رواية نبض جديد الفصل الأول 1 بقلم هاجر سلامه

 



رواية نبض جديد الفصل الأول بقلم هاجر سلامه 


أنا مش هغيب يا ليليا هما كام سنة بالعدد أكون نفسي فيهم وأرجع أطلبك من عمي رسمي مش عايزك تزعلي ولا تبكي طول ما قلبك معايا وطول ما أنا عايش مفيش واحدة هتدخل بيتي غيرك استنيني يا بنت عمي 


كانت هذه الكلمات التي قيلت ذات ليلة صيفية باردة قبل خمس سنوات هي القشة التي تمسكت بها ليليا طوال سنوات دراستها الشاقة في كلية الطب كان عمرها سبعة عشر عاماً حين سافر يحيى يملؤها الشغف البكر والوعود الوردية 


واليوم وهي في الثانية والعشرين من عمرها تقف أمام مرآتها لتتأمل وجهها الشاحب وعينيها اللتين حفر فيهما السهر والتعب علامات عميقة ليس فقط بسبب أطنان الكتب الطبية بل بسبب ذلك الانتظار المرير الذي بدأ منذ انقطع صوته فجأة بعد شهرين فقط من سفره خمس سنوات من الصمت الإجباري 


واليوم يعود ليس كغائب ينتظر اللقاء بل كغريب يحمل في يده يد امرأة أخرى استنشقت ليليا هواء الغرفة الخانق وحاولت جاهدة أن ترسم على وجهها قناعاً من القوة فارتدت فستاناً بسيطاً وهادئاً وهبطت الدرج متوجهة إلى بيت عمها رأفت الذي يقع في البناية المقابلة تماماً

 حيث كانت الأصوات تتعالى بالزغاريد والضحكات وكل قفزة في قلبيها كانت تكاد تخنقها دخلت الصالة لتجد العائلة مجتمعة ولم يكن اللقاء كما تمنته في أحلامها الطفولية إذ كان يحيى يجلس على الأريكة الرئيسية يبدو أكثر نضجاً وجسده بات أقوى وملامحه أصبحت حادة كرجال الأعمال وبجانبه كانت تجلس فتاة شقراء ترتدي فستاناً أنيقاً وتضع خاتم الخطوبة في بنصرها الأيمن وتتحدث بدلال وثقة 


تقدمت ليليا بخطوات ثابتة رغم الارتجاف الخفي في ركبتيها ولمحتها زوجة عمها أمل فصاحت بترحيب حار قائلة أهو دكتورة العيلة وصلت تعالي يا ليليا يا حبيبتي تعالي سلمي على يحيى وعروسته نيرمين 


في تلك اللحظة رفع يحيى عينيه والتقت نظراتهما لأجزاء من الثانية وكانت عيناه باردتين خاليتين من أي لهفة بل إنه سارع بنقل بصره إلى خطيبته وكأن ليليا مجرد عابر سبيل لا قيمة له ولم يحاول حتى أن ينظر في عينيها مباشرة وهو يمد يده ببرود شديد قائلاً أهلاً يا ليليا إزيك ماشاء الله كبرتي وبقيتي دكتورة


 نطقت الكلمات في حلقها كالشوك لكنها أجبرت شفتيها على الابتسام وقالت الحمد لله على سلامتك يا يحيى مبروك الخطوبة 


فقالت نيرمين بنبرة متعالية وهي تتأمل ليليا من أعلى لأسفل ميرسي يا حبيبتي عقبالك يحيى كلمني عنك كتير قال لي إن عنده بنت عم شاطرة في الدراسة بس مكنتش متخيلة إنك لسه صغنوتة كده


 لم تجب ليليا بل تراجعت خطوة إلى الخلف لتجلس بجانب والدتها فريدة التي كانت تطالع ابنتها بنظرات قلقة فالأمهات يشعرن دائماً بقلوب بناتهن وإن لم يتكلمن


 أما الأب عمرو فكان يجلس بجانب شقيقه رأفت يتبادلان أطراف الحديث عن العمل والسفر غير مدركين للبركان الذي يشتعل في زاوية الغرفة

