رواية الانبهار الفصل الثاني 2 بقلم الهام عبد الرحمن الجندي


 رواية الانبهار الفصل الثاني 2

أنهى الحديث سريعًا وغيّر الموضوع، وبعد دقائق عاد يضحك معها كأن شيئًا لم يحدث.
خرجت من المقهى وهي تحاول إقناع نفسها:
"أكيد كان متوتر... كل الناس بتغلط."
في المساء...
جلست مع نسمة.
نسمة أول ما شافتها ابتسمت.
ـ ها... كان يومكم حلو؟
خديجة ابتسمت ابتسامة باهتة.
ـ آه... حلو.
ضيقت نسمة عينيها.
ـ بتحاولي تضحكي عليا؟
حكت لها خديجة ما حدث.
سألتها نسمة بهدوء:
ـ وزعقلك؟
ـ لا... بس اتكلم بطريقة ضايقتني.
ـ واعتذر؟
سكتت خديجة.
ـ لا.
ـ وإنتِ؟
ـ عديتها.
تنهدت نسمة.
ـ أول مرة هتعديها... تاني مرة هتقولي معلش... تالت مرة هتقولي أصله مضغوط وبعدها هتبقى عادة.
ردت خديجة بسرعة:
ـ يا نسمة بلاش تكبري الموضوع.
ابتسمت نسمة بحزن.
ـ وأنا نفسي يطلع الموضوع صغير.
بعد أسبوع...
كانت خديجة تتحدث بحماس عن فستان أعجبها.
قالت وهي تريه الصورة في هاتفها:
ـ إيه رأيك؟
نظر إليها لثوانٍ ثم قال:
ـ لا.
استغربت.
ـ ليه؟
ـ شكله ملفت.
ـ بس أنا عاجبني.
رفع حاجبه.
ـ وأنا مش عاجبني.
ابتسمت وهي تحاول أن تمزح.
ـ خلاص... هشوف واحد تاني.
أعاد إليها الهاتف وقال:
ـ كويس إنك سمعتي الكلام.
توقفت الابتسامة على وجهها للحظة.
لم يعجبها أسلوبه...
لكنها أقنعت نفسها مرة أخرى.
"يمكن غيرته عليا."
بدأت تلك الجملة تتكرر كثيرًا.
حينما طلب منها تقلل كلامها مع زملائها...
قالت: "بيغير عليا."
وحينما اعترض إنها تخرج مع نسمة...
قالت: "أكيد بيحب يقضي وقت أكتر معايا."
ولما غضب لأنها تأخرت عشر دقائق...
قالت: "أصله بيخاف عليا."
كانت تفسر كل تصرف بالطريقة التي تجعل صورته تظل جميلة.
أما نسمة...
فكانت تراقب بصمت.
حتى جاء اليوم الذي قالت فيه:
ـ خديجة... جاوبيني بصراحة.
ـ اتفضلي.
ـ لو طارق ده كان شخص عادي... لا شكله شدك ولا مكانته ولا كلام الناس عنه... وكان بيتصرف نفس التصرفات دي... كنتي هتوافقي عليه؟
سكتت خديجة.
لأول مرة...
لم تجد إجابة.
لكنها هزت رأسها بسرعة وكأنها تطرد السؤال.
ـ إنتي مكبرة الموضوع أوي.
ابتسمت نسمة ابتسامة حزينة.
ـ وأنا خايفة تكونى إنتي اللي مصغراه وتندمى بعد كدا.
في تلك الليلة...
كانت خديجة تنظر إلى خاتم الخطوبة في إصبعها.
ثم ابتسمت وقالت لنفسها:
"كل العلاقات فيها مشاكل... وأنا أكيد مش هسيبه عشان كام موقف."
لكنها لم تكن تعلم...
أن الإنسان لا يندم بسبب الموقف الأول...
بل لأنه تجاهل الموقف الأول، ثم الثاني، ثم الثالث...
حتى أصبح الرجوع مستحيلًا.
مر شهران على الخطوبة، وكان الجميع يبارك لخديجة ويقول لها إنها محظوظة.
"طارق شاب محترم."، "شكله ابن ناس."، "شاطر ومستقبله كبير."
وكانت كل جملة تسمعها تجعلها تبتسم بفخر.
في أحد الأيام...
اتفق طارق مع خديجة ونسمة على تناول الغداء بعد انتهاء المحاضرات.
وصلت نسمة أولًا، ثم لحقتها خديجة، وبعد دقائق حضر طارق، ابتسم وهو يصافحهما، ثم جلس.
كان الحديث لطيفًا في البداية إلى أن جاءت النادلة لتأخذ الطلبات.
ابتسمت وهي تقول:حضرتك تحب تطلب إيه؟

نظر إليها طارق بضيق وقال بنبرة حادة: هو أنا هشرح مرتين؟ قلتلك من شوية.

