رواية جريمة الشوال الفصل الأول بقلم يوسف مصطفى
مين اللي ممكن يقتل بنت عندها 18 سنة… ويحرق وشها، ويقطع جسمها، ويحطها في شوال، ويرميها جنب مصرف… وهو واثق إن محدش هيعرف هي مين؟
كان السؤال ده لسه مالوش إجابة…
لكن في صباح يوم من أيام يوليو 2023، كان فيه راجل بسيط ماشي على جسر مصرف في قرية سبرباي التابعة لمركز طنطا.
الجو كان خانق الشمس لسه بتطلع، لكن حرارة الليل اللي فات كانت لسه محبوسة في الأرض والأسفلت، والهواء واقف كأنه ناسي يتحرك.
الراجل كان ماشي مستعجل، لحد ما عينه وقعت على شوال كبير مرمي جنب الطريق.
وقف بصله من بعيد.. الشوال كان مربوط كويس، لكن جزء منه كان متروك بطريقة غريبة.
قرب خطوتين ريحة نفاذة ضربت مناخيره رجع خطوة لورا.
قال لنفسه:"أكيد ريحة حيوان ميت واتعفن ..."
لكنه لما قرب أكتر، لمح حاجة خارجة من طرف الشوال.
في الأول افتكرها رجل حيوان.
لكن لما ركز...اتجمد مكانه من الي شافه لانه كان رجل إنسان وليس حيوان .
الراجل بلع ريقه وبص حواليه مفيش حد ولا في عربيات ولا ناس.
ولا حتى صوت قريب غير حركة الميه البطيئة في المصرف.
مد إيده ناحية الشوال، وسحبه بسرعة وبصوت حزين قال:"يا نهار إسود..."
رجع لورا، وبعدها انطلق يجري ماوقفش غير قدام قسم الشرطة.
كان بيحاول يتكلم، لكن نفسه كان مقطوع الضابط المناوب خرج له وقال:"مالك؟ اهدا كده... في إيه؟"
الراجل حط إيده على صدره وقال:"في... في شوال يا باشا..."
"شوال إيه؟" "فيه... فيه بني آدم مقتول في مصرف مائي ."
الجملة نزلت على المكان كأنها حجر بعد دقائق قليلة، كانت قوة من الشرطة متجهة للمكان.
ولما وصلوا...كان الشوال لسه في مكانه كأنه مستنيهم.
أحد أفراد القوة قرب بحذر، وبدأ يفك الرباط ثانية...ثانيتين...وبمجرد ما اتفتح الشوال، ساد صمت غريب..
جسم فتاة لكن المنظر كان كفيل يخلي أي حد موجود يبعد عينه.
الجثة كانت مقطعة، والوجه تعرض لحريق وتشوه شديد لدرجة إن ملامحه اختفت تقريبًا.
ومفيش بطاقة ولا موبايل ولا اي حاجه تثبت هوية الجثه
مفيش أي حاجة تقول هي مين.
الضابط وقف قدام الجثة، وبص لها فترة طويلة.
وقال:"دي مش جريمة قتل وبس..."
وسكت وبعدين قال "دي محاولة لمحو إنسانة."
تم نقل الجثة إلى مستشفى المنشاوي ، وبدأت إجراءات الطب الشرعي.
وفي الوقت نفسه، اتشكل فريق بحث المطلوب كان واضحًا:مين البنت دي؟
لكن السؤال الأصعب كان: مين قتلها؟
بعد ساعات، وصل التقرير المبدئي فتاة في حدود الثامنة عشرة.
أما سبب الوفاة والتوقيت الدقيق، فكان محتاج فحص كامل.
الضابط المسؤول عن التحقيق كان اسمه المقدم كريم النجار.
كان قاعد في مكتبه، قدامه صور المعاينة، وورقة الطب الشرعي.
قلب الورقة رجع بص للصور وبعدين قال:"مفيش متعلقات؟"
الضابط اللي قدامه هز راسه "ولا حاجة."
"بصمات؟""هنحاول ناخد اللي ينفع."
الضابط كريم سكت وبعدين رفع صورة للوجه ظل ينظر إليها.
وبعدين قال:"اللي عمل كده كان عايز حاجة واحدة."
"إيه؟""إننا منعرفش هي مين ويمحي اثرها ."
وفي اللحظة دي دخل فرد من فريق البحث وقال:
"يا فندم... لقينا كاميرات."
رفع الظابط كريم عينه."فين؟"
"فيه كاميرات على الطريق القريب من المصرف."