 وفي الغرفة المجاورة كانت تقف شذى شقيقة يحيى تراقب المشهد من وراء الباب والابتسامة الخبيثة لا تفارق شفتيها فشذى التي تحمل لليليا كرهاً دفيناً لأسباب تخفيها في صدرها وجدت في هذا المشهد قمة تشفيها فخرجت إلى الصالة بخطوات متبخترة واقتربت من ليليا متعمّدة إحراجها أمام الجميع وانحنت ووشوشت في أذن ليليا بنبرة مسمومة قائلة شايفة العروسة حلوة إزاي شيك وبنت ناس ومقامها من مقامه مش قولتلك زمان فوقي من الأوهام أخويا سافر وشاف الدنيا ومستحيل كان هيبص لورا مسكينة قوي يا ليليا شكلك وحش قوي وأنتِ مستنياه خمس سنين على الفاضي


شعرت ليليا بطعنة نافذة في قلبها لكنها تملكت أعصابها ونظرت إلى شذى بعينين حادتين وقالت بصوت منخفض وحازم أنا مستنيتش حد يا شذى ومستقبلي وكليتي أهم عندي من أي حد ياريت تخليكي في حالك وفي كليتك اللي مش عارفة تنجحي فيها 


التمعت عينا شذى بالغل فليليا دائماً تذكرها بنقصها وفشلها الدراسي مقارنة بتفوقها في الطب

 فتراجعت شذى خطوة للوراء وقالت بصوت مسموع لفت انتباه نيرمين ويحيى على العموم يا دكتورة يحيى ونيرمين هيقعدوا هنا شهر عشان نجهز للفرح وعايزاكي بقى تخفي من المذاكرة شوية وتساعدينا في الفرش ولا الدكاترة مبيعرفوش في الأذواق 


فتدخلت الأم فريدة بسرعة لتهدئة الموقف قائلة أكيد يا شذى ليليا مش هتتأخر عن أخوها بس هي عندها امتحانات صعبة الأيام دي 

طوال الجلسة لم يوجه يحيى كلمة واحدة لليليا وكان يتجنب النظر إليها تماماً وكأنها شبح يخشى مواجهته أو خطيئة يحاول التبرؤ منها وكان يضحك مع نيرمين ويهمس لها ويشارك والده وعمه الحديث 

بينما كانت ليليا تموت في المكان ألف مرة وتذكرت كل رسالة كتبتها له ولم يرد عليها وتذكرت الليالي التي بكت فيها خوفاً من أن يكون قد أصابه مكروه في غربته لتكتشف اليوم أن المكروه الوحيد كان قلبها الذي وثق بوعوده حين حان وقت الانصراف وقفت ليليا سريعاً واستأذنت قبل والديها بحجة رغبتها في المذاكرة وتحركت نحو البام بخطوات متسارعة وما إن خرجت إلى ردهة البناية حتى شعرت بالدموع تحرق جفنيها وقبل أن تهم بنزول الدرج سمعت صوت خطوات سريعة خلفها والتفتت ظناً منها أنه هو وظناً منها أن يحيى استفاق وجاء ليفسر لها لكنها لم تكن سوى شذى التي وقفت على رأس الدرج عاقدة ذراعيها وقالت بضحكة مستفزة رايحة فين يا دكتورة لسه السهرة طويلة ولا مش قادرة تشوفي خطيبته وهي هتاخده لبيتها عموماً السر اللي بينكم أنا عارفااه من زمان وأخويا قالي بنفسه إنه سابك عشان لقا اللي أحسن منك فبلاش تعيشي دور الضحية


 توقفت ليليا ونظرت إلى شذى ببرود وثبات حسدتها الأرض عليه ومسحت دمعة هربت من عينها بسرعة وقالت أخوكي ميهمنيش يا شذى واللي سابني بمزاجه ميرجعليش ولو بملايين الدنيا والسر اللي بتتكلمي عنه مكنش سر كان غلطة صغار وأنا نسيتها من زمان الدور والباقي عليكي وعلى غلك اللي هياكلك

 استدارت ليليا ونزلت الدرج بسرعة تاركة شذى تغلي من الغيظ ثم دخلت شقتها وأغلقت باب غرفتها بالمفتاح وارتمت على سريرها وهناك فقط في عتمة الغرفة سمحت لشهقاتها المكتومة أن تخرج وبكت بحرقة على سبعة عشر عاماً من البراءة وعلى خمس سنوات من الانتظار الخائب وعلى رجل باع كل شيء دون حتى أن يملك الشجاعة لينظر في عينيها ويقول وداعاً

الفصل الثاني من هنا 

لقراءة فهرس رواية نبض جديد بجميع فصولها اضغط هنا

تعليقات