رواية نارين بين الحب والوجع الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم ليلي طاهر


 رواية نارين بين الحب والوجع الفصل التاسع والعشرون 

كانت سيلا تجلس على طرف فراشها، واضعةً كفها أسفل خدها، وتحدق في الفراغ بنظرات شاردة. كانت عيناها تتحركان بين أرجاء الغرفة في شرود مضطرب، بينما تتدافع الأفكار في رأسها بلا توقف.

أطلقت زفيرًا مسموعًا، ثم بدلت وضعية جلوسها بنفاد صبر، والتقطت هاتفها المحمول الملقى بجوارها. بحثت في قائمة الأسماء، وتوقفت عند اسم المحامي، وضغطت زر الاتصال، لكنها سرعان ما أغلقت المكالمة بضيق قبل أن يبدأ الرنين.

أعادت المحاولة مع اسم «سليم»، فجاءها الصوت الآلي الجاف:

«الهاتف الذي طلبته مغلق حاليًا، يرجى المحاولة في وقت لاحق.»

قبضت سيلا على الهاتف للحظات، ثم قذفته فوق الفراش بضيق، وراحت تهز قدمها بعصبية، بينما راحت أصابعها تعبث بطرف ثوبها دون وعي.

فجأة، اهتز الهاتف بقوة، مطلقًا نغمة رنين متواصلة.

انتفضت سيلا والتقطته بسرعة، وقد ارتسم على وجهها أمل خاطف، ظنًا منها أن المتصل أحد الأشخاص الذين تنتظر منهم إجابة شافية.

لكن ما إن وقعت عيناها على الشاشة ورأت اسم «يسرا»، حتى انطفأ ذلك الأمل، وزفرت بضيق قبل أن تضغط زر الإجابة.

- أيوة يا يسرا.. معلش، مش قادرة أتكلم خالص دلوقتي.

جاءها صوت يسرا عبر السماعة مرتجفًا ومتهدجًا، تتخلله أنفاس متقطعة:

- سيلا.. اقفلي معايا حالًا وافتحي الموبايل.. في خبر عن أخوكي عاصم مالي السوشيال ميديا ومقلوب عليه الدنيا.. افتحي بسرعة وشوفي!

انقطع الخط فجأة.

ظلت سيلا ممسكة بالهاتف أمام وجهها لثوانٍ، تحدق في شاشته بذهول، وكأنها تحاول استيعاب ما سمعته للتو.

ثم تحركت أصابعها ببطء نحو مواقع التواصل الاجتماعي.

ما إن ظهرت أمامها الأخبار، حتى تجمدت في مكانها.

توقفت أنفاسها للحظة، واتسعت عيناها وهي تحدق في الكلمات الأولى. راحت عيناها تتحركان بين السطور بسرعة، وكأنها تبحث عن تفسير ينفي ما تقرأه.

لكن الكلمات كانت واضحة.

ومع كل سطر كانت تقرؤه، كان لون وجهها ينسحب تدريجيًا، حتى شحب تمامًا.

ارتجفت أصابعها حول الهاتف، وانزلقت دمعة ساخنة على خدها، ثم لحقتها أخرى، قبل أن تنهمر دموعها بغزارة دون أن تشعر بها.

فتحت فمها محاولةً التقاط أنفاسها، لكن صوتًا مختنقًا خرج من حلقها بدلًا من ذلك.

نهضت فجأة من مكانها، حتى كادت تتعثر، واستندت بكفها إلى طرف الفراش لتستعيد توازنها.

ثم اندفعت نحو باب غرفتها، وفتحته بعجلة، وخرجت إلى الممر بخطوات متعثرة، تتخبط قدماها من شدة اضطرابها.

كانت تتجه مباشرة إلى غرفة والدتها.

وقفت أمام الباب، ورفعت يدها المرتجفة، ثم راحت تطرق عليه طرقات متتالية وحثيثة.

في تلك الأثناء، كانت نجاة ترتدي إسدال صلاتها، جالسةً على السجادة ومستقبلةً القبلة، ترفع كفيها إلى السماء وتدعو بحرقة، بينما يخرج صوتها خافتًا مثقلًا بالرجاء:

- يا رب... فرّج كرب ابني، وردّه لي سالم يا رب.