ارتبكت الفتاة وقالت: أنا آسفة كنت فاكرة...

قاطعها بعصبية: لما تبقي مركزة الأول ابقي اشتغلي.

ابتعدت الفتاة وهي تكاد تبكي ساد الصمت على الطاولة.شعرت خديجة بالحرج.أما نسمة فكانت تراقبه دون أن تنطق.

بعد دقائق عاد طارق يضحك ويحكي وكأن شيئًا لم يحدث.بعد أن انتهى اللقاء...كانت خديجة ونسمة تسيران في الشارع.

قالت نسمة بهدوء:عجبك اللي عمله؟

تنهدت خديجة: بصراحة... أسلوبه كان وحش.

نسمة: يبقى ليه ساكتة؟

خديجة: يمكن كان متضايق.

ابتسمت نسمة: هو كل مرة هيبقى متضايق؟وبعدين البنت الغلبانة دى ذنبها ايه عشان يكلمها كدا؟ 

سكتت خديجة، فأكملت نسمة: يا خديجة... الإنسان الحقيقي بيبان في طريقة تعامله مع اللي مش محتاجهم... مع الجرسون... مع عامل الأمن... مع البائع... مش مع خطيبته اللي عايز يكسبها.

هزت خديجة رأسها وهي تحاول إنهاء الحديث: خلاص يا نسمة متقفلنيش بقا.
وفي مساء اليوم نفسه اتصل بها طارق: إيه يا دودو... هو انتى زعلانة؟

ابتسمت تلقائيًا: لا.
طارق: متزعليش من اللي حصل النهارده... البنت دي هي اللي استفزتني.

خديجة: خلاص حصل خير.

طارق: أهو كده... أنا بحبك وإنتي لازم تبقي في ضهري.

أغلقت الهاتف وهي تشعر أن كل ضيقها اختفى.
وبمجرد أن رأت اسمه على الشاشة مرة أخرى، نسيت الموقف كله.

بعد أيام...كانت خديجة تتحدث مع زميل قديم في الجامعة عن مشروع التخرج.فجأة ظهر طارق.
ابتسم في وجه الشاب، ثم أمسك يد خديجة: يلا.

قالتها باستغراب: استنى... لسه بكلمه.

رد بابتسامة باردة: خلص كلام.

اضطرت أن تمشي معه، وما إن ابتعدا حتى توقف فجأة: مين ده؟

خديجة: زميلي.

طارق: من النهارده مفيش كلام مع أي ولد.

نظرت إليه بدهشة: ليه؟

طارق: عشان أنا مش بحب كده.

خديجة: بس احنا كنا بنتكلم كلام فى دراسة.

طارق: وأنا قولت لأ.

ساد الصمت كانت هذه أول مرة تشعر أن هناك شيئًا يخنقها لكنها لم تعترض.اكتفت بهز رأسها: حاضر.

ابتسم راضيًا: كده انا احبك.

وفي المساء...قصت ما حدث على نسمة لم تتكلم نسمة لعدة ثوانٍ، ثم قالت: لو سمحتي جاوبيني.

خديجة: على ايه.

نسمة: هو طلب رأيك... ولا أصدر أوامر؟

خفضت خديجة رأسها: أوامر.

نسمة: وإنتي وافقتي؟

خديجة: عشان مزعلوش.

تنهدت نسمة بعمق: كل مرة هتتنازلي عن حاجة صغيرة... لحد ما تصحي في يوم تكتشفي إنك ضيعتي نفسك كلها.

رفعت خديجة عينيها إليها وقالت بضيق:
 يعني أسيبه؟

ابتسمت نسمة بحنان: لا.اعرفيه، اسأليه، ناقشيه.
شوفي هيحترم رأيك ولا هيعتبر إن رأيه هو القانون.
لأن الجواز مش إن واحد يقرر... والتاني ينفذ.
الجواز شراكة.

