهما... 
أعاد أديم نظره للطريق فورًا... 
كتمت ابتسامة صغيرة، ثم عادت تنظر من النافذة... 
مرت دقائق أخرى قبل أن يقول بصوت منخفض:
مبسوطه. 

التفتت إليه باستغراب... قائلة: 
من إيه. 

ظل ينظر أمامه، وقال ببرود متعمد:
من السفرة... واللمة... وفارس.

فهمت فورًا ما يقصده، لكنها قررت ألا تمنحه الإجابة التي يريدها... وقالت: 
آه، كانت لطيفة.

ضغط أديم على المقود... قائلًا: 
لطيفة. 

أكدت ذلك: 
أيوه.

ساد الصمت من جديد... لحظات ثم قال دون أن ينظر إليها:
واضح إنك كنتِ مبسوطة أوي معاه.

رفعت حاجبها، وقالت بهدوء:
فارس ابن عمتي ومتربين سوا. 

التفت إليها للحظة، ثم عاد للطريق قائلًا بخطأ منه: 
وأنا.. 

نظرت له قائلة  بسؤال: 
إنت إيه. 

نظر لها 

عاودت حديثها: 
ليه حاسة إنك مضايق من فارس، لو فى ظروف تانيه يمكن كنت فسرت ده غيرة منك عليا. 

هو كذالك بالفعل لكن أنكر ذلك 
هز رأسه نافيًا، لكن صوته خان إنكاره:
أنا اغير من فارس. 

نظرت له قائلة: 
أمال كنت متضايق منه. 

سكت.. 
لم يجد إجابة مقنعة... 
فهو نفسه لم يكن يريد الاعتراف بأن مجرد رؤية فارس يضحك معها كانت كفيلة بإفساد مزاجه بالكامل.. د
وبعد لحظات قال:
عشان أسلوبه.

اعترضت قائلة: 
أسلوبه كان عادي.

زفر نفسه قائلًا: 
بالنسبالك.

التفتت إليه ميراچ، بينما بقيت عيناه على الطريق... تسألت: 
يعني إيه. 

تنهد، ثم قال بصراحة خرجت منه رغماً عنه:
يعني أنا متعود أشوف ريان  بيتعامل معاكِ بالراحة دي... لكن فارس بحسه شخص إنتهازي وله غرض فى دماغه. 

سكتت ميراچ.. 
تلك المرة لم تجد ما تقوله.. 
أما أديم، فشعر أنه قال أكثر مما ينبغي، فأضاف سريعًا:
وبعدين... مش عاجبني إنه كل شوية يقول "أنا وميراچ".

ابتسمت ميراچ رغمًا عنها... قائلة: 
واضح إن الجملة دي علقت معاك.

رمقها بنظرة جانبية... قائلًا: 
مش حكاية علقت.. دي مستفزة.

-مستفزة ليه. 
كان سؤال ميراچ 
عاد للصمت لحظات، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا:
لأن أنا اللي المفروض أقول "أنا وميراچ".

توقفت ابتسامتها... 
ونظرت إليه طويلًا... 
هذه المرة لم يكن في صوته غضب، ولا تحد.. فقط شيء صادق جعل قلبها يرتبك... 
لاحظ نظرتها، فتنحنح وعاد بصره للطريق.

بعد قليل بمنزل الشاطئ... 
تذكرت ميراچ أن ليس لديها أي ثياب هنا.. ليس امامها سوا ثياب أديم.. بالفعل جذبت منامه منزلية قطنية أرتدت الجزء العلوي منها كانت يصل الى منتصف فخذيها، شعرت بحياء منها لكن أجزمت أنها فقط مسافة الليل، إتجهت للفراش كي تختفي أسفل الدثار قبل أن يدخل الى الغرفة، لكن سبقها ودخل الى الغرفة نظر نحوها توترت وتنحنحت قائلة: 
مفيش ليا هدوم هنا. 

