رواية آصرة العزايزة الجزء الثانى الفصل السابع عشر
"عندمـا يصبح الحب سلاحًا "
عندما يصبح الحب سلاحًا، تصبح المعركة مختلفة تمامًا ؛ لا نحارب بعضنا، بل نحارب العالم حين يقف بيننا.. نُحارب به الخوف، الشك ، المسافات ، وكل يد تمتد وتحاول أن تُفسد ما بنيناه معًا .
فبعض المعارك لا تُخاض لأننا نكره ، بل لأننا نحب بما يكفي لنرفض أن نخسر قلوبنا أمام قسوة الحياة .. كي يأتي اليوم الذي يصبح فيه الحب أقوى سلاحاً نملكه في وجه الناس و العالم… قويًا لأنه يعرف تمامًا ما يستحق أن ندافع عنه ولأجله …..
••••••••••••
كانت رغد جالسة بجوار هاشم في غرفة الانتظار وعيناها معلقتان بالأرض منذ أن دخلا العيادة ومن كل حين وآخر تسرق منه نظرة متوارية .. أما عنه ؛ فكان يجلس بجوارها في صمتٍ لم تعهده منه، يطرق بأصابعه على طرف المقعد كل بضع ثوانٍ، ثم يتوقف وكأنه يحاول إخفاء توتره .. شحنة رهيبة من المشاعر المختلفة هاجمته وهو يراقب السيدات برفقة أزواجهن وبطونهن المنتفخـة والابتسامات التي لم تفارقهن .. وما تلك المشاعر الغامضة التي اجتاحته فجأة وما هذا العالم الدافى للغاية!!
لاحظ وجه زوجته الشاحب ، والذابل الذي أصبح مقبرة للهموم والأحزان؛ رفعت رغد عينيها إليه للحظة، ثم قالت ببرود متعمد:
-متوتر ليه؟! مش متعودة منك على كده !! ولا دي خطة جديدة ؟!
نظر لها وكأنه فوجئ بالسؤال فـ ابتسم ابتسامة باهتة ينفى بها مخاوفها :
-مش متوتر.. ليه يعني ؟!
-إيدك بتتحرك من ساعة ما قعدنا.. ورجليك كمان !!
نظر إلى يده فأوقفها فورًا وقال:
-يمكن متعود اتحرك كتير وأنا بفكر.
ابتسمت بسخرية خفيفة:
-وإنت بتفكر في إيه؟أنت أصلا بتعرف تفكر زينا !!
تنهد بمرارة الندم ثم قالها صراحة :
-بفكر في اللي جوه بطنك!!!!!!
وقعت الجملة على قلبها كنيزك ملتهب وقبل أن تفتح فاهها ببنت شفـة ، ابتلعت الباقي من انفعالات إثر خروج الممرضة ونادت عليها :
-مدام رغد؟
رفعت رأسها ثم نهضت من مكانها.. تحرك هاشم معها فقالت دون أن تنظر إليه:
-إنت هتدخل؟؟
فكر قليلًا وقال بتردد:
-أنا عايز ادخل بس لو مش عايزاني ادخل هستنى برة وو
نظرت إليه للحظة، ثم أشاحت بوجهها:
-تمام ..
دخل الاثنان غرفة الطبيبة ، :
-أهلاً يا رغد، طمنيني.. آخر متابعة كانت إمتى؟
أجابت رغد على أسئلتها، بينما جلس هاشم إلى جوارها صامتًا، يصغي لكل كلمة وكأنها تخصه وحده.. سألتها الطبيبة:
-في أي أعراض مقلقاكي؟ ألم؟ نزيف؟ دوخة شديدة؟
-لا… بس كنت متوترة شوية الفترة اللي فاتت .
-ليه ؟! جوزك مزعلك ولا ايه !!
التفتت الطبيبة إلى هاشم بابتسامة لطيفة:
-واضح أول مرة تيجي معاها متابعة عند دكتور ؟!
هز رأسه:
-أيوه.
تبسمت الطبيبة:
-لا ماهو واضح..
نظر لها هاشم باستغراب:
-واضح إزاي يعني ؟!
تبسمت رغد رغماً عنها، فالتفت إليها هاشم بنظرة جانبية ، فأتبعت بضيق مبررة لها:
-دي حقيقة ، أصل باباه بيشتغل ظابط في الجيش ووقته مش ملكه ..
انكمشت ملامحمها مرة آخرى بحزن دفين :
-بس هو بيحاول يعوضنا لما وقته يسمح …
كانت الطبيبة تستقبلها بابتسامة هادئة، سألتها عن حالتها، ثم بدأت تراجع الفحوصات السابقة، أما هاشم فجلس صامتًا.. كل كلمة عن الحمل كانت تصل إليه كأنها تُعرفه للمرة الأولى بحياة كانت تجري بعيدًا عنه تمامًا .. أومأت الطبيبة بالإيجاب و قالت :
-طيب نشوف البيبي ونطمن عليه.
توقفت أنفاسه دون إرادة منه.. استلقت رغد سرير الفحص ، وحاولت أن تبدو متماسكة، لكن أصابعها تشبثت بطرف ملابسها فلاحظ هاشم ذلك ، اقترب منها قليلًا ثم توقف قبل أن يلمسها… لم يعد يعرف حتى إن كان من حقه أن يمد يده إليها وهذا وحده آلمه كان يومًا يعرف كل شيء عنها… يعرف متى تخاف، ومتى تكذب، ومتى تحتاج أن تمسك يده دون أن تطلب…والآن صار يخشى أن يلمسها وبرغبة عارمة منه سد بأصبعه فراغ يديها المرتعشـة فتلاقت أعينهم للحظة ، تحركت الطبيبة أمام الشاشة، ثم قالت:
-أهو.. بصوا هنا.
اقترب هاشم من الشاشة فلم يفهم في البداية ما الذي ينظر إليه.. مجرد صورة رمادية خطوط وأشكال لا يعرف كيف يقرأها.. لكن حين قالت الطبيبة:
-ده هنا كده البيبي.
شعر بشيء غريب يحتل صدره ، فدمدم :
-البيبي؟!
ها هنا جزء منه ظل موجودًا طوال الفترة التي كان هو غائبًا عنها.. حدق في الشاشة طويلًا وكأن عينيه تحاولان تعويض سنوات كاملة في لحظات.. ثم قالت الطبيبة :
-هنسمع النبض مع بعض دلوقتي .
وضعت الجهاز على بطنها وفجأة..امتلأت الغرفة بصوت صغير، سريع، منتظم.. دقات قلب تتسارع مع دقات قلبه لم يسمع هاشم شيئًا سواها اختفت من مرمى رؤيته الطبيبة والممرضة شعر بغصة تصعد إلى حلقه.. ذلك القلب الصغير لم يكن يعرف أنه أبعد أبوه عنه.
لم يكن يعرف أنه جاء إلى الدنيا في منتصف خصام كبير و مصائب عديدة .. لم يكن يعرف أن أباه ترك أمه وحدها تحمل الخوف، والانتظار، والخذلان.. ومع ذلك.. كان ينبض بالحب القديم والأمل المتبقى منهما .. كأنه لا يعاتبه، بل وكأن الحياة منحته فرصة لم يطلبها.. خرج صوته مبحوحًا:
-ده.. ديه قلبه؟
قالت الطبيبة بابتسامة:
-أيوه.
ابتلع ريقه بصعوبة ثم ضحك ضحكة قصيرة مرتبكة، قبل أن يمرر يده على وجهه وكأنه يخجل من انكساره أمامها.. همست رغد بحنية متناسية كل شيء للحظة استثنائية من الزمن :
-هاشم..!!
التفت إليها وكانت تراقبه وفي عينيها دموع لم تسمح لها بالسقوط.. التقت أعينهم المحملة بمواويل لم تُقال بعد ، وفي تلك اللحظة لم تستطع رغد أن تراه الرجل الذي أوجعها فقط؛ بل رأت الرجل الذي كان يومًا وطنها ثم أضاع الطريق إليها.. ورأت في عينيه الآن شيئًا أخافها أكثر من غضبه"الندم" القادر وحده على غفران كل ما مضى .. سألها بصوت منخفض:
-سمعتيه قبل كده؟ ولا دي أول مرة ؟!
هزت رأسها:
-أيوه.. سمعته.
-لوحدك؟
كان صمتها لوحده إجابة كافية ؛ أغمض عينيه لحظة كان يتمنى لو يستطيع الرجوع إلى كل مرة سمعت فيها هذا النبض وحدها، لكل مرة شعرت بالخوف ولم يكن بجوارها.. لكل ليلة وضعت يدها على بطنها وسألت نفسها ماذا ستفعل.. كل لحظة كان يجب أن يكون فيها أبًا، وكان هو غائبًا … فتح عينيه وقال:
-فاتني كتير قوي ..!!
جاء صوتها أنينها هادئًا لكنه يحمل مرارة السنوات فلم تدافع عنه ولم تقل له «لسه قدامك وقت» ، ولم تمنحه العزاء الذي كان يتوق إليه.. فقط قالت بأعينها الحقيقة .. خفض رأسه لأول مرة لم يحاول تبرير نفسه.. فقال:
-عارف.. من حقك تقوليها قدامي ، ومن حقك متبصيش في وشي تاني .. وليكي كل الحق في كل حاجة تعمليها معاي بس ….
نظرت لهم الطبيبة باستغراب وتدخلت لتلطف الأجواء بينهما قبل أن تعود لمكتبها :
-كل حاجة وليها حل ، المهم أنكم سوا دي بالدنيا كلها .
سألها هاشم ملهوفًا :
-طيب وهي يا دكتورة عاملة أيه ؟! حالتها مستقرة ؟!
انخفض صوتها وباتت تشكوه باكية :
-كنت خايفة من كل حاجة يا هاشم.. من بكرة، من الولادة، من إني أربيه لوحدي.. كنت بصحى من النوم وأحط إيدي على بطني عشان أتأكد إنه لسه موجود.. وأقول لنفسي لو حصل لي حاجة، مين هيبقى له .. طيب لما يسألني فين بابي هقوله ايه ؟!
ارتجف فك هاشم متأثرًا برجعها .. ققال:
-أنا عمري ما هسيبك يا رغد ..
ضحكت وهي تهز رأسها وتحاول تغطى بطنها المكشوفة :
-بس حصل وسبتني ..
ثم أنها لم تستطع أن تمنع دمعة من الهروب هذه المرة فمسحتها سريعًا:
-أنا مش بقولك كده عشان ترجع لي .. زي ما أنت كمان متطلبش مني انسى لمجرد إنك جيت دلوقتي.
مال إليها فارتجف صوتها وهي تتشبث بيده كأنها اليد الوحيدة الممدودة للنجاة :
-انا مش عايزة ابني يدفع تمن أخطائنا بس ..
رفع عينيه إليها فورًا:
-مش هيدفع.
-متوعدنيش.. مش عايزة اسمع وعود تانية منك .
-مش بوعدك أنتي .. بوعده هو.
ثم أتبع :
-أنا مش عارف أصلح كل اللي كسرته يا رغد.. بس عارف حاجة واحدة.
نظرت إليه بحرن وخيم :
-المرة دي مش ههرب.. خلاص لازم أواجه عشاننا.. اللي حسيته دلوقتي يستاهل احارب العالم كله عشان يشوف النور .
أنهت الطبيبة كتابة الفيتامينات والأدوية ثم ابتسمت لهما:
-الحمد لله، كل شيء مطمئن.. هنمشي على الحاجات دي عشان صحتك وصحة البيبي ..
تنفست رغد براحة وأخذت منها الورقة أما هاشم فظل ينظر إلى الشاشة غائبًا عن عالمهم .. ثم قال للطبيبة:
-ممكن الصورة؟صورة ابني ..
نظرت إليه وكان قلبها يريد أن يصدقه.. لكن عقلها كان يذكرها بكل مرة صدقته فيها من قبل.. لذلك لم تقل شيئًا ؛ فبعض الجروح لا تشفى لأننا نسمع اعتذارًا جميلًا.. بل لأنها ترى مع الوقت أن صاحبها أصبح رجلًا مختلفًا عن الذي تسبب فيها من قبل ..
حين خرجا من العيادة، مشى هاشم إلى جوارها دون أن يحاول لمسها.. وعندما تعثرت قدمها قليلًا تحركت يده تلقائيًا نحوها وضمها لصدره .. ولأول تحس بصدقه أنه بدأ يتعلم شيئًا لم يكن يعرفه من قبل.. فالحب الحقيقي ليس أن تجد من لا يؤذيك، بل أن تجد من يُدرك حجم ألمه حين يؤذيك… ويختار، كل يوم ألا يكون سببًا في وجعك من جديد.