عادت خديجة إلى منزلها وهي شاردة.
لأول مرة...بدأت كلمات نسمة تزعجها.ليس لأنها لا تقتنع بها...بل لأنها بدأت ترى أنها صحيحة.
لكنها كانت تخاف من الاعتراف بذلك.
لأن اعترافًا واحدًا فقط كان كفيلًا بأن يهدم الصورة التي بنتها لطارق منذ أول مرة رأته، وكانت لا تزال متمسكة بتلك الصورة أكثر من تمسكها بالحقيقة.

مرت الأيام، وبدأت خديجة تشعر بشيء غريب.
لم تعد تضحك كما كانت، ولم تعد تنتظر مكالمات طارق بنفس اللهفة كانت ترد عليه وهي مبتسمة...
لكن قلبها لم يعد يبتسم.

في صباح أحد الأيام كانت تجلس مع نسمة في حديقة الجامعة.
نسمة لاحظت شرودها فسألتها: مالك؟

ابتسمت خديجة ابتسامة باهتة: مفيش.

نسمة: إنتي عمرك ما عرفتي تخبي عني.

تنهدت خديجة وقالت: هو... ممكن الإنسان يحب حد، وبعدين فجأة يحس إنه مش مرتاح؟

نسمة لم تجب مباشرة بل سألتها: إنتي مش مرتاحة مع طارق... ولا مش مرتاحة مع نفسك؟

سكتت خديجة.ولأول مرة لم تعرف الإجابة.

في اليوم نفسه كانت تتحدث مع والدتها بحماس عن دورة تدريبية رشحتها لها إحدى الدكاترة.

الأم ابتسمت:دى فرصة حلوة... قدمي فيها.

فرحت خديجة: بجد يا ماما؟

الام: طبعًا دى هترسملك مستقبلك.

أمسكت هاتفها واتصلت بطارق: طارق... عندي خبر حلو.
طارق باهتمام: إيه؟

خديجة: اتقبلت في الدورة اللي كنت بحكيلك عنها.

ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال ببرود:هتستفيدي إيه؟

تفاجأت من رده وقالت: هتعلم... وكمان هتفيدني في شغلي بعد التخرج.

ضحك ضحكة ساخرة: شغل إيه؟إنتي بعد الجواز هتقعدي في بيتك.

شعرت وكأن شيئًا سقط داخلها ثم قالت: يعني إيه؟

طارق: يعني أنا مش بحب مراتي تشتغل.
قالها بهدوء شديد...وكأنه يخبرها بأمر طبيعي.

ابتلعت ريقها: بس... أنا بحلم أشتغل من وأنا صغيرة.

طارق: الأحلام بتتغير.

خديجة: وأنا؟

طارق: هتتعودي.

وأغلق المكالمة لأنه كان "مشغولًا".
ظلت خديجة ممسكة بالهاتف.تشعر أن الكلمات ما زالت تدور في رأسها.
"هتتعودي."
كانت جملة بسيطة...لكنها شعرت أنها تحمل معنى أكبر بكثير.
في المساء جلست مع نسمة.كانت شاردة بشكل غير معتاد.
نسمة قالت بهدوء: حصل إيه؟

حكت لها كل شيء، ولم تعلق نسمة هذه المرة.
اكتفت بالنظر إليها.

استغربت خديجة وسالتها: ساكتة ليه؟

قالت نسمة بصوت هادئ: لأني تعبت من الكلام.
كل مرة أقولك حاجة...تقولي أصله بيحبني.
اصله بيخاف عليا.أقولك متحكم...تقولي دي شخصيته.دلوقتي قوليلي لما يمنعك من حلمك...
هتسميها إيه؟
نزلت دموع خديجة لأول مرة: أنا... مش عارفة.

اقتربت منها نسمة وأمسكت يدها: أنا مش ضد طارق يا خديجة.أنا ضد إنك تخسري نفسك.الحب الحقيقي بيكبر الإنسان مش يصغره بيشجعه مش يدفنه.
بيخليه يحقق أحلامه مش يتنازل عنها.

