رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل السابع عشر 17 بقلم سعاد محمد سلامه


 رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل السابع عشر 

بشقة لميس
لم يهتم أديم بثلاثة أزواج من العيون تحدق فيه بدهشة، وهو يأخذ صغيره من بين يدي لولا، التي بدت كأنها مسلوبة العقل وهي تتركه يأخذه منها دون مقاومة... أو ربما كانت الصدمة قد أفقدتها القدرة على التركيز... 
أما الجميع، فلم يفيقوا من ذهولهم إلا عندما نطق أديم باسم الصغير:
..
سقط الاسم بينهن كصاعقة، حتى بدا أن الهواء نفسه انقطع داخل الشقة... 
اتسعت عينا ميراچ، والتفتت فورًا نحو جدتها، وكأنها فهمت من نظرتها اتهامًا صامتًا بأنها هي من أخبرت أديم... ارتجفت شفتاها، بينما راحت أصابعها تتشبث بطرف ثوبها محاولة إخفاء ارتباكها... 
تلعثمت لولا بسرعة وهي ترفع كفيها أمامها:
والله ما أنا اللي قولت له. 

حدقت بها ميراچ بغيظ ممزوج بالارتباك، وصوتها خرج أقل علوًا مما أرادت:
أمال عرف منين. 

رفعت لولا حاجبيها بحيرة حقيقية، ثم هزت رأسها بعنف ونفي قائلة:
معرفش... والله معرفش. 

لكن نبرتها تلك لم تطمئن أحدًا.. ازدردت لميس ريقها، وظلت واقفة قرب الباب كأنها تستعد لمواجهة تعرف أن ميراچ بالتأكيد  ستنفجر في أي لحظة... بينما
التفتت ميراچ ببطء نحو أديم، الذي كان يحمل الصغير بين ذراعيه ملامح وجهه تؤكد أن ليس حمله له لأول مرة،كأنه يعرفه منذ ولادته.. بينما الصغير نفسه تعلق بيديه يتشبث بقميصه يبتسم له ... غير مدرك لكل تلك العيون التي تحاصرهما... كان هدوء أديم أكثر ترقبً من أي وقت، وملامحه الهادئة توحي بأن شيئًا داخله قد اندثر بالفعل... ربما الظن القديم 
اقتربت منه خطوة، وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها ثابتة، لكن الغضب تسلل إليها رغمًا عنها:
إنت كنت عارف إني حامل وكمان عارف اسم إبني. 

رفع أديم عينيه إليها، ولم يجب في البداية... 
ذلك الصمت وحده كان كافيًا ليزيد غضبها... شعرت ميراچ بأن صوت نبضها يعلو في أذنيها، بينما راحت لولا تراقب وجه أديم بقلق، ولميس تنظر  عينيها الى ميراچ التي تتوقع من رد فعلها...بينما  اقتربت ميراچ منه بمباغته خطفت الصغير قائلة بغضب: 
أديم... أنا بسألك عرفت منين. 

غصبً ترك لها الصغير... حتى لا يبكي... ثم
مرر يده على ظهره بهدوء متعمد، ثم قال:
عارف اسمه، وعارف كل حاجة عنه من قبل ما يتولد، وفعلًا... دي مش أول مره أشوفه ولا أحضنه. 

تبادلت لميس ولولا النظرات، وفي عيني كل منهما سؤال  لم تجرؤ أيًا منهما على نطقه... 
أما ميراچ، فشعرت بقبضة غضب تعتصر قلبها... حاولت أن تتنفس، لكن صدرها ضاق كأن الجدران اقتربت منها... وقالت بسؤال مُتهكم: 
حاجات إيه اللى تعرفها عنه. 

نظر أديم إلى الصغير، ثم عاد بعينيه إليها... كانت نظرته هذه المرة هادئة تحمل عتابًا وغضبًا مكبوتًا، وكأن كل كلمة يقولها تنتزع جزءًا من صبره... قائلًا: 
الحاجات اللى  المفروض أبقي عارفها من قبل ما هو يتولد.

تجمدت ميراچ في مكانها، وشحب وجه لميس، بينما وضعت لولا يدها على صدرها وكأنها تخشى أن تسمع بقية الكلام... وقالت بسؤال: 
يعني إيه. 

اقترب أديم من ميراچ خطوة، بينما ظل الصغير بين ذراعيها.. تراجعت  خطوة دون أن تشعر، فلاحظ أديم ذلك، واشتدت ملامحه ليس غيظً أو ضيق بل ندم... 
خفض صوته قائلًا:
عرفت كل الحقيقة يا ميراچ. 

شهقت لولا دون قصد، ثم أسرعت بوضع يدها على فمها. أما لميس، فتمتمت باسمه بفضول:
أديم...قصدك إيه. 

لكنه لم يلتفت إليها... ظلت نظراته على ميراچ والطفل... 
أما ميراچ، فشعرت أن الأرض انسحبت من تحت قدميها. لم تعد تعرف أيهما تخشى أكثر... أن يكون قد عرف حقيقة مرضها السابق، أم أن يكون قد عرف جزءًا منها فقط... 
توترت قائلة: 
إنت... إنت عرفت إيه بالظبط. 

خرج صوتها مبحوحًا، أقرب إلى الرفض منه إلى السؤال.
لم يُجيبها... 
اكتفى بالنظر إليها طويلًا، حتى بدأت عيناها تلمعان باستفسار... بينما ظل هو ثابتًا كأنه ينتظر منها اعترافًا أصبح لا يملك الصبر لسماعه... 
ثم قال:
السؤال الصح مش أنا عرفت إيه يا ميراچ...

توقف لحظة، فحبست ميراچ أنفاسها، وشدت لولا على ذراع لميس في قلق.. حتى الصغير  رفع رأسه الصغير يبتسم لـ أديم، وكأن التوتر المحيط به بدأ يتسلل إليه... 
أضاف أديم بنبرة عتاب أربكتها أكثر، ووترت الجميع:
السؤال... إنتِ كنتِ ناوية تخبي إبني عني لحد إمتى يا ميراچ. 

زفرت نفسها بغضب، والتفتت إليه بعينين امتلأتا بالعتاب قبل أن تقول:
وإنتَ كنت عايز تعرف عنه ليه يا أديم؟!. 

ساد الصمت للحظة، وكأن سؤالها أصابه في موضع لم يتوقعه... نظر أديم نحو لميس ولولا قائلًا برجاء: 
ممكن تسيبونا لوحدنا لو سمحتوا. 

نظرن لولا ولميس لبعضهن، لحظات ثم إنسحبن للداخل، نظرت نحوهن ميراچ، كادت أن تمنعهن، لكن هن إمتثلن وغادرن
تابعت ميراچ بانفعال، وهي تضم صغيرها  إليها أكثر وقالت بغضب: 
يوم ما كنت بتشك فيا، وصدقت شوية صور  ... يوم ما حكمت عليا قبل حتى ما تسمعني، كنت فين.

اقترب أديم خطوة، لكن عينيه لم تفارقا الصغير الذي ما زال يبتسم له ببراءة... ثم قال: 
أنا أهو  بسألك سؤال واضح يا ميراچ..ليه مش عاوزني أعرف بوجود إبني .

ضحكت بمرارة، ومسحت دمعة خانتها وهي تقول بعناد: 
عشان إنت متستحقش تعرف، لأن مالكش وجود. 