وربما كانت تلك الليلة هي أول خطوة لها نحو الغفران، وأول خطوة له نحو استحقاقه من جديد لتعيم الحياة التي تنظره بعد القليل من الاشخر ، فبعض القلوب لا تعود كما كانت… لكنها قد تعود أكثر نضجًا، وأكثر خوفًا من الفقد، وأكثر تمسكًا بمن اختارته رغم كل شيء.
~فاقت رغد من شرودها في السيارة بعد ان تذكرت تفاصيل اليوم معه ، ذاك اليوم الذي أحيا بقلبها ذكريات عديدة ظنت أنها دفنت منذ غيابه ، ألتفت إليه وهو يعود حاملًا الكثير من الطعام ولم تخلٌ أعينه من رعشة كونه سيكون أب يومًا ما ، رعشة المسؤولية والأعباء التي تنتظره كي يمهد لصغيره حياة خالية من المتاعب .. صعد بجوارها ومد لها العشاء وقال آمراً :
-تاكلي كل ديه ، أنا كنت في نص هدومي والدكتورة بتقولي أنت مش بتوكلها ولا ايه ..
تبادلت الأعين وشرعا الثنائي بتناول الطعام بصمت مريب ، ولكن وفي قلب كلٍ منهما سؤال واحد لم يجرؤ أي منهما على نطقه؛ هل سيُكتب لحبٍ أنهكته الخسارة… أن يتعلم أخيرًا كيف ينجو؟!
•••••••••••
-هتفضّلي شاردة إكده لِحد إمتى؟
قالت " أحلام " جملتها الأخيرة وهي تتأمل ملامح الملاك الشارد الذي يأنس وحدتها ، تحركت عيني " ليلة" نحوها وهي تحاول أن تتغلب على كلمات " زينة" السامـة التي بختها برأسها وتشتت تفكيرها عنها ، تنهدت بمرارة :
-انتي سهرانة بسببي مش كده !! سوري بجد يا أحلام بس ….
وضعت " أحلام" سبابتها على شفتي ليلة الناعمتين بحنو وقاطعتها :
-بس يا عبيطة ، دانا متونسة بوجودك وياي .. وبعدين متغيريش الحديت وقوليلي شاردة في مين!!
التوى ثغرها بيأس :
-وهو في غيره !!
-هارون ؟!
أيدها بصوت خفيض مشحون بالشوق:
-هارون يا أحلام !!
ثم أخذت ليلة نفسًا طويلًا كأنها تبحث عن ترتيبٍ لأفكارها المتناثرة، وأتبعت :
-هو أيه المشوار المهم ده اللي بيكون برة قنا ؟! وبرة قنا ده كده بعيد يعني !! يعني قصدي ممكن يرجع أمتـا !! فات اكتر من ساعتين وهو غايب ؟
تبسمت العجوز ذات الوجه المنكمش مشفقة على حالة الحب التي تسكن وجه الفتاة:
-وه ! كل الزحمة والكركبة اللي چواكي دي من تحت راس هارون !!
بللت شفتيها الجافـتين وأعلنتها صريحة بعدما عجزت عن كتمان ما يضطرب في داخلها :
-بيوحشني حتى وهو قدام عينيا كده يا أحلام !! أنا كده بقيت مجنونة يعني ولا ايه !!
ثم تململت من جلسها وأتبعت بتشتت :
-بصي حاسة عقلي ده مش في مكانه ، لا عارف يفكر ولا يقرر ولا يتصرف ..
ثم أغرورقت عينيها بدمعـة حائرة وخرجت كلماتها مثقلة بالخوف و :
-ولا حتي يستوعب أن وجودي هنا هيعمل مشاكل كتير أوي ولازم أمشي؟! أبعد ؟! اختفي من حياته عشانه هو ….
كانت تظن أن أصعب ما في الأمر أن تشتاق إليه، حتى أدركت أن الأصعب هو ألا تعرف ماذا تفعل بهذا الشوق الساقط في بئر النيران .. مسحت أحلام على رأسها وهي ترمقها بشفقة:
-تمشي تروحي فين بس!! وديه عقل !! شوفي يا حبيبتي أنت مشيلة روحك شيلة مش بتاعتك ، وناسية حاچة مهمة قوي ..
تعلقت عينيها كالغريق الذي يبحث عن قشة النجاة وأصدرت إيماءة خافتة ؛ فأكملت أحلام بثقة عارمة :
-إنك في حمى راچل وضله .. وديه مش أي راچل، ده هارون العزايزي، يعني اللي في مكانك تحط بطيخة صيفي وتدلدل رچليها وتطمن..لا تعتل هم ولا تشيل حِمل بكرة.
ثم تلقت دمعة عينيها الحارة بإبهامها، ومسحت أثرها بحنو، قبل أن تتابع بنبرةٍ حاسمة:
-وهارون لو يوم ما وقفش في وش الدنيا كلها عشانك، يبقى من الأول ميستاهلش ليلة واحدة في حضنك يا هبلة.. إياكي تبقي حمالة آسية زي عمتك..
مر شريط سريع من تهديدات زينة أمام عينيها فاغتالتها بجملة واحدة وهي تعلنها لنفسها أولًا :
-وأنا اخترت هارون يا أحلام ومش هخاف من أي حاجة مهما حصل … وو
ثم ابتلعت ما تبقى من كلماتها، وغيرت مجرى الحديث، وكأنها تخشى أن تترك نفسها أسيرةً لأفكارها أكثر من ذلك، وجاءت بطلبٍ مُلحّ عليها وهي تقول فجأة:
-أنا ممكن أنام على رجلك وتلعبي في شعري.. معرفش، حسيت إني عايزة أعيش الشعور ده معاكي..
اتسعت ابتسامة احلام وهي تنظر إليها لحظات، ثم أفسحت لها مكانًا بجوارها، وربتت على فخذها بحنو:
-تعالي يا حبة عيني.. هو أنا عندي أغلى منك؟
لم تنتظر ليلة أكثر، تمددت برأسها فوق ساقيها، وأسندت خدها إلى ثوبها، كأنها وجدت أخيرًا مكانًا تستطيع فيه أن تترك كل ما أثقل قلبها.. بدأت أحلام تمرر أصابعها بين خصلات شعرها ببطء، مرة على جبينها ومرة خلف أذنها، حتى ارتخت ملامح ليلة شيئًا فشيئًا.. أغمضت عينيها، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم تمتمت بصوتٍ خافت:
-تعرفي أن مامي عمرها ما عملت معايا كده وو
أشفقت على حالتها وقالت :
-وانا روحت فين ؟! حضني مفتوح لك طول الوقت ، بس اللي ما يلاقيش حضن هارون وينسى حضن أحلام !!
ضمت ليلة الوسادة إلى صدرها، مستسلمةً للحظة تخيلت فيها نفسها بين ذراعيه، قبل أن تعود إلى واقعها سريعًا وقالت بخجل :
-أنتوا الاتنين حضنكم حنين أوي .. معاكي بحس بحنان مامي اللي عشت عمري كله أدور عليه ..
ثم اتسعت ابتسامتها وتنهدت بهيام يغلفه الخجل :
-وهارون .. ممم آكيد أنتِ عارفة وفاهمة يا أحلام !!
ابتسمت أحلام، وظلت يدها تعبث بخصلات شعرها في هدوء، ثم قالت وهي تنظر إلى وجهها المبتسم:
-يا حبيبتي و هو أنا مش شايفة عينيكي وهي بتلمع كل ما تجيبي سيرته!! ربنا يعوض صبركم لقا وحب وعيال تملى عليّ الدار ..
تمتمت بترجٍ :
-يارب ..
ثم عادت لنبرتها المهمومة :
-إنتِ عارفة؟! الواحد ساعات مش بيبقى عايز حلول.. عايز بس حد يطمنه إن الدنيا هتعدي.
نظرت إليها أحلام بحنان، واستمرت يدها في مداعبة شعرها:
-والدنيا هتعدي يا بتي بس متستعجليش عليها.. الفرحة في أوانها حلوة يا ليلة .
فتحت ليلة عينيها قليلًا، وكأن الجملة لامست شيئًا عميقًا بداخلها:
-أمتى بس أوانها ده !!
ابتسمت العجوز ومسحت على رأسها:
-لما يوم ما تبطلي تحاربي كل حاجة لوحدِك وتأمني أن في ضهرك راچل يسد عين الشمس بقوته وذكاوته .
ربما لم تكن ليلة تائهة كما ظنت.. كانت فقط تقف بين خوف يُحذرها من القادم، وقلب يصر على التمسك بمن تُحب .. وبينهما، كانت تحتاج فقط أن يهدأ كل شيء قليلًا؛ حتى تسمع صوت قلبها بوضوح، وتعرف أن بعض الطرق لا تُختار بالعقل وحده… بل تُكملها الطمأنينة والكثير من الحُب ..
-" كِده بردك يا ليلة تخلعي قلوبنا عليكي الليلة اللي فاتت "
اقتحمت رقية صفواهم فجأة بعد ما أحست بالملل وذهبت لتطمئن علي ليلة بغرفتها فلم تجدها ، فأيقنت أنها بغرفة أحلام .. اعتدلت تلك النائمة وهي تمسح على شعرها وتزيح خصلاته للورا وتقول معتذرة :
-بجد سوري يا رقيـة .. بس غصب عني يعني وو
جلست رقية على طرف السرير وهي تقول :
-احكي لي حصل ايه معاكي فزعك إكده !! والله شكلك محسودة هابقى اخلي هلال يرقيكي ..
هزت ليلة رأسها بالنفي وقالت :
-لا يا رقية ، ده مش كابوس ، ده حد كان بيحاول يخلص مني..
تنهدت أحلام بكلل :
-ياضنايا شيلي الفكرة دي من راسك .. مين بس هيعملها !!
أنكرت ليلة معرفتها بهوية الجاني وقررت أن تواجه حربها بنفسها وقالت :
-حتى أنتِ مش مصدقاني بردو يا أحلام!!
فتدخلت رقية مستفسرة وشكوكها تتجه حول زينة :
-يعني انتي متأكدة ، طيب كان راجل ولا ست؟! ولا ليكون جاثوم !!
هزت ليلة كتفيها بجهل مصطنع :
-بكرة الأيام هتكشفه يا رقية …
تدخلت أحلام لتغير مجرى الحديث وهي تقرصها بكتفها:
-وانتِ مهملة چوزك وچاية تتسايري حدانا الساعة دي ليه ؟!
تأوهت رقية قليلًا :
-والله هو اللي مهملني وقالي رايح مشوار ونامي !!
ضربت أحلام كف على الآخر وتمتمت :
-مشاويركم كترت يا ولاد خليفة …
ثم صاحت :
-لحقتي تطفشيه يا غلبي منك !!
-والله ما حصل يا أحلام.. هو الراچل اشتكالك مني ولا إيه؟
ثم قفزت من فوق السرير وكأن في رأسها فكرة ما أرادت أن تخفيها :
-طب هروح أعملكم كوبايتين لمون وچاية ..
لم تمنحهم الفرصة للقبول أو الاعتراض ، بل اختفت من أمامهم كفص ملح بالماء ، نظرت ليلة لأحلام وقالت بإعجاب :
-عسل رقيـة ، بحبها أوي ..
أيدتها أحلام :
-قلبها أبيض وضميرها صافي واللي في قلبها على لسانها ، ديه رزق هلال ولدي ، زي ما أنتِ إكده رزق هارون..
وصلت رقية إلى غرفة ليلة كاللصوص، تتلفت خلفها وأمامها خشية أن يلمحها أحد وهي تتسلل إلى الداخل ، أغلقت الباب بهدوء، ثم أشعلت الإنارة وراحت تجوب أرجاء الغرفة، تفتش كل إنشٍ فيها .. لم تكن تعرف تحديدًا عما تبحث، لكن شيئًا غامضًا في قلبها كان يخبرها بأنها ستعثر على ما يُدين تلك الحيّة.
وحين لم تجد شيئًا، اتجهت إلى باب الشرفة وفتحته بحذر.. مدت بصرها إلى الخارج، وأخذت تتفحص الشرفة وما يحيط بها من كل زاوية، حتى لفت انتباهها شيء يلمع بجوار قدمها .. كان الحلق ملقى على الأرض، يضوي تحت ضوء القمر.
انحنت والتقطته بين أصابعها، وما إن وقع بصرها عليه حتى تذكرت مشكلتها الأخيرة مع زينة، وتذكرت أيضًا أن هذا القيراط تحديدًا كان معلقًا بأذنها من قبل…ضمّت الحلق إلى كفها، واتسعت عيناها بلمعة انتصار، ثم سبّتها علنًا وهي تتمتم بغيظ:
-آه يا بت الـ***.. طب والله لاشتغلك في الأزرق يا زينة…يا أنا يا أنتِ ….
••••••••••
دقت عقارب الساعة تمام الواحدة بعد منتصف الليل، بينما عجزت عقارب تفكير نغم عن التوقف عند ما قاله فارس ، سيطر حديثه على رأسها تارة يوقظ عنادها، وأخرى يستفز نفورها منه، وبينهما ومضةٌ نادرة من اللهفة، تلك التي كانت تتسلّل خفيةً إلى شجارهما فتربكها أكثر مما تُغضبها.
خليط عاصف ومريب من المشاعر المتناقضة كان يتنازع عقلها ويتجول بين ثنايا جسدها حائرًا للخد الذي سلبها النوم الذي عجزت الأقراص عن إبقائها غارقة فيه… ظلت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا كأنها تهرب من شيءٍ لا سبيل للفرار منه؛ تراه عالقًا على الجدران، ماثلًا في السقف، يتراءى لها من وراء النوافذ، ويتسلّل إليها حتى من خلف الأبواب الموصدة.
حاولت أن تطمس صدى صوته عن أذنيها، وأن تنتزع كلماته من رأسها، فلم تفلح..بات الأمر لعنة فرعونية ملاصقة بها ، كل هذا كان أثر وقع طيف رجل يحتلها دون أن يدري، قد استأثر بحيز أكبر مما ينبغي من تفكيرها..بات يحاصرها من كل صوب وحدب .. فما الذي قد تؤول إليه تلك الحرب، يا ترى؟!
سندت رأسها إلى النافذة المفتوحة، فتسرب إليها دخان سيجارته المحترقة بل ومعه نيران حبها العاصف بقلبه والذي لم يختلف كثيرًا عن احتراق ما يضطرم في صدرها .. مدت عينيها لتراه واقفًا بظهره، سابحًا في غيمةٍ من الدخان المنعقد حوله، فتأملت امتداد منكبيه واتساعهما، وما يشي به جسده من قوةٍ صامتة.
عبّأت قلبها بجمر الغضب، وشدت وشاحها على عجل، ثم ألقته فوق رأسها، وبكامل جنونها العاطفي اتجهت إليه؛ تحديدًا نحو غرفته، تلك التي لم تجرؤ يومًا على المرور من أمامها.
تغافل العقل عن كل ذلك، وتنحي جانبًا، تاركًا زمامها لقلبٍ أذعن لهواه دون أدنى مقاومة.. وقفت أمام الباب فترددت للحظـة ولكنها لم تتراجع خطوة بل أقبلت على فتح الباب ودخلت حصنـه .. غرفتـه الكئيبة والتي رغم اتساعها إلا أنها شعرت بالاختناق بداخلها ..
توقفت على شفا ضلفة الخزانة المفتوحة لتجد صورتهما معاً ، قبل عشرات السنيـن ، ولد في الخامسة عشر من عمره وفتاة بجواره لم تتجاوز الثلاثة أعوام وأمامهمـا كرة صغيرة ، مررت أناملها على تفاصيل الصورة وسمعت صوت دقة معينة بقلبها وصدح صوت تلك الطفلة التي كانت عليها وهي لم تبلغ العاشرة من عمرها :
-"انا هتچوز هارون ولد خالي ، لكن فارس ديه أنا مش رايداه " …
فزعت من شرودها على صوت حمحمته فشهقت مفزوعـة وهي تسند قلبها بكفها وتغمض عينيها كأنها تتأهب للقائه ..
انعقد حاجبيه الكثيفتين ببعضهما ، فلم يتوقع أبدا بأنها ستزور غرفته يومًا ولا حتى بأحلامه ، دمدم :
-نغم !!! أنتِ زينة ؟!
للحظة نسيت سبب مجيئها هنا وظلت محتفظة بقفل عينيها كي تهرب من حقيقة وجودها هنا ، دنى منها وكرر :
-اكلم لك حكيم ؟!
-أنتَ عاوز مني أيه يا فارس ؟!
كان سؤالها مشحونًا بالغضب ، فاستقبله بهدوء :
-أنتِ اللي چاية لعنـدي ؛ يبقى فـ چوفك حديت وحديت واعر كمان ..
بللت حلقها وقالت بتوتر ملحوظ:
-اااه چاية أقولك متخسرش بتك وتقف قصادها عشان واحدة مش رايداك ولا في يوم هتكون من نصيبك .. وبلاش تخسر بتك المرة دي ..
دنى منها خطوة ،وقال :
-بس بتي لما تشوف أبوها مرتاح ومتهنى هتزعل مني ليه ، وبعدين دي صغيرة لساتها مش فاهمة حاچة ..
ألتوى ثغرها ساخرة :
-وأنت عندك أمل أني في يوم هقبل بيك !!
قال والحب يتناثر من عينيه :
-مفيش حاچة بعيدة عن ربك !! يعني لو حد چيـه وقالي في يوم أنك هتبقى موچودة هنه في اوضتي الساعة دي كنت هقول عليه مدبوب ..
-أنت عتقول أيه !!! و
تلاقت أعينهما، فاستحالت المسافة القصيرة بينهما إلى عالمٍ ضيق لم يتّسع إلا لاضطراب قلبين مغرمين ، تعثرت أنفاسهما في صمتٍ أثقل من أي الكلام… ظلت تطالعه وهي عاجزةً عن أن تجد في عينيه مخرجًا من تلك الورطة التي أوقعتها فيها قدماها وجنونها ، بينما كان فارس يتأملها وكأنه يرى أمامه للمرة الأولى تلك الفتاة الصغيرة التي طالما عرفها ولم ينتبه إلا الآن إلى كم تغيرت وأصبحت إمراة فاتنة وكم ظلّ شيءٌ منها عالقًا في قلبه رغم السنين الطويلة!!