عادت خديجة إلى منزلها.وقفت أمام المرآة.
ظلت تنظر إلى نفسها طويلًا، ثم سألت بصوت مرتجف: هو أنا اتغيرت؟

تذكرت نفسها قبل سنة.كانت تحلم، وتضحك، وتخطط.أما الآن...فكل ما يشغلها هو سؤال واحد:
"إيه اللي يرضي طارق؟"
جلست على سريرها، وأخرجت دفترًا قديمًا.
كانت قد كتبت فيه قبل سنوات قائمة بأحلامها.
قرأت أول سطر...
"نفسي أبقى ناجحة في شغلي."
الثاني...
"أفضل محتفظة بشخصيتي مهما حصل."
الثالث...
"أتجوز راجل يشجعني."
ابتسمت...
لكنها هذه المرة لم تستطع منع دموعها.
همست لنفسها: أنا... بقيت ببعد عن البنت اللي كنتها.
وفي اللحظة نفسها رن هاتفها.
ظهر اسم طارق على الشاشة.ظلت تنظر إليه لعدة ثوانٍ لأول مرة لم تفرح عندما رأت اسمه.
ولأول مرة منذ عرفته ترددت قبل أن تضغط زر الرد.

رن الهاتف للمرة الثالثة أخذت خديجة نفسًا عميقًا ثم ردت: ألو.

جاءها صوت طارق هادئًا على غير عادته: مالك؟ صوتك غريب كدا ليه؟.

ترددت قليلًا ثم قالت: كنت بفكر.

طارق بأستغراب: في إيه؟

خديجة: في كلامنا الصبح.

تنهد بضيق: خديجة... بلاش نرجع للموضوع ده.

خديجة: بس أنا زعلت.

ساد الصمت لثوانٍ.كانت تنتظر أن تسمع كلمة واحدة..."حقك عليا."

لكنه قال: إنتِ حساسة زيادة عن اللزوم.

شعرت بوخزة في قلبها: يعني أنا اللي غلط؟

طارق: طبعًا... أي واحدة تتمنى جوزها يغير عليها ويخاف عليها بالشكل ده.

خديجة: الموضوع مش غيرة يا طارق أنا بتكلم عن شغلي.

رد بثقة: وأنا كلمتي واحدة بعد الجواز... مفيش شغل.
ثم أنهى المكالمة.
ظلت خديجة تنظر إلى شاشة الهاتف.
ولأول مرة...لم تبكِ.شعرت فقط بتعب شديد.
في اليوم التالي كان موعد شراء الشبكة.
اجتمعت العائلتان داخل محل الذهب.
الجميع يضحك...
والأمهات يتحدثن عن تجهيزات الزواج.
أما خديجة...
فكانت صامتة.
لاحظت نسمة شرودها، فاقتربت منها وهمست:
 إنتي كويسة؟
هزت رأسها دون اقتناع.وفي أثناء اختيار الشبكة...
أعجب خديجة خاتم رقيق بسيط.

ابتسمت وقالت: ده جميل أوي.

نظر إليه طارق ثم قال للبائع: لا... هات اللي جنبه.

استغربت: بس أنا عجبني ده.

ابتسم ابتسامة جامدة: وأنا عاجبني التاني.

خديجة: بس ده هيبقى في إيدي أنا.

رد وهو يضحك أمام الجميع: ما أنا اللي هدفع تمنه.

ساد صمت قصير.
ضحك بعض الموجودين ظنًا أنه يمزح.
لكن نسمة كانت تنظر إلى وجه خديجة.
رأت الانكسار الذي حاولت إخفاءه بابتسامة صغيرة.
بعد خروجهم...
استأذنت نسمة وأخذت خديجة بعيدًا: هو إنتي ليه سايبة حد يختار عنك كل حاجة؟

قالت خديجة بإرهاق: عشان الدنيا تمشي.

نسمة: ولو فضلتي تمشيها كده؟

سكتت.

اكملت نسمة: مرة هيختار خاتم، ومرة شغلك، ومرة أصحابك، وبعدين هيختار حتى شخصيتك.

قالت خديجة بصوت خافت:الناس كلها كانت موجودة لو اعترضت كان هيبقى شكلي وحش.

ابتسمت نسمة بحزن: ساعات يا خديجة...
شكلك قدام الناس بيكلفك عمرك كله.