تعالت طرقات الباب، فتوقفت عن الدعاء، والتفتت برأسها ناحية الباب، ثم قالت بصوت خفيض مجهد:

- ادخلي يا سيلا..

انفتح الباب بسرعة، وظهرت سيلا عند العتبة.

كانت الدموع تغرق وجهها، وأنفاسها تتلاحق بعنف، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة. حدقت في والدتها بعينين مذعورتين، ثم تحركت نحوها بخطوات غير ثابتة.

ما إن وصلت إليها حتى هوت على ركبتيها فوق السجادة، وتشبثت بذراعي والدتها بكلتا يديها.

ارتجف جسدها بعنف، وحاولت أن تتكلم، لكن الكلمات توقفت في حلقها. فتحت فمها، وأغمضت عينيها للحظة، ثم ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن يخرج صوتها أخيرًا ضعيفًا ومختنقًا:

«أبيه عاصم...»

توقفت لحظة، وشهقت شهقة قصيرة، وكأنها لم تستطع حتى نطق باقي الجملة. شدت قبضتها على ذراع والدتها، وارتعشت شفتاها قبل أن تقول بصوت متحشرج أنهكته الصدمة:

«أبيه عاصم متهم بالقتل... متهم بقتل لينا يا ماما!»

تسمرت نجاة في مكانها. ظل كفاها مرفوعين للحظات، ثم أخذتا في الارتجاف قبل أن تهبطا ببطء إلى جوار جسدها. اتسعت عيناها وهي تحدق في ابنتها برعب حقيقي، وكأن عقلها يرفض تمامًا استيعاب ما سمعته.

تراجعت خطوة إلى الخلف، وهزت رأسها بنفي هستيري، وهي تهمس بصوت واهن مرتجف:

«عاصم...؟ عاصم ابني أنا؟ مستحيل.. كدب! عاصم ميعملش كده، عاصم يقتل؟! إنتِ بتقولي إيه يا سيلا؟!»

تحول وجوم الصدمة إلى نوبة رعب عارمة؛ تسارعت أنفاسها، وأخذ صدرها يعلو ويهبط بعنف، كأن الهواء قد نفد من الغرفة.

تملكها الخوف، فقبضت على كتفي سيلا وهزتها بعنف وهي تصرخ:

«كلمي مراد.. كلميه حالًا! خليه ييجي يوديني لعاصم، أنا لازم أشوف ابني.. خليه يوديني عنده دلوقتي!»

سكتت سيلا، وتراجعت خطوة إلى الخلف، وانكمشت ملامحها بالألم والعجز. نظرت إلى الأرض، وهبطت نبرتها خائفة وهي تحاول تهدئتها:

«يا ماما.. اسمعيني بس.. عاصم مش في القسم.. عاصم في المستشفى..»

انتفض جسد نجاة كمن أصابته صعقة كهربائية، واتسعت عيناها بأقصى ما يمكن، وهي تصرخ بذعر هز أركان المكان:

«مستشفى؟! مستشفى إيه؟ ابني ماله؟! حصل له إيه؟! انطقي!»

ابتلعت سيلا غصتها، وخرجت الكلمات منها بصعوبة بالغة:

«هو.. هو في غيبوبة يا ماما..»

في تلك اللحظة، انقشع آخر ما تبقى لدى نجاة من قدرة على التماسك.

خرجت منها صرخة مدوية، مزقت صمت البيت:

«ابنييييييييييييييي!»

تراخت عضلاتها فجأة، وانحنى جسدها إلى الجانب وهي تفقد وعيها تمامًا، فاندفعت سيلا نحوها بجسد يرتجف، وأحاطت كتفيها بذراعيها محاولةً إسنادها.

- ماما! ماما افتحي عينيكِ!

ارتخى جسد نجاة بين ذراعي ابنتها، ومال رأسها إلى الجانب، بينما حاولت سيلا تثبيتها بكل قوتها، وهي تسند ظهرها بإحدى يديها وتحتوي رأسها باليد الأخرى.

- مااااااماااااااا!!