قال بصوتٍ خفيض والكلمات تحترق من فوق شفتيه الجافة وهو يضمها إليه :
-ليه كل ما أقرب منكِ، تبعدي؟ وكل ما أقولك اللي فـ قلبي، تعاقبيني عليه..ليـه مصممة حبك يفضل خنچر مغروس في صدري !!
ارتعشت أهدابها، وأرادت أن تجيبه، لكن الكلمات خانتها .. حاولت أن تهرب بعينيها عنه ، فهزها بين يديه وهو يلتقط أنفاسه بثقل :
-بصي لي يا نغم… هااه أنا قصادك أهو ، ردي!!
رفعت عينيها إليه على استحياء، فوجدته يحدق بها بنظرةٍ أطفأت ما تبقي من غضبها وأشعلت في صدرها شيئًا أخطر منه..فأتبع :
-أنا من يوم ما وعيت على الدنيا، وإنتِ ليكي مكان عالي قوي فـ قلبي… ومهما حاولتِ تهربي منِه فـهو لساته مستنيكي.
شهقت أنفاسها، وانخفضت عيناها، وكأنها تخشى أن يقرأ فيهما ما تحاول جاهدة على إنكاره .. فلم تنس بعد ما فعله لأجلها بحوض السباحة ورغم أنها كانت فاقدة للوعي لكن بصيرة القلب شهدت واحتفظت بكل شيء ، مد يده ببطء إلى وجنتها القطنية ثم توقف قبل أن يمسّها وكأنه يستأذنها بصمته.. فكانت ثابتة كالصخرة أمامه وفي تلك اللحظة، غلبه قلبه وهواه وشيطانه ..
مال لمستواها والتقت شفتاه بشفتيها في قبلةٍ خاطفة ، حنونة لكنها كانت محمّلة بكل ما أخفاه طويلًا؛ بسنواتٍ من الانتظار، وبكلماتٍ لم تُقَل بعد وبلهفةٍ ظلت تتوارى خلف العناد والكبرياء.
لم تكن قبلةً طويلة، لكنها كانت كافيةً لتبعثر كل ما رتبته نغم في رأسها قبل أن تأتي.. وحين ابتعد عنها لانه خشي عليها منه ومن سلطان هواه بقيت للحظة ساكنة، تحدق فيه وكأنها لا تعرف أتهرب منه أم من نفسها..تحاول أدراك ما حدث للتو ؛ كان مذاقها حلوًا كالعنب، لكنها تركت في روحها مرارة الخمر… لذة قصيرة يعقبها ذنب ثقيل.
وفجأة دوي صوت عقلها الذي حضر صفعة قوية من كفها على وجهه.. تجمد فارس مكانه..وضعت يدها على صدرها تتلاحق أنفاسها بسرعة بينما كان الغضب والارتباك والحياء يتنازعون بساحة ملامحها.. فقالت بصوتٍ مرتجف:
-إنتَ اتچننت !!
ولم تكن الصفعة موجهة إلى وجه فارس بقدر ما كانت محاولةً يائسة من نغم لصفع قلبها هي؛ ذلك القلب الذي خان عنادها للحظات، وسمح له أن يقترب من موضعٍ طالما أقسمت ألا يطأه أحد.. فبعض القُبل لا تنتهي حين تبتعد الشفاه…
بل تبدأ بعدها حرب أخرى، أطول وأشد وأعمق بين قلبٍ ذاق ما اشتهى، وعقلٍ جاء متأخرًا ليذكره بأن بعض الأمنيات مهما كان مذاقها عذبًا، قد تُورث صاحبها مرارةً لا تُحتمل.
•••••••••••••
عودة لقصر العزايزة..
خرجت رقية من غرفة ليلة وهي تتعوذ من تلك العقربة علنًا:
-اعوذ بالله من دي بت !! ااه يا ناري!! هي حصلت قتل؟! تحاول تقتل في بيت الحج خليفة!! طب چالها قلب كيف!! ديه الواحد يا ربي مش بيتحمل يشوف فروچة مدبوحة..
هنا ظهر هارون أمامها من الباب، فتأكدت من لفة حجابها وركضت نحوه بلهفةٍ والقليل من الخجل:
-حمدلله على السلامة يا حضرة العمدة..
توقف هارون إثر ظهورها المفاجئ، فرمقها مستفهمًا:
-الله يسلمك يا رقية.. أومال هلال فينه؟!
فركت كفوفها ببعضهما وقالت:
-في مشوار وزمانه راچع..بس
كاد أن يتحرك ويتركها، فأوقفته بتوتر:
-أنا عاوزة أقولك حاجة، ومش هينفع المرة دي أقولها لهلال..
ثم وقفت أمامه لتمنع طريقه، وراحت تسرد ما بجعبتها بثرثرةٍ لا تعرف معها كيف تختصر كلمةً واحدة:
-هتقولي ليه يا دكتورة رقية !! هقولك عشان كل ما أقوله حاجة يقولي بلاش رمي ودان يا رقية، خليكي في حالك يا رقية ، هتبطلي تلمّعي أوكر ميتى يا رقية، خسئتي يا رقية!! بس المرة دي لازمًا نحط حد عشان هي اتسترت مرة، ومش ضامنين التانية..وأنت كبير البيت بعد عمي خليفة طبعا .. والوحيد اللي هيعرف يتصرف و
ظل هارون يرمقها بصمت بينما راحت هي تلتفت حولها كأنها تخشى أن تكون الحيطان نفسها لها آذان:
-بس قبل ما أحكي لك، توعدني إنك متقولش إني اللي قلتلك.. عشان أنا غلبانة ومليش في المشاكل وهلال لو عرف إني قولتلك هيقعدني أسبوع كامل اسمع في خطبته عن الأمانة وحفظ الأسرار ورمي الناس بالباطل ..
كتم هارون ابتسامة كادت تفلت منه متعجبًا من شخصيتها التي تختلف تمامًا عن طباع أخيه وقال وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
-طب احكي يا داكتورة وأنا نشوف الحكاية دي تستاهل كل اللف والدوران ديه ولا لأ.
اتسعت عيناها وكأنها كانت تنتظر تلك الجملة تحديدًا، فاقتربت خطوة وخفضت صوتها:
-لا منا مش عچيب أي كلام ، كل كلمة من بمعجم ودليل .
تنهد هارون، وقد أدرك أنه لن ينجو من ثرثرتها بسهولة :
-خير يا رقية .. قولي.. سامعك ..هلال مزعلك في حاجة !!
