رواية جحيم ال مارينتوس الفصل الرابع والعشرون
"منافسة شرسة بين ديميتري مارينتوس وسايلِس إيفانوف"
- حسنًا إذا، أبلغي تحياتي للآنسة الصغيرة، أخبريها أن العم سايلِس يتوق لرؤيتها كثيرًا.
قال كلماته تلك بنبرة مُظلمة ثم تركها تنظر لأثره بشرود ورجاله يلحقون به، ارتعشت يدها التي تُمسك بالحقيبة وابتلعت ريقها بصعوبة ولمعت عينيها ببريقٍ حزين وكل ما أتى على بالها صغيرتها.. التقطت هاتفها وأخذت تتحرك ذهابًا وإيابًا أمام القاعة الضخمة تنتظرها أن تُجيبها، حتى أجابت روزالين بنعاس على الجهة الأُخرى:
- ماذا أُمي؟
حاولت ريبيكا أن تكون نبرتها جامدة قليلاً:
- أين أنتِ؟
نظرت روزالين حولها لتستقر على جوداء التي كانت تغوص في نومٍ عميقٍ بجانبها..
- أنا عند صديقتي أُمي، أخبرتكِ بالأمس أنني سأبقى عندها.
عقدت ريبيكا حاجبيها وأردفت بضيق:
- توقفي عن تلك التصرفات الطائشة روزالين من فضلك! يجب أن تبقي بالمنزل في الأيام القادمة وسأحضر رجال يقومون بحراستكِ.
ابتلعت روزالين توبيخ والدتها لها بحزن ثم أردفت:
- أنتِ وافقتِ يا أمي، لماذا تزيدين الأمر صعوبة؟
عقدت ريبيكا حاجبيها بغضب:
- فقط نفذي ما أقول أيتها الغبية.
ثم أغلقت ريبيكا المكالمة في وجهها وأخذت روزالين تنظر للهاتف بهدوء، تحاول منع عبراتها ولكنها لم تستطع، انتبهت على حركة هادئة على الفراش بجانبها، حيث استيقظت جوداء من نومها العميق على صوت صراخ ريبيكا عبر الهاتف جانبها واعتدلت بصعوبة..
- ماذا هُناك؟؟
ذلك ماقالته بنعاس وقلق حينما رأت روزالين تبكي.. ولكنها لم تقم بإجابتها.. قرُبَت جوداء يدها نحو الثانية لتُبعد شعرها عن وجهها لتقول:
- ماذا هناك روزالين؟
التفتت برأسها لتقول ببكاء:
- إنها تكرهني، إن أمي لا تحبني.. لا أفهم لماذا؟
كادت جوداء أن تتحدث ولكن انهارت روزالين بين ذراعيها..
- إهدأي يا فتاة، لا توجد أم تكره ابنتها... أنتِ فقط لا تعلمين جحيم المسئوليات التي تقع على عاتقها، لقد أخبرتني بالأمس أنها تتولى إدارة شركتها وحدها ولا أحد يقوم بمساعدتها، صحيح؟
هزت روزالين رأسها أثناء بكاءها.. ابتسمت جوداء قائلة:
- حسنًا هذا أقل عُذرٍ لها.. ثم إنها أكثر شخصٌ في هذه الحياة يعلم أين تصُبُّ مصلحتك صدقيني، ثم كيف هُناك أحدٌ لديك ابنة جميلة مثلك ولا يُحبها؟ أخبريني؟
رفعت روزالين رأسها لتتقابل عينيها الباكية مع خاصتي جوداء:
- أنا أحبكِ كثيرًا جوداء.
ضمتها جوداء مُجددًا بين ذراعيها قائلة بحنان أخوي:
- وأنا أيضًا عزيزتي، نفذي أوامر والدتكِ ولا ترفضي لها شيء.
أومأت روزالين بهدوء وظلت بين ذراعي جوداء حتى غفت من جديد.. وعلى الجهة الأُخرى كانت ريبيكا تقف في الحمام وتنهمر عبراتها في صمت وتضغط على هاتفها بقوة بعدما أغلقت المكالمة بوجه روزالين وهمست بحزن:
- فليحفظكِ الربُ لي صغيرتي.
أخذت نفسًا عميقًا ومسحت عبراتها وتأكدت أن وجهها لم يتلطخ بمستحضرات التجميل وعقدت حاجبيها قبل أن تقول بقوة وهي تنظر لنفسها في المرآة:
- عليك اللعنة سايلِس إيفانوف.
ثم خرجت من الحمام لتسير بخطوات واثقة نحو مدخل القاعة ولكنها لمحت شخصًا من بعيد جعل قلبها ينقبض بمشاعر لم تشعر بها يومًا سوى مع شخصٍ واحد، وللمفاجأة إنه الشخص ذاته، ديميتري مارينتوس.
كان ديميتري يسير بخطواتٍ ثابته داخل المبنى، متجهًا صوب مدخل القاعة وخلفه أبناء عمومته، كانت ملامحه جامدة كالعادة يصعب قراءة ماخلفها كما اعتادت منذ زمن، نظراته كانت حادة، كما أن هدوءه كان يحمل شيئًا من القوة.. كانت ريبيكا تراقبه بصمت وعيناها تتبعان خطواته منذ اللحظة التي ظهر فيها أمامها، لطالما حفظت تفاصيله، ملامحه حين يصمت متى يحزن، متى يسعد.. ولكن الآن لا يوجد شيءٌ بينهما، ظلت عشرون عامًا تبكي بسبب مافعلته بهما.. لقد جُرِحَ كثيرًا بسببها، كانت تتابع أخباره بشكلٍ دائمٍ حتى اليوم لم تدخل من بعدها يومًا إمرأة بحياته، هل مازال يُحبها؟؟
لم تكن تعلم أن ديميتري أخفى قلبه خلف ذلك الجمود ولم يعلم أحد أن هناك إمرآة أخرى أصبحت تسكنه أكثر مما فعلت هي يومًا ولكنه يحتفظ بحبها داخله، إنها تلك المُسلمة التي سرقت قلبه وعقله.
