رواية عنيدة في حرملك السلطان الفصل الاول
"يا بنت المجنونة يا نور! بقى تسيبي التكييف، والواي فاي، وسريرك اللي بياخدك في حضنه، وتجري في الشارع الساعة اتنين بالليل بشنطة عجلها مكسور؟"
الشارع كان ضلمة كحل، وصوت عجل الشنطة المكسور بيفضحها في عز السكون. نور بتنهج، حاطة إيدها على وسطها وبتبص وراها بخوف.
لابسة بنطلون جينز مقطع على الركب، وتيشيرت واسع مكتوب عليه بالبنط العريض "مستقلة وأفتخر"، وشعرها الكستنائي طاير في كل حتة.
البنت اللي لسه مخلصة هندسة وبتحلم تستقل بحياتها، لقت نفسها فجأة قدام كابوس اسمه "ابن خالتك نازل من الخليج والفرح كمان شهر". مفيش حل كان قدامها غير إنها تخلع!
قعدت على رصيف قديم تاخد نفسها، وهي بتمسح عرقها وتكلم نفسها: "قال أتجوز قال! ده أنا أتجوز شغلي ومستقبلي ولا إني أصحى الصبح أعمل كوباية شاي لواحد بكرش بيسألني فين شراباتي يا هانم! أنا امرأة حرة، كيان مستقل، لا أُباع ولا أُشترى!"
"وما الذي يدفع امرأة حرة مثلكِ لافتراش الأرصفة في هكذا وقت من الليل؟"
نور اتنفضت من مكانها كأن سلك كهربا لمسها. لفت بسرعة لقت راجل عجوز قاعد جنبها على الرصيف. لابس عباية غامقة، ودقنه بيضا واصلة لصدره، وعينيه بتلمع تحت نور عمود النور الخافت. بلعت ريقها، ورغم إنها بتمثل القوة، بس "جينات الجبن" اشتغلت فوراً.
رجعت خطوة لورا ومسكت شنطتها كأنها درع: "أنت مين يا حج؟ وطلعتلي منين؟ وبعدين إيه طريقة الكلام دي؟ أنت شغال مدرس لغة عربية؟"
العجوز ابتسم بهدوء وماتأثرش بهجومها، ورد بصوت رزين: "أنا مجرد عابر سبيل يا ابنتي، سمعت شكواكِ للنجوم، ورأيت روحكِ التواقة للتحرر. أخبريني، مِمَّ تهربين؟"
نبرة صوته الهادية ريحتها شوية، وبطبيعتها اللي مابتعرفش تسكت، قعدت على الشنطة وبدأت تفضفض: "بهرب من سجن يا حج.. سجن التقاليد. أهلي عاوزين يجوزوني غصب عني لواحد مشوفتهوش. أنا نور! البنت اللي طلعت الأولى على دفعتها، اللي بتحلم تبني ناطحات سحاب. أنا عاوزه أعيش حرة، مستقلة، محدش يؤمرني ولا يتحكم فيا!"
العجوز فضل يسمعها وابتسامته بتوسع، وبعدين مد إيده في جيب عبايته وطلع قزازة صغيرة جداً، محفورة بنقوش غريبة، وجواها سائل أحمر بيلمع.
مد إيده بيها وقال بوقار: "إن كانت رغبتكِ في الحرية والاستقلال صادقة إلى هذا الحد، فتناولي هذا الترياق. قطرة واحدة منه تكفي لكي تنتقلي إلى المكان والزمان اللذين ستتحقق فيهما أمنيتكِ فوراً."
نور بصت للقزازة، وبعدين بصتله وطقت من الضحك: "لا إله إلا الله! هو أنا هربت من أهلي عشان أقع في ساحر ومشعوذ؟ ترياق إيه يا حج؟ أنت حاططلي في البتاع ده إيه؟ عصير فراولة؟"
العجوز حط القزازة جنبها على الرصيف وهو لسه مبتسم: "الخيار لكِ يا نور. إما العودة إلى سجنكِ، وإما شرب هذا السائل وبدء حياة جديدة. وداعاً."