أومأ براسة صامتً، توجه ناحية حمام الغرفة بينما هي صعدت على الفراش جذبت الدثار نامت على ظهرها تحدق فى سقف الغرفه، قلبها يخفق، تلوم نفسها لما عادت مع أديم ولم ترفض ذلك... 
والجواب كانت لا تريد سماع لوم والدتها أنها أخطأت حين وافقت على الوصية، والآن ليس أمامها سوا الاستسلام وقضاء باقي العام، لكن عليها تجنُب أديم قدر المستطاع، وجودها هنا مجرد مظهر فقط، لكن الحقيقة بينهما زواج منتهي الصلاحية قائم ظاهريًا فقط لتنفيذ الوصية،لن تسمح لمشاعرها بالعودة والانجراف مع التيار.

بينما دخل أديم إلى حمام الغرفة، أغلق الباب خلفه وأسند ظهره إليه للحظات.
كانت صورتها ما زالت عالقة في ذهنه... 
وهي ترتدي تلك القطعة الخاصة به...
تفصيل صغير، لكنه هز داخله شيئًا حاول طويلًا أن يدفنه... 
شعر بحرارة تسري في جسده، وباشتياق يدفعه لأن يعود إليها فورًا، أن يقترب منها ويترك كل ما بينهما جانبًا، حتى تلك المسافة التي ظل متمسكًا بها رغم قربهما... 
لكن شيئًا آخر أوقفه... 
شكوكه القديمة... 
تلك الأسئلة التي لم يحصل يومًا على إجابات تشفيها تمامًا... 
ماذا لو كان شعوره نحوها أقوى من الحقيقة التي يرفض رؤيتها.. 
ماذا لو كان انجذابه إليها يجعله يتغاضى عن أشياء كان قد أقسم لنفسه ألا يتغاضى عنها.. 
وماذا لو كانت كل تلك اللحظات التي شعر فيها بأنها قريبة منه... مجرد وهم صنعه احتياجه إليها... 

أغمض عينيه بقوة... 
كان الأمر أسهل عندما كان غاضبًا منها... 
أسهل عندما يقنع نفسه بأنها تخفي عنه شيئًا، وأن عليه أن يبقي قلبه بعيدًا حتى لا يخسر نفسه مرة أخرى... 
لكنها الآن كانت تجعل كل تلك الحواجز تبدو هشة... 
مجرد نظرة منها كانت تكفي لزعزعة يقينه... 
ومجرد رؤيتها ترتدي شيئًا يخصه جعلته يتمنى أن يصدق أنها له، وأن ما بينهما حقيقي، وأن شكوكه القديمة لم تكن سوى خوفٍ أعمى من أن يحبها ثم يكتشف أنه أخطأ... 
فتح عينيه، وتنفس ببطء... : 
المشكلة مش إني مش عايز أقرب منك...

قالها لنفسه بصوت خافت... ثم جاوب نفسه: 
المشكلة إني عايز أقرب... وأنا لسه مش عارف أصدقك بالكامل.

ظل صامتًا... 
لأنه أدرك للمرة الأولى أن الصراع لم يعد بينه وبين ميراچ فقط... 
بل بين الرجل الذي يريدها...
والرجل الذي ما زال يخاف أن يثق بها... 
دلف أسفل المياة الباردة، ربما تجمد تلك المشاعر... 
بعد قليل
خرج أديم من الحمام  وقد استعاد شيئًا من هدوئه، لكنه لم يستطع التخلص من ذلك الصراع الذي يضغط على صدره... 
رفع عينيه نحو ميراچ... 
كانت قد استقرت في الجهة الأخرى من الفراش، وحين شعرت بدخوله لم تنظر إليه.. فقط سحبت الغطاء قليلًا وتجنبت على طرف السرير.ظ. 
لم يقول شيئًا... 
اتجه إلى الناحية المقابلة، ثم تمدد فوق الفراش
ظلت ميراچ صامتة للحظات... 
كانت المسافة بينهما لا تتجاوز بضعة سنتيمترات، ومع ذلك شعرت كأنها أبعد مسافة قطعتها عنه منذ عرفته.. 
تحركت بهدوء، وابتعدت قليلًا إلى الطرف الآخر، تاركة بينهما مساحة واضحة... 
شعر بحركتها دون أن يلتفت... 
شد عينيه وأخذ نفسًا عميقًا... 
كان يريد أن يسألها لماذا ابتعدت، لكنه تذكر كل ما دار بينهما، وكل مرة جعلها تشعر أنه لا يثق بها... 
أما هي، فكانت تحدق في الظلام، تحاول إخفاء وجعها... 
لم تكن تبتعد ليس فقط لأنها لا تريده...
بل لأنها تعرف أن  اقترابها منه  غير مرحبًا به  وسيجعله يتذكر شكوكه من جديد... 
مرت لحظات طويلة... 
ثم قال أديم بصوت خافت، دون أن يلتفت:
إنتِ بعيدة ليه. 