---

جلس بهاء خلف مكتبه الفاخر، مسندًا رأسه الثقيل بين كفيه المتعرقتين، غارقًا في بحر متلاطم من الأفكار التي لا تهدأ. كانت ملامحه مشدودة بعنف، وعيناه الزائغتان تائهتين في الفراغ؛ خوفه وقلقه على لينا ينهشان عقله، بينما يقف عاجزًا أمام ذلك الشخص المجهول الذي يطارده بالتهديدات الخفية، دون أن يمسك له طرف خيط واحد.

وفي غمرة هذا التشتت والقلق الخانق، انكسر السكون فجأة برنين حاد ومفاجئ.

التفت بهاء بوجوم ممتزج بالرعب، لتتجه عيناه نحو شاشة هاتف المكتب التي أضاءت بوميض بارد، بالتزامن مع اهتزاز هاتف سكرتيره فريد الموضوع أمامه.

التقط بهاء الهاتف، واتسعت عيناه بوجل وهو يقرأ الشاشة؛ لم يكن رقمًا عاديًا، بل ظهر أمامه: «رقم خاص / مجهول»... الرقم ذاته الذي تحول إلى كابوس يطارده.

أغمض بهاء عينيه بقوة، وزفر أنفاسه الساخنة بضيق، محاولًا استجماع ثباته المهتز وإخفاء الرعب الكامن داخله. ثم فتح مكبر الصوت، وأطلق صفيرًا حادًا متعمدًا من بين شفتيه، وكأنه يريد أن يوحي بعدم اكتراثه، قبل أن يقول بنبرة باردة تتحدى المجهول:

- كنت مستنيك... اتأخرت عليا ليه؟

جاءه صوت الشبح من الطرف الآخر، أجشّ، قاطع، وباردًا كجليد الموت:

- ما تستعجلش على عمرك يا بهاء... في عربية واقفة قدام القصر بتاعك دلوقتي. قدامك بالظبط خمس دقايق تركب فيها، وهي هتوصلك لحد عندي... مستنيك.

انقطع الخط فجأة، مخلفًا طنينًا حادًا في أذن بهاء.

ظل يحدق في الهاتف للحظات، ثم نهض من مكانه دون تردد. لم يكن أمامه خيار سوى التحرك فورًا؛ فقد كان مستعدًا لمواجهة الجحيم كي ينهي هذا الكابوس الذي يهدد حياته وحياة حفيدته لينا، ويريد بأي ثمن أن يمزق القناع عن هذا الوجه الغامض ويكتشف هويته الحقيقية.

خرج بخطوات متسارعة من القصر، واتجه مباشرة نحو السيارة السوداء المنتظرة أمامه.

---

بعد رحلة صامتة حبست الأنفاس، توقفت السيارة أمام مكان معزول تغطيه الظلال.

ترجل بهاء منها متوجسًا، ثم دلف إلى الداخل وفق المكان الذي حدده له الشبح.

توقف أمام رجل يقف وظهره إليه.

وببطء شديد، استدار الرجل حتى واجهه تمامًا تحت إضاءة خافتة.

ثبت بهاء عينيه عليه، وأخذ يتفحص ملامحه بتركيز حاد. بحث في ذاكرته عن أي وجه يمكن أن ينتمي إليه هذا الرجل، لكن دون جدوى.

لم يعرفه.

لم يرَ هذا الوجه من قبل.

ظهرت الحيرة جلية على ملامحه، قبل أن يسأله بحذر:

- إنت مين؟

ارتسمت على شفتي الرجل ابتسامة باردة، وقال بهدوء مستفز:

- مستغرب إني مش مألوف ليك؟

ظل بهاء صامتًا.

اقترب الرجل منه خطوة، ثم قال:

- طبيعي... ما أنت عمرك ما شفتني قبل كده.

قطب بهاء حاجبيه، بينما ازدادت حيرته.

عندها قال الرجل ببطء، وكأنه يتعمد أن يترك الاسم يسقط في أذنيه كالصاعقة:

- صابر جلال العوفي.

تجمد بهاء للحظة.

كرر الاسم في ذهنه، لكن ذاكرته لم تسعفه.

