رواية وكانت هيا الرسالة الفصل الثاني بقلم شروق البنداري
مرت سنتين.. سنتين كاملين وأنا بحاول أرمي جاسر القديم ورا ظهري، بعيد عن أي علاقة مشبوهة، منتظم في صلاتي، وبنزل الجيم يومياً أنا ومازن صاحبي، لحد ما جسمي ونفسيتي اتغيروا 180 درجة.. بقيت شخص واثق، هادي، وعارف أنا عايز إيه من حياتي.
تخرجت أنا ومازن بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وبفضل الله واجتهادنا اشتغلنا فوراً في واحدة من أكبر شركات المقاولات والمكاتب الهندسية في القاهرة، وأثبتنا وجودنا هناك واستقرينا في شغلنا.
وبعد ما اتخرجنا بسنة، أعلنت كليتنا عن معرض فن معماري مشترك مع كلية "فنون جميلة".. وزرت المعرض أنا ومازن عشان نشوف أفكار الجيل الجديد.
وأنا ماشي بين اللوحات والمجسمات، وقفت قدام مشروع مجسم مذهل.. كتلة معمارية فيها روح وفن مش مجرد أرقام وحسابات.
رفعت عيني عشان أشوف صاحب المشروع، فلقيتها بنت واقفة بتشرح للمشرفين بشغف وعيونها بتلمع حماس.. لبسها واسع وأنيق، وملامحها هادية وعفوية جداً، والابتسامة مش بتفارق وشها، وكانت واقفة جنبها بنت ثانية دمها خفيف بتشجعها ومتحمسة معاها (مريم أنتيمتها).
سألت صاحبي بصوت واطي:
ـ "مين دي يا مازن؟"
رد مازن وهو بيبص للمشروع بإعجاب مهني:
ـ "دي جميلة.. أشطر بنوتة في دفعة فنون جميلة اللي بتتخرج السنة دي، والتصميم دا واخد المركز الأول.. واللي واقفة جنبها دي مريم صاحبتها الأنتيم."
قربت من المجسم، وبصيت عليه بنظرة هندسية دقيقة، ولأني مهندس عاشق للتفاصيل، لمحت غلطة إنشائية بسيطة في توزيع الأحمال فوق المظلة.. فقلت بنبرة هادية وبابتسامة خفيفة وأنا باصص للمجسم:
ـ "التصميم كروح وعاطفة ممتاز بصراحة.. بس إنشائياً، المظلة دي تقع في أول موجة هوا شديدة!"
جميلة سكتت فجأة، والتفتت لي وعيونها اتسعت من الصدمة والغيظ! ومريم صاحبتها بصتلي بصدمة هي كمان وهي ماسكة عصائر في إيدها.
ردت جميلة عليّ بجمود ونبرة متأثرة بكرامتها:
ـ "يا أستاذ.. الفن مش مجرد أرقام، والمظلة دي مسبوقة بحسابات زوايا الظل والمظهر الجمالي، والمهندس الشاطر هو اللي يعرف ينفذ الفن مش اللي يكسره بالروتين!"
ابتسمت ببرود وقلت:
ـ "والمهندس الشاطر برضو هو اللي ميبنيش قصور في الهوا يا أستاذة.. الواقعية أهم من الخيال."
في اللحظة دي تدخل مازن عشان يهدي الجو وهو بيضحك بطفافة، بس خانته خطوته وخبط في مريم اللي كانت واقفة متلخبطة، فالعصير كان هيقع من إيدها!
مازن بسرعة وبخفة حركة مسك العصير قبل ما يقع وإيده لمست إيدها بغير قصد، فبصوا لبعض ثانية بخجل شديد..
مازن قال بابتسامة متوترة ومحترمة:
ـ "آسف جداً يا أستاذة.. جلّ من لا يسهو، العصير سليم أهو!"
مريم بصتله بغيظ طفيف بس احترام شهامته وقالت وهي بتبعد:
ـ "شكراً يا أستاذ.. بس ياريت تظبطوا حسابات زوايا المشي زي ما بتظبطوا حسابات المظلات!"
مازن ضحك بصوت واطي من ذكاء ردها وسرعته، وأنا سبت جميلة ومشيت وأنا حاسس بابتسامة غريبة على وشي إني استفزيتها.
