رواية آصرة العزايزة الجزء الثانى الفصل الثامن عشر
" عندما يصبح الحُب سلاحًا " 2
عندما يصبح الحب سلاحًا، لا نعود نخشى العاصفة، بل نخشى أن تقتلع منّا من أحببناه.. فنقف في وجه الخوف والأعراف والعالم ونحمل قلوبنا درعًا، ونقول بأعلى صوت يسكننا ؛ لن أخسرك… ولو كان ثمن بقائك أن أحارب الجميع لأجلك …..
•••••••••••
-رقية، منذ الصباح تثرثرين بكلامٍ لا رابط بينه، فقولي لي ما الذي تخفينه عني؟
-لا هكون مخبيـة ايه يعني!!
كاد رأسه أن ينفجر من ثرثرتها التي كشفت سر نواياها .. تركت المصحف من يدها وضعته برفق فوق المكتب ، و أمسكت سريعًا بفرشاة الشعر وجمعت شعرها كله جهة اليميـن وأخذت تسرحه بمهل كي تختبئ عينيها خلفه .. ثم نظرت له من وراء خصلة صغيرة و سألته بحياء :
-بس أنت عرفت كيف ؟! أصلا أنت كيف بتقراني من عيني !! أنا بقيت أخاف منك !!
ترك السبحة من يده حيث كان مرتديا " ترنك رياضي باللون الكحلي " وهو يقول مبتسمًا وسابحاً في ليل شعرها :
-وكيف تريدينني ألا أقرأكِ، وأنتِ التي أراها كل ليلةٍ بين ذراعيّ حتى أصبحت كلي ؟!
ثم وثب واقترب منها وهو يذوب سحرًا من جمالها ويمرر أناملها فوق أوتار شعرها ذي يغطي ذراعها بكفها ويقول :
-وكيف عاوزاني ما أقراكيش، وإنتِ بقيتي أهدى حتة في قلبي وأقرب حاجة لروحي؟! أنا ما حفظتش ملامحكِ بس يا رقية، أنا حفظت خوفكِ وضحكتكِ وسكوتك وميتى وكيف أسعدك وايه اللي يضايقك ، وعرفت من عينيكي الكلام اللي لسانكِ لسه ما قالوش.. وكيف عاوزاني ما أفهمكيش، وإنتِ كل ليلة جارتي وجواري وأني منك وأنتِ مني !!!
سكنت رقية بين يديه للحظات، وقد غلبها الخجل عن مجاراته، فخفضت عينيها إلى الأرض وهي تعبث بأطراف ثوبها، ثم تمتمت:
-طب ولو عرفت أني مثلا مخبية عليك حاجة كبيرة هتعمل إيه؟!
ابتسم هلال وكأن السؤال كان ينتظر منها ثم مد يده ودورها أمامه ورفع ذقنها برفق حتى التقت عيناها بعينيه:
-هسمعك للآخر… حتى لو الحديت وجعني، وحتى لو اللي مخبياه يخوفني..أنا قابل أي حاچة وكل حاجة منك !
ارتجف شيء في نظرتها، فقال بنبرة أكثر هدوءًا:
-أنا مش عايز منك غير حاجة واحدة يا رقية… متشيليش حاجة لوحدك وأنا موجود اللي يخوفك قوليلي عليه، واللي يوجعك حطيه بين يدي وأنا أتحمله معاكي.
سقطت دمعة صغيرة من طرف عينها، فمسحها بإبهامه قبل أن تهبط، وقال:
-فاكرة إني اتجوزتك عشان أعيش معاكي الأيام الحلوة بس!! دانا خطفنك من قلب النار، واخترتك عشان الأيام اللي مش حلوة كمان… عشان لما الدنيا تضيق عليكي، تلاقي كتفك لسه مكانه، وقلبي لسه فاتح لك بابه ..
سكتت رقية قليلًا، وظلت يدها فوق صدره تستشعر نبضه، ثم سحبتها ببطء وكأنها تراجعت عن شيء كانت تنوي قوله.. لاحظ هلال ترددها، فابتسم بهدوء :
-في إيه يا رقية؟ شكلك عاوزة تقولي حاچة ومش عارفة.
عضّت شفتها بخجل ثم أشاحت بعينيها عنه:
-هو… أنت عمرك فكرت في العيال؟يعني مش نفسك أخلف و .
اختفت ابتسامته للحظة لا دهشةً من السؤال، وإنما لأنّه فهم ما وراءه اقترب منها قليلًا وقال بهدوء:
-هو ديه اللي واكل راسك من الصبح ؟!!
هزت رأسها بخجل، وقالت بصوتٍ بالكاد يُسمع:
-أيوه… يمكن من وقت ما شفت رغد وهي بتتكلم عن الحمل وأنا… معرفش، حسيت نفسي عايزة أعرف إحنا هيبقى لينا يوم زيهم ولا لاه.
ظل ينظر إليها طويلًا ثم أخذ يدها بين كفيه وقال:
-وليه مستعجلة اليوم ديه يا رقية؟
رفعت عينيها إليه وفيهما حلم صغير تخشى أن تنطقه:
-مش مستعجلة… بس نفسي في عيل منك نفسي أشوف حد صغير شبهك، وأفضل أبص له وأقول إن دي حتة منك سبتها الدنيا في حضني.
ابتسم هلال ابتسامة هادئة، ومرر إبهامه فوق ظهر يدها بلطفٍ :
-وأنا نفسي في اليوم ده… بس مش عاوزه ييجي لمچرد إننا بنجرو ورا حلم، عاوزه ييجي وإحنا مطمنين، وإنتِ مرتاحة، وبيتنا مليان أمان قبل ما يتملى بصوت عياله.
خفضت رأسها، ثم ابتسمت بحياء:
-يعني… نفسك فيه زيي بالظبط !!
ضحك بخفوت، وجذبها إليه بحنان:
-نفسي فيكِ إنتِ الأول… وبعدها في كل حاجة ربنا يكتبها لينا أنا راضي بيها .
استقرت رأسها على صدره، وابتسمت وهي تهمس:
-يبقى نخليها أمنية بينا… ونستنى ربنا يحققها في وقتها .