وقف المقدم كريم فورًا"هاتوا التسجيلات بتاعة الكاميرات دي في اسرع وقت ممكن.
مرت ساعات طويلة عشرات التسجيلات وسيارات وموتوسيكلات وناس ماشية.
غير التكاتك وكل شيء ظهر على الشاشات، لكن مفيش حاجة تستحق الوقوف عندها.
لحد ما الساعة قربت من الخامسة فجرًا ظهرت صورة توك توك داخل الكادر ومكان الجريمه .
المقدم كريم قرب من الشاشة."وقف هنا ."
الفني وقف التسجيل "رجع ."
رجع الفيديو التوك توك ظهر مرة تانية كان ماشي ببطء.
وبعدين وقف قريب من المصرف.
نزل شخص كان شايل شوال كبير وثقيل حاول الشخص يقرب من المصرف.
لكن الشوال كان تقيل بشكل واضح حاول مرة ومرة تانية فشل.
فبص حواليه، ورمى الشوال على الجسر، ورجع بسرعة للتوك توك.
وبعدين تحرك بسرعه بالتوك توك
المقدم كريم قال:"كبر الصورة كدا "الصورة كبرت لكن الوجه...مش واضح.
الإضاءة ضعيفة والشخص كان لابس هدوم تخفي ملامحه.
أحد الضباط قال:"ده السواق." المقدم كريم هز راسه "مش شرط."
"يعني إيه؟""اللي نزل بالشوال ممكن يكون راكب."
رجع يشوف الفيديو من البداية.
فصل يشوف الفيديو مرة واتنين وتلاتة وبعدين قال:
"وقف هنا."
المقدم كريم أشار إلى مؤخرة التوك توك"إيه العلامة دي؟"
الفني قرب الصورة كانت فيه علامة صغيرة جدًا على ظهر التوك توك.
ملصق أو رسمة مميزة حاجة بسيطة جدًا...لكنها كانت مختلفة.
المقدم كريم ابتسم ابتسامة خفيفة "دوروا على التوك توك ده."
البحث بدأ العلامة قادتهم لأحد السائقين كان شاب بسيط مش عليه اي سوابق ولا مشاكل.
ولا حاجة تربطه بالجريمة تم استدعاؤه.
دخل غرفة التحقيق وهو واضح عليه الارتباك.
المقدم كريم بص له وقال:"إنت كنت سايق التوك توك ده الفجر؟"
الشاب سكت لحظة وبعدين قال:"أيوه يا باشا."
"وقفت في المكان ده؟""أيوه."
"وكان معاك مين؟"الشاب بص له باستغراب.
"أنا كنت لوحدي."
المقدم كريم حط صورة الشوال قدامه.
"طيب... الشوال ده إيه؟"وجه الشاب اتغير.
بص للصورة.وبعدين بص للمقدم كريم "ده؟" "أيوه."
سكت وبعدين قال:"والله يا باشا أنا معرفش."
المقدم كريم فضل ساكت الشاب بدأ يحلف:
"والله ما أعرف كان فيه إيه."
المقدم كريم قرب منه "احكيلي من الأول. ومتحولش تكدب "
الشاب أخد نفس طويل وقال:"قبل الفجر بشوية... ست وقفتني."
"ست؟""أيوه يا باشا ."
"شكلها؟""مش فاكر قوي... الدنيا كانت ضلمة."
"كانت معاها إيه؟""الشوال "
المقدم كريم سأل:"وقالت لك إيه؟"
الشاب حك رقبته وقال:"قالتلي إنها راجعة من سفر... وإن الكهربا قطعت عندها فترة طويلة، واللحمة والفراخ اللي في الديب فريزر باظت."
المقدم كريم ثبت عينه عليه الشاب كمل:
"قالتلي إنها عايزة ترميهم في مصرف بعيد عن البيت."
سكت لحظة وبعدين قال:"وكان الشوال تقيل جدًا."
"وإنت ماشككتش؟"الشاب هز راسه.
"يا باشا... هي قالت أكل بايظ. والريحة فعلًا كانت وحشة."
المقدم كريم سأله:"طب ليه ما رمتوش هي؟"
"قالتلي مش قادرة تشيله."
"ودتك كام؟100 جنيه يا باشا
.
وبعدين سأله:"فاكر شكلها؟"
الشاب غمض عينه يحاول يسترجع الصورة.
"كانت لابسة حاجة غامقة... وطولها متوسط..."
