رواية عاشق بدرجة مجنون الفصل الثاني والعشرون والاخير
بعد خمس سنوات كان يزن يجلس في حديقة منزله ينظر الى بعض الاوراق باهتمام حينما انته تلك الفتاة وهي غاضبة بشدة وتقول .......
"ماهو بص بقا ياسي بابا بنتك دى لو مسمعتش الكلام انا ... انا .. انا .. ممكن اقعد عليها ابططها يووووه دى رحمة أوى انتم خلفتوها ليه بس؟!"
یزن بابتسامة هادئة : " طيب اهدى بس يا قلب بابا وقوليلي عملتك فيكي ايه البنت الشقية دى وانا هجيبلك حقك منها. "
یا بابا كل لما اقولها حاجة تعمل عكسها وبتقعد تغيظ فيا وتستفزني وبتقعد تلعب في حاجاتي وتبهدلها "
يزن طيب بس هدى كدا يا قطتى مش عاوز اشوفك مكشرة وزعلانة بالشكل دا انا هقوم دلوقتي اضربها علقة جامدة عشان متبقاش تزعلك تانیها کدا مبسوطه قوليلي بقا الاستاذة دي فين دلوقتي؟
"قاعدة في اوضتى ومش راضية تخرج منها. "
هب بزن من مكانه واخذ ابنته واتجه الى حجرة ابنته الكبرى ليعاقب ابنته الصغرى، وحينما وصلا إلى الحجرة نظرت الابنة الصغرى والتي تدعى اسيا بابتسامة بريئة إلى والدها واختها فاتجه والدها بوجه غاضب ناحيتها ورفع يده لكى يضربها ولكن اختها الكبرى وقفت امامها كدرع حماية في حين ان آسيا احتمت بها وقالت....
"لا يا بابا متضر بهاش عشان خاطري. "
آسيا بخوف انا معملتش حاجة يا بابي انت عاوز تضربني ليه ؟
جذبها يزن من يدها وهو يبتسم ابتسامه رقيقة واحتضنها بشدة وقال....
"لا يا روحي انا مكنتش هضربك انتى بنوتي الصغيرة مقدرش أذيكي انا كنت جای اهزر معاکی أنا واختك مش كدا يا حبيبتي، قالها وهو ينظر الى ابنته الكبيرة والتي نظرت له باستغراب. فاكمل قائلا"
" وبعدين شوفتی اختك خافت عليكي ازاى لما افتكرت هي كمان اني هضربك شوفتي هي قد ايه بتحبك ومش عوزاكي تتأذى قوليلي بقا يا قطقوطة انتى بتز على اختك حبيبتك ليه منك؟
وليه قاعد بتضايقيها وبتلعبي في حاجاتها ؟ "
آسيا بطفولة يابابي أنا مش بزعلها انا بحب اقعد معاها والعب معاها بس هي مش يتلعب معايا زي الاول وبتزعقلى كثير هي بقت كبيرة وطويلة وأنا لسة صغنونة بس انا بحبها اوى حتى بعد ماطولت وبقت قد الشجرة وبحب اغيظها عشان تتكلم معايا بس خلاص مش هزعلها تاني
ومش هلعب في حاجاتها تانى بس قولها تلعب معايا.
يزن لابنته الكبرى شوفتي ياقلبي اختك مفتقداكي ودا كان سبب تصرفاتها اللي اتضايقتي منها يعنى المفروض انتى الكبيرة كان لازم متبعديش عنها انتم مالكوش الا بعض انتم سند وظهر بعض اوعى في يوم تتخلى عن اختك او ترفضى تسمعيها خليكي دايما الصدر الحنين شوقتي انتی خوقتی علیها ازای مهانش عليكي زعلها ولا اني اضربها وعشان كدا وقفتي وحميتيها انا عاوزك كدا دايما يا حبيبتي لحد ماهي تكبر زبك وتفهم دى لسة زرعة صغيرة محتاجة اهتمام توعديني تخلوا بالكم من بعض في وجودي او في غيابي
"اوعدك يا بابا وانا اسفة يمكن انا زودتها شوية بس خلاص انا فهمت ان الاخوات مالهومش غير بعض ومينفعش نضايق بعض ولازم تتحمل بعض في كل الاحوال "
يزن وهو يحتضنها امورتي الحلوة اللى قلبها ابيض من اللبن الحليب، قوليلي بقا الست ماما فين وسيباني انا احل مشكلة الشرق الاوسط دى؟
ابنته بضحك قاعدة في المطبخ من الصبح بتعمل صينية كيك وكل شوية تعيط وتقول انا بقيت شبه عربية الجيلاتي عشان خاطري روح شوفها يا بابا اصل هرمونات الحمل بتاعتها دي هتدخلنا السرايا الصفرا.
