رواية انا مش رقم اثنين الفصل الرابع عشر 14 بقلم نسرين بلعجيلي


 

رواية انا مش رقم اثنين الفصل الرابع عشر 


كان الليل ساكنًا إلا من صوت بكاء خافت خرج من سجدة طويلة. رفعت مريم رأسها ببطء، مسحت دموعها ثم ابتسمت لأول مرة من غير وجع، ليس لأنها نسيت، لكن لأنها سلمت أمرها لله.

قفلت المصحف، وبصت للموبايل، إسم "عمر" كان لسه موجود، فضلت تبص عليه ثواني، ثم ضغطت.. حظر. مافيش تردد.
ولا رجوع. همست وهي تحط الموبايل على الترابيزة :
ـ يا رب.. أنا سلمت قلبي ليك، ما تردهوليش مكسور.

في نفس اللحظة كان عمر ماسك موبايله، كتب :
"مريم.. محتاج أتكلم معاكِ."

ضغط إرسال، ظهرت الرسالة ثم اختفت، حاول يتصل، جاله الرد الآلي: المستخدم غير متاح.
قطب حاجبيه، جرب مرة واثنين وثلاثة، ثم فتح تطبيق ثاني، نفس النتيجة. همس لنفسه :
ـ عملتلي بلوك؟

لأول مرة حس إن الباب اتقفل بجد، مش باب الشقة، باب الوصول ليها. رن موبايله، إبتسم بسرعة، افتكر إنها مريم، لكن الشاشة كانت مكتوب عليها : سارة. رد وهو زافر : 
ـ أيوه.

جاله صوتها :
ـ وحشتني.

سكت، ثم قال :
ـ خير؟

ضحكت :
ـ هو كل ما أكلمك تقول خير؟ وحشتني يا عمر، إمتى هنتجوز؟ أنا تعبت. الناس كلها بتتكلم وأنا مش قادرة أستحمل أكثر.

غمض عينيه وقال :
ـ مش وقته يا سارة.

ردت بسرعة :
ـ بالعكس، ده وقته. مريم خلاص طلبت الطلاق، يبقى فاضل إيه؟

وهنا يبدأ الضغط الحقيقي عليه.

سكت عمر وحط إيده على جبينه :
ـ يا سارة مش كل حاجة تتحل بالجواز.

ردت بسرعة وكأنها كانت مستنياه يقول الجملة دي :
ـ أمال تتحل بإيه؟ أستنى لحد إمتى؟ الناس كلها بقت عارفة إنك بتحبني وعارفة إنك وعدتني. كل يوم حد يسألني:
"إمتى الفرح؟" وأنا أقول إيه؟

تنهد عمر : 
ـ إديني فرصة أفكر.

اتغير صوتها فجأة، بقى حاد : 
ـ تفكر؟ بعد كل اللي حصل؟ ولا مستني ترجع لمريم؟

سكت..
فهمست بغيرة واضحة :
ـ بصراحة أنا بقيت بخاف تضعف قدامها.

قال بضيق :
ـ مريم عملتلي بلوك.

ردت بسرعة وكأنها ارتاحت :
ـ خلاص، يبقى الموضوع انتهى. طلقها ونبدأ حياتنا.

لكن عمر ما ردش. أغلقت سارة المكالمة وعينيها مليانة غضب، كانت قاعدة في أوضتها بتلف بعصبية، أمها دخلت عليها :
ـ مالك؟

قالت بانفعال :
ـ هو بيتغير، حاساه بيتراجع.

أمها اتنهدت :
ـ يبقى لازم يخلص الموضوع بسرعة.

سارة بصتلها :
ـ وأنا هستنى ليه؟ أنا ضيعت عمري عشانه مش هسيبه يضيع مني.

في اللحظة دي رن تليفون سارة، كان عمها، ردت بسرعة :
ـ أيوه يا عمو.

قال بحزم :
ـ هاتي رقمه لانه ضاع مني.

سكتت.. وبعدين سألت :
ـ مين؟

ـ عمر، ودلوقتي.

بعد دقائق كان هاتف عمر بيرن. بص للشاشة.
"الحاج محمود."
إستغرب ورد : 
ـ السلام عليكم.

ـ وعليكم السلام يا عمر.

_إزيك يا ابني؟

ـ الحمد لله.

قال الرجل بعد لحظة صمت :
ـ أنا هتكلم معاك كراجل.