تجمدت ملامح أديم... 
رفعت ميراچ عينيها إليه، وفي صوتها تحد ممزوج بألم قديم وقالت::
أيوه...  ابني اللي عشت معاه لوحدي، ونستعدة اخبيه عن الدنيا كلها، مش عشان أحرمك منه...

توقفت لحظة، ثم قالت بوجع:
عشان كنت خايفة عليه منك.

انصدم أديم وعقد حاجباه مذهولًا...، وقد أدرك أن الحديث أخذ منحنى أخطر مما توقع... 
تحدث بصوت خافت، لكنه حاد:
خايفة عليه مني أنا. 

هزت ميراچ رأسها، ودموعها تنزل رغم محاولتها التماسك:
أيوه... لأن الراجل اللي قدر يشك في مراته، ويجرحها، وكمان يواجهها بحبه لاء وكمان كان عاوزني أبقي شاهدة على غرامه..... ممكن جدًا بسهولة يأذي. 

تلقى كلماتها كصفعة... 
لكن قبل أن يرد، ارتفع صوت صغير يقطع التوتر... كان بكاء الصغير... 
ساد صمت بينهما حتي  ميراچ حاولت الهدوء وهي تربت على ظعر صغيرها كي لا يبكي... بينما أديم ظل واقفًا مكانه كأن الكلمة نزعت منه القدرة على الحركة... 
أما فمد يده الصغيرة نحوه، وخرج منه بعض الهمهمات البريئة 
نظر أديم إلى ميراچ، ثم إليه وقلبه يضرب بعنف.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت حين مد الصغير كف يده نحوه... جعل وجه أديم يتغير تمامًا وداخله غصة قوية...  من إتهامات ميراچ  له، لكن بعقله هي مُحقة بكل ذلك.. حتى نظرتها الغاضبة تلك كانت مُحقة فيها...حتى طريقة  زواجهما... كانت تنفيذًا لوصية، لم يكُن هنالك مكانً لوجود طفل... ربما لم يُفكر فى ذلك... حتى أنه لم يُلمح لها فى عدم رغبته فى الإنجاب منها.. 
حقًا لم يكُن ذلك واردًا بعقله... ليس تجاهلًا لحدوث ذلك... بل بسبب ما كان بينهما من توتر دائم... حتى مع حدوث أكثر من علاقة حميمية بينهما... دون أخذ أي موانع... 
كان التوتر والشد بينهما كافيًا لإلهائهم عن التفكير بذلك.. لكن ربما ذلك كان ناقوس افاقهما الإثنين، لكن كان بوقت هنالك طرف حسم القرار... وطرف آخر لن يتقبل لكن عليه أن لا يستسلم. 

كانت دموعها ليست ضعفً، بل كبت شعرت به... والآن أفاضت... وقالت: 
الزيارة إنتهت يا أديم.

كاد يتحدث ويعتذر... لكن صمت بإشارة منها حتى أنها أتبعتها بتعسُف وتلميح صريح: 
وقت الوصية إنتهي... وكمان بلاش تضيع حبيبتك، الطريق بقي سهل بدون عقبة.. أكيد مش هترضي بوجود غيرها فى حياتك... أنا كمان من حقي أعيش حياتي بدون قيد إنتهى. 

كلامها واضح... 
لو قدم إعتذار وحلف لها أنها على خطأ، لن تُصدقه ولديها الحق، أفعال وأقوال كان يقولها من غضبه، لكن تأثيرها لم يكُن فى حسبانه وقتها... وها هو الندم الآن هو السائد. 

فى تلك اللحظة بكي الصغير، كأنه شعر بما يدور بينهما... حاولت إسكاته لكنه لم يصمت.. تعصبت ونظرت نحو أديم  بإحتداد عاودت القول لكن بنبرة أشد : 
الزيارة إنتهت... وكفاية ومش عاوزه أعرف إنت عرفت إيه، أو من مين... لأن ميفرقش معايا... الأمر محسوم بالنسبة لي الإنفصال أمر حاتمي... وياريت يكون بهدوء زي ما كان الاتفاق من الأول... تنفيذ للوصية. 

شعر بغضب شديد، ود لو ينفجر بها ويطالب بحقه.. لكن لو فعل ذلك الآن لخسر ما تبقي... 
حاول تمثيل البرود عكس الغليان داخله.. وإقترب، لم يهتم لرد فعلها وعودتها خطوة للخلف بل تقدم وإنحني وضع قُبلة على وجنة صغيرة، ثم إستقام برأسه ونظر لها لحظات.. قائلًا  بهمس وتصميم: 
مكنش من بنود الوصية وجود طفل.. وزي ما قولتي مدة الوصية إنتهت، لكن جوازنا مش هينتهي يا ميراچ. 

أنهى قوله وضع قُبلة خاطفة على وجنتها ثم إتجه نحو باب الشقة فتحه لكن قبل أن يغادر نظر نحوهما وقال بنبرة تصميم: 
فكري تحبي نعيش فى بيت الشط، ولا نعيش فى الڤيلا، مش هسمح لك بوقت كتير. 

تبدلت نظرة الغضب الى الغيظ، ولكن لم ترد للحظة ليس لسبب، بل لأنها لا تود الجدال بأمر ظنت أنه إنتهي، لكن هو بتشبث بأمل واهي... 
ثم تفوهت عن قصد: 
البحر بيمحي أي أثر قديم على الرمال بسهولة. 

رسالة وصلت... ضحك، كانت ضحكة ندم. 

غادر، بينما جلست ميراچ حاولت تهدئة بكاء صغيرها، هو فقط فى هذه اللحظة ما يستحوز على مشاعرها. 
❈-❈-❈
غادر أديم
يشعر بالندم، ليس بالانهزام... هو فى الجولة الأولي، ولن يستسلم للغرق... 
الغرق الوحيد الذي مستعد أن يستسلم له هو الغرق فى عشقها... 
عشقها ليس سراب كما ظن... لم تكُن إسمً فوق الرمال، بل إسمً محفور بقلبه منذ أن بدأ يستوعب ويدق لها فقط... لا يعلم لما أخذه الطريق الى منزل الشاطئ... توقف بالسيارة لم يترجل منها.. وقف أمام المنزل، ينظر الى ظُلمة البحر... كان غاضبً مثل تلك الأمواج... لكن فجأة هدأ الغضب داخله.. 
وذكرى جائت الى رأسه... تبسم وهو يستعيدها

قبل سنوات.. 
كانت ميراچ بالسنة الأولى لجامعتها... وهو كان بالسنة النهائية بالأكاديمية ... 
لديه يوم واحد أجازة، وهي بوقت ما قبل فترة الأمتحانات... إتصل على هاتفها... 

كانت منهمكة بين تلك المجسمات الصغيرة  وبعض التصميمات الورقية.. رنين الهاتف كان بمثابة وقتٍ مستقطع، رفعت الهاتف ونظرت إلى اسم المتصل، ما إن رأت إسمه حتى خفق قلبها البريء، وارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها قبل أن تجيب... 
جاءها صوته الآمر :
أنا أجازة أربعة وعشرين ساعة، مستنيكي تحت فى الشارع... انزلي فورًا.