وفي ثانية، عربية عدت بسرعة، ولما نور لفت وشها تاني.. الراجل كان اتبخر! فركت عينيها بذهول: "إيه ده؟ اختفى إزاي؟ عفريت ده ولا إيه؟ يا مامي!"
بصت للقزازة اللي على الأرض. السائل الأحمر بيتحرك جواها كأنه بيناديها. موبايلها رن في الشنطة، الشاشة منورة باسم أبوها وعشرات المكالمات الفايتة، ورسالة من أمها: "ارجعي يا نور، ابن خالتك جاي بكرا ومفيش مفر".
حست بخنقة فظيعة. الخوف من الجوازة دي عماها. مدت إيدها بتترعش ومسكت القزازة. الفضول واليأس خلوها تفتح السدادة. ريحة غريبة طلعت منها ريحة حاجة قديمة أوي.
همست لنفسها بخوف: "يا رب ميكونش فيها سم فيران بس!" غمضت عينيها، رفعت القزازة، وشربت السائل كله مرة واحدة.
طعمه كان لاذع وسخن نار! فجأة، حست إن الأرض بتلف بيها بسرعة جنونية. الشوارع والعربيات بقوا دوامات ألوان. حاولت تصرخ، صوتها مطلعش. حست إنها بتقع في بير ملوش قرار، لحد ما الدنيا ضلمت تماماً.
"يا لها من قبيحة! من أين جاؤوا بها؟"
"انظري إلى ثيابها! كأنها من رعاع الأسواق!"
أصوات همس وضحك بنات ناعم ، بدأ يوصل لودن نور. راسها كانت هتنفجر. ريحة المكان تقيلة، كلها بخور ومسك. فتحت عينيها ببطء، لقت نفسها نايمة على سجاد إيراني فخم جداً. السقف عالي مليان نقوش إسلامية، ونجف نحاس ضخم مليان شمع منور.
قامت تسند على إيدها بذهول. قاعة ضخمة كأنها قصر من حواديت ألف ليلة وليلة. والأغرب.. المكان مليان بنات! حوالي عشرين بنت قاعدين متفرقين، اللي بتاكل فاكهة واللي بتسرح شعرها واللي بتعزف عود. وكلهم آية في الجمال! لابسين فساتين حرير واسعة متطرزة دهب وفضة، ودهب بيلمع في كل حتة. كأنهم طالعين من مسلسل تاريخي!
همست نور بصوت مبحوح وهي بتبص للبسها المقطع: "أنا فين؟"
بنت من اللي قاعدين، شعرها أسود فاحم، بصت لنور بقرف وقالت بفصحى : "أخيراً أفاقت الغريبة. أخبريني يا هذه، من أي مزبلة التقطكِ الحراس؟"
نور برقت عينيها: "مزبلة؟ حراس؟ إنتي بتكلمي مين يا بتاعة إنتي؟ وبعدين إيه طقم 'حريم السلطان' اللي إنتو لابسينه ده؟ أنا في كاميرا خفية صح؟ رامز جلال فين؟"
البنات بصوا لبعض باستغراب. بنت تانية شقرا قالت: "ما هذا الهراء الذي تتفوه به؟ لغتها غريبة! هل بها مس من الجن؟"
وقبل ما نور ترد وتفتح فيهم، باب القاعة الضخم اتفتح بصوت رعبهم كلهم. البنات سكتوا في ثانية، وكلهم وطوا راسهم في الأرض بخوف. دخلت ست في الأربعينيات، طويلة ومليانة وهيبتها تُرعب. لابسة فستان مخملي عنابي، وفي إيدها عصاية خشب بتخبط بيها على كفها بالراحة. ملامحها قاسية وعينيها بتلف في القاعة زي الصقر.
بنت جنب نور همست برعب: "خاتون جولنار!"