يزن بضحك بنت عيب كدا متتكلميش على حبيبتي بالشكل دا وبعدين هي عجبانی بای شکل وانا یاستی راضی بهرموناتها المتقلبة بس تقوم هي بالسلامة بس.
تركهم وذهب الى المطبخ حيث زوجته ووجدها تنظر الى بطنها وتقول بضيق......
ایه دا بقيت عاملة زي الكورة كدا يزن معدش هيحبني بالهوووي ليروح يبص الواحدة تانية يعنى انا كان لازم اتهف في عقلى واوافقه على كلامه واخلف تاني اهو انا بقيت شبه المفتش كرومبو. "
ضحك يزن بشدة فالتفتت مسرعة له وعضت على شفاهها خجلا حينما علمت انه استمع لما قالته، فاقترب منها واحتضنها من خصرها ونظر لها بابتسامة حب وقال ......
انتي اجمل مفتش كرومبو شوفته في حياتي واحلى كورة. "
زوجته بعبوس ايه دا يايان في حد يقول كدا اخص عليك بقا انا بجد شبه كرومبو.؟
يزن بابتسامة: لا طبعا انتي اجمل وارق واحده شوفتها في حياتي انتي الحب اللي نجاني انتي العشق اللي سكن قلبي وروحي سنين وهيفضل جوايا بقيت حياتي انا مقدرش اعيش من غيرك لحظة واحدة يا حبيبتي اللى انتى فيه دا مجرد فترة وهتعدى وحبى ليكى اقوى من اني افكر بالتفاهة دى انا مش مراهق هتأثر بالشكل اللى هو اصلا في الفترة الحالية مجرد عارض وهيزول واعرفي انك في نظري جميلة الجميلات وبعدين انتى هتفضلي تتدلعي كدا كثير عشان متجبليش الكيكة اللى انتى عملتيها لا ياماما انا مش هسكت انا عاوز طبق كبير حالا والا مش هيحصل طيب.
زوجته بضحك: لالالا انا مقدرش على زعلك يا يزن باشا الصينية كلها تحت امرك روح انت استناني في الجنينة وانا هعمل الشاي واجيب الكيك واجيلك.
قبلها يزن من جبينها وهم بالذهاب الى الحديقة وحينما وصل جلس على المقعد وامسك هاتفه ونظر الى تلك الصورة على الشاشة والتي لم تكن سوا صورته هو وزوجته وبناته والابتسامة تنير وجوههم، فتنهد قائلا.....
ازای کنت هحرم نفسى من الحياة الحلوة دى ازاى كنت مغيب بالشكل دا الحمد لله يارب على وقفتك جنبي وانك حققتلى اجمل امنية في حياتي. "
تم شرد بذهنه قليلا عائدا بذكرياته لعدة سنوات مضت حينما كان يقود السيارة وبجواره امنية التي انتابها الفزع بعد ان ايقنت حقيقته وخوفها من ان تصاب ابنتها بالأذى فها هو أسوأ كوابيسها يتحقق الآن.
امنية بخوف: طيب انت مودينا فين دلوقتي؟
يزن بهدوء: هنروح على فيلتي في القاهرة اللى كنتى قاعدة فيها أظن دى آخر مكان ممكن حد يتوقع انك تكوني موجوده فيه.
أمنية ببكاء: ارجوك يايزن رجعتي لجوزي تاني انت عارف ان مستحيل نكون مع بعض وبعدين بنتي ملهاش ذنب.
یزن ممکن تسکنی لحد ما توصل لان ببساطة مفيش حاجه هترجعني عن قراري.
بعد مدة وصلوا جميعا الى فيلا يزن كانت الأجواء خافتة أضواء خفيفة في الصالة الكبيرة صوت خافت لأنفاس ثقيلة مشبعة بالغضب والانكسار
أمنية وهي تقف أمامه، عينيها مليئة بالدموع، وتتحدث بصوت متوتر:
يزن... بالله عليك خلينا نرجع ... كل ده غلط مش من حقك تاخدني كده انا متجوزة، وبنتي..... بنتي ملهاش ذنب انها تتبهدل البهدلة دي !"
يزن وقف بعيداً قليلا، ظهره لها، صوته كان هادئ لكن مليئ بالوجع "أرجعك ؟ بعد كل اللي حصل ؟ بعد العمر اللي ضاع ؟ بعد ما بعث نفسي وبعت كل حاجة عشانك ؟ انتي لسه بتفكري ترجعي؟"
التفت ناحيتها، عيونه كانت حمراء، ليست من العصبية.. ولكن من الوجع الذي كان محبوساً في صدره سنوات.
يزن وهو يقترب منها خطوة بخطوة
أنا حبيتك من أول مرة شوفتك فيها ... عشقتك وأنتى حتى مش واخدة بالك من وجودي، كل
حاجة فيا كانت بتندهلك... انا يرت شخصيتي كنت بتشكل على مزاجك، يضحك لما تضحكي. ويسكت لما تسكني، وقلبي بيتقطع كل مرة اشوفك بتتكلمي عن جوزك بحنية، وأنا مش قادر
أقولك حاجة .."
أمنية بانكسار:
"أرجوك.... يا يزن الحب مبيتفرضش.... أنا محبتكش بالطريقة اللى انت حبتني بيها.... بس عمري ما أذيتك...
یزن بصوت عالى لأول مرة وهو بيقاطعها:
"لا أذيتيني أذيتيني من غير ما تحسى أنتي كنتي كل يوم بتموتيني بكلمة، بنظرة، بسكوتك برفضك اللي ما فهوش رحمة أنا ضيعت سنين من عمرى وانا بلعب دور مش دوری، ویبنی عالم خیالی علی سراب كل ده عشانك انتى كنتى اللعنة اللى علقت في رقبتي.."
اقترب منها أكثر، ووجه على بعد أنفاس منها، وبصوت مكسور قال:
"أنا سمعتك... آه، سمعتك وإنتي في النادي بتقولى المريم.... حتى لو كان يزن أول واحد في حیاتی، عمرى ما كنت هقبله ... الكلمة دى قطعتني ... كسرتني... خلت كل لحظة حنية كنت يفتكرها منك تطلع كذبة !"
أمنية بصوت باكي:
"أنا مكنتش أقصد..... أنا كنت خايفة من طريقة حبك المتملك مكنش قصدى أوجعك أنا معذورة وغصب عنى دا شعوری !"
یزن برنة وجع مرير
"خايفة ؟ خايفة من إيه؟ من حبي؟ من إنك تكوني مع حد بيتمنى التراب اللي بتمشى عليه؟ ولا خايفة إنك تحسى بشوية مشاعر اتجاهي فتبقى خنتى جوزك؟"
التفت الى الجهة الأخرى، وكأنه لا يستطيع النظر لها أكثر، وذهب وجلس على أقرب اريكة وهو يهذي بكلمات متقطعة:
"أنا اللي غلطان... أنا اللي استاهل كل اللى حصل ... لأني صدقت إنك ممكن تلتفتي، صدقت إنك ممكن في يوم تفوقى وتشوفى اللى كان مستنيكي... أنا كنت واهم..... كنت مغيب .... كنت
بحلم .... حلم كبير واتكسرت جواه
أمنية حاولت الاقتراب منه، لكنها تراجعت حينما سمعته يكمل:
انتي متستحقيش حبى... متستحقيش كل اللي عملته.... أنا اللي رخصت نفسي، أنا اللي بعت حیاتی عشان واحدة قلبها حجر ... واحدة... كانت لعنة ... لعنة صابتني "
أمنية بصوت يترجى ودموع تتساقط:
"كفاية كده يا يزن أنت بتعذب نفسك بالشكل ده..."
يزن وهو يقوم ينظر لها بنظرة خالية، شبه منهارة
"أنا خلاص مش قادر... خلاص .... أنا انتهيت من جوايا ... ومش عاوز أرجع تاني للدوامة دي.....
سيبيني أعيش مع جرحى... أهو أهون من إنى أعيش في وهمك "
صمت لحظة وهو ينظر الى الأرض، وبصوت يكاد يسمع كأنه يتحدث مع نفسه: كان نفسي تبقى ليا... بس الطمع فى اللى مش لينا دايما بيكسرنا."
ثم سار بعيدا عنها، تركها تقف وحدها ما بين ذنب مميت وذكرى حب عمره ما اتولد... فقط عاش ومات بداخل شخص اسمه يزن
كان "يزن" واقفا أمامها، شبح رجل عاش عمرا لا يحصى وهو يحترق في صمت عيناه زائفتان وجسده ينتفض، وصوته يخرج منه ضعيفا، مهزوما:
- أنا ضيعت نفسي... ضيعت عمري عشانك يا أمنية ... كنت يحبك أكثر ما كنت بحب نفسي .... وكنت فاكر إنك هتحسي، إنك هتشوفى ... بس لا، ولا مرة ولا حتى لما كنت بموت وانتى قدامی ...
ارتجف جسده فجأة، وركبتاه لم تعودا قادرتين على حمله ... سقط على الأرض بقسوة، كأن كل الأوجاع القديمة سقطت معه جسده منكفى بهذي بكلمات غريبة، مشوشة، كأنه انفصل عن الواقع:
أنا اللي غلطان... كان لازم أبعد من زمان... بس قلبي مكنش بيطاوعني... كنت عايزك.... كنت كل يوم ببني في حلم وانتى بتهديه.... انتى لعنة ... لعنة صابتني..."
رکعت "أمنية" أمامه، قلبها يتفتت أمام هيئته المنكسرة احتضنت وجهه المرتجف بين كفيها. تبكي بحرقة، وتحاول أن توقظه من انهياره
- يزن فوق... فوق بالله عليك... متعملش في نفسك كده ... أنا آسفة ... أسفة على كل لحظة وجعتك فيها..."
لكن "يزن" لم يكن هناك... عيناه تسبحان في فراغ بعيد، لا يسمع، لا يشعر، لا يعي شيئا سوى
"أنا كنت بحبك بجد... أكثر من أي حد... أكثر من أمي... من الدنيا... إنتي موتيني
بالحياة..."
وفجاة ....
باب الفيلا يفتح بعنف، ويعلو صوت خطوات غاضبة.
"أحمد" يدخل والموت يتطاير من عينيه.
رأي "يزن" منهارا على الأرض، و"أمنية" تحتضن وجهه... فتغلى الدماء في عروقه، واندفع نحوه كالإعصار. أمسكه من ياقة قميصه، ورفعه بقوة غاشمة، ثم سدد له لكمة مدوية على وجهه.
يا ابن ....... كنت مستنى إلى أغيب؟ كنت مستنى فرصة عشان تدخل حياتها ؟!"
" يزن" لم يتحرك... جسده كان خرقة بالية... نظراته جامدة، ودم من قمه يسيل.
لكمة أخرى تسقطه على الأرض.
وأحمد يركله وهو يصرخ:
ردا اتكلم ! قولي كنت عايز منها إيه ؟! رجعت تاني من امتی ازای قدرت تخدعنا كلنا بانك "!مت؟
"أمنية" تصرخ، تبكي، تحاول أن تمسك بيد "أحمد":
"سيبه !! حرام عليك !! إنت هتموته مش شايف حالته ؟!"
أحمد يزجرها بقسوة:
بعد اللي عمله ؟! بعد اللى شوفته ؟ عايزاني أسيبه ؟!"
ده مش عايش أصلاً! ده ميت وكل الناس عارفة كدا يبقى لازم يموت ثاني.
" يزن" يهمس بصوت يكاد لا يسمع، وجفنه يرتعش
- سیبونی... سيبوني في جحيمي..."
"أمنية" تنكفئ على جسده، تشكل درع حامي له من لكمات زوجها تبكي وتصرخ
- ما تموتش... بالله عليك ما تموتش... أنا هنا ... سامعني ؟ أنا هنا....
وفي تلك اللحظة، يسود الصمت.....
كان الزمن توقف.
كأن الحياة حبست أنفاسها....
كان "يزن" رحل إلى عالم لا يسمع فيه نداء ولا تبصر فيه دمعة ....
"أمنية" كانت تجلس امام جسد "يزن " الملقى على الأرض، الدموع تفرق وجهها، وصوت شهقاتها يعلو وهي تنظر لملامحه التي بدأ شحوب الموت يزحف إليها.
رفعت رأسها بسرعة ناحية "أحمد"، وصوتها مبحوح من البكاء:
اتصل بالإسعاف... بالله عليك يا أحمد، لسه في وقت... لسه ممكن نلحقه !"
لكن "أحمد" لم يتحرك، كان واقفا كتمثال من نار عينيه تشتعلان، وصوته يخرج كالرصاص:
- "لأ... خليه يموت يرتاح ونرتاح منه ... أنا مش هسيبه المرة دي إلا لما أتاكد إنه مات !"
صمتت "أمنية" لحظة، كأن كلامه خبطها في صميمها، رفعت عينيها له ببطء، واتسعت نظرتها
بذهول، وكأنها لا تعرف هذا الرجل.
ايه ؟... انت بتقول ايه ؟! الإنسان اللي جواك مات خلاص؟ فين الرحمة؟ فين ضميرك ؟ ده
بني آدم يا أحمد، مهما عمل، هو بشر ... مينفعش نسببه کده!"
بشر؟ ده كان هيبوظ حياتنا ... كان عايز ياخدك منى، وأنا ساكت؟ لا، أنا مخلص عليه بایدی !"
صرخت بكل ما تبقى فيها من قوة:
لو لمسته تاني، هتبقى قاتل ! وأنا عمري ما هبقى مرات قاتل، فاهم؟! دلوقتي حالا تتصل
بالإسعاف، يا إما تنسى إن ليك زوجة اسمها أمنية !"
كان صمت "أحمد" بعدها كأنه دوي ينظر لها بجمود، ثم لعينيها التي تفيض بالحزن والغضب.
رأي في عينيها قرارا لا رجعة فيه... خوفها على "يزن" لم يكن حبا، بل إنسانية ... وكان على
حافة فقدها للأبد.
بيد مرتعشة من الصراع، أخرج هاتفه ... ضغط الرقم وهو يشيح بوجهه بعيدا، كأن الندم بدأ
- "الو؟... فيه حالة طارئة، شخص مصاب... محتاجين إسعاف فوزل .."
نظرت له "أمنية" بعيون دامعة، وهي تمسح دماء "يزن" من وجهه، وتهمس بصوت مكسور
"هتعيش... لازم تعيش ...
وفي الخلفية، بدأ صوت سيارة الإسعاف يقترب....
والحقيقة كانت واضحة على وجوههم جميعًا:
لا أحد سيخرج من تلك الليلة كما كان قبلا.
في المشفى - بعد عدة ساعات كان الهدوء يخيم على غرفة العناية المركزة، وحده صوت الأجهزة الطبية هو الذي يقطع الصمت، يعلن أن القلب لا يزال ينبض... لكن الوعي غائب.
"يزن" يرقد على السرير الأبيض، شاحب الوجه، شفتاه جافتان عيناه مفتوحتان نصف فتحة لكنهما خاليتان من الحياة.... نظرات تائهة، لا يرى بها أحدا، لا يسمع، لا يشعر ... كأنه ما زال غارقا في ذلك المشهد القاتل... في الانكسار الأخير.
دخلت "مريم" مسرعة، ما إن رأت حالته حتى شهقت بالبكاء، وانكفأت على ركبتيها جواره
تمسك يده الباردة وتغرقها بدموعها.
- " يا يزن... قوم... متعملش فيا كده... ده انت كنت دايما السند... إزاي تنهار بالشكل ده ؟! قوم يا حبيبي... رد عليا بس بكلمة ... قولي إنك سامعني ... حتى بص في وشي!"
صوتها كان موجوع، حاد، ملیان قهر.
لكن "يزن" لم يتحرك... نظراته ثابتة للسقف... كأن الحياة قررت تسيبه صاحي من غير ما يقدر يعيش.
دخل "أحمد" بخطوات واثقة، وقف عند الباب عيناه تقطران غضبا وثباتا باردا.
متعيطيش عليه... هو اللى جاب لنفسه كل ده"
نظرت له "مريم" بعينين متوسلتين، وهي تقول:
- حالته تصعب على العدو يا أحمد... ده ما بقاش حاسس بحد فينا بقا جسد من غير روح. ... رد بقسوة
المرة دي مش هيفلت أنا متابع بنفسي، وهخليه يدفع تمن كل حاجة عملها ... مكانه الطبيعي السجن، ولازم يروح له."
التفت نحو الباب، ومد يده لـ "أمنية" الواقفة مذهولة تحمل طفلتها بين ذراعيها، وملامحها
مكسورة بين وجع الماضي وصراع الحاضر.
- "يلا يا أمنية... إحنا عملنا اللي علينا ... والباقي على ربنا والقانون "
"أمنية" نظرت لـ " يزن" للمرة الأخيرة... وقلبها ينزف دمعة وحيدة انسابت على خدها، ثم
مشت بصمت خلف "أحمد"، تحمل ابنتها ... وتمضى.
تركت وراءها رجلا مكسورا، وجسدًا على قيد الحياة، لكن روحا... قد تكون ماتت.
بداخل مشفى الأمراض النفسية - بعد عام كامل
مرت الأيام ثقيلة، لكنها كانت كفيلة بأن تعيد شيئا من الروح الجسد كان ميثا بالحياة.
"مريم" لم تفارقه يوما. جلست إلى جواره، صمتت حين صمت بكت حين بكي، ولما انفجر غضبا احتضنت ضعفه، ولما انهار أمسكت بيده كانت له طبيبة ونورا ومأوى.
قدمت للمحكمة كل ما يثبت أنه لم يكن في وعيه حينها، كل التحاليل والتقارير، تشهد بأنه كان مريضا نفسيا غارقا في اكتئاب حاد مشوش، ضائع بين صدمة حب لم يكتب له النجاة منه.
وبرغم العيون التي حكمت عليه، كانت عيناها تنظر إليه كما لم ينظر إليه أحد من قبل ... يعين
الرحمة والصدق.
ومع الوقت... بدأ يعود.
" يزن" عاد.
لكن ليس كما كان.
عاد أهدا... أنضج... أكثر وعيا بقيمته وقيمة من يقف بجانبه.
وفي ظهيرة يوم مشمس، بعدما أذن له الطبيب بالخروج، خرج بخطوات بطيئة ... إلى الحياة.
كانت "مريم" بانتظاره خارج بوابة المشفى تحمل بين يديها وردة بيضاء.
ابتسمت له، فابتسم.
وقف أمامها، صامتا لثوان، ثم قال بصوت منخفض:
- تعرفي ؟ أنا طول عمري كنت بدور على اللي تحبني وانا ضعيف، مش وانا قوي... على اللي
تشوف فيا البني آدم من الاسم...
سكت لحظة عينيه فيها لمعة صافية.
أنا وقعت بس انتي اللي مددتيلي إيدك وشلتيني... طب مين غيرك يستحق يكون شريكة
عمري ؟ "
اقترب منها خطوة، نزل على ركبته قدامها ... وسحب من جيبه خاتم بسيط... كان شاريه من مدة، وهو بيخطط للحظة دي من شهور.
- مريم.... ممكن أبدأ من جديد؟ بس المرة دي وإنتي جنبي ... كزوجتي مش الدكتورة اللى بتساعدني ؟"
"مريم" دمعت عينيها، ضحكت وهي مش مصدقة، وقالت:
يعني كل ده ولسه بتسأل؟"
ضحك، ولبسها الخاتم وسط تصفيق طاقم المستشفى اللي كانوا بيراقبوا المشهد من بعيد....
قلبها بيرفرف، وهو بيهمس لها:
"أنا كنت ميت... وإنتي رجعتيلي الحياة ... ينفع تبقى حياتي كلها؟"
بعد شهور من الزواج في فيلا يزن ومريم
كانت ليلة شتوية، المطر يسقط على الزجاج، والهدوء ساكن المكان.... مريم جالسة على الأريكة ترتدى بيجاما قطن، وتمسك كتاب في إيدها وكوب قهوة في الأخرى، وشعرها ينساب بحرية
على كتفها.
دخل "يزن" إلى الحجره، وجهه هادئ... لكن عيونه تلمع بالسكينة التي لم يعرفها من قبل.
اقترب منها، وسحب منها الكتاب ووضعه على الطاولة
قال بابتسامة صغيرة:
"أنا مش عارف أنا ليه اتأخرت كل السنين دي عشان أوصل ليكي ....
مريم ابتسمت وقالت بهزار
- "عشان كنت غبي "
ضحك، وجلس بجوارها، ونظر لها بعمق... و حب، وامتنان
" أنا فعلاً غبي... بس دلوقتي بقيت أذكى لما حبيتك.... وبقيت أعيش مش عشان أتنفس، لا.... عشان أشوفك وانتي بتضحكي كدا."
"مريم" قلبها دق ... اقتربت منه وأسندت رأسها على كتفه، ورفع يده يلعب في شعرها بحنية وهدوء.
همس
- عارفة يا مريم... أنا زمان كنت بعيش عشان أثبت إني استحق الحب... دلوقتي أنا عايش عشان أديكي حب يطمنك، يريحك يعيشك في دنيا غير الدنيا ....
سكت لحظة، ثم قال:
"أنا مش هقدر أوفيكي حقك... بس كل يوم مصحى بحبك أكثر... وكل يوم هحاول أكون سندك، وضهرك وأمانك "
"مريم" دمعت عنيها، وقالت بهمس:
- وانا أول مرة في حياتي أحس إن حضني في حضن راجل... راجل بجد..."
ضمها ليه، وقال:
مش بس راجل... دا جوزك... ونصك الثاني... وسندك لما الدنيا تنهد.
كان يجلس يزن على المقعد الخشبي وسط الجنينة الهادئة السماء تكسوها ألوان الغروب
الساحرة، ونسمة خفيفة تداعب وجهه، بينما عيناه سرحت في نقطة بعيدة كأنها تربطه بالماضي.
يداه مشبوكتان، ووجهه يحمل ملامح رجل نجا من الموت، لكنه لا يزال يتعلم كيف يعيش بعد النجاة.
فجأة، خرجت مريم من باب المطبخ ترتدي فستانا بسيطا يبرز بطنها الحامل، وتحمل في يديها صينية بها كيك مزين بالفراولة والشيكولاتة. ابتسامتها الدافئة كانت كفيلة بإذابة كل ما في قلبه من برد.
قالت وهي تقترب
سرحان في ايه يا حبيبي ؟ أنا مش هسكتلك على فكرة انا عاملالك الكيك دا مخصوص
عشان تركز فيا أنا "
ابتسم يزن ورفع عينيه ناحيتها، ثم وقف ببطء ومد يده يأخذ الصينية منها ويضعها على
الطاولة، وقال بهدوء:
أنا كنت بسرح في حظي .... إنك لسه هنا... وإن بعد كل اللي عدى، لسه ليا قلب بيحبني
بالشكل ده."
وأنا كنت بفكر في كل يوم وقفت فيه جنبي... حتى وأنا متضايقة... حتى وأنا خايفة
جلست بجانيه، وأسندت رأسها على كتفه:
تسبيني... كنت شايفة الوجع اللي جواك... وحسيت إني مش هقدر أسيبك تغرق لوحدك "
- بس أنا غرقتك معايا يا مريم .... كثير."
- بس أنا سباحة شاطرة، وطلعت بينا الاثنين."
ضحك بخفة، وقبل يدها:
" ووافقتي تتجوزيني... رغم إني قدمتلك عرض جواز وأنا بيكي ومش لاقي قلبي "
أحلى عرض جواز في الدنيا، لأنك كنت حقيقي.... مش مزيف"
سكتوا لحظة ... وصوت العصافير ملأ الجو من حولهم.
لكن فجأة ....
شهقت مريم بقوة، وصرخت وهي تمسك بطنها :
"!!یزن ....." -
- "مريم ؟! مالك ؟!"
- البيبي... الطلق.... يزن أنا هموت الحقني بوووولد!!"
هب و اققا مرعوب قلبه بينط من صدره
- " يا نهار أبيض !! إنتى بتولدي دلوقتي ؟!! طيب استني ... استني أنا هنادى لاى حد ييجى
يساعدنا !!"
لكنها كانت تصرخ بصوت عالي، والوجع ظاهر على وجهها بشكل خطيي.
ركع امامها، حاول تهدئتها وهو يرتعش
بصيلي يا مريم ... انتي قوية، هتقدرى ؟! أنا معاكي... مش هسيبك "
صرخت تاني، ودموعها نزلت
هات عربية بسرعة أنا مش قادرة يزن بالله عليك !!"
اه حاضر حاضر استني هنا ! إنت وبنتي مش هتجر الكم حاجة ... أقسم بالله ما هسيبكم!"
ركض مسرعا واحضر السيارة وساعدها للركوب بها ثم انطلق مسرعا الى المشفى بعد أن أوصى الخادمة بأن تراعى شهد واسيا.
بداخل غرفة المستشفى بعد الولادة هذا كل شيء... لم يتبق سوى صوت أنفاس ناعمة تتردد في أرجاء الغرفة البيضاء، أشعة الشمس تسربت بخجل من نافذة صغيرة، تراقصت على وجه مريم المرهق، وجبينها المتصبب بالعرق، لكنها كانت تبتسم .... تبتسم كأنها خرجت من معركة منتصرة.
يزن دخل الغرفة ببطء ملامحه مذهولة، وعيناه دامعتان، اقترب منها وهو يخطو كمن يخشى أن يوقظ حلفا لا يريد أن ينتهي، راها تحتضن الطفل بين ذراعيها، طفل صغير ينام بسلام على
صدر أمه، وكأنه لم يأت إلى الدنيا إلا ليجمع شتائهما.
اقترب منها، جثا على ركبتيه أمام السرير مديده ليلمس يد ابنه... ففتح الطفل عينيه فجأة. نظرة صغيرة لكنها كانت كفيلة أن تزلزل قلبه.
همس بصوت مرتعش
»هو... ده ابني؟«
مريم ابتسمت بحنان وأومات برأسها.
آه یا بزن... ابتك، ابننا .."
أخذ الطفل في حضنه يحذر كأن بين ذراعيه جوهرة من نور تم نظر إلى مريم بعينين زجاجيتين من شدة التأثر:
"تصدقي ؟ أنا كنت فاكر نفسي عشت قبل كده... بس والله أول ما شفت وشه... حسيت إني اتولدت من جديد..."
العيال دول بيعملوا سحر يا مريم... بس السحر الحقيقي... إنك إنني كنتي جنبي طول
الوقت... وقت كنت أنا مش شايفني "
أنا كنت غرقان في سواد، وانتي نورتي لي الدنيا ... كنتي إيدي اللي مسكنني وأنا بقع، كتني
مريم مدت ايدها ولمست خده
يزن... أنا شوفتك وانت في أسوأ حالاتك، ومع ذلك... قلبي ما بعدش لحظة."
- "لأنك تستاهل تتحب، حتى لو كنت شايف نفسك متكسر."
ضم الطفل إلى صدره، واقترب منها أكثر، وقال بصوت ناعم يشوبه البكاء:
"أنا بحبك يا مريم... بكل لحظة عدت وبكل نفس جاي... وبوعدك... إن كل يوم هعيشه همیشه علشانك، وعلشان ابتدا."
وعشان آسيا ... وشهد... وبيتنا اللي عمره ما هيتقفل طول ما أنا وإنتي مع بعض."
مريم ابتسمت والدموع تسيل من عينيها:
" وأنا بحبك يا يزن... وهفضل أحبك... لآخر العمر."
انحنى، وقبل جبينها، ثم جلست إلى جواره ووضعت رأسها على كتفه، بينما الطفل بين أيديهما نائها، في سلام يشبه الحكايات الجميلة التي تروى قبل النوم.
انتهت القصة... وبدأت الحياة.
بعد عدة أيام كانت الفيلا غارقة في البهجة ... الزينة تتدلى من السقف، وأصوات الضحك تتعالى من كل ركن الكيكة في المنتصف، والبالونات بالوانها الزاهية تملأ الأرجاء.
مريم كانت جالسة وسط الاصدقاء والاحباب تحتضن رضيعها، بينما آسيا وشهد تدوران حولها يفرحة، ويزن يقترب منها بخطوات هادئة، عينيه لا تفارقها.
جلس إلى جوارها، ثم مال نحوها و همس:
أنا قولتلك بحبك النهارده؟"
نظرت له وابتسمت بخجل
"لا، ما قولتش..."
ضحك بخفة، وقبل جبينها وقال:
بحبك يا مريم.... بحبك فوق الوصف... بحبك عشان انتي أماني، وسكني، ونبض قلبي "
لم تنطق، فقط دمعة هادئة انسابت من عينيها، وابتسامة حب ارتسمت على وجهها.
كانت الزغاريد تتعالى، والموسيقى تعزف نغمة دافئة، بينما هو يحتضنها وطفله بين ذراعيه .... وكأن كل الألم، وكل الذكريات قد تلاشت في لحظة واحدة، لتحل مكانها حياة جديدة... ملينة بالحب.
تمت بحمد الله
انتهت أحداث الرواية نتمني ان تكون نالت اعجابكم وبإرائكم في التعليقات وشكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