ضمها إليه أكثر، وقال قرب أذنها:
-ومهما اتأخر الوقت، هفضل أتمنى اليوم اللي أنادي فيه على عيالنا ويجروا عليكِ قبلي.. كيف مانتي مچرياني وراكِ إكده !!!
وهنا نجحت رقية أخيرًا في أن تُشغل بال هلال عن شكوكه، وتُنسيه أمر وقوفها مع هارون، فانساب الحديث بينهما إلى أحلامٍ أخرى أدفأ، أعمق وأجمل حتى غاب ذلك السؤال عن رأسه واستطاعت أن تجذبه عنوة إلى عالمهما الخاص المطوق برائحة الحب والحنين …..
•••••••••••
~ بغرفة هارون ..
كان واقفًا أمام خزانته، يخرج ملابسه بهدوء، والمنشفة ملقاة على كتفه، بينما كانت هي تراقبه بعينين مفعمتين بالإعجاب والحب؛ تتأمل تفاصيله في صمت، وتفكر كم كانت محظوظة حين جمعها القدر برجلٍ مثله.. زفرت بضيقٍ مسموع، فالتفت إليها متسائلًا:
-مين مزعلك بس ؟!
هبّت فجأة من مكانها، وكأنها كانت تنتظر سؤاله منذ دخلت الغرفة، وقالت بنبرة حاسمة تحمل من التهديد والوعيد ما جعل حاجبيه يرتفعان :
-ممكن أعرف هتطلق اللي اسمها زينة دي أمتى ؟!
توقفت يده للحظة، وبدا الاندهاش واضحًا على وجهه، قبل أن يلتفت إليها كاملًا :
-اشمعنا ؟!
خرجت عن هدوئها وقالت منفعلة :
-هو أيه اللي اشمعنا !! مش كله عرف أني مراتك هلاص وانا مش بحب حد يشاركني فيك حتى ولو بالاسم بس .. وكمان ماينفعش تكون متجوز ليلة الجوهري وضرتها زينة دي !! ثالثا وده الاهم وجودها فـ البيت مش مريحني ، ومش مطمنة طول ماهي هنا !! بجد مشيها يا هارون ..
عقد حاجبيه، واقترب منها خطوة وهو يقول بنبرةٍ تجمع بين العتاب والدهشة :
-وه وه وه !! كل ديه معبياه في قلبك وساكتة !
عقدت ذراعيها أمام صدرها وهزت ساقها بإصرار ثم رفعت ذقنها وكأنها لن تسمح له بالمراوغة:
-سؤالي واضح… هتطلقها أمتى !! انا مش عايزاها موجودة هنا …
زاح خصلة من شعرها وراء أذنها وهو يخبي ضحكته :
-هطلقها بس مش دلوق ؟!
ضاقت عينيها بدلالٍ :
-امتى يعني ؟!
رجل مثله لم يعتاد علي تلك نبرة التحقيق تنهد هارون ثم ألقى المنشفة على طرف الفراش، وعاد إليها بكل هدوء فأردف :
-ليّ غرض فيها ياستي وبعدين هطلقها ..
وضعت يديها في خصرها، واتسعت عيناها في غيرة صريحة:
-غرض أيه دا ان شاء الله يا هارون بيه ؟!
أطلق ضحكة عالية وهو يستلذ بمذاق غيرتها ، رمقته بنظرة أخيرة فجعلته يضحك أكثر :
-ياستي مش اللي في راسك ، اهدي اكده ، وبعدين المهم أني دلوق مع مين وقلبي مسلمه لمين ؟!
هدأت تدريجيًا وهي ترمقه بعيني مهزومة في معركتها مع رجل فطن مثله وقالت بصوت طفولي خافت :
-لمين ؟!
أمسك ذقنها ورفع وجهها إليه وقال معترفًا :
-مسلمه لأجمل عنين في الدنيـا .. وبعدين مل الزرزرة دي عشان خاطر زينة ؟!
ابتلعت ريقها وقالت بعنادٍ يعارضه :
-وأنا ماليش حق أخاف على جوزي يعني !
ابتسم، ومرر إبهامه على وجنتها:
-ليكي كل الحق.. بس مش عاوزك تخافي من حاچة ملهاش لازمـة ، وأنا لسه بكمل آخر خيط فيها عشان أقفله بإيدي ..
أومأت شبه مقتنعـة ، ثم فزعت :
-استنى بس أنت مش عندكم طلاق !!
أيدها بهدوء :
-ولا عندينا چواز من أغراب ؟!
وضعت أناملها فوق شفتيها :
-أحيـٰـه !!! بس أنتَ دي آكيد هتحلها !
التوى ثغره ببسمة خفيفة مشحونة بالثقة :
-ماهو اللي يحل دي ، هيحل التانية يا ليلة !! ولا ايه ؟!
ثم سحب كفها وطبع فوقه قبلة خفيفة وأتبع :
-وبعدين مش عاوزك تعتلي هم حاچة ، طالما دمي ماخطلتش بدم زينة وبقا واحد و
اهتزت عينيها بقلقٍ وحيرة :
-طيب أنت كده ممكن تطلقني بسهولة عشان أنا وأنت دمنا لسه مبقاش واحد ؟!
ابتلع ضحكته بتهيدة متعبة وهو يعض على شفته السفلية :
-يعني أنتِ دلوق عاوزة أيه يا بت الناس ؟!! متستهدي بالله كِده ربنا يراضيكي ؟!
هربت كالأرنب من مرمى نظراته وقالت متحججة وهي تلبس جلبابه الصعيدي الملقى على الاريكة :
-وريني ده بتلبسه ازاي ؟!!!