لاحظ صابر ذلك، فضحك بسخرية قصيرة.

- الاسم برضه مش فاكره؟

ثم تبدلت ملامحه فجأة، وخفتت ابتسامته، بينما اشتعلت عيناه بغضب قديم.

- بس أكيد هتفتكر... لما أقولك أنا كنت مين.

تقدم خطوة أخرى.

- كنت حارس أمن في شركة الرشيد.

اتسعت عينا بهاء قليلًا.

تابع صابر:

- آه... الحارس اللي اتلفقت له قضية السرقة من ست سنين.

ساد الصمت.

ثم انطلقت من صابر ضحكة قصيرة، موجوعة، قبل أن يقول:

- عارف؟ طول السنين اللي فاتت كنت فاكر إن عاصم هو عدوي الحقيقي.

اشتد صوته:

- كنت شايفه قدامي هو اللي اتهمني... هو اللي رفض يصدقني... هو اللي سلّمني للسجن بإيده!

ضرب بقبضته على سطح الطاولة القريب منه.

- كنت ببوس إيده وأترجاه يصدقني! كنت بحلف له إني بريء! لكن بالنسبة له، الأدلة كانت كفاية... والحارس الغلبان كان أسهل واحد يتحط عليه كل حاجة!

أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال:

- دخلت السجن تلات سنين ونص... تلات سنين ونص وأنا مش فاهم ليه أنا! مش فاهم مين دمرني!

ارتجف صوته:

- مراتي كانت حامل في ابني وقتها... خرجت من السجن لقيت بيتي اتقفل، ومراتي اختفت، وابني اللي ما شفتوش أصلًا... ما أعرفش عنه حاجة لحد النهارده.

رفع عينيه إلى بهاء.

- خرجت من السجن وأنا مش شايل غير اسم حرامي وكره عاصم.

اقترب منه أكثر.

- وبعد ما خرجت... دخلت العالم اللي كنت فاكره بعيد عني. عالم المافيا. اشتغلت معاهم، وكبرت وسطهم، لحد ما بقيت واحد منهم.

توقفت ابتسامته.

- وهناك... سمعت الحقيقة.

سكت لحظة، ثم بدأ يحكي، وكأنه يعيد المشهد أمام عينيه:

- كنت قاعد في مكان تابع للشبكة، بعيد عن الأنظار. وكان فيه اتنين من رجالة المهام القديمة قاعدين بيتكلموا.

خفض صوته، ثم قال بنبرة أحدهما:

- «بقولك إيه... هو الزعيم الجديد ده مش شبه حد كده؟»

ثم رفع حاجبه وغيّر نبرته مقلدًا الرجل الثاني:

- «شبه مين يا أهبل إنت؟»

ضحك صابر ضحكة ساخرة، ثم تابع بنفس الصوت:

- «مش شبه الحارس بتاع شركة الرشيد؟»

ثم عاد يقلد الرجل الأول:

- «إيه جاب الحارس الغبي ده للزعيم الجديد؟ ده كان واحد أهبل ومفكر نفسه فاهم كل حاجة!»

توقفت ملامح صابر عند تلك النقطة، ثم قال بصوته الحقيقي:

- ساعتها... بدأت أركز.

اقترب من بهاء ببطء.

- لكنهم كملوا.

وعاد يحكي الحوار:

- «فاكره ولا إيه؟ ده الحارس بتاع شركة الرشيد... اللي لبّسناه قضية السرقة من ست سنين.»

ثم غيّر نبرته:

- «آه يا عم فاكره! دي كانت أسهل سبوبة عملناها.»

اشتدت ملامح صابر.

- وساعتها سمعتهم بيحكوا كل حاجة.

ثم تابع بصوت الرجل:

- «الراجل شافنا وإحنا داخلين الشركة، وماكانش ينفع يفضل عايش وهو عارف إحنا بنعمل إيه. بلغنا الدكتور بهاء، وهو قال لنا نلبسه القضية.»

ساد الصمت للحظة.

ثم أكمل:

- «خدناه على بيته، وحطينا الفلوس في دولابه، وخليّناه يبان هو الحرامي... وبكده القضية كلها هتلبس فيه، ومحدش هيشك إننا إحنا اللي عملناها.»