قالها وأنهى الاتصال دون أن يمنحها فرصة للأعتراض... 
ظلت تحدق في شاشة الهاتف للحظات، ثم اتسعت ابتسامتها أكثر، وهي تدرك أنه كالعادة لا يعرف كيف يطلب شيئًا منها دون أن يصدره وكأنه أمر عسكري...هكذا هو أسلوبه 
تعمدت أن تتأخر قليلًا... 
وضعت الهاتف جانبًا، وعادت تعبث ببعض الأوراق، ثم أعادت ترتيب المجسمات ببطء متعمد، وكل دقيقة تمر كانت ابتسامتها تكبر، لأنها تعرف جيدًا أنه في الأسفل ينتظرها... 
وبالفعل...
أسفل البناية، كان واقفًا بجوار سيارته، عيناه منصبتان على مدخل البناية... يرفع رأسه بين لحظة وأخرى نحو النوافذ، وكأن ظهوره أمامها سيجعلها تهبط أسرع... 
مرت خمس دقائق...
ثم عشر... 
نظر إلى ساعته، زفر بضيق، وأخرج هاتفه وعاود الاتصال بها.. 
رأت اسمه يضيء على الشاشة، فضغطت على زر الرفض وهي تكتم ضحكتها... 
في الأسفل، عقد حاجبيه وهو يعيد الاتصال.
مرة ثانية...
ومرة ثالثة.
وحين لم تجب، رفع عينيه نحو شرفة شقتها، وتمتم بضيق:
بتلعبي معايا يا ميراچ.. 

لكن ظل مكانه ينتظر... 
فالـوقت  الذي حصل عليه إجازة لم يكُن بالنسبة له مجرد إجازة...
كانت أربعًا وعشرين ساعة لو برغبته يريد أن يقضيها معها وحدهما... 
وبعد دقائق أخرى، انفتح باب البناية أخيرًا... 
رفع عينيه بسرعة، وما إن لمحها تخرج حتى تبدلت ملامحه تمامًا... 
كانت تحمل حقيبتها الصغيرة، وخطواتها هادئة، وعلى وجهها ابتسامة حاولت إخفاءها وهي تتجه نحوه... 
ثبت عينيه عليها للحظات، ثم قال بلهجة جافة متعمدة:
إنتِ شايفة الساعة كام. 

رفعت عينيها إليه قائلة ببراءة مصطنعة :
مش عارفة.

تفوه بتذكير: 
بقالي أكتر من نص ساعة واقف مستنيكِ فى الشارع. 

اقتربت منه خطوة وهي تبتسم قائلة ببسمة:
يعني إيه. 

نظر لبسمتها قائلًا: 
يعني أنا قولتلك انزلي فورًا.

رفعت كتفيها بدلال قائلة:
ما أنا نزلت أهو. 

حدق بها للحظة، ثم اقترب منها حتى أصبحت أمامه مباشرة، وقال بصوت أخفض:
أيوه... بس شكلك نسيتي إني إنتظرت أكتر من نص ساعة...يعني  لازم يكون عندي عقاب.

اتسعت عيناها قليلًا، وقبل أن تسأله عن العقاب، فتح باب السيارة أمامها وقال:
اركبي... قبل ما أغير رأيي وأرجع أقضي إجازتي لوحدي.

ضحكت وهي تستقل السيارة، بينما أغلق الباب خلفها، لكنه لم يستطع منع ابتسامته وهو يدور حول السيارة... 
فمهما حاول أن يبدو غاضبًا...
كان واضحًا جدًا أن مجرد رؤيتها جعل الأربع والعشرين ساعة تبدو له أقصر مما ينبغي...  
وجلس خلف المقود، ولم يتحرك فورًا...  نظرة لها نظرة طويلة جعلتها تتساءل عن ذلك  "العقاب" الذي تحدث عنه: 
طب قوليلي بقى...إيه هو العقاب.

نظر لها قائلًا:
 مستعجلة ليه، ومستنية يكون إيه. 

نظرت إليه بسؤال مكرر: 
إيه. 

ابتسم ابتسامة جانبية، ثم أدار المحرك... قائلًا: 
متسعجليش على العقاب.

ضحكت قائلة  بدلال: 
إنسي العقاب بقى. 

هز رأسه قائلًا: 
أنسي وقفتي فى الشارع فى البرد. 

هزت رأسها وهي تبتسم سائلة:
وناوي تعمل إيه. 

لم يجب... 
اكتفى بأن مد يده إلى المقعد الخلفي وأخرج منه باقة زهور صغيرة كانت مخبأة بعناية، ووضعها في حجرها... 
تجمدت للحظة وهي تنظر إليها بدهشة. قائلة: 
دي... ليا. 

التفت إليها، وقال بهدوء:
لأ، للي استنيتها نص ساعة. 

ضحكت وهي تضم الباقة إلى صدرها تشعر بسعادة غامرة:
يعني أنت جايبها من الأول. 

اومأ قائلًا: 
طبعًا.

مالت براسها وهي تستنشق عبير الزهور قائلة: 
وأمال فين العقاب بقى. 

أوقف السيارة أمام مكان هادئ، ثم التفت إليها بكامل جسده... 
مد يده وأشار إلى المقعد بجواره:
عقابك إنك تقضي جنبي طول اليوم... وممنوع تقولى الوقت... وممنوع تقولي عندي تصميم لازم أخلصه.

رمشت بدهشة قائلة:
بس ده مش عقاب. 

اقترب قليلًا، وقال بابتسامة هادئة:
بالنسبة لي هو مش عقاب... أنا اللي بعاقب نفسي لو ضيعت الأربع وعشرين ساعة دول بعيد عنك.

سكتت، وشعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجنتيها...
ثم أضاف وهو يناولها ورقة صغيرة كانت موضوعة أسفل الزهور:
ولسه المفاجأة.

فتحتها، فوجدت سطرًا واحدًا مكتوبًا بخط يده:
أول مكان هنروحه النهارده... المكان اللي كنتِ بتحلمي أروح معاكِ. 

رفعت عينيها إليه، ولم تستطع منع ابتسامتها... قائلة: 
أنت لسه فاكر. 

ابتسم وهو يشغل السيارة من جديد قائلًا:
أنا مش بنسى حاجة تخصك.

رفعت عينيها إليه وهي تحاول كتم ضحكتها قائلة:
طيب... فين العقاب بقى. 

نظر إليها بثبات، ثم قال بجدية مصطنعة:
بما إنك خلتني أستنى نص ساعة.. 

توقف قليلًا، وكأنه يفكر في عقوبة خطيرة: 
هتدفعي الثمن.

اتسعت عيناها بفضول قائلة:
إزاي بقى. 

مد يده وأخذ حقيبتها منها ووضعها في المقعد الخلفي... قائلًا: 
أولًا، مفيش عندي أي أعذار. 

-بس
قاطعها بأمر قائلًا:
مفيش بس. 

ثم أخرج من جيبه قطعة شوكولاتة ووضعها في يدها... 
نظرت إلى الشوكولاتة، ثم إليه باستغراب قائلة:
ودي إيه. 

أجابها: 
جزء من العقوبة.

ضحكت قائلة:
دي عقوبة حلوة أوي. 

أومأ قائلًا: 
لسه ما خلصناش.

أشار إليها بإصبع تحذيري:
ثانيًا، طول اليوم لما أقول تعالي، تيجي من غير ما تسألي رايحين فين.

ضحكت قائلة: 
وإيه كمان. 