وقعت عينيها على أبناء عمومته الذين يسيرون خلفه ميزت ستيفانو ودييجو لأنهما كانا مراهقين وقتها أما الرابع لم تُميزه ولكن يبدو أنه صغيرهم لوكا الطفل ذو السبع سنوات الذي كان يلعب دائمًا في حديقة القصر أعلى الشجرة الضخمة مع أخته فيرونيكا.. بالمناسبة أين فيرونيكا؟
أخذت تتساءل مع نفسها ولكن تقابلت عينيها مع خاصتي ديميتري الذي رفع حاجبيه لوهلة حينما رآها أمامه، وظل يقترب صوبها حتى توقف أمامها بهدوء، وابتسم ابتسامة لم تصل إلى عينيه:
- ريبيكا! مرحبًا بكِ.
ابتلعت ريقها بهدوء وهي تنظر إليه:
- مرحبًا ديميتري.
ثم اقتربت نحوه لتضمه بتلقائية كما اعتادت في مصافحتهما منذ زمن، ولكن منعتها يد ديميتري التي تقدمت نحوها لمصافحتها.. ابتلعت بصعوبة ورفعت رأسها ترمقه يعينين لامعتين أما هو فكانت نظراته هادئة لا توجد مشاعر، أين تلك النظرة التي لم يكُن ينظر لأحد بها سواها؟؟ أين حُبه؟ وأين عشقه لها؟ استفاقت لنفسها وقدمت يدها لتُصافحه بهدوء.. كانت مُصافحته لها رسمية وباردة بشكلٍ عجيب.. لم تعد شخصًا يهمه! إنها تحفظه عن ظهر قلب، انتبه ديميتري للمعة عينيها تلك، وعبراتها التي كادت أن تنهمر وانتبه لرغبتها في مقاومة مشاعرها الحزينة..
وأردف بهدوء:
- كيف حال ابنتكِ؟
قالت بأعين لامعة وهي تنظر في عُمق عينيه:
- هي بخير، إنها فقط تحتاج لأبيها.
انهمرت عبرة من مقلتيها، ولكن للمفاجأة لم يهتز ديميتري لدموعها تلك بل وأخرج مِحرمة ناعمة من جيب حُلته وأعطاها بيدها قائلاً بهدوء:
- أتمنى أن تجدي أبًا مُناسبًا لها.
عقد لوكا حاجبيه بسبب تلك المرأة التي تنظر إلى ابن عمه بطريقة يفهمها جيدًا فهو يرويها دائمًا في رواياته، التفت برأسه نحو دييجو وستيفانو حيثُ كانا صامتين يُتابعان مايحدث بهدوء وتقابلت عينيه مع خاصتي دييجو الذي عقد حاجبيه بحيرة، بينما هز لوكا رأسه بعدم فهم ليفهم دييجو ماذا يقصد وأشار نحو ديميتري ثم أسار على يده كأنها يرتدي خاتَم، ليفهم لوكا أن تلك هي خطيبة ديميتري السابقة، ظل يُتابع مايحدث مثلهم، بينما ظلت ريبيكا تنظر إلى ديميتري تحاول منع نفسها من الإنهيار باكية بين ذراعيه ولكنها استفاقت عندما استأنف ديميتري بابتسامة:
- يجب أن ندخل لأننا تأخرنا، هيا.
أومأت بهدوء وأشار لها ديميتري صوب القاعة، وسارت ليتبعها هو وأبناء عمومته، وما أن وطأت أقدام آل مارينتوس القاعة حتى خيم عليها هدوء وكأن حضورهم فرض على الجميع لحظة من الصمت، لم يكن الأمر غريبًا؛ فآل مارينتوس لم يكونوا من العائلات العادية حيث أنهم كانوا يمتلكون مزيجًا لافتًا من الهيبة والجاذبية، وكأن الوسامة والقوة كانتا من الصفات التي تناقلوها مع اسم عائلتهم جيلاً بعد جيل.. أما ديميتري فكان أكثر لفتًا للنظر؛ طويل القامة، عريض الكتفين وقوي البنية أيضًا، يقف بثبات يمنحه هيبة يصعب تجاهلها، حيث كان يمتلك جاذبية ثقيلة وتزيدها ملامحه الجامدة ونظرته الغامضة سحرًا، ومع ذلك لمن يكن أبناء عمومته أقل شأنًا منه فقد ورثوا جميعًا تلك البنية القوية المتينة والكتفين العريضين والقامات الممشوقة إلى جانب وسامة واضحة وجاذبية يصعب إنكارها، تختلف ملامحهم ولكن شيئًا واجدًا جمعهم وهو حضورهم الطاغي الذي يجعل آل مارينتوس أينمَّا يُحلوا يكونون أشبه بمجموعة من الرجال خرجوا من لوحةٍ في غاية الجمال، من الصعب أن تقع أعين الجميع على أحدهم دون أن تظل عليهم للحظات أطول مما ينبغي.. ماعدا شخصًا واحدًا كان يرمقهم بنظرات حارقة تكاد تحرقُهم أحياء فقد كان يمقتهم إلى حدٍ كبير، شعر ديميتري بتلك النظرات الحارقة المثبتتة عليهم وبالأخص عليه هو ولكنه تجاهله تمامًا.. ثم اقترب بخطواتٍ واثقة من المائدة الضخمة وجلس في رأس الطاولة، قبل أن يشير إلى ريبيكا لتجلس عن يمينه، بينما استقر أفراد آل مارينتوس حول المائدة، ظلت تلك النظرات تلاحقهم من بعيد حيث كان سايلِس إيفانوف يجلس في منتصف المائدة صامتًا يراقبهم بنظراتٍ باردة .. قطع ذلك الصمت صوت ديميتري الهادئ وهو يتحدثفي المكروفون المُثبت أمامه:
- مرحبًا بٍكُم جميعًا، جئنا اليوم لنتحدث عن أمرٍ هامٍ للغاية..........
ساد الصمت من جديد بينما فتح ديميتري الملف الموضوع أمامه ثم بدأ يتحدث بثقة وهدوء عن المناقصة التي أنشأتها شركة آل مارينتوس، موضحًا تفاصيل المشروع وخطتهم لتحويل المنطقة الصناعية المهجورة في روما إلى وجهة استثمارية ضخمة، تضم عددًا من المشروعات المُتكاملة في مجالاتٍ مختلفة من المجمعات التجارية والمكاتب الإدارية إلى الوحدات الفندقية والمرافق الخدمية بما يضمن إعادة إحياء المنطقة وتحويلها إلى مركز إقتصادي نابض، لكن قبل أن يُكمل حديثه جاء صوت سايلِس هادئًا من منتصف المائدة حيث تحدث من الميكروفون الموجود أمامه أيضًا ليصل صوته إلى كل الموجودين على المائدة:
- خطة طموحة بلا شك لكنني أتساءل سيدي ديميتري، هل أعددتم دراسة جدوى حقيقية لحجم المخاطر التي قد تواجه هذا المشروع؟
توقفت الكلمات على لسان ديميتري للحظة ثم وأخيرًا تقابلت عينيه مع خاصتي سايلِس وأردف بهدوء:
- بالطبع.
ابتسم سايلِس ابتسامة خفيفة، وأمال ظهره إلى المقعد وأردف موضحًا:
- لأن تحويل منطقة صناعية مهجورة بهذا الحجم لن يكون أمرًا سهلاً؛ فالبنية التحيتية تحتاج إلى إعادة تأهيل والتكاليف ستكون ضخمة، ناهيك عن التصاريح والجدول الزمني للتنفيذ أليس من الممكن أن تتجاوز النفقات الميزانية الموضوعة للمشروع؟
ساد الصمت حول المائدة، فقد بدا السؤال في ظاهره استفسارًا عاديًا يخص العمل، إلا أن الجميع أدرك ما يحاول سايلِس فعله وخاصة أنهم على علم بعداوة العائلتين منذ زمن بعيد ولكنهم لا يعلمون ما السبب كل مايعتقدونه هو أنه منافسون لبعضهم البعض ليس إلا؛ كان سايلِس يبحث عن ثغرة في خطة ديميتري، صمت لينتظر منه رقمًا أو معلومة يستغلها ضده أكثر، لكن لم يتيغير شيء في ملامح ديميتري بل ابتسم ببرود:
- لهذا السبب لم نعتمد في دراستنا على التكلفة الأولية وحدها.
رفع سايلِس حاجبه باهتمام، فأكمل ديميتري حديثه قائلاً:
- نحن لا ننظر إلى المنطقة باعتبارها أرضًا مهجورة تحتاج إلى الإنفاق عليها، بل باعتبارها أصلاً استثماريًا منخفض القيمة في الوقت الحالي، يمكن إعادة توظيفه ورفع قيمته بصورة كبيرة، وقد أجريتُ دراسة شاملة للبنية التحتية وتكاليف إعادة التأهيل والعائد المتوقع من كل مرحلة من مراحل المشروع.
ثم وضع ديميتري إحدى يديه فوق الملف أمامه وأضاف بنبرة ثابتة:
- والأهم أننا لن ننفذ المشروع دفعة واحدة.
تحدث سايلِس باهتمام:
- ماذا تقصد؟؟
أجابه ديميتري بهدوء:
- التنفيذ سيكون على مراحل، نبدأ بالجزء الأكثر قابلية لتحقيق عائد سريع ثم نعيد ضخ جزء من العائد في المراحل التالية وبهذه الطريقة نحافظ على السيولة ونقوم بتقليل من حجم المخاطرة ونمنح المشروع فرصة للنمو دون أن ضع رأس المال كله تحت ضغطٍ واحد.
ساد صمتٌ قصير وتدخل في تلك اللحظة أحد رجال الأعمال بالغرفة:
- وماذا عن المنافسة؟ روما مليئة بالمشروعات الاستثمارية الكُبرى بالفعل.
التفت إليه ديميتري قائلاً بثبات:
- ونحن لا نحاول أن ننافس تلك المشروعات، نحن نحاول صُنعَ شيءٍ مُختلف.
تدخل سايلِس في الحديث:
- وماذا لو لم تُحقق المرحلة الأولى العائد المتوقع؟، ألن يؤثر ذلك على المشروع؟
ثبت ديميتري عينيه عليه وقال بهدوءٍ شديد:
- لهذا وضعنا أكثر من سيناريو مالي وليس سيناريو واحد.
ثم دفع الملف قليلاً إلى الأمام واستأنف:
- لو كنت اطلعت على الدراسة كاملة سيد سايلِس؛ لكنتَ وجدت أن خطتنا لا تعتمد على نجاح إفتراضٍ واحد.
لمعت عينا سايلِس للحظة بينما تبادل بعض الحاضرين النظرات؛ فقد أصبح واضحًا للجميع أن أسئلة سايلِس لم تعد مجرد استفسارات بل محاولة صريحة لاختبار ديميتري وإجباره على التراجع، ظل ديميتري هادئًا.. حيث كلما حاول سايلِس أن يفتح أمامه بابًا للحطأ أإلقه ديميتري بإجابة أكثر إحكامًا، اختفت ابتسامة سايلِس تدريجيًا، قبل أن يعتدل في مقعده ويضع كفه فوق الطاولة ثم قال بنبرة هادئة وواثقة:
- في الحقيقة أنا لا أملك أي إعتراض على المشروع نفسه.
تعلقت الأنظار به في الغرفة واستأنف:
- بل على العكس، أنا أراه من أكثر المشاريع طموحًا والتي طُرِحَت في روما خلال السنوات الأخيرة، تحويل منطقة صناعية مهجورة إلى مركز استثماري مُتكامل ليس مُجرد صفقة عقارية، بل إعادة تشكيل لجزء كاملٍ من المدينة.
توقف للحظة ثم ارتسمت على شففتيه ابتسامة صغيرة:
- ولهذا السبب.. قررتُ أن أكون جزءًا منه.
ثم رفع عينيه إلى ديميتري ليُتابع:
- شركة آل إيفانوف دخلت بالفعل ضمن قائمة المستثمرين المشاركين به وقد راجعت الدراسات الماية بنفسي قبل أن أضع أموالي فيه.
ضاقت عينا ديميتري قليلا، بينما مال سايلِس للخلف في مقعده بأريحية وأتسعت ابتسامته:
- لذلك لا تقلق سيد ديميتري، أنا لا أحاول إسقاط مشروعك.. بل أتأكد من أن رجل الأعمال الذي سأضع معه أموالي يعرف جيدًا كيف يُديرها.
ظل ديميتري صامتًا لثوانٍ قبل أن يجيب بثقة:
- وأنا لا أطلب من أي شخصٍ أن يضع أمواله في شيءٍ لا يثق به.
ثم أضاف وهو يسند ظهره إلى مقعده:
- لكن بما أنك قررت الدخول كشريك يا سيد سايلِس، فأظن أنك تعرف بالفعل أن شركة آل مارينتوس لا تدخل مشروعًا لتجرب حظها وأننا لسنا من الهواة الذين يضعون أموالهم حيث لا يعرفون كيف يستعيدونها.
ساد صمتٌ قصير والجميع يتابع بحماس خفي مايحدث بين هذين الإثنين من تحدي كلامي حتى ريبيكا كانت تتابع مايحدث بصمتٍ تام وأبناء عمومة ديميتري مستمتعون بتلك المُناقشة أيضًا..
مال سايلِس إلى الأمام قليلاً مُستندًا بذراعيه إلى حافة المائدة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة:
- وأنا أيضًا لستُ من الرجال الذين يضعون أموالهم خلف إسمٍ لامع، سيد ديميتري.
رمقه ديميتري بهدوء وتابع سايلِس حديثه بثبات:
- لو لم أكن واثقًا من المشروع لما جلستُ هنا أصلاً.
ثم ألقى نظرة سريعة على الملفات الموضوعة أمامه:
- إن الأرقام مدروسة بشكل جيد، والخطة قابلة للتنفيذ والعائد المتوقع يستحق المخاطرة، أما تحويل المنطقة الصناعية إلى مجمع استثماري بهذا الحجم هو رهانٌ كبير.
اتسعت ابتسامته:
- وأنا أحب الرهانات الكبيرة.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه ديميتري:
- إذن سيد سايلِس، أظن أننا متفقان.
ضحك سايلِس ضحكة قصيرة ثم تحدث بنبرة أكثر جدية:
- أنا أؤمن بالمشروع، نعم.. لكنني لا أضع ثقتي في آل مارينتوس كلهم.
ساد الصمت لوهلة وتبادلت بعض الوجوه النظرات بينما ظل ديميتري يرمقه بهدوء، ولكن تلك المرة تدخل دييجو في الحديث قائلا بنبرة رسمية واثقة من خلال الميكروفون المُثبت أمامه وهو يرمُقه بهدوء:
- نحن لا نطلب منك أن تثق بنا، سيد سايلِس.. يكفي أن تثق بقدرتنا على إنجاح المشروع.
ابتسعت ابتسامة سايلِس قليلاً وهو يرمُق دييجو بهدوء:
- وهذا بالتحديد ماجئتُ لأجله، سيد دييجو.
ساد الصمت لثوانٍ عقب كلمات سايلِس قبل أن يقطع ستيفانو الصمت قائلاً برسمية من خلال الميكروفون الموجود أمامه:
- أعتقد أن ماعُرِضَ أمامكم من دراساتٍ وأرقام كافٍ لاتخاذ القرار الذي نحن في انتظاره.
أومأ رجل من الجهة المقابلة لستيفانو وقال:
- أتفق مع السيد سايلِس، المشروع يحمل مخاطرة بالتأكيد لكن حجم العائد المتوقع يجعله استثمارًا يستحق الدخول فيه.
توالت بعدها آراء الحاضرين حتى بدأ عدد من المستثمرين في تأكيد موافقتهم على المشاركة بالمشروع مؤكدين استعدادهم لضخ الاستثمارات اللازمة وفق النسب المتفق عليه
ظل ديميتري يستمع إليهم بهدوء دون أن تظهر علامات الإنتصار على وجهه لأنه حصوله على موافقتهم كان أمرًا محسومًا منذ البداية، أما سايلِس فبقي صامتًا في مقعده يراقب ما يحدث بعينين ثابتتين، الجميع أبدى موافقتهم ماعدا ريبيكا كانت صامتة وانتبه ديميتري على صمتها وأردف بهدوء وهو يُبعد الميكروفون الصغير من أمامه:
- ماذا هُناك؟
التفتت برأسها نحوه وابتسمت بهدوء:
- إن المشروع رائع للغاية، وأنا أثق تمامًا أنك ستنجح به ديميتري.. لقد أعجبني حقًا.
ابتسم ديميتري بهدوء قائلاً:
- حسنًا، لماذا لم تُعلِني موافقتكِ إذًا؟
تحدثت ريبيكا بتعجب، ثم أجابته ببساطة:
- هل تمزح؟ أنا بالطبع سأشارك بأي شيءٍ تفعله، أنا أثق بك كثيرًا فلا تنتظر موافقتي.
اتسعت ابتسامة ديميتري قليلاً، بينما كان سايلِس يراقب حديثهما سويًا بصمت، كانت عيناه تنتقلان بينهما بهدوء، حتى استقرتا على ابتسامة ديميتري.. تلك الابتسامة تحديدًا كان يتمنى لو استطاع أن يمزقها عن وجهه بيديه، وفي تلك اللحظة تقابلت عيناه مع ديميتري من جديد ليبتسم له سايلِس باستفزاز.
وفي منزل الفتيات، كانت كارلا قد رحلت بالفعل لعملها باكرًا بينما كانت سيلفانا مازالت نائمة وأيضًا إيلينا قد بقيت عندهم حيث كانت تُشارك كارلا غرفتها، وفي ذلك الوقت كانت تتجهز لمُقابلة دييجو على حسب إتفاقهما بالأمس كان قد أرسل لها المكان والزمن المحدد منذ الصباح الباكر، أما جوداء فقد كانت مستيقظة ترمُق روزالين وهي نائمة وتربت على شعرها بهدوء، وحينما انتبهت للوقت خرجت من الفراش بصعوبة ودخلت الحمام لكي تتوضأ لآداء فرضها.
انتهى الإجتماع بعد ساعاتٍ من النقاشات، بعدما أبدى معظم المستثمرين موافقتهم المبدئية على الدخول في المشروع وبعد أن غادر الجميع قاعة الاجتماع، انتقل الحاضرون إلى القاعة المجاورة حيث أُعدت مائدة ضخمة لتناول الغداء واصطفت عليها أصناف مختلفة من الطعام والمشروبات بينما توزعت الأحاديث بين المستثمرين في أجواء هادئة وأقل رسمية، كان ديميتري يقف بعيدًا مع أبناء عمومته يتبادلون الأحاديث مع بعض المستثمرين، وأيضًا سايلِس كان يقف معه بعض المستثمرين المبهورين به وبنجاحاته الضخمة في الآونة الأخيرة، ثم بعد دقائق تركهم واقترب من نادل كان يسير بالقاعة يوزع المشروبات ليأخذ منه كأسًا ووقف جانبًا يرمُق آل مارينتوس بنظراتٍ سوداوية وهو يشرب مشروبه بهدوء، انتبه لوكا إلى نظرات سايلِس المسلطة عليهم، قام بوكز ديميتري بخفة في ذراعه فالتفت إليه الأخير في هدوء ليشير لوكا بعينيه نحو سايلِس، تتبع ديميتري نظراته فوجد أن سايلِس يقف على مسافة غير بعيدة يحمل كأسه بين أصابعه بينما كانت عيناه تستقران عليهم بنظرة يصعب تفسيرها.. حمل ديميتري فنجان قهوته من فوق الطاولة واستأذن أبناء عمومته قبل أن يتجه بخطواتٍ هادئة نحو سايلِس، تابع سايلِس اقترب ديميتري نحوه وارتشف رشفة بسيطة من كأسه، وحين وقف ديميتري إلى جواره، تحدث سايلِس برسمية دون أن ينظر إليه:
- أشكركَ سيد ديميتري على دعوتك اللطيفة تلك.
ارتشف ديميتري القليل من قهوته قبل أن يرد ببرود:
- العفو سيد سايلِس.
صمت الإثنان قليلاً، ووقعت عينا سايلِس على ريبيكا التي تتحدث مع إحدى الحاضرات بينما كانت تنظر نحو ديميتري بين الحين والآخر، تحدث بهدوء وهو يرتشف القليل من كأسه:
- هل ريبيكا تعلم أن قلبك لم يعد مُلكًا لها.
قال تلك الكلمات وهو يشير بأحد أصابع يده التي تحمل الكأس نحو ريبيكا، ظل ديميتري صامتًا للحظات وعيناه متعلقتان بريبيكا قبل أن يقول ببرود:
- هذا ليس من شأنك.
تجاهل سايلِس حديثه وأخذ رشفة هادئة من كأسه ثم قال وكأنه يُلقي سؤالا عابرًا:
- أخبرني، كيف هو حال الآنسة جوداء الآن؟
التفت ديميتري إليه ببطء، وظلت عيناه ثابتتين عليه وأردف بنبرة جافة:
- بخير، لا تقلق لم تُصِبها الرصاصة في موضعٍ حيوي.
ابتسم سايلِس ابتسامة خافتة:
- أعلم أنها بخير، فأنا آخر شخص قد رآها في المشفى مع صديقتها.
عقد ديميتري حاجبيه وحاول أن يتحكم في غضبه وأردف بتهديد مبطن:
- لم أنسى مافعلته بها، وأقسمتُ على أن أُذيقك أقسى أنواع الأذى سيد سايلِس، ولكن الوقت لم يحن بعد؛ فمن فضلك لا تُخلط بين النسيان والصبر.
قال ديميتري كلماته تلك ثم ارتشف القليل من قهوته مرة المذاق، بينما تحدث سايلِس بسخرية بعدما ارتشف القليل من كأسه وهو ينظر إلى الحضور:
- أشكرك على صبرك الرائع هذا سيد ديميتري، لقد أخفتني حقًا.
ثم أضاف، دون أن ينظر إليه:
- وأنا أيضًا لم أنسَ مافعلتموه بي ولم أنسَ أنك قتلت أخي.. ديابلو.
اسودت نظرات ديميتري للحظة لكنه لم يسمح لغضبه بالظهور، وأردف بهدوء بارد:
- لقد كان يستحق ماحدث له.
ضغط سايلِس على كأسه بقوة لثوانٍ معدودة ولكنه سرعان ما استعاد هدوءه وقال بلا مبالاة متعمدة:
- على كل حالٍ لم يكن ذو فائدة لي، الشيء الوحيد الجيد الذي فعله أنه السبب في قتلك لأختك الصغيرة، فيرونيكا.
ضحك ديميتري ضحكة قصيرة ثم تجاهل كلماته تلك، وقال بهدوء جعل الكلمات التالية شديدة على سايلِس:
- كيف حال عزيزتك، الآنسة سيلفانا؟
توقفت ابتسامة سايلِس في لحظتها وتجمدت يده في الهواء بينما كان يهم برفع كأسه إلى شفتيه وبقيت عيناه معلقتين أمامه لثوان قبل أن يلتفت ببطء نحو ديميتري الذي اكتفى بالنظر إليه وكأنه أخبره أنه ليس الوحيد الذي يعرف نقاط الضغف هنا، ساد صمتٌ ثقيلٌ بينهما وظل ديميتري يرمقه بثبات بينما بقي سايلِس يحافظ على هدوئه الظاهري.. بينما استأنف ديميتري حديثه بنبرة تهديد شديدة ولكن مُبهمة:
- أتمنى أن تنتبه عليها جيدًا أو ستأكلها الذئاب أثناء غيابك.
وقبل أن ينطق سايلِس ليرد عليه.. ظهر دييجو وستيفانو ولوكا أمام ديميتري وسايلِس.. وتحدث دييجو أولاً:
- أخي، سأرحل أنا الآن لدي أمرٌ هام كما تعلم.
أومأ ديميتري له بهدوء، ثم رمق دييجو سايلِس بنظرة هادئة دون أن يتفوه بكلمة، أما سايلِس فرفع له كأسه بتحية مقتضبة وقال باستهزاءٍ خافت:
- استمتع بوقتك، سيد دييجو.
اكتفى دييجو بنظرة قصيرة إليه قبل أن يرحل، بينما بقي ستيفانو ولوكا واقفين إلى جوارهما... ضحك سايلِس ضحكة خفيفة ومر بجانبه أحد الأشخاص الذين يقومون بتوزيع المشروبات، أنهي سايلِس كأسه ثم أعطاه للنادل وأخذ آخر ممتلئ، بينما أخذ ديميتري فنجانًا آخر من القهوة المُرة.. أما ستيفانو ولوكا ظلا يراقبان الأجواء المتوترة بين كلاً من ديميتري وسايلِس.. ارتشف سايلِس من كأسه الجديد رشفة بسيطة ثم التفت نحو لوكا، قائلاً بابتسامة لطيفة بدت في ظاهرها ودودة:
- مرحبًا لوكا، كيف حالُك؟
عقد لوكا حاجبيه بضيق وقبض على كفي يديه بقوة قبل أن يجيبه بنبرةٍ باردة:
- بخير.
نظر سايلِس إلى كأسه وأخذ يُحركه بين أصابعه ببطء، ثم التفت نحو ديميتري قائلاً بنبرة عابثة:
- أتعلم يا ديميتري أن روزالين ابنة ريبيكا، مهووسة بكاتب خيالِيّ يُدعى أليكساندر ميخاييل؟، صحيح، لوكا؟
رمش لوكا للحظة وابتلع ريقه بصعوبة ثم رمق ديميتري بطرف عينيه؛ اما ديميتري فعقد حاجبيه ورمق سايلِس بنظرة ثاقبة، بينما استأنف سايلِس حديثه بابتسامة ساخرة:
- صحيح أن روزالين مُجرد مراهقة صغيرة ولكن حينما ينظر إليها المرءُ يشعر أنها إمرآة ناضجة بسبب عقليتها الذكية، صحيح! كَم عُمرها سيد ديميتري؟ عشرون عامًا؟ أم تسعة عشر عامًا؟!!
ثم ارتشف من كأسه بهدوء وأردف:
- أوتدري؟ أظن أن الأمر يستحق التفكير قليلاً بشكل منطقي.
رمقه ديميتري بنظراتٍ حارقة، إلا أن سايلِس لم يعبأ بها، بل حول اهتمامه إلى ستيقانو قائلاً بنبرة عابثة:
- صحيح يا ستيفانو، كيف حال حبيبتك الكفيفة.. جلوريا، أليس كذلك؟
رمقه ستيفانو بغضب لم يستطع إخفاءه ولكن سايلِس تابع حديثه بابتسامة ساخرة:
- حتى الآن لم تستطع أن تعرض عليها أن تقوم بمعالجتها على نفقتك الخاصة؟
ثم أمال رأسه قليلاً وأضاف:
- ثروتك تُعادل ثروة أبناء عمومتك، جميعكم ثروتكم ضخمة للغاية، ولقد نجح السيد ديميتري فعلا في جعلها أكثر ضخامة.
حرَّكَ سايلِس الكأس بين بيده قليلاً ثم قال بشفقة زائفة:
- مسكينة جلوريا، يبدو أن السيد ستيفانو يقضي وقتًا لطيفًا فقط برفقة قطةٍ ضعيفة ومسكينة.
- اصمت!
ذلك ماقاله ستيفانو بغضب فضحك سايلِس بتسلية وتجاهل انفعاله هذا ونظر لثلاثتهم قائلاً بسخرية:
- ما رأيكم أن أعرض عليها العلاج على حسابي الخاص؟
صمت للحظة ثم ابتسم ابتسامة باردة وأردف:
- أقصد أنه إذا كنتم تواجهون مشكلة مالية ولا تريدون إخبار أحد، يمكنني أن أقدم المساعدة.
كاد ستيقانو يندفع نحوه ليلكُمه بقوة، لكنه لم يخط خطوة واحدة قبل أن يوقفه ديميتري مُمسكًا بذراعه بقوة، ثم التفت برأسه ببطء نحو سايلِس ليقول بصوتٍ هادئ ومنخفض:
- سيد سايلِس..
صمت للحظة ثم تابع حديثه:
- أقسم لك، إذا اقتربت من عائلتي أو من أي شيءٍ يخُصَّها فلا تنسَ أن إمرأتك بين أيدينا.
ضحك سايلِس بخفوت، ورفع كأسه قليلا قبل أن يقول بهدوء:
- افعلها ديميتري..
ثم ارتسمت على شتفيه ابتسامة باردة وأردف:
- وأقسم لك وقتها أنني سأرد لك الصاع صاعين.
ثم وقعت عينيه على ريبيكا التي كانت تنظر صوبهم بحيرة، تغيرت ملامح سايلِس في لحظة وارتسمت على وجهه ابتسامة لطيفة رفع كأسه نحو ريبيكا محييًا إياها.. حدَّقت فيه ريبيكا لثوان ثم اشمأزت ملامحها وعقدت حاجبيها بضيق واضح وأيضًا ملامحها لم تخلو من التوتر والقلق وذلك قبل أن تحول وجهها عنه وتُكمل حديثها مع أحد المستثمرين... ضحك سايلِس بخفوت لأنه كان يتوقع منها ذلك تمامًا.. أنزل سايلِس كأسه ووضعه على الطاولة والتفت نحو ديميتري قائلاً بخفوت:
- كنتُ أتساءل منذ لحظة.. لماذا تُهددني بإمرأتي وهي تكون رفيقة إمرأتك بالسكن؟ وليس ذلك فحسب، بل إنها صديقتها المُقربة؟ ألم تفكر قليلاً أنني من الممكن أن أقتلها؟
تحولت ملامح ديميتري للغضب وهذا ما ظهر لسايلِس على الفور لتتسع ابتسامته، ثم قال بخفوت:
- أعتقد أننا فهمنا بعضنا الآن، ديميتري.. إمرأتك مُقابل إمرأتي.
قام سايلِس بضبط سترته قليلاً يستعد للرحيل وأردف بهدوء:
- وقبل أن أرحل، أريدك أن تنتبه لعائلتك جيدًا ديميتري؛ فهم بحاجة إلى حمايتك.
تحدث ديميتري بهدوء:
- إنهم رجالٌ أقوياء لم يعودوا صغارًا يستطيعون حماية أنفسهم جيدًا، من الأوغاد أمثالك.
ضحك سايلِس بخفة ثم اقترب من وجه ديميتري هامسًا:
- ولكنني لم أقصد أبناء عمومتك.
وغمز له سايلِس قبل أن يبتعد بوجهه عنه ونظر لثلاثتهم من جديد وأردف قبل أن يرحل:
- سُررتُ كثيرًا بالتحدث معكم يا آل مارينتوس.
ثم ابتعد من أمامهم بخطواتٍ قوية ومتزنة وبمجرد أن خرج سايلِس من القاعة اختفت ابتسامته وأظلمت عيناه ولحق به رجاله الذين كانوا ينتظرونه بالخارج، التقط هاتفه من سُترته أثناء صعوده إلى سيارته وحينما استقر في مقعده الخلفي ضغط على عدة أرقام وقام بالإتصال بالطرف الآخر مرة وراء الثانية حتى أجابت سيلفانا بنعاس:
- ماذا، سايلِس؟
أردف سايلس بغضب:
- احزمي أمتعتكِ الآن سيلفانا، ستنتقلين للعيش معي، لن أقبل بأي نقاش بيننا، فقط نفذي ما أقول.
وفي الداخل كان ديميتري ينظر لأثر سايلِس بشرود وحينما استفاق التفت برأسه نحو ريبيكا التي تقابلت عينيها مع خاصتيه، ليُضيِّق ديميتري عينيه نحوها ولكنه انتبه حينما وضع ستيفانو يده على كتفه:
- أخي، هل تسمعني؟
التفت ديميتري نحوه ولكنه أومأ بهدوء.. ثم تقابلت عينا ديميتري مع خاصتي لوكا والذي ابتلع ريقه بصعوبة..
وفي مطعمٍ ضخمٍ في وسط روما، كانت إيلينا جالسة تنظر أمامها في صمت بينما كانت تتعالى من حولها أصوات الأحاديث الخافتة وأصوات أدوات المائدة، كانت تضم يدها فوق حجرها وتبدو على ملامحها حيرة واضحة، تفكر في الكثير والكثير، وبعد لحظات ظهر دييجو أمامها حيث كان يرتدي حلته السوداء الأنيقة، ظل واقفًا يتأملها للحظات قبل أن يسحب المقعد المقابل لها ويجلس، رفع عينيه نحوها قائلاً بهدوء:
- آسف جدا لأنني تأخرت آنسة إيلينا، كان لدي إجتماعٌ هام.
هزت إيلينا رأسها نافية وهي تنظر في عُمق عينيه ثم قالت:
- لم تتأخر سيد دييجو.
ساد الصمت بينهما لثوان قبل أن تستقر يد دييجو على الطاولة والتي كانت قريبة جدًا من يدها، أردفت إيلينا بخفوت:
- لقد طلبت منك أن نتقابل لأنني..
قاطعها دييجو قائلاً بابتسامة لطيفة:
- ليس قبل أن نطلب الطعام؛ فأنا جائع للغاية وفضَّلتُ أن أتناول الطعام معكِ عوضًا عن تناوله هُناك.
ابتلعت ريقها بهدوء وأومأت ثم أشار دييجو للنادل الذي اقترب منهما، التفت دييجو نحوها قائلاً بلُطف:
- هل تريدين تناول شيئًا معين؟
- لا، فقط اختر أنت سيد دييجو.
زفر دييجو بهدوء ثم التفت للنادل وأخبره بطلبه، وبعد أن انتهى التفت نحوها بابتسامة هادئة:
- تستطيعين التحدث الآن.
رفعت إيلينا عينيها إليه، وقالت بهدوء:
- أريدُ أن أعلم من تسبب في مقتل والدي، من أرسل هؤلاء الرجال؟ من كان يريد قتلك وقتها؟
تشنجت ملامح دييجو لوهلة ولكن سُرعان ماهدأ مُجددًا وأردف بخفوت:
- لماذا تريدين معرفة كل هذا؟ ابتعدي عن هذا الطريق آنسة إيلينا.
ودون أن تشعر إيلينا أمسكت بيد دييجو القريبة منها وأردفت برجاء، بينما كانت عينيها تلمعان بالدموع:
- أرجوك سيد دييجو، فقط أخبرني لأرتاح فقط.. هل هُم المافيا الإيطالية؟ أم هُناك آخرون؟
نظر دييجو ليدها التي أمسكت بيده وظل صامتًا لثوانٍ، قبل أن يرفع عينيه إليها بنظرات هادئة إلا أن شيئًا من الألم قد مر في عينيه عندما رأى دموعها تلك، ليقول بصوتٍ هادئ ولكن تلك المرة دون ألقاب أو رسميات:
- إيلينا، إن الأمر ليس بهذه البساطة.
شدَّت أصابعها حول يده قليلاً وقالت برجاء:
- أنا فقط أريدُ الحقيقة، أريدُ أن أعلم من؟
سحب دييجو نفسًا عميقًا ثم أدار نظره بعيدًا يبحث عن الكلمات المناسبة، لا يُرِيدُ أن يُدخلها جحيمهم! لأنه يعلم جيدًا أنها لن تتوقف عن فكرة الإنتقام لمقتل والدها، ولكنها ستكون الضحية في النهاية!
- لا إيلينا، لا يجب أن أخبركِ بشيء.
انهمرت عبراتها بكثرة:
- لماذا؟
تقابلت عينيه مع خاصتيها وكان مُتأثرًا كثيرًا بدموعها تلك:
- لا أريدكِ أن تُصابي بسوء، أنا أخاف عليكِ.. لا أستطيع أن أُدخلك في نار عدواتنا مع عدونا.
أردفت إيلينا ببكاء:
- من يكون عدوكم هذا؟
أخرج دييجو محرمته الناعمة من جيب سترته وقربها من وجهها وهو يقول بهدوء:
- شخص لا أريدكِ أن تقابليه أبدًا، لأنه إذا أراد أن يقتلكِ سيفعلها دون أن يرُفَّ له جفن، أريدكِ أن تكوني بعيدة تمامًا عن طريقه.
قالت بشرود وهي تنظر في عمق عينيه:
- لماذا تخاف علَيّ هكذا؟
رمقها دييجو بهدوء بعدما انتهى من مسح عبراتها برِفق، وتلك المرة ضمت أصابعه يدها في المُقابل وكأنه يخشى أن تُفلت يدها منه وظل ينظر إلى يدها للحظات ثم رفع عينيه إليها من جديد:
- لا أريد أن يحدث لكِ مكروه، أنتِ تعنين لي الكثير إيلينا أكثر مما ينبغي.
