رواية الفرار من العشق الفصل الثاني والعشرون
سكتت ليلى ونزلت عينيها على الأرض، والدموع نزلت بغزارة على خدودها من كتر الوجع. قرب منها معتصم بحنان وقال بصوت دافئ: ـ "طب اهدى بس يا ليلى.. لو أنتِ متضايقة عشان حياتك اتلخبطت، فـ أنا حياتي اتلخبطت 180 درجة! أبويا وامي طلعوا مش أبويا وامي، وطلع عمي هو اللي أبويا، وكمان طلع لي أخت، وأمي الحقيقية ماتت من غير ما أشوفها ولا حتى أعرفها."
رفعت ليلى عيونها ليه، ومسحت دموعها بإيديها وقالت بصوت مكسور: ـ "ما تزعلش يا يوسف.. بس على الأقل أنت عشت وعرفت حنان الأب والأم، حتى لو طلعوا في الآخر مش أهلك الحقيقيين، في غيرك ماشافش ده خالص ولا يعرف عنهم حاجة."
ابتسم معتصم بوجع وقال: ـ "وأمي اللي ماتت دي.. ما شوفتهاش ولا أعرف شكلها حتى."
ردت ليلى بنبرة كلها صدق: ـ "عارفة.. ماما نادية الله يرحمها كانت أطيب قلب في الدنيا كلها، وألحان طالعة نسخة منها في طيبتها وقلبها الأبيض، وصدقني هي تعبت كتير أوي عشان تقدر توصل لك وتجمع شملكم.. عشان كده يا يوسف، ما تضيعش التعب ده كله وتنسى اللي عملته عشانك."
هز معتصم راسه بتأكيد وقال: ـ "أكيد طبعا.. مستحيل أضيع تعبها." وقف وقال بحنان وهو بيمد إيده يساعدها: "يلا قومي يا ليلى، الوقت تأخر ولازم ترتاحي شوية عشان تعب اليومين اللي فاتوا."
قالت ليلى بصوت هادئ وهي بتقوم: ـ "تصبح على خير يا يوسف." رد معتصم بابتسامة خفيفة: ـ "وأنتِ من أهله."
بدأت ليلى تطلع لغرفتها، ومعتصم طلع وراها بخطوات بطيئة وتعبانة. وأول ما وصل عند أول السلم، اتفتح باب أوضة العمدة، وطلع منه العمدة وبص له وقال بصوت هادئ: ـ "تعال يا معتصم.. عايز أكلمك كلمتين ضروري."
بصله معتصم بنبرة ناشفة ومكسورة وقال وهو بيكمل طالع: ـ "أنا تعبان.. ومش قادر أتكلم في حاجة دلوقتي خالص." حاول العمدة يستهدى وقال بأسى: ـ "طيب يا معتصم.. براحتك."
سابه معتصم وكمل طالعه لحد جناحه الخاص، ودخل وهو لسه بيمسح على شعره من شدة الإرهاق والصداع اللي متمكن منه. بس أول ما فتح باب الأوضة ودخل.. اتجمد في مكانه بذهول وصدمة لما شاف أمه قاعدة على السرير، ودموعها نازلة بغزارة على خدودها!
معتصم بلهفة قرب منها بسرعة: ـ "مالك يا أمي؟ حاسه انه غلط
فتحت أحلام ايديها وقالت بدموع: ـ "تعال في حضني.. أنا أمك يا معتصم. مش الأم هي اللي خلفت، لا.. الأم هي اللي ربت وشالت سنين طويلة ابنها جوه قلبها قبل عينيها."
شدها معتصم لحضنه أكثر وقال بوجع: ـ "أنا آسف يا أمي."
طبطبت عليه بحنان وقالت: ـ "ما تقولش كده.. ابني دكتور وعمره ما يغلط."
ابتسم معتصم وسط دموعه، وفي اللحظة دي دخل حماد وقال: ـ "عرفت يا أحلام؟ ربنا راجل عادل، عارف إننا تعبنا عشانه، وإن هو ابننا بجد."
وقف معتصم، ومسك إيد حماد وباسها باحترام وقال: ـ "ربنا يخليكم ليا وما يحرمنيش منكم أبدا."
شده حماد في حضنه، وقربت أحلام منهم هي كمان، وغمرتهم الدفوة والمشاعر الصادقة بعد كل العاصفة.