مرت الشهور، واقترب موعد الزفاف.
كلما اقترب الموعد كانت خديجة تشعر أن الفرحة التي حلمت بها لا تأتي.كانت تنظر إلى فستانها الأبيض، ولا تشعر بالحماس الذي كانت تتخيله.
بينما الجميع يردد:
"أكيد توتر العرايس."
لكن الحقيقة أن قلبها كان يحاول أن يخبرها بشيء.
وكانت ترفض سماعه.قبل الزفاف بأسبوع...
جلست نسمة معها في شرفة المنزل.
الهواء كان هادئًا لكن قلب نسمة لم يكن كذلك.

قالت بهدوء: هسألك سؤال، ولو زعلتي مني بعدها مش هتكلم تاني.

ابتسمت خديجة بتعب: اسألي.

نسمة: لو رجع بيكي الزمن، ولسه ما شفتيش طارق أول مرة، وبعدين حد حكالك كل المواقف اللي حصلت بينكم: كنتي هتوافقي عليه؟

سقط السؤال على قلبها كالصاعقة أغلقت عينيها.
وظلت صامتة دقيقة...اثنتين...ثلاثًا.
كانت تعرف الإجابة، لكنها خافت تنطقها.

همست أخيرًا: معرفش.

ابتسمت نسمة بحزن: لأ إنتي عرفاها، بس خايفة تقوليها، لأنك تعبتي أوي عشان توصلي لليوم ده.
ومش قادرة تصدقي إن اللي كنتي بتحلمي بيه...
يمكن يكون أكبر غلطة في حياتك.

انفجرت خديجة في البكاء: أعمل إيه يا نسمة؟
الناس كلها عرفت، الفستان جاهز، القاعة اتحجزت.
والدعوات اتوزعت.

قالت نسمة وهي تحتضنها:أنا مقدرش أقولك اتجوزي ولا أقولك افسخي بس افتكري حاجة واحدة...
القرار اللي هتاخديه إنتي اللي هتعيشي نتيجته.
مش الناس ولا كلام الناس ولا نظرات الناس إنتي وبس.

في تلك الليلة وقفت خديجة أمام فستان زفافها.
مدت يدها تلمسه، ثم نظرت إلى انعكاسها في المرآة.
وقالت بصوت يكاد لا يُسمع:"يا رب لو أنا ماشية في الطريق الغلط ابعتلي علامة توقفني."

لكن...أحيانًا الله يرسل العلامات مرارًا، ونحن...
نكون قد قررنا ألا نراها.

جاء يوم الزفاف...

امتلأ المنزل بالضحكات والزغاريد.

كانت قريبات خديجة يلتففن حولها، يثبتن الطرحة، ويعدلن الفستان، بينما الجميع يردد:

"يا بختك يا عروسة."

"ربنا يتمملك على خير."

أما هي...

فكانت تنظر إلى المرآة بصمت.

لأول مرة في حياتها، لم تستطع أن تميز هل هذا الاضطراب فرحة... أم خوف.

دخلت نسمة الغرفة بعدما طلبت من الجميع أن يتركوها مع خديجة لدقائق.

أغلقت الباب، ثم جلست بجوارها.

ابتسمت وهي تحاول أن تخفف عنها: إيه يا عروسة؟ مالك؟

لم تتمالك خديجة نفسها.انفجرت في البكاء.

أمسكت نسمة يدها بسرعة: خديجة... بصيلي.

رفعت رأسها ودموعها تغطي وجهها: أنا خايفة يا نسمة...

خايفة أكون باختار غلط.

شعرت نسمة بأن قلبها انقبض.

كانت هذه هي الجملة التي انتظرتها منذ شهور.

قالت بهدوء شديد: لو قلبك بيقولك توقفي لسه في وقت.

بكت خديجة أكثر: الناس هتقول عليا إيه؟

نسمة: الناس هتتكلم أسبوع...لكن إنتي ممكن تعيشي العمر كله.

خديجة: بس بابا شكله هيبقا ازاى قدام الناس.

نسمة: أبوكي هيزعل شوية لكن وجعه هيكون أهون من إنه يشوفك تعيسة طول حياتك.

خديجة:طيب وأهله؟

نسمة: وأهله هم كمان هيزعلوا...وبعدين كل واحد هيروح يعيش حياته.أما إنتي، فإنتي اللي هتكملي حياتك معاه.

سكتت خديجة وهي تنظر إلى الأرض، ثم قالت بصوت ضعيف:بس يمكن أنا ببالغ...يمكن بعد الجواز كل حاجة تتغير.

أغمضت نسمة عينيها للحظة، ثم قالت الجملة التي خرجت من قلبها: يا خديجة الجواو ما بيغيرش الطباع...هو بيكشفها لو الإنسان محترم قبل الجواز
هيفضل محترم بعده.ولو متحكم قبل الجواز...
هيبقى أكتر تحكم بعده، لأنه هيحس إنك بقيتي خلاص ملكه.

ارتجفت يد خديجة.لكن...في الخارج بدأت الموسيقى تعلو، ودخلت إحدى قريباتها وهي تبتسم: يلا يا عروسة العريس وصل.

نظرت خديجة إلى نسمة، ثم أخذت نفسًا طويلًا.

ومسحت دموعها بنفسها، وقالت بصوت مكسور:

خلاص...اللي مكتوب هيكون.

نظرت إليها نسمة بحزن شديد كانت تعلم أن خديجة لم تختر طارق بل اختارت الهروب من مواجهة المجتمع.

مر شهر، ثم شهران، ثم ثلاثة لم تكن الحياة كما تخيلتها خديجة بل كانت أسوأ.

في صباح أحد الأيام كانت تعد الإفطار خرج طارق من غرفته نظر إلى السفرة، ثم عقد حاجبيه: إيه ده؟

ابتسمت: عملتلك الأكلة اللي بتحبها.

قال بحدة:مين قالك إني عايزها النهارده؟

ارتبكت: كنت فاكرة...

قاطعها وهو يدفع الطبق بعيدًا: متفكريش اسألي الأول.

شعرت بغصة في حلقها: حاضر.

ارتدى ساعته، وأخذ مفاتيحه.

ثم خرج دون أن يقول حتى "سلام".

جلست خديجة على الكرسي.

ونظرت إلى الطعام الذي استيقظت باكرا لتعده.

ثم بدأت تبكي، ليس بسبب الطعام بل لأنها لأول مرة تشعر أنها تبذل كل ما تستطيع ولا يكفي.

وفي المساء ذهبت إلى بيت أهلها استقبلتها أمها بابتسامة: وحشتيني يا حبيبتي.

ابتسمت خديجة بصعوبة: وإنتي كمان يا ماما وحشتيني اوى.

لاحظت نسمة -التي كانت تزورهم- شحوب وجهها.

اقتربت منها فورًا: مالك؟

ابتسمت خديجة: مفيش.

أمسكت نسمة يدها: لسه بتكدبي؟

سقطت دمعة من عين خديجة، ثم أخرى...ثم انهارت: أنا تعبانة يا نسمة...تعبانة أوي.

احتضنتها نسمة دون أن تسأل: كانت تعرف أن البكاء الذي تأخر شهورًا قد بدأ أخيرًا، وبعد دقائق من الصمت...

قالت خديجة بصوت متحشرج:فاكرة أول يوم شوفته؟

ابتسمت نسمة بحزن: فاكرة. كنت بقولك إنه كامل...

وإنه الراجل اللي بحلم بيه.

ثم ضحكت ضحكة ممزوجة بالدموع: طلع أكتر واحد كنت جاهلة بيه كانه حد غريب معرفوش.

قالت نسمة بهدوء: لا يا خديجة إنتي ماكنتيش جاهلة بيه إنتي كنتي جاهلة بخطورة الانبهار.

لأن الانبهار...بيخلينا نشوف المميزات بعدسة مكبرة...

ويصغر العيوب لحد ما ندخل الحياة الحقيقيةوقتها العدسة بتتكسر، وبنشوف الحقيقة لكن بعد فوات الأوان.

أطرقت خديجة رأسها، ثم همست بكلمات خرجت من أعماق قلبها: لو الزمن رجع بيا والله ما كنت هسعى أعرفه، ولا ألفت نظره، ولا أجري ورا حلم رسمته بنفسي كنت هسيب الأيام هي اللي تعرفني هو مين قبل ما أقرر يكون شريك عمري.

ورفعت رأسها، وعيناها ممتلئتان بالدموع: أول مرة في حياتي أفهم الفرق بين الحب والانبهار.


انتهت أحداث الرواية نتمني ان تكون نالت اعجابكم وبإرائكم في التعليقات وشكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

للمزيد من الروايات الحصرية زورو قناتنا علي التليجرام من هنا 
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم


تعليقات