شرعت في ارتداء عباءته الصعيدية الفضفاضة، وهي تتضحك وتتغنج، وتفتح ذراعيها للحياة كفراشةٍ ترى للمرة الأولى بساتين الورد..انساب الجلباب عليها أوسع مما ينبغي، فتاهت كفاها داخل أكمامه، وبدت كطفلةٍ اختبأت في ثوب أبيها، فضحك هارون رغماً عنه وهو يطالعها بعينين لا تخفيان افتتانه بها .. ثم سألته :
ثم أخذت تدور بالجلباب حول نفسها، تضحك بخفة وتتأمل هيئتها الجديدة، حتى تعثرت قدمها بطرفه الطويل، فانتهى بها الأمر بين ذراعيه، فأمسكها قبل أن تسقط.. شهقت من فزعتها، ثم رفعت عينيها إليه وقالت بامتنانٍ خجول:
-دايمًا بتلحقني في آخر لحظة.. خليك كده على طول، ممكن؟
ابتسم هارون وهو لا يزال محتويًا إياها بين ذراعيه، وقال وهو يتأمل ارتباكها بعينين عاشقتين:
-خلاص اتعودت ، خليكي واثقة ولو وقعتي ألف مرة، هتلاقيني سابق الأرض ليكي..
ثم مرّر يده بحنان على كتفها، وأردف بصوتٍ خافت، فشعر بخفقان قلبها المتسارع تحت كفّه، فابتسم وكأن نبضها فضح خجلها قبل عينيها، وقال بغزلٍ عذب:
-ضحكتك بتخليني عاوز آكلك وكل.. أحلى واحدة شفتها تضحك، عارفة ضحكتك دي قادرة النهار من جوف الليل..
ثم تنهد بمرارة :
-لغاية ميتى هيفضل بينا حواجز وسدود ..
تملصت من يده بخفة بعد ما أفشلت مخططه في نيل قُبلة دافئة منها ، ففهم أنها تحاول أن تحميه من نفسه وقلبه ، قبل أن تضمن أمانها ، تركتها وذهبت لمكتبها وأخذت تبعثر في الأوراق بشكل عشوائي ، حتى وجدته كاتبًا بخط يده " ماهر العزايزي " ..
دارت رأسها إليها والغموض يملأ عينيها أثر شعور مبهم أصاب قلبها جراء هذا الاسم وقالت راجية :
-ممكن تحكي لي حكايته تاني بس بالتفصيل ؟!
صعد صدره بنفس عميق ومشحون بالأسرار التي تدق الأبواب ، فقال بسعة ورحب :
-هاخد دش ساقع بس وهطلع احكي معاكي للصبح.
بعض الأسرار لا تُروى لأنّها نُسيت بل لأنّها ما زالت تسكن في مكانٍ ما بالحياة، وما كان هارون يعرفه أن اسمًا واحدًا قد يُعيد فتح أبوابٍ ظنّ الجميع أنّها أُغلقت، وماتت مع أصحابها ، وأن خلف كل سر دُفن طويلًا، حكايةٌ تنتظر من يملك الشجاعة ليرويها حتى النهاية …
••••••••••••
في الظلام الدامس، تسلّل خضر ولد سويلم، المُلثّم، وخلفه أربعةٌ من الرجال الملثمين مثله، خِفيةً من بين المحاصيل والأشجار والنخيل وغيرها، حتى وصلوا إلى ممرٍّ طويلٍ ومظلم، لا يُسمع فيه سوى وقع أقدامهم الخافتة وحفيف أوراق الشجر من حولهم.
تابع الرجال خُطاهم متخذين خضرًا دليلًا لهم، بينما كان هو يسير بثباتٍ وكأنه يعرف المكان شبرًا شبرًا وذلك لأن ابيه من قبل كان أمينًا على تلك المخازن التي لم يعرف طريقها إلا ندرة من رجالة المجلس وخضر الذي كان يصاحب أبيه يوميًا حتى حفظ كل مداخل المكان وأسراره ، لم يلتفت خلفه إلا بين حينٍ وآخر، يتأكد أن الرجال الأربعة ما زالوا يتبعونه، ثم يعود بعينيه ويلوح بيده بحرصٍ إلى الطريق أمامه.
طال الممر حتى بدا وكأنه لا نهاية له، إلى أن توقّف خضر فجأة أمام بوابةٍ حديديةٍ ضخمة مخيفة ، نصفها غارقٌ في الظلام، والنصف الآخر بالكاد تلامسه خيوط القمر المتسللة بين أغصان النخيل.. أشار بيده للرجال أن يقفوا ، ليتفقد المكان فتوقفوا.. فوجده خاليًا تمامًا من الحرس والبشر كعادته..
فهناك أسطورة قديمـة تغلف تلك المنطقة التي يهابها الجميع ، بأن أي مخلوق تطأ اقدامه هنا بعد غروب الشمس ، ستصيبه اللعنة التي بُنيت عليها أكبر وأعظم مقبرة فرعونيـة كانت بوابة القدر للرجال العزايزة وهما وحدهم اللذين وضعوا شروطها ذاعمين أنها من شروط الجن لدوام الثراء ….
أخرج خضر كشافًا من جيبه وبمرر خفي مجهول عن الجميع ، سلكه ووصل لباب خشبي وما هي إلا لحظات حتى فُتح الباب بصوتٍ مكتوم، وانزلقوا جميعًا إلى الداخل، قبل أن تُغلق خلفهم من جديد.
كان المكان أشبه بمخزنٍ هائل، يمتد إلى مساحةٍ واسعة، تتراص على جانبيه رفوف وخزائن خشبية قديمة، وفوقها صناديق وملفاتٌ ودفاترٌ مكدسة بعنايةٍ غريبة .. وعلى الطاولات الممتدة في المنتصف، كانت هناك أكوامٌ ضخمة من الأوراق والمستندات، بعضها قديمٌ اصفرّت أطرافه، وبعضها حديثٌ لم يمضِ على كتابته وقتٌ طويل..اقترب خضر من إحدى الطاولات، ومد يده إلى ملفٍ كبير، فتحه على عجل، وألقى نظرةً على ما بداخله.
ثم رفع عينيه إلى الرجال.. وقال بصوتٍ خافت، لكنه حاسم:
-كله… مفيش ورقة واحدة تخرج من هنه.
اقترب أحد الرجال من كومةٍ أخرى، يقلب الأوراق بعناية، قبل أن يهمس:
-هنه دي كل المستندات اللي تخص العزايزة !!
أجابه خضر دون تردد:
-ماهو كل اللي قدروا يجمعوه ، وكل اللي كان ممكن يفضحهم موچود هنه .
كانت الأوراق أمامهم تحمل أسماءً وتواريخ وتوقيعاتٍ وأسرارًا ظلت مدفونةً لسنوات وخرائط فرعونية لمقابر متعددة ودفاتر وكل صفحةٍ منها كانت قادرةً على فتح بابٍ لمشكلاتٍ لا تنتهي.. أعاد خضر الملف إلى مكانه، ثم استدار نحو الرجال وأمرهم :
-أحرقوا …..
تحرك الرجال في صمت، وبدأوا يجمعون الأوراق والمستندات في أكوامٍ متفرقة، حتى امتلأ المكان بها وبعد لحظات، أُشعلت النيران، فالتهمت الأوراق واحدةً تلو الأخرى.. سرعان ما أخذ اللهب يمتد بين الملفات والصناديق، يلتهم كل ما تقع عليه عيناه، تصاعد الدخان في أرجاء المكان، واختلطت رائحته برائحة الورق المحترق والخشب القديم.
ظل خضر واقفًا يراقب المشهد من بعيد، وملامحه مختبئة خلف لثامه، بينما كانت النار تكبر شيئًا فشيئًا وتأكل في طريقها كل ما يُقابلها، وكل ورقةٍ كانت تحمل سرًا من أسرار العزايزة تحولت إلى رمادٍ يتطاير في الهواء.
وقبل أن يغادروا، وقف خضر عند المدخل، وألقى نظرةً أخيرة على المكان الذي تحول إلى كتلةٍ هائلة من اللهب والدخان.
قال بهدوء:
-من اليوم وطالع العزايزة ما عادش عندهم ماضي يرجعوا له..ولا خرافات يصدقوها .
ثم استدار وغادر المكان و يتبعه الرجال الأربعة، تاركين خلفهم النار تلتهم كل شيء… حتى لم يبقَ من تلك الأوراق والمستندات سوى رمادٍ أسود دخانه يعانق السماء …..
••••••••••••
خرج هارون من الحمام بعد أن انتهى من حمامه، فكان أول ما بحثت عنه عيناه هي، لتبتسم شفتاه حين وجدها في الشرفة تعدّ مجلسًا رومانسيًا لهما تحت ضياء القمر، فطالعته بابتسامتها المفعمة بالحيوية :
-القمر شكله حلو أوي النهاردة ، قلت نستغل الليلة دي ونقضيها سوا ، أنا وأنت وهو …
مسح علي شعره المبلل وهو يقول :
-أنتِ أيه حكايتك مع القمر !
دنت متحمسة وهي تتولى مهمة تجفيف شعره المبلل بالمنشفة :
-بجد حابب تسمع ، بص يا سيدي ..
لفت المنشفة حول عنقـه بخفة وقالت :
-أصل الأسطورة بتقول إن القمر كان بعشق بنت بشرية، وكان ينزل كل ليلةٍ عشان يشوفها في الس حتى اكتشفت الآلهة أمرهم بقا ، وهنا حصل أيه ؟!! حكمت عليه بالبقاء في السماء، وعلى حبيبته البقاء في الأرض للأبد بقا ..
توقفت لحظة، وكأنها تستمتع بتشويقه، ثم قالت:
-وقبل مايفترقوا وعدها وعد وقالها :
"كل ما اكتمل القمر، اعرفي أني قريب منك أوي"
ابتسمت وهي تمرر المنشفة بين خصلات شعره:
-ومن اللحظة دي ياسيدي لما يظهر القمر بدر ده عشان يحتفظ بوعده .. وبقيت الأسطورة كالآتي إن اكتمال القمر ماهو إلا موعدًا قديمًا بين قلبين ماقدروش يلتقوا أبدًا .
رفع هارون عينيه إليها، بينما تركت المنشفة جانبًا واقتربت منه من جديد :
-طب وديه مش فال وحش ؟!
هزت رأسها نافية، وقالت بابتسامة:
-لا ، هو بينبسط لما بيلاقي الأحبة متجمعين تحت نوره كده .. وعملوا اللي هو اتحرم منه ..
ثم تغنجت بين يديه وأتبعت بهمس :
-وفي أسطورة قديمة بتقول ، إن ليلة تمام القمر السماء بتكون مباركة بضوءٍ فضي يجلب الحب والرزق والخصوبة ، بمعني ان القدماء يعتقدون أن الزوجين إذا اجتمعا في تلك الليلة يعني كتب للمرأة حملًا ويولد طفلها محاطًا بحظ مميز .. لو زرعت ثمرة في الوقت ده ربنا هيبارك فيها ، وهكذا ..
رفع هارون حاجبه، وقد بدا عليه الاستغراب والفضول معًاا :
-كيف ؟!
- كانوا بيقولوا " أن الذي يبدأ تحت البدر… لا يكون عابرًا في هذه الدنيا"
ثم سحبته بهدوء، فتبع خُطاها مستسلمًا، تاركًا نفسه لها. جلسا معًا على الحصيرة التي فرشتها أرضًا، ثم توسّدت يديه، وأسندت ظهرها إلى ركبته المثنية، بينما أحاطها بذراعيه في هدوء.. ثم قالت :
-هاه يا سيـدي احكي لي …..!
شرع في روي حكاية ماهر العزايزي بتفاصيلها وبأسرارها ، حيث كانت تستمع له باهتمام شديد حتى ختمت حديثه بأسفِ :
-طيب بنته دي لو لسـه عايشة ، هيبقى أيه مصيرها !!
ظل يداعب خصلة حائرة بشعرها وهو يقول :
-لازمًا تتچوز نفر من العزايزة ، وتچيبلهم واد يشيل اسمهم ، لأن الحكم بتاع أبوها عدى عليه 25 سنة !! بس لازم يتحقق الشرط وتتچوز منيهم .
تفوهت بلهفـة :
-طيب أهي اتحلت ، يعني البنت لو رجعت كده مش هيقتلوها !!
نفى سؤالها بحركة تلقائية من حاجبيه :
-محصلش ، وفي الغالب محدش هيوافق يتچوز واحدة أبوها وأمها في نظر الكل مذنبين !! عشان كده قوانينهم بتكمل بعضها .. بحيث تكون الغاية هي الدم ..
-طيب لو قتلوها ، مش هيدخلوا السجن ويتحاكمو !!
-ليلة حبيبتي ، نچع العزايزة مفيش شرطة تقدر تهوب يمه ، والمرات اللي دخلت فيه ديه كانت بمزاجنا .. وبناء عن شكوى من چوانا…
تأرجحت عينيها برعبٍ :
-أنا ليـه خفت ؟!!
-لازم تخافي ، ولازم كل واحد يسمع عننا يترعب ، دي غية العزايزة من ساعة ما وعيوا على الدنيـا !! بس كله عشان خاطر عينيكي دي هيتغير !!
ضمت كفها لقلبها وقالت :
-خايفة عليك ، وخايفة حبنا ما يشوفش النور أبدًا.
-متخافيش طول منا معاكي ..
ثم قالت بدلالٍ :
-طيب البنت دي لو رجعت وكانت زي القمر ، زي مامتها كده ، وأنت شوفتها ، ممكن تتنازل وتتجوزها عشان تعيش ! وتديها فرصة تانية للحياة !
ضاقت عينيه ممازحًا :
-قمر قوي يعني !!
أيدته بضحك :
-قمر قمر قمر .. زيي كده.
فكر لثوانٍ بعرضها المغري:
-لو هتوافقي اجيبلك ضرة تانية معنديش مانع ..
عضته بانتقام في كفه :
-بس بقا كنت هقتلك أنت وهي .. مش كفاية عليا اللي اسمها زينة دي !!
-مش انتي اللي عتقولي يا ستي؟!
-انا اقول براحتي ، لكن انت ترفض وتقول لا وألف لا ..
ثم تحولت نبرتها بجدية :
-طيب أقولك على حاجة، تعرف وانت بتحكي لي كده كنت ببص للقمر واتمنى بجد ابقى البنت دي ، وقتها تبقى مشكلتنا اتحلت ، ومفيش حاجة هتفرقنا ، وانت آكيد مش هتصدق الكلام الأهبل ده والعار ومعرفش ايه ؟! بجد ليه الحياة مش سهلة كده زي مااحنا عايزينها …. ليه كله رافضنا نكون مع بعض !! ليه ما تولدتش بنت عمك وخلصنا من التعب ده كله ..
همس لها باحتواء لا يوصف متجاهلًا جملة حيرتها وهو يمرر أنفاسه على شعرها ليقول بهيام :
-ليلـة أنا عاشقـك … وبعد الدقايق لليوم اللي هتبقي فيه مرتي !!متخيلة !
سكنت بين ذراعيه، وكأن اعترافه جاء ليُسكت كل تلك المخاوف التي ظلت تعبث بقلبها منذ بداية حديثهما.. رفعت عينيها إليه ببطء، فالتقت عيناهما تحت ضوء القمر، ولم تجد في ملامحه تلك المرة شيئًا من المزاح أو المراوغة… كان صادقًا إلى الحد الذي جعل قلبها يرتجف.
ابتسمت ابتسامةً صغيرة، ثم عادت لتستند إلى صدره وتسد بأصبعها فراغات يده وهمست وهي على وشك البكاء :
-وأنا كمان… أوي والله .
أغمضت عينيها، وتركت نفسها لدفء ذراعيه ولمساته التي كانت تزرع مشاتل ورد على روحها بينما ظل البدر فوقهما يسكب ضوءه الفضي على المكان، كأنه يستمع لوعدٍ جديد يُكتب في هذه الليلة…وحدها لم تكن تعرف أن الأسطورة التي حكتها منذ قليل لم تكن مجرد حكاية عن عاشقين فرقتهما السماء… بل ربما كانت السماء نفسها تتهيأ لتختبر وعدهما.
•••••••••••••
" صباحًا "
استيقظت العزايزة بأكملها على خبر نشوب حريقٍ ضخم بأحد مقرات العزايزة.. انتشر الخبر بين البيوت كالنار التي اشتعلت في المقر، فهبّ الرجال من مضاجعهم، وهرعت النساء إلى النوافذ والشرفات يستطلعن ما يحدث، بينما تعالت الأصوات في كل ناحيةٍ من أنحاء البلدة، وكلٌّ يحاول أن يعرف كيف بدأ الحريق، ومن يقف وراءه، وإلى أي مدى وصلت النيران.
نهض الجميع مذعورين، إلا هارون، الذي كان ينعم بنومةٍ هنية، وكأن الدنيا من حوله لم تنقلب رأسًا على عقب، غير مدركٍ أن تلك الليلة لم تكن عابرة، وأن ألسنة اللهب المشتعلة في أحد مقرات العزايزة لم تحرق المكان وحده، بل كانت تدقّ أول مسمارٍ في نعش مجلس العزايزة.. المجلس الذي طالما ظنّ رجاله أنه عصيٌّ على الانكسار، وأن هيبتهم كفيلة بإخماد أي نارٍ قبل أن تقترب منهم.
وفي الوقت الذي كان فيه الجميع يركضون خلف تفاصيل الحريق، كان هارون مستلقيًا في فراشه بسلامٍ يُثير الغيظ وبحضنه زوجته التي حارب أهله وسلطته وبلدته لأجلها ، يتنفس بانتظامٍ وكأن لا شيء في هذه الدنيا يستحق أن يقطع نومه.. دون أن يعلم أن الصباح الذي سيستيقظ عليه لن يكون كأي صباحٍ مضى، وأن ما حدث تلك الليلة قد يكون بداية النهاية لأشياءٍ كثيرة، أولها مجلس العزايزة نفسه.
أما في الخارج، فكانت العزايزة تغلي.. رجال يتوافدون إلى مقر الحريق، وآخرون يتناقلون الأخبار والتخمينات، وكلما خمدت شعلةٌ ارتفعت أخرى، وكأن النيران لم تأتِ لتحرق المكان فحسب، بل جاءت لتعلن بداية حربٍ جديدة، حربٍ لن يخرج منها الجميع سالمين.
عاد خليفة من الخارج وخلفه هيثم الذي يطرح العديد من الاسئلة :
-تفتكر من وراها يا أبوي ؟!
ضرب العجوز عكازه بالأرض:
-ومين يستجرى ويعملها !! وأصلًا دخل كيف ووصل للمكان ديه ليه وايه غايته !!