و في جناح رحيم الحان كانت نايمه على صدره وعلامات التعب موجوده على وشها باس راسها بحنان بالغ، وبعدين شالها بالراحة وحطها برقة على المخدة عشان ما تقلقش من نومها . وقف رحيم بهدوء، وخرج على البلكونة يشم شوية هواء نقي وهو بيغرق في أفكاره العميقة وعقله شغال بمليون فكرة، والمصيبة الأكبر إن اللي عملت كده أمه.. ومش عارف هيعمل معاها إيه، ولا يقدر يأذيها أو يبلغ عنها الشرطة
اتنهد بعمق وتعب شديد، ودخل تاني الأوضة شد جلابيته الصعيدي ولبسها، وبعدين نزل لتحت بخطوات ثابتة. دخل على أوضة العمدة المحمدي، ولقاه قاعد على السرير مستنيه، وأول ما شافه قال بصوت هادئ: ـ "تعال يا رحيم.. اقعد."
قعد رحيم على الكرسي قدام أبوه، وبص في الأرض بملامح كلها هم وقهر، وقال بصوت متقلب: ـ "بص يا أبوي.. أنا أول مرة في حياتي أكون تايه كده ومش عارف أتصرف، المصيبة الأكبر إن أمي هي اللي طرف أساسي في الموضوع، ومش قادر حتى أحاسبها عشان هي أمي!"
بصله المحمدي بحزن وتعب، وقال بصوت خافت: ـ "بص يا رحيم.. أنا عارف إن أنا السبب، وعارف إني غلطت في حق أمك زمان، بس القلب مش عليه سلطان، وأنا حبيت نادية بجد.. لكن أمك ما عجبهاش الكلام ده، بالعكس، اتجننت أكتر وبقت عاوزة تخلص منها مرة واتنين وثلاثة عشان تفضل هي المسيطرة وتاخد اللي هي عايزاه."
رفع رحيم عيونه لأبوه وقال بنبرة مكسورة: ـ "طب أعمل إيه دلوقتي؟! أخد مراتي وأمشي من القصر ده خالص، ولا أعمل إيه بالظبط؟!"
هز المحمدي راسه بقلة حيلة وقال بصوت ضعيف: ـ "مش عارف يا ابني أقولك إيه.. عقلي واقف مش قادر افكر، و خايف من خطوتها الجايه اكيد هتكون صعبه على الكل ."
في الجناح، بدأت ألحان تتقلب في نومها بتعب، وفجأة حسّت بألم حاد في جرح رجلها. اتعدلت بسرعة وهي بتكتم وجعها، وبصت حواليها باستغراب لما لقت السرير فاضي ورحيم مش موجود.
بس قلبها وقف لما اتفاجئت باللي قاعدة على الكرسي ببرود وتبص لها بنظرات شيطانية!
شدت ألحان الغطا بسرعة على جسمها عشان تداري القميص، وقالت بصوت مكسور ومرجوف: ـ "هانم.. بتعملي إيه هنا؟! عاوزه مني إيه تاني؟ مش كفاية اللي عملتيه؟!"
ابتسمت هانم بتهكم وقالت ببرود واستمتاع: ـ "إيه يا دكتوره.. مكسوفة من إيه؟ ده أنا حماتك حتى!"
قالت ألحان بتوتر وخوف بيحاولوا يداريهم الغضب: ـ "مش كفاية إنك غدرتِ بيا، وأنا اللي كنت ناويه أمشي من هنا ومارجعش تاني؟!"
ضحكت هانم باستهزاء وقالت: ـ "لا، تصدقي إن أنا غلطانة؟ كنت المفروض أخلص عليكِ وأنتِ في العربية، مش أستنى لما تدخلي بيتي نايمة مرتاحة!"
دبت الرعبة في قلب ألحان، لكنها حاولت تتكلم بقوة وثبات وهي بتبص في عيونها: ـ "وأنتِ فاكرة لما تخلصي مني النار اللي في قلبك هتبرد؟! بالعكس.. دي هتولع أكتر، عشان ابنك مستحيل يحب أو يتجوز بعدي، أنا خلاص بقيت جوه قلبه، ودلوقتي جوزك وابنك بقوا عارفين الحقيقة وبيحلموا بنادية وبنتها!"
كلمات ألحان كانت زي السم اللي نزل على نقطة ضعف هانم وجنونها. اتعصبت هانم بشدة وفقدت السيطرة على أعصابها تماماً، وقربت من ألحان بسرعة البرق، وطلعت سكينة حادة من معاها، ورفعتها وهي بتقول بصوت مسعور: ـ "هقتلك وأخلص منك اليوم يا ألحان!"