جولنار مشيت بخطوات تقيلة لحد نص القاعة، وعينيها وقعت فوراً على الكارثة اللي قاعدة على السجاد.. نور! بهدومها العجيبة وشعرها المنكوش.
راحت ناحيتها بسرعة، وقفت فوقها، رفعت العصاية في وشها وزعقت بصوت يخوف: "ويحكِ! ما هذا الذي أراه؟ ما هذه الخرق البالية التي ترتدينها وتدنسين بها سجاد الحرملك؟"
نور بلعت ريقها وركبها خبطت في بعض، بس لسانها متبرأ منها. وقفت على حيلها، رفعت راسها بتحدي مزيف وقالت: "خرق؟ خرق إيه يا ست إنتي؟ ده بنطلون مقطع بـ ٣٠٠٠ جنيه! وبعدين إيه حرملك وبتاع؟ إنتو مين ومين اللي جابني هنا؟!"
جولنار بصت لها بذهول. مفهمتش نص الكلام، بس فهمت التحدي اللي في عينيها. لوحت بالعصاية في الهوا وصوتها رن في القاعة: "أيتها الجارية الوقحة! كيف تجرؤين على رفع صوتكِ في حضرة رئيسة الجواري؟ يبدو أن النخاس قد غشنا وأتى لنا بمجنونة! فلتصمتي قبل أن آمر الحراس بجلدكِ!"
كلمة واحدة خلت الدم يهرب من وش نور.. جارية؟! النخاس؟! جلد؟!
رجعت خطوة لورا وصوتها بيترعش: "جـ.. جارية إيه يا حاجة؟ أنا مهندسة نور، خريجة هندسة قسم عمارة بتقدير امتياز! جارية مين؟ أنتوا الظاهر التبس عليكم الأمر!"
جولنار تجاهلتها تماماً كأنها دبانة، ولفت لباقي البنات اللي بيبصوا بشماتة، وعلت صوتها: "اسمعن يا فتيات! دعكن من هذه المعتوهة الآن. لقد جاءنا الخبر اليقين! السلطان الجديد، 'السلطان مالك شاه'، قد اعتلى عرش مصر رسمياً. وهو الليلة سيقضي ليلته الأولى في هذا القصر كحاكم مطلق للبلاد!"
البنات شهقوا بفرحة وبدأوا يتهامسوا بحماس. جولنار كملت بصرامة: "لقد أمر السلطان أن يُعرض عليه الليلة أفضل الجواري، ليختار منهن جارية لترافقه في خلوته! هذه فرصتكن الذهبية! أمامكن ساعتان فقط! اذهبن إلى الحمام ، تفركن بالمسك، وارتدين أجمل الحرير! أريدكن أن تلمعن كالجواهر أمام مولانا السلطان!"
البنات قاموا يجروا في كل حتة ضاحكين ومتحمسين كأنهم رايحين الجنة. أما نور.. فكانت متصلبة مكانها زي حتة التلج.
كلام العجوز رن في ودنها: "ستجدين دنيا جديدة.. حيث تكونين كما كُتب لكِ..."
صرخت في سرها: "يا نهار أسود ومنيل! الراجل النصاب رجعني بالزمن عشان أبقى جارية للسلطان؟ ومطلوب مني أقف في طابور عرض عشان ينقيني؟!"
جولنار لفت فجأة، بصت لنور بقرف، وشاورت لخدامتين ضخام: "خذوا هذه القذرة إلى الحمام. اسلخوا هذا اللباس العجيب عن جسدها، وألبسوها حريراً يليق بالحرملك. السلطان أمر برؤية جميع الجواري الجدد، وحتى هذه المجنونة يجب أن تقف في الصف الليلة!"
الخدامتين هجموا على نور ومسكوها من دراعاتها زي الكماشة.
نور بدأت ترفس وتصوت وهي بتتسحب على الأرض: "لا لا لا! استنوا! سيبوني! أنا مش جارية! يا جماعة ده سوء تفاهم! أنا فيمينست! يا بابا! يا ماما! يا عريس الصالونااااااات!"