رد عمر :
ـ إتفضل.

قال عم سارة بنبرة جادة :
ـ البنت سمعتها بقت على كل لسان، البلد كلها عرفت إن بينكم ارتباط وعرفت إنها دخلت بيت مراتك، والناس ما بتسكتش، كل يوم كلام وأنا راجل وليّا إسم، وأبوها كان صاحبي، وما ينفعش أسيب بنت صاحبي تتجرجر في الكلام.

بلع عمر ريقه.
الرجل أكمل :
ـ لو بتحبها إتجوزها. ولو مش قد القرار سيبها. لكن ما ينفعش تفضل معلقة.

سكت عمر..

قال الرجل بحسم :
ـ إحنا مستنيين منك كلمة.

وقفل الخط.

فضل عمر ماسك الموبايل. حاسس إن أنفاسه بتضيق. أمه بتضغط عليه، مريم سابته، سارة مستعجلة، وأهلها بيطالبوه يحدد موقفه.
رفع عينيه للسقف ولأول مرة سأل نفسه بصوت مسموع :
ـ أنا وصلت لهنا إزاي؟

لكن السؤال الأصعب كان بيطارده من جواه: لو اتجوز سارة، هل هيقدر ينسى مريم؟
ولو رجع لمريم، هل هتسامحه بعد كل اللي عمله؟

ولأول مرة إكتشف إن كل الطرق بقت موجعة.

مر أسبوع.. ثم أسبوعان. ثم شهر كامل، والوضع كما هو.

مريم إختفت من حياة عمر، لا رسالة، لا اتصال، لا سؤال. عملت له حظر في كل مكان وأغلقت كل باب كان ممكن يرجع منه. كانت تخرج لشغلها وترجع، تصلي، تقرأ وردها من القرآن وتعيش يومها وكأنها بتتعلم من جديدإزاي تعيش لنفسها.

أما عمر..
فكان كل يوم بيخسر حاجة، نزل وزنه، السهر بقى صاحبه، والنوم بقى عدو. كل ليلة يفتح صور مريم يبص فيها ثم يقفلها ويسأل نفسه :
"إزاي قدرت تطلعني من حياتها بالسرعة دي؟"

كان متخيل إنها هتتصل، هتعيط، هترجع، لكنها ما عملتش أي حاجة. وده كان أكثر حاجة وجعاه.

أما سارة..
فكانت كل يوم تزود الضغط :
ـ إمتى هنتجوز؟
ـ إمتى هتيجي تتقدم؟
ـ الناس كلها بتتكلم.
ـ أنا مش هفضل معلقة.

ولما كانت تحس إنه ساكت كانت تبكي ثم تقول :
ـ بعد كل اللي ضحيته علشانك هتسيبني؟

بدأ عمر يشعر أنه محاصر. كل واحد بيسحبه في اتجاه، وفي النص كان بيضيع.

وفي يوم..
دخل بيت أمه، كانت قاعدة تقرأ القرآن، أول ما شافته قفلت المصحف وقالت بهدوء :
ـ إتفضل.

قعد قدامها وشه كان مرهقًا ودقنه طولت وعينيه مليانة تعب.
قال بصوت مكسور :
ـ يا أمي أنا تعبت.

بصت له طويلًا وقالت :
ـ والتعب ده جبته لنفسك.

خفض رأسه :
ـ مش عارف أعمل إيه.

قالت بحزم :
ـ وأنا عارفة. رجع الحق لأصحابه.

رفع رأسه بسرعة :
ـ يعني أسيب سارة؟

قالت :
ـ أنا ماعرفش هتعمل إيه، لكن أعرف إنك ظلمت مراتك وسبت واحدة تدخل بينكم. ولحد النهارده بدل ما تصلح غلطك بتفكر تكمله.

قام من مكانه بعصبية :
ـ يا أمي أنا بحبها.

وقعت الكلمة، لكنها لم تحرك أم عمر.

قالت بهدوء :
ـ والحب يبيح الظلم؟ الحب يكسر القلوب؟ الحب يخليك تنام وفيه واحدة بتبكي كل ليلة بسببك؟

سكت، قال بعد لحظة :
ـ سارة ملهاش ذنب.

رفعت أم عمر صوتها لأول مرة :
ـ لا، لها ذنب. لأن الست اللي تشوف راجل متجوز وتصر تاخذه تبقى بتجري ورا نفسها مش ورا الحب.