ابتسم بمكر قائلًا:
ثالثًا... كل ما تزعلي مني، ممنوع تعملي نفسك مش شايفاني.

بدلال قالت: 
طب لو عملت. 

اقترب قليلًا، وقال وهو يكتم ضحكته:
هطلب منك تبتسمي غصب عنك.

ضحكت فعلًا هذه المرة، فضحك معها وقال:
أهو... بدأنا ننفذ العقوبة.

ضحكت قائلة: 
أنت مجنون.

أومأ قائلًا بمرح: 
ومش هتشتكي... لأن آخر بند لسه.

نظرت إليه بترقب.
مد يده وجذب حقيبتها أخرج هاتفها، ثم أغلقه قائلًا: 
آخر بند النهارده كله ليا.

رفعت حاجبها بضحكة 
نظر إليها بابتسامة دافئة قائلًا:
كمان  أنا اللي هختار المكان، وأنا اللي أجيبلك أكلك، وأنا اللي أسمع كل حكاياتك حتى لو حكيتها عشر مرات...

ثم أضاف بمشاكسة:
وأنتِ مهمتك الوحيدة إنك تفضلي مبسوطة.

سكتت لحظة، ثم قالت وهي تنظر للزهور في حجرها:
طب لو عجبتني العقوبة. 

ابتسم وهو ينطلق بالسيارة:
يبقى هضطر أعاقبك تاني بكرة.

ضحكت قائلة: 
مجنون. 

نظر لها بثقة قائلًا: 
بس بتحبي جناني. 

بعد وقت قصير، أوقف سيارته أمام الشاطئ... 
ترجلت وهي تنظر حولها بدهشة، وكأنها دخلت عالمًا جديدًا، بينما أغلق هو السيارة واتجه نحوها، ثم مد يده إليها بابتسامة دافئة... قائلًا: 
تعالي.

وضعت يدها في يده، فضم أصابعها إلى أصابعه بحنان، وسارا معًا حتى لامست مياه البحر أطراف أقدامهما... 
وقفت للحظات تنظر إلى الأفق، والنسيم يداعب خصلات شعرها برفق، بينما وقف هو إلى جوارها يتأملها أكثر مما يتأمل البحر، وكأن وجودها وحده كان أجمل منظر في المكان... 
ابتسمت وهي تقول بحنين:
عارف نفسي في إيه. 

بسؤال: 
إيه. 

نظرت أمامها، ثم قالت ببساطة حالمة:
نفسي في بيت هنا.

التفت إليها، وقد لمعت عيناه باهتمام قائلًا بسؤال:
هنا فين... عالبحر. 

هزت رأسها بحماس طفولي، فابتسم لرؤيتها بهذا الصفاء... أكدت له: 
أيوه... بيت صغير على البحر. مش لازم يكون كبير ولا فخم... المهم أصحى الصبح ألاقي البحر قدامي، وأول حاجة أشوفها تكون السما والموج.

سكتت لحظة، ثم تابعت وهي ترسم بإصبعها فوق الرمال:
يكون ليه شباك كبير كده... تدخل منه الشمس الصبح، وبلكونة نقعد فيها بالليل فى ليالي الصيف، نتفرج على النجوم ونتكلم لحد ما ننام مع نسيم البحر.
.
ابتسم وهو ينظر إلى الرسم البسيط الذي صنعته على الرمال، وكأنه يرى فيه تفاصيل حياة كاملة معها... وقال: 
وإيه كمان. 

ابتسمت قائلة:
مطبخ صغير... جنينة صغيرة فيها شوية زرع.
ثم ضحكت وأضافت:
وأنت طبعًا هتقول لي إنك مش فاضي للزرع.

ضحك قائلًا: 
أنا. 

نظرت إليه بمكر، وهي تضيق عينيها:
أمال مين هيسقيه. 

اقترب منها خطوة، حتى شعرت بدفء قربه رغم نسيم البحر، وقال:
أجيبلك جنينة كاملة وأسقيها أنا.

رفعت عينيها إليه، فوجدت في نظرته وعدًا صادقًا، فضحك وهو يضيف:
بس عندي شرط.

-إيه هو الشرط. 
هكذا سألت وكان جوابه 
البيت ده يبقى بعيد عن الناس.

بسؤال منها: 
ليه بعيد. 

مال نحوها قليلًا، وقال بنبرة مشاكسة تخفي حنانًا واضحًا:
عشان لما أقول لمراتي تعالي نتمشى على البحر، ما تتأخرش نص ساعة. 

ضحكت وهي تدفع كتفه بخفة، بينما ظل ممسكًا بيدها، قالت: 
لسه هتفضل تعايرني. 

قالت ءلك وكادت تسحب يدها من بده لكنه
تمسك بيدها قبل أن تبتعد، واحتفظ بها بين يديه، ثم نظر إلى البحر وقال بهدوء:
لا... بس خدي بالك من حاجة.

نظر إليها مباشرة، وكأن كلماته لا تعني سواها:
بيقولوا الأمنية اللي بتتقال قدام البحر... لازم تتحقق. 

ابتسمت، لكنها لم تفهم قصده، واكتفت بأن تنظر إليه بخجل، بينما أخذ قلبها يخفق بطريقة لم تستطع تفسيرها... 
أما هو فظل ينظر إلى المكان طويلًا، وكأنها لم تكن ترسم بيتًا على الرمال...
بل كانت، من حيث لا تدري، تختار مكان بيتهما القادم، وتمنحه أجمل حلم يتمنى أن يعيشه معها... 
ظلت تنظر إليه للحظات، ثم عادت بعينيها إلى الرسم الذي صنعته فوق الرمال... وقالت: 
أنت بتتكلم بجد. 

ابتسم وهو يضع يده في جيبه قائلًا:
أنا شكلي بهزر. 

أومأت قائلة: 
أصل... أنت بتقول كلام كبير أوي.

نظر لعينيها قائلًا  بتأكيد: 
وأنا عندي قدرة أكبر على تنفيذ الكلام ده.

ضحكت وهي تهز رأسها قائلة:
لا يا سيدي، أنا عارفة دماغك... هتجيبلي فيلا ضخمة وتقول لي اهو بيتك على البحر.

هز رأسه بنفي قائلًا: 
لأ.
قالها ببساطة جعلتها تلتفت إليه... بإستفسار قائلة: 
لأ إيه. 

انحنى وأخذ عودًا صغيرًا، ثم جلس على الرمال بجوار رسمها... قائلًا: 
إنتِ قلتي بيت صغير.

وبدأ يرسم بجوار خطوطها... قائلًا 
- شباك كبير هنا...

ثم رسم مستطيلًا.
- وبلكونة هنا.

نظرت إليه وهي تبتسم قائلة 
وجنينة صغيرة.

أضاف بعض الخطوط أمام البيت... قائلًا: 
وهنا هنحط كرسيين.

رفعت حاجبها واعترضت بمرح:
كرسيين بس. 

رفع عينيه إليها بمكر قائلًا:
أصل أنا مش ناوي أجيب كرسي ثالث.

ضحكت قائلة ببراءة:
ليه. 

غمز بعينيه قائلًا بنظرة عشق: 
عشان أقعد جنبك.

احمر وجهها قليلًا، فهربت بعينيها نحو البحر... 
لكنه لم يترك لها فرصة لتغيير الموضوع... قائلًا: 
وفي أوضة ليكِ مخصوص.

استغربت قائلة: 
أوضه ليا... 