حك هثيم رأسه مفكرًا :
-طب ما يمكن ماسّ كهربا زي ما بيقولوا يا بوي ..
وقف أبيه بمنتصف الدرج ودار إليـه قاىلًا باستغراب :
-المكان مادقش فيه عمود كهربا واصل يا ولدي ، عشان محدش عيروحوا في الليل ، فيه حاچة غلط ، روح صحي أخوك ، نلحقوا صلاة الضهر ..
أوقفه هيثم :
-يعني كِده قوة المچلس راحت يا بوي ؟!
حقن وجّه العجوز بالغضب:
-مش عقولك دي بفعل فاعل واللي عاملها عارف صُح هو عاوز أيه !!!
استقبلت " هيام " ابيها على مقدمة الدرج وألقت عليه التحية ، ثم أتبعت بتوتر:
-معلش يا أبوي ، عارفة أنه مش وقته بس انت كنت مدي للداكتور عمار كلمة وموعد ، وهو غاب لا حس ولا خبر ، هو انت رفضته يا بوي؟!
تأوه أبيها متذكرًا الأمر :
-لا يابتي بس حقك عليّ أنا اللي نسيت موضوعه ، هخلي هارون يكلمه ويشوفه .. متزعليش روحك ، وبعدين لو مشى هو يچي ألف غيره متحطيش في بالك ..
اندفعت بدون تفكير:
-لا ممشيش يابوي ، قصدي يعني هو مش راجل ولازمًا يكون عند كلمته !!
جاء هيثم من خلفها منتظرا رحيـل أبيه الذي فهم ابنته ولكنها رفض أن يضعها في موقف محرج لها ، سحبها هيثم وقال ممازحا :
-مش كد الكدب عنكدبو ليه !!
أحمرت وجنتيها بخجل :
-هيثم !! عتقول ايه !! هو أنا كدبت ميتى !!
غمز لها بطرف عينه ورمي كلمته قبل أن يمشي :
-شكلو الداكتور أفندي ديه سره باتع ..
ثم تحمحم بجدية مزيفة :
- روحي صحي هارون اخوكي ، وموضوع عمار ديه سيبهولي ..
~بغرفة هارون..
فتحت عينيها ببطء على صوت طرق هيام الخفيف وهي ترمي جملتها وتركل " هارون يا أخوي الصلاة " بقيت للحظات تتأمل وجهه النائم؛ ملامحه التي كانت تبدو أكثر هدوءًا حين يغلبه النوم، وأنفاسه المنتظمة التي جعلتها تبتسم دون أن تشعر.اقتربت منه قليلًا، وهمست بنعومة:
- هارون..
داعبت أرنبة انفه المستقيمة :
-هارون، اصحى بقا ..
تمتم بنعاس، وشد ذراعه حولها أكثر، وكأنه يرفض أن يسمح لها بالابتعاد:
-كمان هبابة ..
ضحكت بخفوت، ثم قالت وهي تحاول الإفلات من قبضته :
ما ينفعش، قوم يلاه .. صلاة الجمعة قربت.
فتح عينيه بصعوبة، ونظر إليها للحظات ابتسمت وهي تنظر إليه بحنان:
-قوم يا هارون، بدل ما تفوّت الصلاة.
تنهد متثاقلًا ثم جلس على طرف الفراش، بينما ظلت هي تراقبه بابتسامة صغيرة..وقبل أن ينهض، التفت إليها ومد يده نحوها، قائلًا:
-طب تعالي هنا الأول..
اقتربت منه مستنكرة:
-هتعمل إيه؟
أحاط خصرها بذراعه، وطبع قبلة هادئة على جبينها، ثم قال بابتسامة:
-آخد بركة الصبح قبل ما أقوم.
ابتسمت بخجل، وربتت على كتفه:
-ياربي منك ، مش هتبطل الحركات دي يلا يا هارون.. ربنا يهديك …
~بغرفة خليفة ..
اقتربت منه صفية وبيدها جلبابه المكوي للصلاة ، فرمقها بتعجب :
-ساكتة يعني على غير العادة يا صفية !! كبرتي وعقلتي ؟
جلست صفية بجواره تحت تأثير صدمتها :
-أعقل مين ، داني برچ من نفوخي هيشت ؟! عيالي بيروحوا مني وأنا واقفة اتفرج !!
ثم وثبت لتنفجر بوجهه:
-طب قولي أعمل ايه !! هيقتلوا عيالي واحد ورا التاني يا حج !! ولا ولادي اللي عصوا العرف والعقل وناسهم وراحوا چابولنا بنات لنعرفوا أصلهم من فصلهم ، واحدة حبلي ، والتانية في الطريق خلاص .. مش كفاية فضيحة الصغير اللي لسه الناس بتقطم في سيرتنا !!
ثم لطمت على خديها وصرخت :
-قول لي أنا أعمل أيه ؟! ولاد بطني هيضيعوا مني وانت واقف تتفرچ ويدك في المية الباردة !!
ثم أخذت توبخه وتعاتبه بحرقة:
-ايه يا عمدة نسيت اعرافكم وسلو بلدكم !! فين فين هارون اللي كان واقف كيف الچبل في وش العزايزة ، راح ضرب بيهم كلياتهم بعرض الحيط واتچوز بت من بحري !! رد عليّ استحلف لك بالله خلاص هتچنن من تحت راس عيالي!!
اخرسها قائلًا :
-اهدي عاد يا صفيـة !! فضينا مش هنقضيها لطم وولولة …!!
خرج كل الرجال للصلاة ، واجتمعن الفتيات في ساحة القصر ، منهن من تساعد فردوس في إعداد الطعام وآخرى تتساير مع أحلام عما حدث عند الطبيبة بالأمس، أما عن ليلة فكان تعيد ترتيب غرفة هارون بنفسها وما انتهت خرجت من الغرفة .. خطت خطوتين ففوجئت بيد زينة تسحبهـا عنوة :
-وبعدهالك !!!
تأوهت ليلة :
-سيبي أيدي !! أنتِ اتجننتي ؟! عايزة مني ايه !!
برقت بعينيها لترعبها :
-هتغوري من هنه ميتى !!