ثم اقتربت منه وقالت :
ـ إسمعني كويس يا عمر. لو كنت فاكر إن الجواز من سارة هيخليك مرتاح، تبقى واهم. ولو كنت فاكر إن البيت اللي اتبنى على دموع مريم. هيعرف السعادة، تبقى غلطان.

ثم أشارت بإصبعها نحوه :
ـ لو اخترت تكمل في الطريق ده، أنا عمري ما هكون راضية عن اللي عملته، وقلبي هيفضل غضبان عليك، حتى لو الناس كلها قالت إنك معاك حق، أنا مش هقولها.

إرتجفت شفتا عمر :
ـ يعني إنتِ ضدي؟

قالت وهي تبكي :
ـ أنا ضد الظلم، ولو الظالم إبني.

ثم أكملت :
ـ إسمعها مني، حتى لو طلقت مريم سارة عمرها ما هتبقى الزوجة اللي هتريح قلبك، لأن اللي يبدأ حياته بكسر قلب واحدة بريئة، هيعيش طول عمره يدفع ثمن الكسر ده.

انخفضت كتفا عمر، وجلس على الأرض واضعًا رأسه بين كفيه، ولأول مرة إنفجر في البكاء.. بكاء رجل إكتشف متأخرًا أن كل خطوة مشيها كانت بتبعده عن الإنسان الوحيد اللي حبّه من غير شروط، ووقف جنبه من غير ما يطلب منه ثمن.

خرج عمر من بيت أمه وهو مش شايف قدامه. كلامها كان بيدور في دماغه :
"لو اخترت تكمل في الطريق ده، قلبي هيبقى غضبان عليك."

ركب عربيته، فضل ساكت. وفجأة.. رن موبايله: سارة. بص للإسم وقفله.
بعد ثواني، إتصلت ثاني وبعدين ثالث. زفر بضيق ورد :
ـ أيوه.

جاله صوتها الغاضب :
ـ إنت بتقفل ليه؟

قال بتعب :
ـ مش قادر أتكلم.

ردت بسرعة :
_ لا، نت لازم تتكلم، أنا مستنياك بقالي شهر، كل يوم تقول بكرة. إمتى هنخلص؟

قال وهو مغمض عينيه :
ـ يا سارة، سيبيني أرتاح شوية.

ضحكت بسخرية :
ـ ترتاح؟ ترتاح من إيه؟ من مراتك؟ ولا من وعدك ليا؟

فتح عينيه ولأول مرة اتضايق من طريقتها. قال بهدوء :
ـ ماتعليش صوتك.

لكنها لم تسكت :
ـ أنا من حقي، أنا استنيتك سنين وضيعت عمري علشانك، مش هسيبك تضيع مني في الآخر.

قال بصوت منخفض :
ـ هو كل كلامنا بقى جواز؟

سكتت لحظة ثم قالت :
ـ أيوه، لأن ده حقي.

رفع رأسه :
ـ وحقي أنا؟

ساد الصمت، أكمل :
ـ حد سألني أنا مرتاح؟ حد سألني أنا قادر أنام؟ حد شاف أنا بقيت عامل إزاي؟

ردت ببرود :
ـ كل ده هيخلص أول ما نتجوز.

أغمض عينيه و همس :
ـ وإنتِ متأكدة؟

قالت بثقة :
ـ طبعًا، أنا بحبك.

قال لأول مرة بنبرة مختلفة :
ـ بتحبيني ولا عايزة تكسبيني؟

سكتت، ابتسم بسخرية مُرة :
ـ بقالي شهر، ولا مرة سألتيني عامل إيه؟ كل يوم سؤال واحد، إمتى هنتجوز؟ إمتى هتطلقها؟ إمتى هتيجي؟ حتى وأنا بقولك إني تعبان كل اللي يهمك إنتِ.

ارتفع صوتها :
ـ طبيعي يهمني، إنت وعدتني. أنا مش هسيبك.
نسرين بلعجيلي 
قال بهدوء أخافها :
ـ أهو دي المشكلة، إنتِ مش هتسيبيني مش لأنك خايفة عليا، لكن لأنك خايفة تخسريني.

ولأول مرة فقدت سارة هدوءها صرخت :
ـ أيوه مش هسيبك. بعد كل السنين دي تيجي مريم تاخذك مني؟ مستحيل، أنا أولى بيك، أنا كنت قبليها وأنا اللي هكون بعديها، أنا مش هخسر.