قاطعها: 
طبعًا.

ابتسمت قائلة: 
طب وأنت. 

ابتسم قائلًا:
أوضة ليا أنا كمان. 

نظرت إليه بشك مصطنع بمرح:
يعني هنعمل بيت وكل واحد له أوضة. 

اقترب منها قليلًا وقال:
لو ده هيخليكِ مبسوطة... نعملهم اتنين.

صمت لحظة، ثم أضاف وهو يبتسم بخباثة: 
بس أنا عندي رأي تاني.

استفسرت: 
إيه هو. 

بغمز قال: 
نخلي الأوضتين واحدة.

ضحكت وهي تدفعه بكتفه قائلة:
قليل الأدب.

أمسك يدها قبل أن تسحبها، وضحك قائلًا:
ما إنتِ اللي سألتي.

ثم وقف ومد يده لها قائلًا: 
تعالي.

وضعت يدها في يده ونهضت قائلة: 
رايحين فين. 

أجابها: 
هوريكي حاجة... مفاجأة.

سارت معه وهي تحاول تخمين المكان، حتى ابتعدا قليلًا عن الشاطئ المزدحم، ثم توقف أمام قطعة أرض تطل مباشرة على البحر.
نظرت حولها باستغراب... حين قال: 
إيه رأيك هنا. 

نظرت إليه بحيرة:
هنا إيه. 

ابتسم، وأشار إلى الأرض أمامهما... 
اقترب منها، وأمسك يدها، ثم قال بهدوء:
هنا بيتك.

اتسعت عيناها بسؤال:.
بيتي. 

هز رأسه... قائلًا: 
البيت اللي رسمتيه من شوية... هيتبني هنا.

ظلت تحدق فيه غير مستوعبة، قبل أن تهمس:
أنت كنت مخطط لكده. 

ابتسم وهو ينظر إلى البحر قائلًا:
من قبل ما أعرف إن دي أمنيتك.

ثم نظر إليها وأضاف:
بس دلوقتي عرفت أهم حاجة...
ابتسم لها وأكمل:
إن البيت اللي على البحر مش هيبقى له معنى من غيرك.

وقفا أمام البحر للحظات، يراقبان الموج وهو ينسحب من فوق الرمال، ثم قالت بصوت هادئ:
عارفة أكتر حاجة نفسي فيها. 

نظر إليها باهتمام سائلًا:
إيه. 

خفضت عينيها نحو الرمال، وبدأت تحرك قدمها فوقها بخفة... قائلة: 
أنا طول عمري بحس إني لوحدي.

اختفت ابتسامته تدريجيًا، وأصبح يستمع إليها دون مقاطعة... 
تابعت وهي تحاول أن تبدو عادية:
عشان كده نفسي لما يبقى عندي بيت... مايبقاش هادي أوي.

استغرب قائلًا: 
يعني إيه. 

ابتسمت بخجل وقالت:
يعني عايزة أطفال كتير.

نظر إليها للحظات، وكأن الجملة فاجأته أكثر مما توقع... 
ضحكت وهي تبرر أمنيتها:
مش طفل ولا اتنين... أنا عايزة البيت يبقى دوشة.

ثم بدأت تعد على أصابعها وهي تضحك:
ولد يجري في الصالة، وبنت تعيط عشان أخوها خد لعبتها، وبيبي يفضل متعلق فيا طول اليوم...

ضحكت، ثم أضافت بحلم واضح:
عايزة أصحى ألاقي حد بيقول لي ماما... وأنام على صوتهم وهما بيتخانقوا على مين ينام جنبي.

ظل ينظر إليها دون كلمة... 
التفتت إليه سائلة:
بتبصلي كده ليه. 

اقترب منها خطوة، وقال بهدوء:
عشان أول مرة أشوفك بتتكلمي عن حلم نفسك فيه بالشكل ده.

ابتسمت، لكن عينيها لمعتا بشيء من الحزن.
يمكن عشان أنا وحيدة عايشه مع مامي لوحدنا.. محرومة من الدوشة فى البيت. 

تغيرت ملامحه فورًا... 
مد يده وأمسك يدها، وضغط عليها بحنان.

نظرت إليه.. 
قال وهو ينظر في عينيها:
إنتِ مش محرومة من البيت ده... ولا من الضحكة اللي نفسك تسمعيها.

اتسعت عيناها قليلًا، لكنه أكمل بابتسامة دافئة:
ولو عايزة البيت دوشة...

ضحكت بخجل:
أيوه. 

أجابها بتأكيد: 
يبقي هنعمله دوشة.

شهقت وهي تضحك قائلة:
هنعمله؟. 

رفع حاجبه بمشاكسة قائلًا:
إنتِ اللي طلبتي أطفال كتير.

ضحكت قائلة: 
أنا كنت بحكي عن أمنيتي. 

بمكر نظر لها قائلًا: 
وأنا بقولك إنها مش هتفضل أمنية.

نظرت إليه للحظات، ثم هربت بعينيها وهي تخفي ابتسامتها... 
أما هو فشد على يدها، وأضاف بنبرة أكثر دفئًا:
بس عندي شرط.

ابتسم بغمز قائلًا:
كل طفل فيهم لازم يعرف إن مامته كانت السبب في أحلى دوشة حصلت في البيت ده.

ظلت تنظر إليه، وكأن كلماته الأخيرة لم تستقر في قلبها بعد... 
ضحكت محاولة أن تخفف من وقع اللحظة قائلة:
إنت بتتكلم كأن الموضوع محسوم.

ابتسم، لكنه هذه المرة لم يرد بمزاح... 
اقترب منها خطوة، وأبقى عينيه على عينيها... قائلًا: 
لأنه فعلًا محسوم.

اختفت ابتسامتها قليلًا... وقالت: 
إزاي. 

سكت للحظات، ثم أخذ نفسًا عميقًا وكأنه يتردد للمرة الأولى في قول شيء ظل يخفيه طويلًا... 
عشان أنا من فترة... مش بشوفك مجرد واحدة بحب أقضي معاها وقت... 

تجمدت في مكانها... 
تابع بصوت هادئ:
كل مرة كنتِ تحكيلي عن حياتك، عن البيت اللي نفسك فيه، عن البحر... كنت بلاقي نفسي بتخيلك جواه.

خفضت عينيها، وقلبها يخفق بقوة... 
لكنه فاجأها أكثر حين قال:
وبصراحة... أنا ماكنتش بتخيل وجودك فى  البيت لوحدك.

رفعت عينيها إليه بسرعة سائلة:.
يعني إيه. 

ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم قال:
كنت بتخيله لينا.

ساد الصمت بينهما... 
حتى صوت البحر بدا وكأنه ابتعد للحظة.
همست:
لينا. 

هز رأسه بتأكيد: 
أيوه... 
ثم أضاف، وكأنه قرر أخيرًا ألا يترك لها مجالًا للتخمين:
أنا بحبك يا ميراچ. 

اتسعت عيناها، وبقيت تنظر إليه دون أن تعرف ماذا تقول... 
ابتسم عندما رأى ارتباكها، وقال:
ومش من النهارده.

سألته بصوت خافت:
من إمتى. 

ضحك بخفة قائلًا:
من وقت طويل لدرجة إني مش فاكر إمتى بدأت... بس فاكر أول مرة خوفت فيها إنك ما تبقيش في حياتي.