(عند جميلة ومريم)
كنت واقفة بفرقع أصابعي من كتر الغيظ!
ـ "مين المغرور دا؟! فاكر نفسه مين يعني عشان يجي يتكلم على مشروعي?!"
مريم كانت واقفة بتضحك وهي بتبص على أثر مازن وجاسر:
ـ "بس بصراحة يا جميلة.. الطويل اللي كان معاه دا شهم أوي ومحترم! ألحق العصير في ثانية عشان ما يغرقش هدومي.. بس المشرف بتاعك دا يستاهل ضرب الجزمة على غروره!"
ابتسمت بس حسيت بنغزة غريبة في قلبي! ملامح جاسر ونبرة صوته الهادية كانت فيها حاجة مألوفة أوي.. شبه صورة الشاب الشاحب المكسور اللي كان حاطط صورته بروفايل من سنتين لما كلمني في الهاند ميد واللى مقدرتش انساة لغاية دلوقتي وحتي في صلاتي ودعائي !
نفضت الفكرة من دماغي وقلت لمريم:
ـ "لأ طبعاً.. دا واحد مغرور وشايف نفسه، ومحتاج اللي يوقفه عند حده!"
بعد المعرض بشهرين.. اتخرجت أنا ومريم، وجاء وقت التدريب العملي والتأهيل للشغل.
قدمنا في واحدة من أكبر شركات المقاولات في القاهرة، واتقبلنا بفضل الله؛ أنا في قسم التصميم الديكوري، ومريم في قسم المتابعة الإدارية.
دخلت المكتب أول يوم وأنا متحمسة وجاهزة بالأسكتشات بتاعتي.. سكرتير المكتب هناك دلني على مكتب المهندس المشرف عليّ:
ـ "اتفضلي يا باشمهندسة، مهندس جاسر مستنيكي جوة."
خبطت على الباب، وجالي الصوت من جوة:
ـ "اتفضل."
فتحت الباب ودخلت، كان قاعد ورا مكتب زجاجي فخم، ماسك القلم وبيراجع مخططات.. رفع راسه وبصلي.
أول ما عيوننا التقت، هو ابتسم ابتسامة خفيفة وقام وقف:
ـ "أهلاً يا باشمهندسة جميلة.. نورتي الشركة."
أنا وقفت في مكاني مذهولة!
"هو؟! المغرور بتاع المعرض طلع مهندس في الشركة وهو المشرف عليّ?!"
جمعت شتات نفسي بالعافية وقلت بثبات محاولة إخفاء توتري:
ـ "أهلاً بحضرتك يا مهندس جاسر.. جاهزة للتدريب إن شاء الله."
وفي نفس الوقت في الممر البراني.. مريم كانت ماشية شايلة ملفات تقيلة جداً، ومازن كان طالع من مكتبه..
شافها بتعاني، فرب منها بهدوء وقار وقال:
ـ "يا باشمهندسة مريم.. هاتِ عنك الملفات دي، التقيل دا على الهندسة مش عليكي!"
مريم بصتله بتفاجؤ، ولما افتكرت موقف المعرض ابتسمت بخجل وقالت:
ـ "شكراً يا باشمهندس مازن.. بس أنا أقدر أشيلهم عادي."
مازن أخد منها نص الملفات بابتسامة دافية ورجولة:
ـ "المؤمن لقمة واحدة وما ينفعش أسيب زميلة تشيل كل دا قدامي.. يلا قدامي على مكتب المتابعة."
ومن اليوم دا، بدأت تتولد بين مازن ومريم مشاعر ناعمة، محترمة، مليانة مناكفة لطيفة ومواقف شهامة، كانت تخليهم يتنحنحوا ويحمرّ وشهم كل ما يقابلوا بعض في الممر!
بدأت أيام التدريب، وبدأت معاها حرب المناكفات اليومية بيني وبين جاسر!
جاسر كان مهني جداً، صارم، ودقيق لأقصى درجة. كان يقعد معايا يراجع التصاميم، وكل ما أقدم فكرة ديكور عصرية ومجنونة، يمسك القلم الأحمر ويقول ببرود:
ـ "الخامة دي غالية على ميزانية العميل.. وغير قابلة للصيانة.. شيليها."
ـ "بس دي بتدي اتساع وجمال للمكان يا باشمهندس!"