اتسعت عينا عمر كانت أول مرة يسمعها تقولها بالشكل ده :
مش "أنا بحبك"
لكن..
"أنا مش هخسر."

قال بصوت خافت :
ـ هو ده اللي شاغلك؟ المكسب والخسارة؟

ردت بعصبية :
ـ أيوه، لأنك بتاعي.

ساد الصمت. ولأول مرة شعر عمر بالخوف، مش من مريم ولا من أمه، لكن من سارة.

أقفل المكالمة من غير ما ينطق. فضل يبص للموبايل وكأن البنت اللي كان فاكر إنه يعرفها طلعت شخص ثاني.
مرر عمر إيده على وشه بتعب، ولأول مرة ما اتصلش بسارة ثاني، ولا حاول يراضيها. قفل الموبايل وحطه على الكرسي اللي جنبه.
فضل سايق من غير ما يعرف هو رايح فين، كل كلمة قالتها كانت بترن في ودنه :
"أنا مش هخسر."

"إنت بتاعي."

"أنا أولى بيك."

غمض عينيه لحظة وافتكر مريم، إفتكر آخر مرة خرج من عندها لما قالتله :
"أنا اخترت نفسي."

ولأول مرة بدأ يقارن، مريم.. كانت بتسيبه يختار، أما سارة.. فكانت بتحاول تفرض نفسها.

في نفس الوقت كانت سارة قاعدة في أوضتها بتمشي بعصبية.
أمها بصتلها وقالت :
ـ كلمك؟

ردت بضيق :
ـ كلمته. حاساه بيتغير.

قالت أمها :
ـ يبقى متسيبيهوش يفكر، إضغطي عليه، الرجالة لما تتساب لوحدها بتغير رأيها.

هزت سارة رأسها ومسكت الموبايل، بعثت رسالة :
"لو بتحبني بجد تعالى النهارده."

بص عمر للرسالة وفضل ساكت.
عدت دقيقة واثنين وثلاثة وتلاتة من غير رد.
رن الموبايل، سارة...
لكن المرة دي ما ردش. بعدها بثواني رسالة :
"لو مردتش أنا جاية عندك."

إتنهد عمر ورد أخيرًا :
ـ نعم.

جاله صوتها حادًا :
ـ أنا قلتلك جاية.

قال بهدوء :
ـ لا ماتجيش.

سكتت لحظة ثم قالت :
ـ ليه؟ خايف مريم تعرف؟

قال لأول مرة بصوت خالٍ من أي مشاعر :
ـ مريم خرجت من حياتي.

ردت بسرعة :
ـ يبقى خلاص إيه اللي مانع؟

رفع صوته لأول مرة :
ـ مانع إن نفسي تعبت، مانع إني بقيت مش فاهم نفسي، مانع إني كل يوم بصحى حاسس إني خسرت كل حاجة.

ساد الصمت لكنها لم تتأثر، قالت ببرود :
ـ وأنا مالي؟ إنت وعدتني، إنت مسؤول عني، إنت لازم تتجوزني.

فتح عينيه ببطء وقال :
ـ حتى دلوقتي إنتِ لسه بتفكري في الجواز؟

ردت بثقة :
ـ طبعًا دي مشكلتك مش مشكلتي. إنت اللي دخلتني في حياتك ولازم تكمل.

إبتسم عمر، لكنها كانت ابتسامة مكسورة وقال :
ـ أول مرة أحس إنك مش شايفة غير نفسك.

انفجرت سارة :
ـ أيوه، وهشوف نفسي لأن مافيش حد هيخاف عليا غيري. أنا استنيتك سنين ومش هاسمح لواحدة تاخذك مني حتى لو كرهتني، تى لو كرهت نفسك، إنت في الآخر هتكون ليا.

نزلت الكلمات عليه كأنها صفعة. ما ردش. أغلق المكالمة، المرة دي من غير تردد. رفع رأسه للسقف وهمس لنفسه :
ـ هو أنا كنت بحب مين؟

رجع عمر شقته بعد ساعات، دخل وهو مرهق، رمى مفاتيحه على الطاولة وقبل ما يبدل هدومه رن جرس الباب.
إستغرب بص من العين السحرية واتجمد مكانه، كانت.. سارة واقفة قدام باب شقته وفي عينيها إصرار أخافه لأول مرة.



تعليقات