صرخت ألحان بقوة ورعب وهي بتحاول تبعد وتبعد جسمها، وفضلت تصرخ وتتحرك وهي بتقاوم هانم بكل طاققتها عشان تمنع السكينة عن جسمها.
وفي اللحظة دي، اتفتح باب الجناح بعنف ودخل رحيم بخطوات مرعوبة على صوت صرخاتها. تجمد في مكانه لثواني من المنظر، وبعدين اتحرك بسرعة جنونية واندفع ناحية أمه، وماسك إيديها اللي ماسكة السكينة عشان ينتزعها منها بالعافية.
وسط الصراع والشد والجذب، هانم وهي مش في وعيها ومن كتر العصبية، حركت إيديها بعنف.. وفي لحظة طايشة، عورت السكينة دراع رحيم بعمق، ونزل الدم فجأة وهو لسه بيحاول يسيطر عليها!
على صوت الصراخ، اتفتح باب الجناح ودخل الكل مرة واحدة؛ حماد ومعتصم وليلى.
شدت ألحان الغطا بسرعة على جسمها عشان تداري القميص وهي بتترعش من الرعب، وجريت ليلى عليها بسرعة ولهفة، وحضنتها وقالت بدموع: ـ "أنتِ كويسة يا ألحان؟! حصلك حاجة؟!"
في نفس اللحظة، قرب حماد ومعتصم بسرعة من هانم عشان يبعدوها عن السرير ويخلصوا السكينة من إيديها. كانت هانم في حالة هيجان تامة، وعيونها حمرا ومليانة شر وحقد، وعمالة تتحرك بجنون وعايزة تقتل ألحان بأي طريقة، وفجأة صرخت بدموع وقهر وزهق مجنون: ـ "هقتلك! والله هقتلك.. هموتك زي ما قتلت نادية زمان!"
وقفت ألحان مكانها، ودموعها نازلة على خدودها بغزارة، وبصت لها بصدمة وذهول وهي بتقول بصوت مهتز ومرجوف: ـ "وأنتِ.. أنتِ قتلتي أمي إزاي أساساً؟!"
بصت لها هانم بضحكة هستيرية وجنون أعمى وهي مقبوضة بين إيدين معتصم وحماد..
صرخت هانم بجنون وصوتها مالي المكان: ـ "قتلتها.. قتلتها لما كانت حامل في أخوكي، وهقتلك زيها دلوقتي!"
بص معتصم لـ"أحلام" (أمه اللي ربته) بسرعة وقال بلهفة: ـ "يا أمي.. هاتي لي الشنطة بتاعتي من الأوضة بسرعة!" ردت أحلام بارتباك وهي بتتحرك: ـ "حاضر يا ابني، ثواني وكون عندك."
وهانم مستمرة في الصراخ والرفس وعاوزة تفلت عشان تقتل ألحان، وفي لحظات كانت أحلام راجعة وجرية ومعاها الشنطة. أخدها معتصم منها بسرعة وفتحها وطلع منها حقنة مهدئة قوية، وبص لرحيم وقال بحزم: ـ "هتقدر يا رحيم تسيطر عليها وتمسكها؟"
هز رحيم راسه بالموافقة رغم تعبه ونزيف دراعه، وقرب بسرعة مع حماد وثبتوا هانم بقوة. قرب معتصم بخطوات سريعة وواثقة، وبحركة خاطفة غرز الإبرة في دراعها وهي بتصرخ وتتجنن.
ما عداش ثوانٍ معدودة، وبدات ملامح هانم تسترخي، وجسمها يترخي، وعينيها غمضت بالكامل وسقطت في غيبوبة النوم وهي لسه بتهوس وبتردد نفس الكلام بغمغمة غير واضحة.
ساد الصمت في الجناح بعد السيطرة عليها، وقربت ليلى من ألحان وهي بترتجف من الخوف وقالت بصوت مكسور: ـ "ألحان.. إحنا لازم نمشي من المكان ده حالاً، الوضع هنا بقا مرعب وما يتسكتش عليه!"
بص معتصم لألحان وليلى بتأكيد وقال بنبرة قاطعة: ـ "أكيد طبعاً.. مستحيل تقعدوا هنا دقيقة كمان بعد اللي حصل ده."
كانت عيون ألحان معلقة على رحيم، مستنية منه كلمة واحدة تطمنها أو تخليه يتمسك بوجودها، لكنه فضل ساكت وما ردش.. فهمت ألحان ساعتها إن هو في وضع لا يحسد عليه، ومحتار جدا يختار بين امه ومراته، وقررت تضحي بوجعها عشان تريحه، وقالت بصوت مكسور لليلي: ـ "خلاص يا ليلى.. بكره الصبح هنمشي من هنا."
في اللحظة دي، كانت عين رحيم معلقة على أمه وهي نايمة وساكتة خالص، مش قادرة ترفع عينها بعد الكارثة دي. وبص معتصم لألحان وليلى وقال بنبرة قاطعة تطمنهم: ـ "أنا هاجر لكم شقة في المحافظة تقعدوا فيها لغاية ما تخلصوا الامتحانات وترجعوا تاني إسكندرية.. ومتقلقوش، أنا هكون معاكم طول الوقت."
قالت ألحان بهدوء مصطنع وهي مسحت دموعها: ـ "تمام يا معتصم."
معتصم بص الرحيم: ـ "تعال يا رحيم.. عشان أخيط لك الجرح ده."
لكن رحيم فضل قاعد مكانه وساكت تماماً كأنه تايه في دنيا تانية. قربت ألحان منه بحذر، وحطت إيديها الرقيقة على كتفه بحنان طاغٍ وقالت بصوت دافئ: ـ "حط مامتك على السرير يا رحيم.. وتعال عشاني، الجرح بينزف ولازم يتخيط فوراً."
هز رحيم رأسه ببطء، وكأن كلامها صحّاه من صدمته، وقام وشال أمه بحذر وحطها برفق على السرير عشان ترتاح.
وبعد وقت قصير، كانوا قاعدين في البلكونة الهادية. ألحان كانت واقفة بصعوبة وبتتحرك بحذر بعد ما أخدت شنطة الإسعافات من معتصم.
رحيم قلع جلابيته في صمت تام من غير ولا كلمة، وقعد قصادها على الكرسي، وبدأت ألحان تعقم له الجرح بعناية وتبتدأ في خياطته برقة.
قالت ألحان بصوت حنين ودافي، والوجع بيلتف حوالين كلامها: ـ "أنا عارفة يا رحيم إن اللي بيحصل ده صعب أي بني آدم يتحمله.. وعشان كده، خلينا نبعد عن بعض أحسن، وكمان مامتك تقدر تفوق من اللي هي فيه وتهدا."
مسك رحيم إيديها ببطء ومنعها تواصل شغل، وقعدها قصاده مباشرة وعيونه مليانة رجاء ووجع: ـ "أنا عارف كل ده كويس.. بس أنا ما أقدرش أعيش من غيرك، وأكيد أنتِ كمان ما تقدريش تعيشي من غيري."
دمعت عيون ألحان وقالت بصوت مكسور: ـ "طب ومامتك؟! هتبقى عايشة في العذاب والجنون ده طول ما هي شايفاني هنا."
اترمى رحيم في حضنها كأنه طفل تايه وعاجز، وقال بصوت مخنوق: ـ "أنا مش قادر أفكر خالص.."
شدت على كتفه بحنان، وقالت بصوت بالكاد مسموع: ـ "وعشان كده بقول لك.. طلقني يا رحيم."
رفع رحيم راسه وبص لها بذهول ورفض قاطع: ـ "مستحيل.. مستحيل أقدر أعيش من غيرك!"
الحان عيطت واترمت في حضنه وهو شدها الحضن اكتر اكنه خايف تبعد عنه.
وبعد دقائق، اتعدلت ألحان ببطء وهي بتمسح دموعها بضهر إيديها وقالت بصوت هادئ ومتحامل على وجعها: ـ "يلا.. خليني أكمل الخياطة عشان الجرح ما يتعبكش."
رد رحيم بصوت خافت وضعيف: ـ "حاضر."
رجعت ألحان لمكانها قدامه، ومسكت أدواتها بهدوء، وبدات تكمل خياطة الجرح بتركيز
أما عند هدير، فالوضع كان زي ما هو، ما تغيرش كتير.. كانت قاعدة على السرير وساكتة، وأول ما سمعت صوت خطوات تقيلة بتقرب من باب الأوضة وتتحرك برة، مثلت النوم بسرعة وغمضت عينيها كأنها في نوم عميق
ودخل صفوان وهو بيتنهد بتاعك وقلع الجلابيه وفضل بالبنطلون عاري الصدر قاعده على الكرسي وعيني جت على هدير وشافها نايمه ما عداش دقايق وغمض عينيها هو كمان وراح في نوم عميق هدير فتحت عينيها بالراحه ولما اتاكدت ان هو نام فتحت عينيها وفضلت تبص عليه لغايه ما راحت هي كمان في نوم عميق