-ده حبيبي ده وهو في أحن من قلبه !
-اومال؟!
ابتلعت رقية ريقها، ثم وضعت كفيها على فمها وقالت:
-اللي حصل في أوضة ليلة إمبارح .. بص وأنا والله ما كنتش هتكلم، بس اللي شوفته بعيني خلاني أقول لأ، دي مش هتعدي كده واصل!!
تغيّرت ملامح هارون، وانسحب المرح من عينيه دفعةً واحدة:
-ليلة؟!
رفعت رقية سبابتها أمامه، وقالت بجديةٍ مبالغ فيها:
-اللي حصل عاد أنو ….
في تلك اللحظة دخل هلال برفقة هيثم من الباب ، فتراجعت رقية خطوة للوراء وهي تتوسل لهارون بألا يقول شيئًا ، تعجب هلال لوقوفهما معًا ، فسبقه هيثم ممازحًا :
-ايه جاب القلعة جمب البحر ؟!!! ولا شكل الموج عالي واللي مستنينا واعر !
زاد توتر رقية وهي تنظر لهلال بقلق وقال هارون بنفاذ صبر :
-مواعيدك زي وشك …
تدخل هلال وهو يعقد كفيه وراء ظهره والغيرة تغلف نظراته :
-لعله خير !!
حك هارون ذقنه وقال :
-رقية كانت بتسألني عليك ، أهو ياستي چوزك قدامك طلعوني أنا منِها !!
تعلقت عينا هلال برقية، ثم انتقلتا إلى هارون قبل أن تعودا إليها من جديد، وكأن جملته الأخيرة لم تُطفئ شكه بل أشعلته:
-منـا قايلك كنت في مشوار وهتأخر ، وقولتي هتنامي منمتيش ..
دنت منه وهي تتعمد ملامسة ياقة جلبابه وقالت بصوت خافت كي تلهيـه عن شكوكه :
-والنوم يچي كيف وسيد قلبي عنه غايب ..
تحمحم بخفوت وحدجها بعينيه كي تصمت فتراجعت خطوة للخلف وأخفضت نظرها ، فتدخل هيثم ليقطع صفواهم :
-يا چماعة الخير ، نحن هنـا …
تبسم وجه هارون وهو يستعد للرحيل قائلًا وهو يدافع عن رقية خفية :
-يا هلال، في ايه سيبها الست مصدقت إنك راچع وفرحانة بيك ..
التفتت إليه رقية وكأنها تشكره بنظرة، بينما لم يبد هلال مقتنعًا تمامًا، فاقترب منها وقال:
-هو أنا غبت عنك للدرجة دي؟؟
خفضت عينيها، ثم أجابت بصوتٍ هامس ولكنه مسموع:
-يمكن أكتر مما تتخيل..
ثم غمزة بطرف عينه :
-حقكِ عليّ، فاقبلي اعتذاري هذه المرّة، وأعدكِ أن أُصلح ما أفسدت، فما هان عليّ يومًا أن أكون سببًا في حزنٍ يسكن قلبكِ.
ساد الصمت للحظة، حتى تنحنح هيثم وقال ضاحكًا:
-طب يلا يا هارون يا أخوي نمشوا ولا أنت عاچبك الحال وهنقضوها فُرجة !!
ثم أقسم متوعدًا :
-عليّ النعمة من نعمة ربي بس اتچوز ومش هرحم حد !!!
-يا ولدي، ماهو من كتر حديتك الواحد يشك إنك بتداري على حاچة.. اكتم عاد.
أردف هارون جملته ممازحًا أخاه، فانفجرت ضحكاتهم وتداخلت نبرات الحديث بينهم في أُلفةٍ عائلية دافئة. ولم تلبث ليلة أن خرجت على مصدر الصوت، تركض بلهفةٍ كأنها كانت تنتظر تلك الضحكة تحديدًا، وما إن وقع بصرها عليه حتى هتفت:
-هارون، أنت چيت أمتى؟!
هبط من فوق درجات السلم، واتجه نحوها متعجبًا من أنها لا تزال مستيقظة:
-وه! فكرتك نمتي! لساتك فايقة عاد؟!
رفعت عينيها الحنونتين إليه، وكأن مجرد رؤيته أعاد إلى قلبها شيئًا من الطمأنينة، وقالت بنبرةٍ عاتبة يشوبها الدلال:
-حتى ولو نمت، مش تيجي تطمن عليّا؟! وبعدين هنام إزاي وأنا قلقانة عليك؟!
تحمحم هلال بصوت جمهوري ، فأردف هارون متمسكًا برأيه بنبرة تطوي بين ثناياها مزاحًا :
-قولنـا مرتي عاد !! وبعدهالك يا شيخنا ولا هو حلال ليك وحرام علينا ..
أدركت ليلة وجود الجميع فتراجعت بخجل :
-سوري والله .. بس كنت قلقانة على هارون أوي…!
قطب هارون حاجبيه مندهشًا :
-سوري لمين بس؟! هلال!! ده هياخد مرته ويختفي من قدامنا دلوقتي، وهيثم واقف كأنه قطعة من العفش!
تدخل هيثم بينهما بصوته المرتفع :
-تصدقي يا ليلة ..
ثم تدارك نبرته وقال :
-جوازتك من هارون شرحت قلبي عن بوز الأخص اللي فوق دي !! أهي دي الستات ولا بلاش ..
ثارت رقية بوجهه :
-قصدك ايه يا هيثم !!
فدار إليها وقال بمنتهي البراءة :
-انتي وليلة أهي دي الستات ولا بلاش !!
آنذاك عاد هاشم وزوجته من الخارج بعد مرور ليلة طويلة ، فقال مسرعًا عندما رأي رغد :
-انتي وليلة ورغد أهي دي الستات ولا بلاش !!! من خاف سلم بردك .. عقبالي يارب ..
تعالت الضحكات، وكلّ واحدٍ منهما واقفًا بجوار نصفه الثاني، وكأنّ تلك الضحكات لم تكن إلا انعكاسًا لقلوبٍ وجدت أخيرًا مواضعها التي تطمئن إليها.ساد بينهم ذلك الدفء العائلي الذي لا تصنعه كثرة السنين، بل تصنعه الوجوه التي نحبها، والقلوب التي نعرف أنها ستبقى مهما تبدلت الأيام .. اقترب منهما هاشم ، فعاتبه هارون بلطفٍ :
-مش قولنا تأخد بالك وبلاش طلوع مع بعض !!