توقف صابر عن الكلام.

كانت عيناه قد امتلأتا بغضب حارق.

- فاهم يا بهاء؟

اقترب حتى أصبح على مسافة قريبة منه.

- أنا كنت طول السنين دي فاكر إن عاصم هو اللي دمرني.

ضرب صدره بقبضته.

- لكن الحقيقة كانت هنا!

ثم أشار بإصبعه إلى بهاء.

- عندك أنت!

اشتعل صوته:

- في اللحظة دي عرفت إنك أنت العقل المدبر... وإن عاصم وقع في الفخ اللي أنت صنعته.

ثم أمسك صابر بياقة قميص بهاء بعنف وجذبه نحوه.

- لكن عاصم برضه مش بريء!

ارتعشت أنفاس بهاء، بينما تابع صابر بغضب:

- كان لازم يصدقني! كان لازم يسمعني قبل ما يحكم عليّا! لكنه كان مغرور وكذّاب... كذّبني في وشي، وما ادانيش حتى فرصة أتكلم!

اشتدت قبضته على ياقة بهاء.

- وعمل معايا نفس اللي عمله مع مراته... ما حاولش يسمعها، وما حاولش يعرف الحقيقة قبل ما يحكم عليها!

ثم دفعه بعيدًا بعنف، فتراجع بهاء خطوتين.

وقف صابر يحدق فيه، وصدره يعلو ويهبط من شدة الغضب.

- عشان كده... حتى بعد ما عرفت الحقيقة، أنا مش هسامح عاصم. أنت اللي دبّرت كل حاجة، آه... لكن هو اختار يصدق الكذبة، واختار يظلمني.

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم قال صابر بصوت أكثر هدوءًا، لكنه أشد رعبًا:

- عاصم غلط في حقي... ومش هنسى ده.

اقترب خطوة.

- لكن أنت؟

توقفت عيناه على وجه بهاء.

- أنت الجحيم نفسه.

صمت لحظة، ثم ابتسم ابتسامة باردة خالية من الرحمة.

- أنت اللي صنعت صابر جلال العوفي اللي واقف قدامك دلوقتي.

اقترب منه أكثر، وقال:

- والنهارده... جه وقت الحساب.

ثم ابتسم صابر ابتسامة باردة، واقترب من بهاء حتى أصبح عند أذنه، ثم همس بصوت خافت كفحيح الأفعى:

- جه وقت الحساب يا بهاء.

---

خلف النوافذ الزجاجية الكبيرة، كان ليل الإسكندرية يفرض سطوته؛ صوت أمواج البحر المتلاطمة يتردد من بعيد، ونسمات الهواء الباردة تضرب الواجهة الخارجية للشقة، بينما في الداخل، كان الدفء يملأ غرفة المعيشة المضاءة بنور خافت ينبعث من شاشة التلفزيون الكبيرة.

تتصاعد من الشاشة الموسيقى التركية الحزينة والمألوفة بآلاتها الوترية الشجية. يعرض المسلسل مشهدًا تراجيديًا مؤثرًا لوداع وفراق. على الأريكة المريحة، تجلس إيمان وسعاد، وعيونهما معلقتان بالشاشة، وتتنهدان مع كل لقطة بتأثر واضح، ممسكتين بأكواب الشاي الساخنة.

سعاد، وهي تمسح طرف عينها بطرف شالها، التفتت إلى إيمان وقالت:

- يا حبيبتي يا بنتي.. المشهد ده يقطع القلب يا إيمان، الموسيقى لوحدها تخلي الواحد يعيط من غير ما يفهم الكلام. الأتراك دول بيعرفوا يختاروا نغمات تلمس الروح.

هزت إيمان رأسها بتأثر، وارتشفت رشفة صغيرة من كوب الشاي، ثم التفتت إلى لينا الجالسة في الطرف الآخر من الأريكة.

- فعلًا يا سعاد، المخرج ده شاطر، بيعرف يوجع القلب.