اقترب منها ومد يده إليها... وأكمل: 
عشان كده لما قولتي إنك نفسك في بيت على البحر وأطفال كتير...

توقف لحظة... ثم قال: 
أول حاجة جات في بالي كانت نفسي أكون أنا الشخص اللي يحققلك كل ده.

نظرت إلى يده الممدودة، ثم وضعت يدها فيها ببطء... 
ابتسم وقال:
بس المرة دي مش هآمرك تنزلي معايا.

رفعت حاجبها وسط دموع ابتسامتها... 
شد على يدها برفق وقال:.
المرة دي هسألك...

صمت لحظة قبل أن يقول:
تقبلي تبقي حلمي زي ما أنا نفسي أبقى حلمك. 

ظلت تنظر إليه، وكأن عقلهـا رفض في اللحظة الأولى أن يصدق ما سمعته أذناها... 
"أنا بحبك."

الكلمتان ظلتا تترددان داخلها بطريقة أربكتها... 
كانت قد تخيلت اعترافه مئات المرات... ربما أكثر مما ينبغي، لكنها في كل مرة كانت تتخيله تنتهي الحكاية في خيالها قبل أن تصل إلى هذه اللحظة... 
أما الآن فقد قالها فعلًا... 
قالها هو...
الرجل الذي كانت تخفي أمامه ارتباكها كلما طال نظره إليها، والذي كانت تفرح برسالته أكثر مما تعترف لنفسها، والذي جعلها تتعمد التأخر نصف ساعة فقط لترى إن كان سيبقى منتظرًا... 
وفجأة شعرت أن كل تلك التفاصيل الصغيرة لم تكن صغيرة أبدًا... 
ارتجفت أصابعها داخل يده... 
حاولت أن تتكلم، لكن صوتها لم يخرج... 
لماذا كانت سعيدة إلى هذا الحد.. 
ولماذا شعرت في الوقت نفسه بخوف غريب... 
ربما لأنها لأول مرة تسمح لنفسها أن تصدق أن أمنيتها القديمة بالانتماء إلى بيت دافئ، مليء بالأصوات والضحكات، قد تكون أقرب مما تخيلت... 
نظرت إلى البحر، فشعرت بدمعة ساخنة تنزلق على خدها... 
مسحتها سريعًا، وكأنها لا تريد أن يراها... 
لكنه رآها...
ولم يعلق...
فقط شد على يدها قليلًا... 
ذلك التصرف البسيط هز شيئًا عميقًا بداخلها... 
رفعت عينيها إليه، وقالت بصوت مرتعش:
أنا... مش عارفة أقول إيه.

ابتسم بحنان قائلًا:
مش لازم تقولي حاجة دلوقتي.

هزت رأسها، ثم ضحكت وسط دموعها... قائلة: 
بس أنا كنت مستنية الكلمة دي منك من زمان.

تغيرت ملامحه بدهشة حقيقية قائلًا: 
من زمان

خفضت عينيها بخجل، وبدأت تلعب بأصابعه داخل يدها... وأكدت له: 
آه...
ثم رفعت عينيها إليه أخيرًا... وقالت: 
يمكن عشان كده كنت بخاف أتمنى كتير.

سألها بهدوء:
من إيه. 

ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت:
من إن اللي بتمناه يطلع أجمل من اللي أقدر أعيشه.

صمت لحظة، ثم اقترب منها وقال:
وإيه رأيك نكتشفه سوا. 

لم تجبه...
لكنها هذه المرة لم تهرب بعينيها... 
اكتفت بأن اقتربت منه خطوة، بينما بقيت يدها داخل يده... 
وفي داخلها، للمرة الأولى منذ وقت طويل، لم تشعر أنها وحيدة...
كانت تشعر أن أمنيتها لم تعد مجرد بيت على البحر...
بل بيت له قلب، واسم، ويد تمسك بيدها وتقول لها دون كلام... 
أنا هنا... 
كانا يومها يظنان أن أسهل شيء هو أن تتحقق أحلامهما... 
لم يعرفا أن الأصعب...أن تتحقق الأمنيات
أن يصبح البيت الذي رسمته فوق الرمال حقيقة، لكن جدرانه تحمل صمتًا أثقل من الوحدة... 
أن يصبح البحر الذي حلمت أن تستيقظ على صوته كل صباح أمام نافذتها، شاهدًا على ليالي ناما فيها متباعدين، رغم أن المسافة بينهما لم تتجاوز سنتيميترات.
أن يأتي الأطفال الذين تمنتهـم...
فتصبح ضحكاتهم هي الشيء الوحيد الذي يذكرهما بأن هذا البيت كان يومًا مليئًا بالحياة... 
حتى الأمنية التي ضحكا عليها يومًا...
"عايزة أطفال كتير."
تحقق جزء منها... 
لكنها لم تتحقق بالطريقة التي تخيلتها.. 
لم تكن هناك عائلة تجتمع حول مائدة واحدة في حب وسلام... 
كان هناك طفل يبكي في غرفة، وطفل يركض في الممر، وطفل يبحث عن أحدهما...
وهما يقفان في الجهة الأخرى من البيت، عاجزين حتى عن النظر إلى بعضهما.
لقد حصلوا على جزء مما تمنوا
البيت... 
البحر... 
طفل....
وحتى الحب...
حصلوا عليه...
لكنهم فقدوا الشيء الوحيد الذي لم يفكرا يومًا في فقدانه
"السلام"... كذالك" الثقة"بينهما إنعدمت
رفع عينيه إلى البيت القائم أمام البحر، وابتسم ابتسامة موجوعة... همس: 
كنا فاكرين إننا لما نحقق أحلامنا... هنكون أسعد اتنين في الدنيا.

صمت قليلًا... 
ثم خرجت منه ضحكة قصيرة بلا فرح قائلًا: 
طلعنا بنبني الكابوس بإيدينا.

تعلقت عيناه بنافذة البيت... 
تلك النافذة تحديدًا...
التي اختارتها هي يومًا وهي ترسم حلمها فوق الرمال... 
النافذة نفسها التي كانت تحلم أن تدخل منها شمس الصباح... 
دخلت الشمس فعلًا...
لكنها لم تستطع يومًا أن تضيء ما انطفأ بينهما... 
أغمض عينيه، وعادت إليه صورتها القديمة؛ ضحكتها، أمنيتها، صوتها وهي تتحدث عن أطفالها وكأن المستقبل مضمون.
همس:
يا ريتنا فضلنا بنحلم...

ثم فتح عينيه ببطء قائلًا: 
لأن الحقيقة كانت أقسى من كل شيء.

جزء من أحلامهما تحققت... 
لكن عندما تحولت الأحلام إلى حقيقة...
اكتشفا أن الكابوس كان ينتظرهما داخلها... 
ظل واقفًا أمام البحر، وعيناه معلقتان بالبيت الذي كان يومًا حلمهما... 
بيت تحقق... 
وأطفالٌ تحققوا... 
وحياةٌ كاملة بدأت كما تمنياها ذات يوم...
أغمض عينيه، وكأن مجرد التفكير في الماضي صار يؤلمه... 
عادت إليه صورتها وهي تضحك فوق الرمال، وصوتها وهي تخبره عن البيت، عن الأطفال، عن الحياة التي ستجمعهما.
كل شيء كان يبدو حقيقيًا وقتها... 
لكن الحقيقة.. 
كانت أبعد ما يكون عن كل ذلك... 
شد فكه، وقال بصوت خافت يحمل مرارة السنوات:
كان غباء مني...

صمت لحظة، ثم ابتلع غصته.
غباء مني إني صدقت أكاذيب حطمتنا. 

رفع عينيه إلى البحر من جديد.

ضحك بسخرية موجوعة قائلًا:.
وأنا اللي كنت فاكر إني أذكى من إني أصدق حد بسهولة.

أطرق رأسه، ثم تمتم:
طلعت غبي وصدقت شوية صور. 

ظل صامتًا لثواني
رفع عينيه، وبدت في نظرته قسوة ممزوجة بوجع قديم...: 
المشكلة إني كنت  دايمًا عايز أصدقك.

وهنا كانت الحقيقة التي لم يعترف بها حتى لنفسه طوال تلك السنوات التي غابت فيها ...
لم يكن غاضبًا منها لأنها تركته دون إنذار 
كان غاضبًا من نفسه لأنه، رغم كل الإشارات التي كان يمكن أن تقرب بينهما 
اختار أن لا يصدق.... رغم ذلك
اختار الحب...
اختار الحلم... 
وحين عودتها
واختار أن يبني معها البيت الذي تمنته...
دون أن يعرف أن أساساته كانت قائمة فوق أسرار ستأتي يومًا وتهدم كل شيء... 
دون أن يستوعب أن قلبه بأوج قسوته  أراد تنفيذ أمنيتها. 

دون وعي لا يعرف كيف غفي بالسيارة... فتح عيناه حبن داعب شعاع الشمس  عيناه... شعر بتقلُص بعنقه... حركه قليلًا ثم تبسم... 
بعد ظلام أمس  ها هو شروق يبدد ذلك بشعاع بسيط... 
وسؤال ظل حبيس عقله لسنوات...
لماذا... 
لماذا لم تمنحه فرصة واحدة لمشاركتهـا آلامها... 
لماذا اختارت أن تتحمل كل شيء وحدها، وتتركه خارج عالمها، وكأنه آخر شخص يمكن أن تلجأ إليه.. 

لماذا فضلت أن ترسل له خاتم خطوبتهما مع رسالة مقتضبة تُنهي بها ارتباطهما، بدلًا من أن تقف أمامه وتخبره بوجعها 
لم يكُن يستطيع أن يغضب...
كان يستطيع أن يثور...
حتى لو كانت الحقيقة ستؤلمه، كان سيقبل الألم مقابل أن يظل معها... 
لكنها لم تمنحه حتى ذلك الحق... 
أرسلت الخاتم...
ورحلت... 
وتركت خلفها رجلًا لم يفهم شيئًا، إلا أنه لم يعد مرغوبًا في حياتها... 
مرر يده على وجهه، وزفر بوجع... سائلًا: 
ليه. 

خرج السؤال منه هذه المرة مسموعًا.
لم يكن يسأل البحر...
بل كان يسألها، رغم أنها لم تكن أمامه.. 
قال بألم: 
ليه ما ادتنيش فرصة أكون جنبك. 

صمت... 
ثم أغمض عينيه، وعادت إليه تفاصيل ذلك اليوم؛ الخاتم في يده، الرسالة أمامه، وصوتها الذي لم يسمعه بعدها... 
شيء بداخله ظل يرفض تصديق الرسالة التي عاش عليها طوال تلك السنوات... 
كان هناك يقين غريب...
يقين لم يستطع دفنه مهما حاول... 
أنهما لم يفترقا لأن الحب انتهى... 
بل لأن شيئًا أكبر منهما وقف بينهما... 
شيء جعلها تختار الرحيل بدلًا من أن تختار التمسُك بيده... 
فتح عينيه ببطء.وسأل: 
إحنا سقطنا بجد...

توقف، وكأن الكلمة التالية ثقيلة على لسانه... وهو يقول: 
بس مش في الحب.

نظر إلى البيت القابع أمام البحر.
إحنا سقطنا في امتحان الحقيقة... وأنا لحد دلوقتي مش عارف مين فينا كان خايف منها أكتر.

ظل صامتًا، ثم عقد حاجبيه.
الشئ الذي اعتبره حقيقة مطلقة... كان كذب
لم تكن خائنة... 
لم تتخلى  عنه لأنها لم تعد تحبه... 
كان هناك حكاية كاملة عاشها كل منهما وحده،  في صمت... وربما آن آوان أن يحكي كل منهما للآخر سر إختياره. 
❈-❈-❈
بـالڤيلا
بغرفة ريان وكنزي..
فتح عيناه، ونظر نحو تلك التي استقرت بنصف جسدها تقريبًا فوق صدره... أزاح بخفة خصلات شعرها المبعثرة عن وجهها، حتى ظهرت ملامحها الهادئة أمامه.
شعرت بلمسته، فرفعت رأسها قليلًا، وفتحت عينيها بنصف وعي، ثم أغمضتهما من جديد، وزفرت بإرهاق واضح، ما زالت تشعر بثقل جسدها من السهر وجولات الغرام  التي امتدت بينهما حتى لحظات الفجر... 
ابتسم ريان على حالتها، ووضع قبلة حانية أعلى رأسها، ثم قال بمرح وهو يغني بصوت منخفض:
يا حلو صبح... يا حلو طل...يا حلو صبح نهارنا فُل. 

فتحت كنزي عينًا واحدة ونظرت له بضيق مصطنع:
ريان... حرام عليك، أنا عايزة أنام.

ضحك وهو يضمها إليه أكثر قائلًا:
تنامي إيه بس ده أنا من بدري صاحي ومستني أصحى على عيونك الحلوة.

غمغمت وهي تدفن وجهها في صدره:
عيون إيه سيبني أنام بدل ما أكرهك.

بحزن مصطنع وهو يضرب بيده على صدره بطريقة مرحه قائلًا: 
تكرهيني. 

قالها متصنعًا الصدمة، ثم تابع بنفس النبرة المرحة:
ده أنا اللي المفروض أزعل... مراتي صحيت من غير ما تقول لي صباح الخير.

رفعت رأسها ببطء، وحدقت فيه بنظرة نعسانة:
صباح الخير يا ريان.

ابتسامته اتسعت قائلًا:
صباحي إنتِ... وبعدين إيه صباح الخير يا ريان دي... المفروض تقولى يا حبيبي، أو يا بيبي زي ما بسمعهم يقوبوا كده. 

ظلت تنظر إليه للحظات، قبل أن تبتسم رغمًا عنها، وضعت قبله على وجنته ثم عادت تختبئ بين ذراعيه وهي تتمتم:
صباح الخير يا حبيبي... 

ثم أكملت بتحذير مرح: 
بس لو كملت غنا... هنام وأسيبك لوحدك.

ضحك، وقبل جبينها:
خلاص، هسكت... بس بشرط.

-إيه. 

أجابها وهو يضمها لصدره: 
تفضلي كده في حضني.

تنهدت براحة، وأغلقت عينيها من جديد قائلة:
دي مش محتاجة شرط.

سكت ريان، وضمها إليه بحنان، بينما تسللت خيوط الصباح من بين ستائر الغرفة،  يحمل في داخله شيئًا مختلفًا هذه المرة... 
ظل ريان محتضنًا لها للحظات، يستمع لأنفاسها الهادئة، قبل أن يبتسم حين شعر بها تتحرك بين ذراعيه... 
فتحت كنزي عينيها ببطء، فوجدته يحدق بها وكأنه نسي العالم كله... تفوهت بسؤال: 
بتبصلي كده ليه. 