مسح هاشم على ظهر رغد التي لم تصف ملامح وجهها بعد :
-كان لازمًا نطمنوا علي صحة الاتنين يا هارون ، وبعدين خلي اللي يحصل يحصل ، أنا مابقتش عامل حساب لحد ..
اقتربت ليلة ورقية بخطوة واحدة من رغد ، وكل واحدة منهن احتوتها بطريقتها ، فأردفت رقية بهدوء :
-الداكتورة قالت لك كله تمام ..؟!
أومأت رغد بالإيجاب ، فأتبعت ليلة بفرحة وهي تمسح على بطنها ذات البروز البسيط:
-قالت ولد ولا بنوته ؟!
-لسه الشهر الجاي هنعرف .. ؟!
تدفقت إلى ليلة مشاعر الأمومة، وكأنّ قلبها التقط صورةً لمستقبلٍ لم يأتِ بعد؛ بينما ردّت رقية في سرّها على تلك الأمنية، وقد تاقت لذلك اليوم الذي تحمل فيه بأحشائها قطعةً من هذا الرجل الذي تذوب فيه عشقًا، طفلًا يحمل ملامحه ودفء قلبه، فتضمّه إلى صدرها وتهمس باسمه، وكأنها بذلك تحتضن جزءًا من روح الرجل الذي اختاره لها القدر منذ زمن…
تبادل الأخوة النظرات ولكن ما شغلهم امر آخر غير الذي يجمعن حوله الفتيات ، فأردف هارون بحزم :
-بكرة هستناكم كلكم في المندرة بعد صلاة ضهر الجمعة ، لازمًا نتكلمو …. يلا كل واحد على أوضته دلوق صوتنا صحى النايمين ..
نظرت رغد لهاشم بهدوء وقالت :
-بعد اذنك ..
عارضها :
-طب اوصلك؟!
حسمت أمرها:
-رقية هتوصلني …
تفرق شمل الجميع وكل منهما ذهب لغرفته حتى خلت الساحة على هارون وليلة فقط ، نظرت له :
-وانت مش هتروح تنام ؟!
تبسم ببراءة :
-مستني تمشي زيهم !!
هزت كتفيها :
-وامشي ليه ؟!
-أومال ؟!
-انا هطلع أنام معاك فوق ؟! هما مش خلاص عرفوا أننا متجوزين !! هخاف من أيه ؟!
مسك كفها الناعم وقال وهو يطالعها بعينين امتلأتا حبًا:
-بس أنا مش خايف من حد ، أنا خايف عليكي مني؟!
وقفت أمامه بإصرار وهي تتجاهل حقيقة نواياه:
-أنا مش مراتك ؟!
أيدها بحنان وحب:
-مرتي وحلالي وروحي وعقلي ودنيتي ..
ابتسمت هائمـة باعترافه لها ثم قالت بدلالٍ حاولت أن تخفي خلفه خجلها:
-أومال مالك واقف تحسبها عليّا؟!
اقترب منها خطوة وهو يداعب وجنتها وقال بهدوء:
-عشان الفترة ذي بالذات مش عاوز أكون مجرد راجل قدام مرته.. عاوز أكون راجل يعرف يصونها حتى من نفسه لغاية ما يعلنها قصاد الكُل.
سكنت ملامحها للحظة، ولم تجد ردًا على صدق كلماته، فاكتفت بأن شدّت على يده وقالت:
-وأنا واثقة فيك ..
ابتعدت نظراته عنها وأخذ يفحص زوايا البيت بعينيـه ، فسألته :
-بتبص على ايه !! انا قدامك هنا ؟!
دنى منها أكثر وهو يقول بصوت خافض:
-تفتكري كلهم ناموا ؟!
ألقت نظرة سريعة حولها :
-تقريبا ااه ، مفيش غيرنا !!
وقبل أن تفهم ما ينوي، انحنى قليلًا وحملها بين ذراعيه برفق..شعرت بقلبها يقفز داخل صدرها، وبأنفاسها تتعثر من المفاجأة، فشهقت وتعلقت يداها بعنقه على الفور، بينما تسلّل إليها خجل دافئ جعلها عاجزة عن النظر في عينيه.
-هارون! نزلني!
لكنها رغم اعتراضها المرتبك، لم تبذل جهدًا حقيقيًا للابتعاد عنه بل كانت قريبة منه إلى حد جعلها تسمع نبضه وتشعر بأمان غريب يبدد خوفها شيئًا فشيئًا.. أرادت أن تخفي ارتباكها، فدفنت وجهها عند كتفه، وهي تتمتم في سرها بأن قربه يربكها أكثر مما ينبغي، وأنها لا تريد لهذا العناق أن ينتهي سريعًا.
سكنت بين ذراعيه ولم تعد تجادله، بينما صعد بها درجات السلم بخطواتٍ هادئة، وكأنها أثمن ما حمله يومًا.
وحين بلغ أعلى الدرج، نظر إليها مبتسمًا وهمس :
-لسه عاوزة أنزلك؟
رفعت عينيها إليه، ثم أخفت ابتسامتها عند كتفه وهمست:
-لا.. مش عايزة ….. عايزة أبقى جمبك لآخر الدنيا .
وفي الجهة الأخرى، وقف هارون لحظات أمام باب غرفته يتأمل وجهها الصاف والخالٍ من نوايا البشر الخبيثة كطفلة مازالت في مهدها و قبل أن يرفع عينيه إلى آخر الممر؛ شيءٌ غامض كان يثقل صدره، إحساس مبهم بأن هدوء هذه الليلة ليس إلا الهدوء الذي يسبق عاصفةً لا يعرف من أين ستأتي.
لم يكن أحد منهما يدري أن خلف جدران القصر عينًا كانت تراقب، وأن سرًّا دُفن طويلًا بدأ يجد طريقه إلى النور…فالليلة التي نامت فيها القلوب مطمئنة، كانت في الحقيقة الليلة التي بدأ فيها الخطر يطرق أبواب العزايزة.. لتنغلق عيني البومة التي تختبيء خلف الستار تشع غيرة وحقد :
-طول منا فيها مش هتشوفوا في حياتكم راحة ولا هنا ….
••••••••••