ثم مالت نحو لينا وقالت بحنان:

- ما تيجي يا لينا تتفرجي معانا؟ سيبك من الموبايل ده وتعالي اقعدي معانا. المسلسل ده حلو أوي، واللقطة دي بالذات هتعجبك. فايتك كتير والله، والفرجة في ليل إسكندرية ده محتاجة لمتنا!

لكن لينا لم تسمعها.

كانت ممسكة بهاتف إيمان، منشغلة بالبحث عن كل ما يخص حملها؛ تتنقل بين صفحات عن «أعراض الحمل في الأسابيع الأولى» و«أطعمة تفيد الحامل»، وتحاول أن تجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات التي تساعدها على الاهتمام بنفسها وبطفلها.

وفجأة، توقفت أصابعها عن التمرير.

تغيرت ملامح وجهها في لحظة، وثبتت عيناها على شاشة الهاتف.

كانت صورتها الشخصية تتصدر أحد المواقع الإخبارية، وبجوارها صورة عاصم.

اتسعت عيناها، وانعقد حاجباها، وأعادت النظر إلى الشاشة وكأنها لم تستوعب ما رأته.

ثم قرأت العنوان:

『 قَتَلَ زَوْجَتَهُ بِلَا رَحْمَة... عَاصِم الرُّشَيْدِي المُتَّهَمُ الأَوَّلُ فِي مَقْتَلِ لِينَا! 』

شهقت لينا بصمت، وتيبست أصابعها حول الهاتف.

- إيه...؟

خرجت الكلمة همسًا دون وعي.

في الجهة الأخرى، كانت إيمان قد عادت لمتابعة المسلسل، تبتسم رغم دموعها عندما تغير المشهد، بينما سعاد تهز رأسها متأثرة وتقول:

- أهو شوفتي؟ أنا قولتلك إن الست دي هتسيب جوزها في الآخر!

ضحكت إيمان بخفوت:

- استني بس يا سعاد، ما تستعجليش... لسه المسلسل طويل.

أما لينا، فلم تكن تسمع شيئًا مما يدور حولها.

بدأت تقرأ الخبر بسرعة، وكل سطر كان يزيد اتساع عينيها.

اختفاؤها... تحول إلى قضية قتل.

واسم عاصم أصبح مرتبطًا بمقتلها.

مررت إصبعها على الشاشة، تقرأ التفاصيل بعينين مضطربتين، بينما بدأت أنفاسها تتسارع شيئًا فشيئًا.

رفعت يدها إلى فمها دون أن تشعر، وظلت تحدق في الشاشة.

كان الخبر يتحدث عن الأدلة والملابسات التي جعلت عاصم المتهم الأول، ويعرض تفاصيل القضية بصورة تجعله أمام الرأي العام رجلًا قتل زوجته بلا رحمة.

توقفت لينا لحظة عن القراءة، ثم عادت إليها بسرعة، وكأنها تبحث عن شيء ينفي ما تراه.

لكن كل سطر كان يؤكد الكارثة أكثر.

في تلك اللحظة، ارتفعت أصوات إيمان وسعاد من جديد بسبب أحداث المسلسل.

- يا نهار أبيض! قالت إيمان وهي تضع يدها على صدرها.

ضحكت سعاد رغم تأثرها:

- قلتلك هتبكي في الآخر!

لكن لينا لم تلتفت إليهما.

واصلت النزول بعينيها حتى وصلت إلى نهاية التقرير، لتصطدم بالخبر الفاجع الذي قطع ما تبقى من أنفاسها:

『 وَفِي تَطَوُّرٍ مُفَاجِئ... نُقِلَ المُتَّهَمُ عَاصِم الرُّشَيْدِي إِلَى مُسْتَشْفَى كُلِّيُوبَاتْرَا إِثْرَ تَدَهْوُرٍ حَادٍّ فِي حَالَتِهِ الصِّحِّيَّةِ نَتِيجَةَ الصَّدْمَة، حَيْثُ أَكَّدَتْ مَصَادِرُ طِبِّيَّةٌ دُخُولَهُ فِي غَيْبُوبَةٍ تَامَّةٍ تَحْتَ حِرَاسَةٍ مُشَدَّدَة. 』


تعليقات