وقفت ليلة أمامها متوقية بجرعة حب هارون لها :
-امشي ليه !! ده بيتي وبيت جوزي ، اللي المفروض تمشي هي انتي !!
ثم اطلقت ضحكة خبيثة :
-انتي بجد يا زينة فاكرة اني هخاف من تهديدك الأهبل ده !! لما تروحي تقولي في المجلس أن هارون متجوزني ومعاكي الدليل كده هتبقى مرتاحة يعني !! لما يقتلو هارون قدامك ؟!! أنت عايزة كده !!
ارتعشت عينا زينة لحظةً، وكأن كلمات ليلة أصابت موضعًا كانت تخشى الاقتراب منه، لكنها سرعان ما تماسكت، وأطبقت أصابعها على ذراع الأخرى بقوة:
-متلعبيش بالنار .. إنتِ فاكرة إن هارون هيفضل يحميكي لحد إمتى، ديه هيدوسك في اقرب وقت !اصلك متعرفيش قلبته .
نزعت ليلة ذراعها منها بعنف، وقالت بثباتٍ ادهشها:
-لا ارتاحي أنتِ مالكيش دعوة بينا ..
اقتربت منها زينة حتى لم يفصل بينهما سوى خطوات قليلة، وخفضت صوتها:
-هارون مش هو المشكلة.. المشكلة في المجلس، والمجلس عمره ما هيسمح لجوازتكم دي تعدّي بالساهل.
ابتسمت ليلة بسخرية:
-والمجلس ده كان فين لما هارون اتجوزني!! اسمعي الحقيقة اللي رافضة تصدقيها ، هارون حبيبي أنا وجوزي أنا وأنت اللي وجودك هنا ملهوش أي لازمة وبكرة هيطلقك ويرميكي!!
ثم عقدت ذراعيها أمامها وهي تبلل حلقها كي تظهر أقوي:
-والدليل أنه محاولش يقرب منك ، وسايبك كده متعلقة عشان لما يحب يسيبك مفيش حاجة تمنعه !!
اشتعل وجه زينة:
-متستفزيش غضبي يا ليلة!داني ادفنك مطرحك!
-وأنا مش بخاف من غضبك.. أنتِ اللي خايفة مني ، أهو الدليل واقفة بتتحايلي عليا عشان امشي واسيبلك جوزي !!
سقطت الكلمات بينهما كحجرٍ ثقيل، وهي تدرك قيمة خصمها الذي استهانت به من قبل ، فصاحت صارخة وهي تلقي الوشاح على رأسها وتجد حجة تخرج بها من البيت :
-ياعمتي أنا راحة ازور أمي عيانة …….
••••••••••••••
"سامحني يا رؤوف، والله ما كان نفسي نوصل للي إحنا فيه، ولا كنت عايزة أسيبك وأمشي، بس أنا تعبت من الخوف ومن انتظار حاجة وحشة تحصل. مش هقدر أعيش كل يوم وأنا مستنية وقوع البلا، وأفضل خايفة على ولدي وعلى نفسي.
يمكن قراري يوجعك، ويمكن تفتكر إني بتخلى عنك بسهولة، بس صدقني أنا وصلت لمرحلة مبقتش قادرة أكمل فيها بنفس الخوف ده. وقوع البلا ولا انتظاره، وأنا اخترت آخد ولدي ونعاود على العزايزة قبل ما يحصل حاجة نندم عليها طول عمرنا.
سامحني يا رؤوف، وافتكر إني ما مشيتش عشان بطلت أحبك، مشيت عشان خوفي غلبني، وعشان ابني أمانة في رقبتي ومقدرش أضيّعه عشاني. أتمنى تفهمني حتى لو مش قادر تسامحني.
لما تعاود من الصلاة هتلاقيني مجهزالك الغدا وهدومك متعلقة في مكانها عشان تروح شغلك …"
انتهت نجاة من كتابة خطابها الذي وثبت ووضعته على الثلاجة ، وبعدها سحبت ابنها بعد ما ودعت المكان بأكمله ورحلت لاستقبال مصيرها ….. كانت تعرف أنها ذاهبة إلى مصيرٍ مجهول، لكنها للمرة الأولى شعرت أن المجهول أرحم من الخوف الذي عاشته كل يوم
••••••••••••
همست أحلام لليلة الجالسة بجوارها بحرصٍ :
-عملتي اللي قولتلك عليه !!
أومأت رأسها بحياء وأخذت تعبث بأطراف ثوبها:
-مش بالظبط بس حاولت ابين له أني مش ممانعة حاجة يا أحلام ، وأني مراته، والنهاردة سوا ياعالم بكرة هنكون فين !
شهقت أحلام وكأنها كانت تنتظر تلك الجملة تحديدًا، ثم اقتربت منها ولهفتها ظاهرة في عينيها فقالت :
-هاه وبعدين ، فرحي قلبي … حصل؟!!
أطرقت ليلة رأسها، وقد اشتعل الخجل في وجنتيها، ثم قالت بصوتٍ خافت :
-هارون عارف هو عايز أيه وامتا هياخده يا أحلام .. أنا حاولت والله عشان أنتِ خوفتيني وقولتيلي ممكن ربنا يحاسبك كده لو فضلت ممانعة و
ضربت أحلام على فخذيها بامتعاض:
-راسه چابسة كيف أمه امه ، عارفاه اللي في رأسه في راسه .. لا كلام ينفع معاه ولا حد يقدر يزحزحه عن اللي مقرره…
ضحكت ليلة رغم خجلها، ثم قالت:
-هو مش رافضني يا أحلام.. بالعكس، أنا حاسة بيه، وعارفة إنه بيحبني.. بس هو مستني الوقت اللي يشوفه مناسب.
-والوقت المناسب ده هيچي إمتى؟ بعد ما يشيب شعرنا؟
ضحكت ليلة، ثم خفضت صوتها:
-الله !! أنتِ متستعجلة ليه يا أحلام .
-عاوزة اشيل ولاده حبيبي قبل ما أموت !!يعني ياربي ليّ سنين أحب على يده عشان يتچوز ويوم ما ربنا يهديه يبقى مع وقف التنفيذ !! كان فين المُر ديه مستخبي ؟!