ـ "الجمال اللي هيكلف العميل صيانة كل شهر مش جمال يا جميلة.. دا اسمه إهدار. عدليها."
كنت بخرج من مكتبه بنفخ وبقول في سري: "دا إنسان آلي! معندوش أي حس فني خالص!"
لكن في نفس الوقت.. كنت بلاحظ حاجات تانية فيه غريبة جداً..
في نص الشغل، أول ما أذان الظهر يرفع، يطلب مننا نوقف شغل فوراً، ويسحب سجادة الصلاة أو ينزل للمصلى تحت هو ومازن يصلي ويرجع وشه منور ورايق.
مع كل الموظفات والعملاء، كان محترم لأقصى درجة، نظراته دايماً متواضعة وغاضض بصره، ولسانه مش بيخرج منه غير الكلمة الطيبة والتقدير والسخرية احيانا على أفكاري الجنوبية هيييه .
وفي يوم.. كنت سهرانة في المكتب بعد أوقات الشغل بكمل تصميم عشان أثبتله إني شاطرة ومش مجرد حالمة.. خرجت عشان أجيب مية، فلقيت جاسر واقف في الكوريدور مع عم أحمد عامل النظافة في الشركة.
كان جاسر بيضحك معاه، ويديله علاج ومبلغ مال في ظرف بأسلوب راقي جداً ويقوله: "دا حقك يا عم أحمد والولاد أمانة في رقبتنا، ومتقفش كتير النهاردة لو تعبان."
وقفت ورا الحيطة وبصيت عليه.. قلبي دق دقة غريبة.
"دا مش مغرور ولا إنسان آلي.. دا حنين وطيب أوي!"
وفي يوم من أيام المناكفة.. كنا بنختار ألوان الديكور الداخلي لڤيلا عميل مهم.
كنت جايبة لوحة الألوان ومعلمة على لون معين بحماس:
ـ "أنا شايفة إن الجدار الرئيسي لازم يتعمل بالدرجة دي.. هتدي طاقة وحيوية للمكان!"
جاسر قرب من اللوحة، بص على اللون، وفجأة سكت.. ورفع عينه لي وبصلي بابتسامة هادية وفيها لمحة تهكم ومشاكسة وقال:
ـ "أهم حاجة بس ميكونش لونك المفضّل هو.. الأصفر المخضر!"
أنا جسمي كله اتنمل! عيوني اتسعت وبصيتله بصدمة، ولساني اتلجم ومبقتش عارفة أرد!
هو قال الكلمة دي بقصد ولا مجرد صدفة غريبة؟!
وقبل ما ألحق أستوعب أو أرد عليه، الباب خبط ودخل زميلنا "وليد" وهو مبتسم ابتسامة عريضة ومسك التليفون في إيده وقال بصوت عالي:
ـ "والدتي شافت قطعة هاند ميد مع أختي وتجننت عليها، وعايزة تعمل طلب عمومي هدايا لقرايبنا.. جميلة، مش أنتِ قيلالي إن عندك بيدج هاند للشغل دا ؟ هاتي اسم البيدج بسرعة أبعتلهم!"
أنا ابتسمت وقلت بعفوية:
ـ "أه طبعاً يا وليد.. البيدج اسمها (ذكرى)، افتح التلجرام أو الفيس وهتلاقيها أول واحدة."
في اللحظة دي.. عيون جاسر اتقفلت ثانية، ورأسه اتلفت لوليد ولـ تليفونه..
أنا لمحت إيده اللي كانت ماسكة القلم الأحمر وهي بتتشنج فجأة! ملامح وش الصارمة والهادية اتقلبت في ثانية لملامح صدمة وذهول مش طبيعيين، وكأن صاعقة نزلِت عليه!
بصلي بنظرة غريبة أوي.. نظرة مخلوطة بذهول، وعدم تصديق، وعيونه بدأت تتحرك بيني وبين شاشة تليفونه اللي كان ساحبه من جيبه بسرعة وبيسجل اسم البيدج عليه!
ساد في المكتب صمت رهيب، ووليد واقف مش فاهم حاجة.. وأنا واقفة مستغربة نظرة جاسر الحادة اللي متوجهة لي، وقلبي بدأ يدق بسرعة.. معقول يكون هو؟!