"وشها؟""مش فاكر.""صوتها؟""هادي.""خافت؟"الشاب هز راسه.
"لا مكنش باين عليها الخوف يا باشا "
المقدم كريم سكت.
وبعدين قال:"وده اللي مستغربه."
الشاب بصله.
"إيه يا باشا؟" المقدم كريم رد بهدوء:"اللي شايل جثة إنسان عادة بيخاف."
وسكت ثانية."إلا لو هو متأكد إن محدش هيعرف هو مين."
خرج السائق لكن بالنسبة لفريق البحث...القضية لسه بدأت.
مين الست الي كانت في التوك توك؟وليه اختارت المكان ده؟
وليه قبل الفجر؟وليه كانت واثقة للدرجة دي ومكنتش خايفه ؟
وفي نفس الوقت، بدأ فريق آخر يراجع بلاغات التغيب.
أيام طويلة من البلاغات.
أسماء وصور وأعمار ومحافظاتبنات خرجوا من بيوتهم وما رجعوش.
لحد ما...ظهر بلاغ في قسم طنطا.
فتاة تبلغ من العمر 18 سنة اسمها:فرح محمد.
متغيبة من حوالي ثلاثة أيام.
الظابط كريم طلب صورة البلاغ مسك الصورة فضل ساكت.
وبعدين قال:هاتوا خالتها."
بعد ساعات...كانت خالتها واقفة أمام باب المشرحة.
إيديها بتترعشكانت بتبص للباب كأنها نفسها تصدق إن اللي جواه مش بنت أختها.
دخلت خطوةوبعدين خطوة أخرىولما شافت الجثة...
وقفت مكانها.
الضابط قال:"خدي وقتك."
قربت بصت للجسم ثم للوجه لكن الوجه لم يعد وجه فتاة تعرفها.
حطت إيدها على بوقها وقالت بصوت مكسور:"يا رب لا..."
وبعدين قربت أكثر كانت بتحاول تلاقي أي علامة أي حاجة.
شامة او جرح قديم او إصبع أي شيء لكن مفيش.
خرجت من المشرحة وهي منهارة.
وقالت:"أنا مش عارفة..."
المقدم كريم سألها:"يعني مش هي؟"
هزت راسها وهي بتبكي "مش عارفة يا باشا..."
وبعدين سكتت وبعد ثواني قالت:
"بس قلبي بيقول إنها فرح."
المقدم كريم بص لها"أم فرح فين؟"
نزلت عينيها "في السجن.""ليه؟""عليها قضية ديون.
سكت المقدم كريم.
وبعدين قال:"عايزين ناخد عينة منها." تم اخذ العينه .
النتيجة ظهرت بعد وقت...وفي اللحظة اللي دخل فيها الطبيب غرفة التحقيق، كان المقدم كريم واقف جنب الشباك.
الطبيب قال:"يا فندم..."
المقدم كريم لف.. "قول."الطبيب وضع الورقة أمامه.
"البصمة الوراثية متطابقة."
المقدم كريم ما اتكلمش.
بص للورقة وبعدين قال:"يعني الجثة..."
الطبيب أكمل:"فرح محمد."
نزل الصمت على الغرفة البنت اللي خرجت من بيتها من كام يوم...رجعت جثة.
لكن السؤال اللي كان المفروض يكون له إجابة بعد تحديد هويتها...تحول لسؤال أخطر.
مين كان آخر شخص شاف فرح وهي عايشة؟
المقدم كريم بدأ يقلب في أوراق القضية.
بلاغ التغيب أقوال الخالة تقرير الطب الشرعي تسجيل التوك توك.
وبعدين فجأة...رفع راسه."استنوا..."
الضابط اللي جنبه قرب.
"في إيه؟"المقدم كريم أشار إلى محضر بلاغ التغيب.
وقال:"فرح اختفت من تلات أيام..."
"بس الشوال اتساب الفجر."سكت لحظة.
وبعدين قال:"يعني اللي قتل فرح... كان عنده تلات أيام كاملة يخفي فيهم الجثة... ومع ذلك اختار يرميها في نفس المكان، وفي وقت تقدر فيه كاميرا تصوره."
بص للضباط."وده معناه إننا بندور على شخص..."
وبعدين سكت فجاه .
وعينه وقعت على اسم واحد مكتوب في أول صفحة من محضر التغيب.
والاسم ده... كان موجود في حياة فرح أكتر مما أي حد فيهم كان متخيل..