رمشت إيلينا قليلاً، بينما تابع دييجو حديثه:
- منذ اليوم الذي تقابلنا به وأنا على يقينٍ أنني وجدتُ المرأة المُناسبة لأن تكون زوجتي.
ارتجفت أنفاسها وظلت تُحدِّق في عينيه وتلعثمت قليلاً قبل أن تقول:
- زوجتك؟
أجاب دييجو بهدوء:
- أجل.
احمر وجهها من الخجل وانتبه دييجو لذلك:
- أعتقد أنكِ تعلمين ذلك، تعلمين أن نيتي من البداية كانت التعرف عليكِ لأجل الزواج، هل نسيتي أننا تقابلنا عن طريق تطبيقٍ للزواج؟، وأعلم أن ذلك ليس الوقت المُناسب لحديثي هذا، ولكن أنا لا أراكِ سوى بهذه الصورة.
ابتلعت إيلينا ريقها بهدوء ولم تجد الكلمات المُناسبة لترُدَّ بها عليه، ابتسم دييجو بلُطف وأردف قائلاً:
- لن أجبركِ على شيء إيلينا، فكري فقط.. حتى وإن أردتِ مُدة لأن نتعارف أنا جاهز لأي شيء.
أومأت بخجل بينما ظل دييجو يراقبها للحظات ثم أردف قائلاً:
- والآن أريدكِ أن تعدينني بشيءٍ واحدٍ فقط.
عقدت حاجبيها بحيرة، بينما استأنف دييجو بهدوء:
- لا أريدكِ أن تبحثي في أمر مقتل والدك، كل ما تعلمينه هو كافٍ، أن عدونا كان يريدُ قتلي ولكن والدكِ ضحى بنفسه لأجل إنقاذي.. هذا فقط، إيلينا.
تأملته إيلينا للحظات ثم أومأت ببطء:
- أعدك.
ابتسم دييجو وضغط على يدها برفق، وانتبه حينما أتى النادل نحو طاولتهما يضع الطعام فوقها..
- هيا، لنأكل ونرى ماذا سنفعل بعدها.
خرجت سيلفانا من غرفتها بنعاس لا تفهم ماقاله حبيبها الشرير هذا، تقابلت مع جوداء التي كانت تسير بحرصٍ وتقترب من المطبخ، لتقترب منها سيلفانا دون تفكير:
- هل أساعدكِ؟
هزت جوداء رأسها بهدوء:
- أريد أن أشرب الماء.
هرولت سيلفانا نحو المطبخ بسرعة وأخذت زجاجة مياة فاترة وأعطتها إياها، جلست جوداء على إحدى الإرائك ثم زفرت بارتياح وجلست سيلفانا بجانبها ترمُقها بهدوء:
- هل أنتِ بخير؟ إلى متى ستظلين هكذا؟
زفرت جوداء ببطء وأردفت بهدوء:
- لقد أخبروني بالمشفى أنها أيام قليلة وسأكون بخير.
أومأت سيلفانا بابتسامة لطيفة وأمسكت بيد جوداء:
- أتمنى لكِ الشفاء العاجل.
ربتت جوداء على يدها بحنان أخوي، وكادت سيلفانا أن تتحدث آتاها إتصال هاتفي من جديد، زفرت بضيق وأجابت دون أن تنظر لاسمه:
- أنا خارج المنزل هل أصبحتِ جاهزة.
- سايلِس، ماذا يحدث؟ أنا لم أتجهز لأنني لا أفهم شيئًا، ثم إنني أخبرتكَ سابقًا أنني أريد البقاء مع الفتيات هنا.
رمقتها جوداء بحيرة، بينما زفر سايلِس بغضب:
- سيلفانا، لا أعلم متى أصبحتِ بهذا الغباء.. أنا لا أريدكِ أن تبقي في أي مكان يخُصُّ آل مارينتوس، أنتِ تعلمين جيدًا أنهم أعدائي.
سيلفانا بحيرة:
- لماذا؟ ما شأن عداوتك معهم بي سايلِس؟ أموركم قوموا بحلها سويًا بعيدًا عني.
ضغط سايلِس على هاتفه بقوة وأردف بغضب:
- أقسم ياسيلفانا إن لم تخرجي الآن سأقتحم المنزل وأختطفك.
صرخت سيلفانا بغضب مماثل:
- واللعنة انا لا أفهمك! لماذا تُزعجني بتلك الأمور؟ لماذا تُجبرني على فعل شيءٍ لا أريده؟ أنت تعلم أنني لن أنتقل لقصرك! فلماذا تُصِّرُ على ذلك؟
صمت سايلِس للحظة ثم أجاب بنبرة غاضبة ولكن بصدق:
- لأنكِ مُلكي، ولا أريد لهم أن يمسوا ماهو مُلكي.. لقد هددني ديميتري مارينتوس بكِ.
شهقت سيلفانا بخفوت بسبب ما أخبرها به سايلِس.. وابتلعت ريقها بصعوبة:
- ماذا؟ ماذا أخبرك؟
لمعت عينا سايلِس بحزنٍ لوهلة ثم أردف:
- لا وقت للحديث الآن سيلفانا، هيا تعالَّي أنا أنتظركِ في الأسفل.
أغمضت عينيها...
- ماذا هُناك سيلفانا؟
ذلك ماتساءلت به جوداء بحيرة، ولكن ما جعلها تقلق أكثر هو عبرات سيلفانا التي انهمرت بصمت أخذت جوداء الهاتف الموضوع على أذنها وتحدث مع سايلِس بدلاً عنها وأردفت بقوة:
- ماذا تريد من صديقتي؟
عقد سايلِس حاجبيه وأردف بضيق:
- وما شانكِ أنتِ؟ أعيدي الهاتف لسيلفانا.
- ماذا أخبرتها به جعلها تبكي هكذا؟
تفاجأ سايلِس بسبب حديثها ذلك وخرج من سيارته بسرعة واقترب نحو المنزل وعلى بُعد أمتار قليلة كان بعض رجال ديميتري يراقبون المنزل في خفاء، رفع أحدهم هاتفه يُهاتف ديميتري الذي رفع الهاتف نحوه أذنه ليقطع حديثه مع المستثمرين..
- ماذا؟
- إن السيد سايلِس إيفانوف دخل منزل الفتيات للتو، هل نمنعه سيدي؟
..................................................................