صمتت ميراچ قليلًا قبل أن تجيب:
عشان ده وضعنا الحقيقي... سنة نعيش ونتحمل بعض. 

أغمض عينيه... 
كانت إجابتها أبسط من أن يدافع أمامها عن نفسه... 

ود أن يقول لها:
أنا متضايق من نفسي... ومن كل حاجة خلتني أوصل إني أشك فيكِ.

لكنه ظل صامتً.. 
وظلت بينهما بقيت تلك المسافة الصغيرة...
مسافة،رغم صغرها..لكن  لم يعُد يعرف أيًا  منهما كيف يعبرها.
❈-❈-❈
بعد مرور شهر ونصف 
بأحد قاعات البلياردوا 
تحدث ريان: 
أهو أجرت لكِ صالة البلياردوا أنا وإنتِ وبس، بس نتفق الأول اللى يخسر يقلع . 

نظرت له بريبة ورفعت يدها تمسك بطوق كنزتها واليد الأخري عدلت وضع النظارة وتفوهت بحشرجة صوت: 
أقلع إيه. 

ضحك على منظرها تخابث قائلًا: 
يقلع اغلى حاجة معاه. 

توقف بمكر ثم إستطرد بمرح: 
تقلعي النظارة. 

إبتلعت ريقها بهدوء ثم نظرت له وهي تضع يدها فوق النظارة قائلة: 
وإنت هتقلع إيه لو خسرت. 

أجابها بثقة فى الفوز: 
هقلع الساعة دي ماركة. 

نظرت لها وتبسمت قائلة: 
تمام. 

أعطي لها عصا البليادوا قائلًا: 
عشان أن چينتلمان هسيب لك الضربة الأولي. 

أخذت منه العصا وتبسمت، إنحنت قليلًا قامت بأول ضربه لمجوعة الكُرات
تبعثرت الكُرات فوق الطاولة، لكن ولا واحدة منها دخلت في أيًا من الجيوب المحفورة فى جوانب الطاولة... 
زفرت بضيق وهي تستقيم في وقفتها، ثم نظرت إلى العصا وكأنها هي السبب في فشل الضربة... 
أما هو فكان واقفًا أمامها واضعًا يديه في جيبي بنطاله، وعلى شفتيه ابتسامة واثقة استفزتها أكثر من خسارتها... نظرت له بحدة مصطنعة سألته بغيظ وهي ترفع حاجبها: 
فى إيه

هز كتفيه ببراءة مصطنعة يُخفي بسمته قائلًا: 
ولا حاجة.

بحدة عارضته: 
لأ فيه.

اقترب خطوة من الطاولة، ثم مال يتفحص الكرات المبعثرة... قائلًا: 
بصراحة.. 
أصل كنت متوقع منكِ أحسن من كده.

ضيقت عينيها خلف نظارتها... سائلة: 
يعني إيه. 

ابتسم بمكر قائلًا: 
يعني لو فضلتي تلعبِي بالشكل ده... النضارة هتروح منكِ بسرعة.

وضعت يدها على نظارتها في حركة تلقائية... قائلة: 
متفرحش أوي، دي كانت أول ضربة.

ببسمة ثقة،أشار إلى العصا قائلًا: 
وأنا مستعد أستنى... يلا... وريني بقى.

نظرت إلى الطاولة، ثم عادت بعينيها إليه قائلة: 
بس متتدخلش.

رفع يده أمام صدره باستسلام قائلًا: 
أنا أهو  مجرد متفرج.

