رواية درة الجبالي الفصل الخامس عشر
"مراتك؟! إنت اتجننت يا حتة فلاح إنت؟! البنت دي خطيبتي، وفرحي عليها كمان أسبوع! إنت مفكر نفسك في فيلم هندي؟ أنا هنسفك إنت والمزرعة دي!"
طارق صرخ بهستيريا وهو موجه مسدسه لراس رحيم، ووراه رجالته رافعين الأسلحة. بس رحيم، صقر الصعيد، ولا رمش، فضل واقف زي الجبل ومخبي رحمة ورا ضهره، وعينيه بتطق شرار ببرود مرعب.
"الرصاصة اللي هتطلع من سلاحك ديه يا بتاع البندر، هتبجى آخر حاجة تسمعها في دنيتك."
قالها رحيم بصوت جهوري مفيش فيه ذرة خوف، وكمل: "جولتلك، دي حرم رحيم الجبالي، ولو السما انطبجت على الأرض، رجلها مش هتخطي بره أرضي."
"بابا! أرجوك اسمعني!" صرخت رحمة بدموع وهي بتبص لأبوها اللواء محمود اللي كان مذهول:
"طارق كداب! بعت بلطجية امبارح بالليل عشان يخطفوني، ورحيم هو اللي أنقذني! طارق مريض ومجرم يا بابا!"
اللواء محمود بص لطارق بصدمة: "إنت عملت كده يا طارق؟ بعت بلطجية لبنتي؟"
طارق اتلجلج ورجع خطوة: "يا عمي بتكدب! ده تبرير عشان تداري فضيحتها مع الصعيدي ده! خلصوا عليهم وهاتولي رحمة!"
رجالة طارق كانوا هيضغطوا على الزناد، وقلب رحمة وقف من الرعب.. بس فجأة
رصاص كثيف شق الجو من بره المزرعة! الأرض اتهزت، ولما طارق ورجالته لفوا، لقوا المزرعة متحاصرة بعشرات العربيات الدفع الرباعي، ومئات من غفر الجبالية بأسلحتهم الآلية واقفين زي الجيش.
ومن وسطهم، ظهر "عزيز الجبالي" بهيبته، ساند على عصايته ووراه دراعه اليمين "رضوان".
"اللي يرفع سلاحه في أرض الجبالية... ينزل على نجالة يا كلاب البندر!"
صوت عزيز رج المكان ورعب رجالة طارق. عزيز وقف جنب رحيم وبص للواء محمود بحسم:
"أهلاً بيك في قنا يا سيادة اللوا. جيت ضيف ومجولناش حاجة، بس تيجي بسلاح ورجالة تتهجم على ولدي في أرضه؟ ديه اللي مابنسمحش بيه."
اللواء محمود بانفعال: "ابنك خاطف بنتي يا عمدة!"
ابتسم عزيز بسخرية: "ولدي مابيخطفش حريم. بنتك الدكتورة جات إهنه تتدرب، ولما خطيبها الجبان ديه بعتلها رجالة يخطفوها في الضلمة، ولدي حماها وجابها في سرايتي معززة مكرمة وسط مرتي وحريمي. وبدل ما تشكره، جاي ترفع عليه سلاح؟"
اللواء محمود بحنكته العسكرية بص لطارق وشاف الرعب والعرق بيفضحه، فهم إنه كداب.
"نزلوا السلاح! قولت نزلوا السلاح يا طارق! حسابك معايا بعدين على اللي عملته في بنتي!"
عزيز بص لطارق باحتقار: "خد كلابك واطلع بره أرضي يا واد إنت. ولو لمحت خيالك جريب من قنا، هخلي أمك تلبس الأسود عليك الليلة."
طارق انسحب بخوف وركب عربيته، بس رمق رحيم بنظرة حقد كلها وعيد وانتقام وهرب.
رحمة جريت استخبت في حضن أبوها وبتعيط: "بابا.. طارق كان هيدمرني، أرجوك متغصبنيش عليه تاني!"
اللواء طبطب عليها وبص لرحيم: "أنا بشكرك يا بني إنك أنقذت بنتي.. بس أنا هاخد رحمة وراجعين القاهرة حالاً."
رحيم خطى لقدام بشموخ وقال بهدوء قاطع:
"عفواً يا سيادة اللوا.. رحمة مش هترجع الجاهرة. أنا طلبت يد بنتك جُدام أهلي، ودلوك بطلبها منيك جُدام رجالتك ورجالتي. يشرفني أطلب الدكتورة رحمة على سنة الله ورسوله، وهتكون ست سراية الجبالي، وفي حمايتي لآخر يوم في عمري."
اللواء اتصدم، وبص لبنته لقى وشها أحمر وعينيها بتلمع، فهم إن قلبها راح للصعيدي.
"نتكلم في السرايا يا سيادة اللوا.. الأصول مابتتعملش في الإسطبلات." حسمها عزيز بحكمة.
في السرايا، اللواء وعزيز قاعدين تحت في المندرة. وفوق في الأوضة، رحمة لسه بترتجف.
دخلت عليها "درة" بصينية لبن دافي وابتسمت بحنية.
"اشربي دي يا بتي، تروج دمك وتهدي جلبك."
"شكراً يا طنط."
"اسمها يا خالة، أو يا أمة لو حبيتي." ضحكت درة وكملت: "إنتي فكرتيني بنفسي زمان جوي.. العند اللي في عنيكي ديه، هو نفس العند اللي جاب عزيز الجبالي راكع لحد عندي."