رن هاتف ليلة فجأة، فانتفضت من مكانها ومدّت يدها تلتقطه، ثم نظرت إلى الشاشة باستغراب :
-موبايلي بيرن يا أحلام هشوف مين ….
ردت ليله على هاتفها على ذاك الرقم المجهول:
-ألو …..؟!
جاءها صوت رشدي مفزوعًا، متقطع الأنفاس، وكأن الكلمات تخرج منه بصعوبة :
-ألحقي يا ليلة ، أمك بتموت وعايزة تشوفك قبل ما تدخل عمليات ، مفيش وقت تعالي بسرعة يا ليلة ……
وضعت ليلة يدها على فمها، وقد بدأ الخوف يتسلل إلى عينيها:
-عمليات؟! إزاي؟! إيه اللي حصل لها؟
بدأت أنفاس ليلة تتسارع، ونهضت واقفة دون أن تشعر، بينما كانت أحلام تراقب تغير ملامحها بقلق.. أغلق رشدي المكالمة، وظلت ليلة واقفة للحظات، تحدق في الهاتف كأنها عاجزة عن استيعاب ما سمعته .. وبدون تفكير غادرت وهي تقول :
-هشوف حاجة جوة …
وصلت لغرفتها وكل جزء بها يرتعش وهي تعاتب نفسها وتجلد ذاتها :
-انا كان قلبي حاسس أن مامي فيها حاجة !! أنا عمري ما هسامح نفسي أبدا لو حصلها حاجة بسببي ..
كل ما فعلته فتحت درج الكمود وتناولت مفتاح سيارتها ، وما كادت أن تخرج من باب الغرفة ، فعادت مسرعة لتمسك ورقة وتكتب بها :
-" أنا أسفة ، بس مامي تعبانة أوي وداخلة العمليات ومش هقدر استنى ، وعارفة لو قولتلك هترفض ، أنا هرجع على طول متقلقش عليا "
طوت الورقة ووضعتها فوق فراشها، ثم وقفت للحظة تحدّق فيها بعينين دامعتين، وكأنها تعرف أن ما تفعله قد يغضبه، لكنها لم تكن تملك رفاهية الانتظار.
مسحت دموعها سريعًا وألقت نظرة أخيرة على الغرفة التي شهدت أجمل أيامها معه، ثم همست لنفسها:
-سامحني يا هارون عشان خاطري …
وتسللت من القصر بخطواتٍ حذرة، مستغلةً خلوه من الحرس والرجال الذين خرجوا جميعًا لأداء الصلاة، حتى وصلت إلى سيارتها دون أن يلحظها أحد.. أدارت المحرك، وانطلقت.
كانت عيناها على الطريق، لكن قلبها ظل عالقًا خلفها، عند فراشٍ تركت فوقه ورقةً صغيرة تحمل اعتذارها، ورجلًا لم تعرف كيف ستواجهه حين تعود.. ومع كل كيلو متر كانت تقطعه مبتعدةً عن العزايزة، كانت الدموع تنساب بصمتٍ على وجنتيها، وهي لا تعرف أن الطريق إلى الإسكندرية لن يكون مجرد طريقٍ تعود فيه إلى أمها…بل طريقًا سيضع حبها له أمام اختبارٍ لم تستعد له …
•••••••••••••
وصلت زينة إلى مكانٍ مهجورٍ مريب، تحيط به بيوتٌ متداعية وأزقةٌ ضيقة، بينما كانت الروائح الكريهة تنبعث من كل ناحية، فتقبض أنفها بطرف وشاحها وهي تتلفت حولها بقلق.
وبينما كانت تبحث بعينيها عن البيت، ظهر أمامها طفلٌ في العاشرة من عمره، يحمل في يده كرةً صغيرة، فتوقفت وسألته:
-بيت الشيخ ضاحي فين يا عسل؟
أشار الصغير بيده نحو منزلٍ قديمٍ في آخر الزقاق، ثم هرب مسرعًا ليكمل لعبته مع رفاقه، تاركًا إياها تحدق في المكان بريبة..ابتلعت زينة ريقها، ثم اتجهت إلى البيت بخطواتٍ مترددة، وما إن اقتربت من بابه حتى انفتح قبل أن تطرقه، وكأن صاحبه كان ينتظرها بالفعل.
دخلت، فاستقبلتها رائحة كريهة أثقل من رائحة المكان بالخارج، وتعلقت عيناها بأشياء غريبة متناثرة في أرجاء الغرفة.. جلس الشيخ ضاحي في صدر المكان، يراقبها بنظرةٍ ثابتة، ثم قال دون مقدمات:
-اتأخرتي يا بنتي.
توقفت زينة أمامه، وقد زاد اضطرابها، ثم قالت:
-إنت عرفت منين إني جاية؟
ابتسم ابتسامة غامضة:
-اللي جاي هنه عندي مبيجيش من غير سبب.. اقعدي واحكي.
جلست زينة أمامه، وراحت تروي له ما حدث، عن ليلة، وعن زواجها من هارون، وعن خوفها من أن تخسره، حتى انتهت وهي تقول:
-أنا مش عايزة أذيه.. ولا عايزة يحصل له حاجة، أنا بس عايزة البت دي تغور من وش جوزي.
ثم نزعت أسورتين ذهبيتين من معصمها، ووضعتهما أمامه، وقالت بإصرار:
-هغرقك فلوس ودهب، بس البت دي تبعد عن هارون.. بأي طريقة.
مدّ الشيخ يده نحو الأسورتين، قلبهما بين أصابعه، ثم رفع عينيه إليها وقال بنبرةٍ هادئة أثارت قشعريرةً في جسدها:
-وإنتِ مستعدة تدفعي تمن إنها تبعد؟
أومأت دون تردد:
-أي تمن.. من الف لمليون …
ابتسم الشيخ ضاحي ابتسامةً لم تطمئن لها، ثم قال:
-يبقى الليلة تبدأ الحكاية…
ولم تكن زينة تعرف أن الخطوة التي ظنتها طريقًا لاستعادة زوجها، قد تفتح عليها بابًا لا تعرف كيف ستغلقه…..