نظرت له قائلة: 
متفرج وبتستفزني.

رد ببسمه: 
دي موهبة.

كتمت ابتسامة رغماً عنها، ثم عادت إلى الطاولة... 
راقبها وهو يجلس بعيد قليلًا عن الطاولة يضع ساقًا أمام الأخرى، وقد اختفت سخريته للحظات حين رآها تنحني من جديد، تركز عينيها على الكرة البيضاء... 
هذه المرة كانت أكثر ثباتًا... 
حركت العصا ببطء، ثم دفعتها في اتجاه الكرة... 
اصطدمت الكرة البيضاء بأخرى، فانطلقت الأخيرة مباشرة نحو الجيب الجانبي...
ودخلت... 
رفعت رأسها بسرعة، والتفتت إليه بانتصار واضح... قائلة: 
شوفت. 

ابتسم قائلًا بغرور: 
صدفة... كملي. 

أشارت إلى الكرة داخل الجيب  ثم إعترضت قائلة: 
صدفة إيه... دي دخلت الجُحر

نهض واقترب منها وأخذ العصا من يدها بهدوء... قائلًا: 
طب طالما  عندك ثقة كده، استني دوري.

وقبل أن يبتعد، قالت بتحد:
لو دخلت، هقول إنك محظوظ.

التفت إليها... قائلًا: 
ولو مدخلتش. 

ابتسمت لأول مرة بثقة حقيقية... قائلة: 
هقول إنك مش قد كلامك.

ضحك بخفوت... قائلًا  بمرح: 
واضح إنك بدأتي تحبي اللعبة.

ردت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها قائلة: 
أنا بحب أكسب بس.

رفع العصا واستعد لضربته... قائلًا  بثقة: 
يبقى ركزي كويس.

ضرب الكرة... 
تحركت البيضاء بسرعة، اصطدمت بالأخرى، ثم دخلت الأخيرة في الجيب بسهولة... 
صفر إعجابًا بنفسه، ثم التفت إليها... قائلًا: 
النضارة  شكلها قربت تتخلع. 

شهقت بغيظ... وهي تضع يدها على النظارة قائلة: 
لسه بدري كمل. 

اقترب منها وهو يبتسم... قائلًا بثقة فى الفوز: 
متقلقيش... هخليكِ تخسري على مهلك.

نظرت إلى ساعته ثم إلى وجهه... قائلة بثبات: 
وإنت واثق أوي ليه. 

مال قليلًا نحوها وقال بنبرة مليئة بالتحدي:
لأنك من أول ما بدأنا وإنتِ مركزة في نظارِتك أكتر من الكرات.

وضعت يدها على نظارتها مرة أخرى، ثم رفعت عينيها إليه... قائلة  بثبات: 
يمكن عشان خايفة عليك.

ضحك قائلًا بسؤال: 
خايفة عليا. 

بثبات اومأت قائلة بتأكيد: 
ايوه 

ابتسم سائلًا: 
خايفه من إيه بقي. 

ردت بمنتهى الجدية:
من شكل إيدك وإنت بتقلع الساعة بعد ما تخسر.
ساد الصمت ثانية.

انفجر  بالضحك، بينما ابتسمت هي بانتصار... 
_حلوة لو كسبتي هيبقي فى رهان تاني. 

قالها وهو يهز رأسه.. 
بس خليكِ فاكرة... آخر ضحكة بتكون للي يكسب.
رفعت العصا من على الطاولة ومدتها أمامه قائلة: 
يبقى العب، يا چينتلمان... متشوقة أعرف إيه هو الرهان التاني. 

نظر إلى العصا، ثم إلى عينيها، قبل أن يبتسم ابتسامة جانبية... قائلًا: 
على مسؤوليتك.

رفع العصا واستعد لضربته، بينما وقفت هي إلى جوار الطاولة تراقبه بصمت... 
لكن هذه المرة لم تستطع أن تركز في الكرات... 
كانت عيناه تتابعانها بين الحين والآخر، وكأن اللعبة لم تعد هي الشيء الوحيد الذي يشغله... 
بل  كيفية تحقيق الرهان الثاني. 


تعليقات