ضمها وقال بصوت خافت:
بحاول أحفظ اللحظة.

ابتسمت بخجل سائلة:
لحظة إيه. 

أجابها: 
لحظة إنك أول حاجة شفتها عيني الصبح.

خفضت عينيها، فرفع ذقنها برفق حتى يجبرها على النظر إليه... قائلًا  بأمر عاشق: 
متبصيش بعيد.

بدلال سألته: 
ليه. 

أجاب بعشق: 
عشان بحب عنيكِ لما بتكسف.

ضحكت بخفوت، ثم قالت:
إنت النهارده كلامك كتير أوي.

تفوه بمكر: 
أنا لسه بدأت.

أحاط وجهها بكفيه، وطبع قبلة هادئة على جبينها، ثم على خدها، قبل أن يتوقف لحظة 
اقتربت هي منه أكثر، وأسندت جبهتها إلى جبهته، وهمست:
أنا بحب الصبح لما بيبدأ معاك.

ابتسم ريان، وشبك أصابعه بأصابعها... قائلًا  : 
وأنا بحب كل حاجة في حياتي بقت مرتبطة بيكِ. 

نظرت إليه طويلاً، وكأن كلماته لامست مكانًا عميقًا داخلها... تفوهت: 
حتى لو اتخانقنا. 

تبسم قائلًا: 
خصوصًا لو اتخانقنا.

ضحكت قائلة:
يعني هتفضل تستحملني. 

صحك قائلًا بمرح: 
لازم أتحمل... غصب
ده أنا اخترتك.

سكتت لحظة، ثم قالت بنبرة أكثر دفئًا:
ريان...

_نعم. 

قالت: 
لو الزمن رجع بيا من الأول... كنت هختارك برضه.

اختفت ابتسامته للحظة، وحل مكانها تأثر صادق، فضمها إليه بقوة ودفن وجهه في شعرها... قائلًا: 
متعرفيش الجملة دي عملت فيا إيه.

ابتسمت وهي بين ذراعيه بسؤال:
عملت إيه. 

ابتعد قليلًا لينظر إلى عينيها قائلًا:
خلتني أتمنى إن العمر كله يبقى صباح زي ده.

ابتسمت كنزي، وقبل أن تجيبه، سرق منها قبلة قصيرة حانية، ثم ضحك حين احمر وجهها.

قالت إسمه بدلال: 
ريان. 

ضحك قائلًا: 
نعم يا حلو. 

ابتسم قائلة: 
انت مستفز.

غمز بوقاحة قائلًا: 
بس بتحبيني.

هزت رأسها بيأس مصطنع قائلة: 
للأسف فعلًا. 

ضحك، ثم جذبها إلى صدره مرة أخرى، بينما بقيت هي بين ذراعيه، شاعرة للمرة الأولى أن كلمة "بيت" لم تعد تعني مكانًا...
بل شخصًا.

سكتت كنزي للحظة، وبقيت عينيها معلقة في عينيه، لكن عقلها كان في مكان تاني تمامًا.. 
لاحظ ريان شرودها، فابتسم بمشاكسة، ومد إصبعه أمام عينيها:
سرحتي في إيه أوعي يكون مش فيا. 

ضحكت رغمًا عنها، وهزت رأسها:
لأ... فيك.

سألها: 
أمال سرحانة ليه. 

ترددت قليلًا، ثم تنهدت، وكأنها أخيرًا قررت تخرج ما بداخلها من خوف:.
عارف إيه اللي بيخوفني. 

اختفت ابتسامته تدريجيًا، وصار ينظر إليها باهتمام سائلًا: 
إيه. 

خفضت عينيها، وقالت بصوت خافت:
إن كل حاجة حصلت بسرعة... حبنا، جوازنا، قربنا من بعض... حتى السعادة اللي أنا عايشاها دلوقتي.

سكتت لحظة، ثم ابتلعت غصتها وأكملت:
دايمًا بيقولوا إن الحاجة اللي بتيجي بسرعة... بتنتهي بسرعة.

ظل ريان صامتًا للحظات، وكأنه لم يرد أن يقاطع خوفًا خرج منها بصعوبة... 
ثم رفع وجهها إليه، وقال بهدوء:
وإنتِ مصدقة الكلام ده. 

هزت كتفيها بحيرة قائلة:
مش عارفة... بس بخاف.

سألها: 
من إيه بالظبط. 

نظرت إليه، وكان الخوف واضحًا في عينيها:
أخاف أصحى في يوم ألاقي إن كل ده كان مجرد وقت حلو وخلص... وإنك ما بقيتش تحبني زي دلوقتي.

تغيرت ملامح ريان، واقترب منها أكثر، حتى لم يعد بينهما سوى مسافة صغيرة... قائلًا: 
كنزي... الحاجة اللي بتيجي بسرعة ممكن تخلص بسرعة، آه... 

رفعت عينيها إليه بقلق... 
ابتسم ابتسامة هادئة وأكمل:
بس الحب مش بيتقاس بالوقت اللي أخدناه عشان نوصله... بيتقاس بإحنا مستعدين نعمل إيه عشان نحافظ عليه.

وضعت يدها فوق يده: قائلة 
وإنت مستعد. 

ضم أصابعها بين أصابعه وقال دون تردد:
أنا مش مستعد بس... أنا عايز أفضل كل يوم أختارك من جديد.

ارتجفت ابتسامتها، ولمعت عيناها.. وقالت: 
حتى لما أبقى صعبة. 

ظغط على أنفها بمرح قائلًا: 
خصوصًا وقتها. 

ضحكت وادعت الالم قائلة: 
وهتفضل تحبني. 

اقترب وقبل شفتيها بحنان قائلًا: 
لحد ما تخافي من حاجة تانية... وهي إنك مش هتعرفي تتخلصي مني.

ضحكت، وضربته بخفة على صدره:
مغرور.

أمسك يدها قبل أن تبتعد، وقال بنبرة أكثر جدية:
لا... أنا بس عايزك تطمني... مش هقولك إن عمرنا هيبقى من غير مشاكل، ولا أوعدك إن كل يوم هيبقى سهل...

توقف لحظة، ثم نظر داخل عينيها:
بس أوعدك بحاجة واحدة... مهما الدنيا حصل فيها، مش هخليكِ تحاربي لوحدك.

تبسمت له ثم
سكنت تمامًا بين ذراعيه، وكأن الجملة وحدها كانت الإجابة التي احتاجها قلبها منذ وقت طويل.

همست:
كده خوفي بدأ يهدى.

ابتسم قائلًا:
يبقى أنا كسبت أول معركة ليا النهارده.

بسؤال: 
معركة إيه. 

أجابها: 
معركة ضد خوفك... ولسه عندي معارك كتير عشان أخليكِ تصدقي إن اللي بينا مش لحظة وهتعدي.

ثم ضمها إليه، وهذه المرة لم تقل شيئًا...
فقط أغمضت عينيها، وتركت قلبها يصدق للحظة أن بعض الأشياء الجميلة لا تأتي سريعًا كي تنتهي سريعًا...
بل تأتي في الوقت الذي يكون فيه القلب مستعدًا لها.


تعليقات