رحمة سألتها بحيرة: "أنا ورحيم من عالمين مختلفين يا خالة درة. هو متملك ومسيطر، وأنا بحب حريتي وشغلي.. أنا خايفة أحبه وأضيع نفسي."
درة مسكت إيدها وقالت بخبرة: "يا بتي.. رجالة الجبالية وعرين، طبعهم جاسي وبيحبوا التملك. بس لما بيعشجوا.. بيعشجوا بجلوب من دهب. ولدي رحيم مش عايز يمتلكك عشان يطمس هويتك، ديه عايز يمتلكك عشان يحميكي من أي نسمة هوا تجرحك. العشج يا بتي إننا نخلج عالم جديد يساعنا إحنا الاتنين. ورحيم مستعد يهد الدنيا ويبنيها من تاني عشان راحتك."
كلام درة سحر رحمة، وطمنها إن الصقر ده مش سجن، ده أمان.
بالليل، رحمة واقفة في البلكونة بروب أبيض، سارحة في القمر ومشاعرها ملخبطة.
"الجمر مابيطلعش في السما طول ما إنتي واجفة إهنه."
اتخضت ولقت رحيم في البلكونة اللي جنبها، قميصه مفتوح وعينيه بتاكلها بشغف.
"إنت.. صاحي لحد دلوقتي ليه؟" سألته بتوتر.
رحيم نط بخفة السور القصير وبقى معاها في بلكونتها، وحاصرها بينه وبين السور.
"صاحي عشان النوم مجافيني من ساعة ما عينيكي خبطت في عيني. أبوكي وافج يا رحمة.. بكرة الصبح المأذون هيكتب كتابنا، وهتبجي حرم رحيم الجبالي شرعاً وجانوناً."
اتسعت عينيها: "بالسرعة دي؟! بس أنا لسة مكملتش دراستي ولسة متعرفناش!"
مرر إيده بنعومة على خدها وهمس بحنية:
"دراستك هتكمليها وإنتي في حضني، هبنيلك مستشفى بيطري كاملة إهنه في الصعيد باسمك. ونتعرف على بعض واحنا بنبني حياتنا سوا. أنا مصدجت لجيتك، عايزاني أضيعك من يدي؟"
"رحيم.. أنا خايفة من سيطرتك، خايفة تلغي وجودي." همست بدموع.
رحيم: "أنا عمري ما ألغي وجودك.. إنتي وجودي يا رحمة. سيطرتي دي عشان أحميكي مش عشان أأذيكي. جُسماً بالله العظيم، عمري ما أكسر بخاطرك ولا أنزل دمعة من عينيكي. إنتي الحورية اللي روضت الصقر، والصقر ديه هيفرد جناحاته يضلل عليكي."
رحمة بصت في عينيه، لقت صدق ورجولة استسلمت ليهم.
"بكرة الليلة دي هتكمل واحنا في الحلال.. جهزي حالك يا عروسة الجبالي."
تاني يوم الصبح، السرايا مقلوبة زينة وذبايح وضرب نار. عزيز بيستقبل الكبارات مع اللواء، ودرة بتجهز رحمة اللي طالعة زي الأميرة بفستانها الأبيض.
في المكتب، رحيم لابس الجلابية والعباية الصعيدي، ودخل عليه عزيز وحضنه وبارك له. طلعوا للمندرة، والمأذون فتح الدفتر، ورحيم حط إيده في إيد اللواء محمود.
"زوجتك موكلتي وابنتي..."
لسة اللواء بيكمل الكلمة، سارينات شرطة مزعجة شقت الصعيد! قوة أمنية بمدرعات وعشرات العربيات اقتحمت السرايا، ونزل منها قوات خاصة ملثمين! عزيز ورحيم انتفضوا، والستات صرخت فوق.
دخل عقيد شرطة بملامح حازمة جداً.
"في إيه يا حضرة الظابط؟! إزاي تجتحم سراية الجبالية بالشكل ديه من غير إذن؟!" زأر عزيز بغضب.
العقيد طلع ورقة بصرامة: "إحنا بننفذ القانون يا عمدة. معايا أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة لرحيم عزيز الجبالي."
رحيم بصدمة: "ضبط وإحضار ليا؟! بتهمة إيه؟!"
العقيد ببرود: "بتهمة الشروع في قتل المجني عليه 'طارق الشاذلي'، وتدبير محاولة اغتياله، وتكوين تشكيل عصابي للبلطجة! مطلوب القبض عليك فوراً يا رحيم بيه!"
رحمة شهقت على السلم وكانت هتقع. طارق لفق لرحيم مصيبة يوم فرحه!
"كداااب! دي تهمة متلفجة!" صرخ رحيم وحاول يندفع بس عزيز مسكه بقوة.
العقيد أمر العساكر، والكلبشات بردت في إيدين صقر الصعيد قدام عروسته وكبارات البلد.
رحيم بص لرحمة اللي منهارة من العياط وصرخ:
"ماتبكيش يا رحمة! جُسماً بالله العظيم لهرجعلك، ولفجة الكلب ديه هطلعهاله من بين ضلوعه! إنتي مرتي جُدام ربنا، ومفيش جوة على الأرض هتبعدني عنيكي!"
العساكر سحبوا رحيم، والفرح اتقلب مأتم في ثواني..
