رواية خادمة الصندوق الفصل الثاني 2 بقلم يوسف مصطفى

 


رواية خادمة الصندوق الفصل الثاني والأخير بقلم يوسف مصطفى


اترددت لثواني وأنا بصالها، مش قادرة أستوعب إن الكائن اللي واقف قدامي ده هو صاحب الصوت الخشن المرعب اللي كان بيتكلم من شوية، بس الحضور بتاعها كان فيه هيبة غريبة بتجبرك تطيعها.

​قلت بصوت متلجلج: ​"لا.. قصدي.. اه، خليكي."
​لقيتها ابتسمت ابتسامة خفيفة، ونزلت قعدت على الأرض بتربيع صغيرة، وبصتلي وقالت بصوتها الناعم:

​"اسأليني.. أنا عارفة إن في أسئلة كتير بتاكل في دماغك دلوقتي."

​نزلت من على السرير، وقعدت قصادها على الأرض، الجو كان بارد بس الحتة اللي هي قاعدة فيها كان طالع منها دفء غريب.

 قعدت أتأمل ملامحها البريئة المصنوعة من السراب، وسألتها أول سؤال خطر على بالي:​"انتِ.. انتِ مسلمة؟"

​بصتلي بهدوء وهزت رأسها:​"أيوه.. مسلمة."

​"طب.. كنتي محبوسة ليه في الصندوق ده؟ ومين اللي حبسك؟"

​البنت بصتلي بتعمق، وعينيها البنية لقطت شرارة حادة، وقالتلي بصوت رجع فيه جزء من الخشونة القديمة:
​"عايزة تعرفي الحقيقة؟ امسكي إيدي.."

​مدت إيدها الصغيرة. تردد لحظة، وبعدين مديت إيدي ولمستها.. إيدها كانت سخنة جداً، زي جمرة نار دافية. أول ما مسكت إيدها، حسيت بدوخة شديدة، والجدران بتاعة أوضتي بدأت تتلاشى زي الدخان!

​لقيت نفسي ماشية معاها، طلعنا من باب الأوضة، وعدينا من الصالة.. أبويا وأمي كانوا قاعدين في الصالة بيشربوا شاي، عدينا من قدامهم بالظبط! 

شهقت وجيت أستخبى، بس البنت بصتلي وقالتلي نبرة تطمين:​"ما تخافيش.. أنا خفيتك عن عيونهم، مش هيشوفونا."

​خرجنا من البيت، والليل كان ساكن. كانت ماشية خطوة بخطوة معايا لحد ما وصلنا للبيت المهجور تاني.

​دخلنا جوه من الشباك الواطي، وبمجرد ما رجلي لمست أرضية البيت، البنت اختفت من جنبي!

​الضلمة كانت خناقة، والصمت تقيل. ناديت بأعلى صوتي وأنا بترعش:​"انتي فين؟! يا بنتي انتي فين؟!"

​مفيش إجابة. وفجأة، حسيت بإيدين دافيين اتحطوا على عينيا من ورا، وصوتها يهمس في ودني:​"شوفي كدا .."

​فتحت عيني وأنا تحت تأثير إيدها، والمشهد اتغير تماماً!
​البيت المهجور مابقاش مهجور! 

السقف كان موجود، الجدران سليمة، والسلالم رخام.. البيت كان شكله من طراز قديم جداً من عشرات السنين. لقيت نفسي واقفة في ممر، وفي آخره باب خشب صغير مفتوح ونازل منه نور أحمر خافت.

​اتسحبت ونزلت السلالم بتاعة الباب الخشب.. كان في بدروم تحت الأرض.

​جوه البدروم، كان في راجل شكله يرعب، لابس جلابية سودة ومربط بسلاسل، وقدامه كتاب ضخم وقذيف، وحواليه شمع متولع.. 

وقدامه على ترابيزة حجرية كان في جثتين! جثة لست كبيرة في السن، وجثة لبنت شابة.. الدم كان مغرق المكان.

​الراجل كان بيمسك خنجر ويردد بصوت صدى مرعب كلام ملوش معنى، وفجأة بدأ يزعق بصوت هز الأركان ويقول:

​"هذا قرباني لكم! هذا قرباني لكم! دمروا أهل القرية.. امحوا نسلهم وخرّبوا أرضهم! هذا قرباني لكم!"

​وفي لحظة.. ظهرت الطفلة دي! كانت واقفة قدامه بس بشخصيتها الحقيقية، هالة من الضوء والحرارة حواليها.

 الراجل بدأ يتكلم معاها بلغة غريبة، لغة مش بشرية، مليانة حشرجة وتهديد.. بس ملامح الرعب بدأت تترسم على وش الراجل تدريجياً.

​الراجل أدرك إن الطفلة مش هتمكنه من العمل، وإنها جاية تمنع السحر الملعون ده إنه يكتمل ويحرق القرية.

​وفجأة، الراجل وهو بيلفظ أنفاسه الأخيرة من الخوف والضغط، فتح الصندوق الخشب اللي كان على الترابيزة، وقرأ تعويذة حبس بيها الطفلة جوه الصندوق مع جزء من دم القربان والورق الملعون، وقفل الصندوق بسلاسل ونزل طاح على الترابيزة ميت!

​في اللحظة دي.. الطفلة شالت إيدها من على عيني.
​رجعت تاني للبيت المهجور المظلم المهدوم.. والبنت واقفة قدامي بنفس الفستان الأبيض، وبصتلي وقالتلي بهدوء:​"الراجل ده كان ساحر..

 كان عايز يقدم قربان للجن السفلي عشان يدمر القرية كلها ويجيب فيها الوباء والخراب.. 

أنا حلت بينه وبين الكفر ده، فحبسني في الصندوق بالدم والتعويذة.. لحد ما جيتي انتي، وقرأتي الكلمات اللي فكت قيد الصندوق وعصمتيني من الحبس."

​دموعي نزلت.. مش من الخوف المرادي، بس من الذهول. أنا ما كنتش بفك عمل لجمال خطي، أنا فكيت قيد الحارس اللي حمى قريتنا من عشرات السنين!

​مسكت إيدي تاني، وفي ثواني كنا راجعين الأوضة.
​ومن الليلة دي.. حياتي اتغيرت تماماً.

​البنت بفت تنام جنبي كل ليلة، ما بتفارقنيش لحظة. مش بتأذيني، بالعكس.. كانت حمايتي وسندي.

​السنوات عدت.. سنتين كاملين كبرت فيهم، وأي حاجة كنت بتمنيها أو بحتاجها كانت بتتحقق بطريقة غريبة وميسرة. 

حتى لما كبرت واتجوزت وسبت بيت أبويا، فضلت معايا، تظهرلي وقت ما أكون لوحدي، وتحرسني وأنا نايمة.

​الناس كانت فاكرة إن الجواز والاستقرار بيجوا من البشر.. بس أنا في السنتين دول عرفت حقيقة واحدة اتكتبت بحروف من نور في عقلي:

​عمر البشر ما هيعرفوا يعني إيه وفاء.. أوقات كتير، بيكون الجن أوفى مليون مرة من البشر!​تـمـت.

انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم



شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات