رواية نص الحياة الفصل الثاني 2 بقلم اية شاكر

 


رواية نص الحياة الفصل الثاني بقلم اية شاكر


- مردتيش عليا يا حنان! بتكلمي مين؟
- هه! مـ.. مكلمتش حد والله..

قولتها بحروف بتترعش من الخوف منه..
ولأني جـ.ـبانه، فتحت باسورد الموبايل واديتهوله وأنا بقول:
- شوف بنفسك إني مبكلمتش حد.

أخد الموبايل من إيدي قلبه في ايده للحظات واداهولي تاني من غير ما يبص فيه..

سكت للحظات وهو باصص للأرض، فتخيلت إنه هيزقني حالًا من البلكونه...
 حلقي جف فبلعت ريقي أكتر من مره، لحد ما نطق بهدوء:
- انزلي نامي يا حنان... السهر بيقصر العمر.

ونزل وسابني واقفه وقلبي بيدق بسرعه...

وقفت للحظات متسمره مكاني، وأعصابي بتترعش... وحمدت ربنا إنه محدفنيش من البلكونه وأنا لسه عايشه..
ومشيت خطوه لجوه البلكونه فدوست على عصايه مأخدتش بالي منها عملت صوت فزعني فنزلت أجري بسرعه... ودخلت الأوضة رقدت على سريري قصاد حنين اللي في سبات عميق..

ومرت الأيام..
عدّى وقت طويل وإحنا لسه في بيت إسلام، خصوصًا إن آدم كان مسافر بره مصر وقرر يستقر هنا ورجوعنا لمحافظتنا مبقاش له لازمة بعد ما اتخرجت، وكل يوم كنت مستنية حد يقول إننا هنرجع بيتنا، لكن الأيام كانت بتعدي وإحنا لسه هنا...

دخلت على أمي المطبخ وهي واقفه تطبخ، قلت:
- أنا عايزه أرجع بيتنا بقا.
- مش هنرجع البلد، آدم هيشتري بيت هنا.. عشان نبقى قريبين من حنين وإسلام... وهيفتح مشروع قريب هنا.

قلبي دق بسرعه وبقلق.. أنا بخاف أقعد في المكان اللي فيه إسلام... 
قلت: 
- يعني ايه!! مش هنمشي من هنا! أنا مش مرتاحه هنا.
تجاهلت أمي مشاعري وقالت:
- روحي يا حنان نضفي الشقه... مش وقت كلام..

وقفت مكاني ثواني فكررت أمي طلبها واضطريت أسمع الكلام من غير جدال...

ولما دخلت أنضف أوضة إسلام لقيت دفتر شكله عجبني ففتحته، وكان مكتوب:
"إنتي أول واحده تفتح الدفتر ده زي ما إنتي أول واحده فتحتي باب قلبي ودخلتي"

وقبل ما أقلب الصفحه اللي بعدها، سمعت صوت اسلام:
- بتعملي ايه عندك؟
التفتت ببطء كان منفعل، ودانه حمرا... وملامحه غضبانه..

بلعت ريقي ومردتش عليه فقرب بعصبية وسحب الدفتر مني بعنـ..ـف وزعق:
- داخله أوضتي ليه؟ ومين سمحلك تمدي ايدك على حاجتي؟
اترعبت منه خاصة لما بصيت ورايا لقيت البلكونه مفتوحه يعني ممكن يزقني من هنا دلوقتي؟!

وفي اللحظة دي من شدة خوفي مش عارفه غبت عن الوعي ازاي... كل اللي فاكراه إن الدنيا اسودت في وشي...
استغفروا
بقلم آيه شاكر 
          ــــــــــــــــــــــــــــ
أول ما جسمها وقع قدامي، حسيت إن قلبي اتخلع من مكانه، ناديتها:
- حنان!
رميت الدفتر بعيد وجريت عليها، كانت واقعة على الأرض ووشها شاحب...
صوتي خرج متوتر وأنا بنادي عليها:
- حنان... حنان، سامعاني؟

مردتش، فناديت خالتي وأخواتي..
ودخل آدم أخوها وبدأ يفوقها...

فضلت واقف بعيد وأنا ببص عليهم، وبمسح على شعري بارتباك، ولسه مش فاهم إيه اللي حصل بالضبط... بفتكر نظرتها ليا... هي كانت خايفة، مكنش مجرد خوف لحظي من عصبيتي... دي كانت مرعوبة بشكل غريب.

افتكرت لما كنا صغيرين وكانت بتستخبى مني كل ما أزعق... وبتترعب لما أقرب منها..

بعد شوية بدأت تفوق، وأول ما فتحت عينيها وشافتني، استخبت في حضن والدتها.. لمحت نظرتها ليا اللي كانت بتشع خوف...
خرجت من الأوضة من غير ما أقول كلمة..
قفلت الباب ووقفت بره، اتنفس... حاسس إني كنت حابس نفسي لحد ما فاقت...
وحسيت بضيق شديد في صدري... أنا أصلًا متضايق لأن إسماعيل عزم نفسه عندي وأنا بتهرب منه من فتره عشان مش عايز أشوف منه.. كنت خايف نظرتي ليها تفضحنى قدام صاحب عمري..

فتحت الدفتر وقرأت أول جمله: 
"إنتِ أول واحدة تفتح الدفتر ده، زي ما إنتِ أول واحدة فتحتي باب قلبي ودخلتي."
بلعت ريقي...
يا ترى حنان شافت إيه في الدفتر؟ يا ترى عرفت إني كنت بكتب لـ منه؟!
خرجت من الشقة وقعدت على حرف السلم حاطط إيدي على راسي، حسيت قلبي واجعني وقررت أحرق الدفتر ده... لازم أتخلص من أي حاجة ممكن تفكرني بمنة.. حتى لو لزم الأمر أقطع علاقتي بإسماعيل..

قلبت في الدفتر، اكتشفت إني ولا مرة كتبت اسم منة، يمكن بس لمحت ليها..
وكل اللي كتبته كان يومياتي... خوفي، تعبي، دعائي، وحاجات كتير محدش يعرفها عني...
فقفلت الدفتر وقررت أحتفظ بيه...

رن موبايلي، ولما لقيت رقم إسماعيل ارتبكت.. الظاهر إنه وصل تحت البيت...
ولما رديت عليه كان وصل فعلًا، فنزلت أستقبله... وارتحت لما لقيته لوحده لأن منه دخلت عند أهلها...
أخدته وطلعت شقتي في الدور اللي فوق... كانت لسه على الطوبه الحمرا مفيهاش مايه ولا كهرباء بس موصلها لمبه من الكهرباء اللي في الشقة اللي تحت.

وقفنا في البلكونه وبدأ إسماعيل يحكيلي:
- الجواز دا نعمه ياخي.. حاول تنجز وتتجوز.. حياتك مش هتتظبط إلا بعد الجواز... دا أنا مش قادر اوصفلك حياتي مع منه حلوه إزاي... مدلعاني..

وبدأ يحكيلي حاجات خاصه مينفعش يحكيها، فانفعلت عليه:
- جرى ايه يا اسماعيل؟ الحاجات دي أسرار بيوت مينفعش تتكلم فيها مع حد.
- وهو إنت أي حد يا سولوم دا إنت صاحب عمري اللي طلعت بيه من الدنيا...
- وعشان أنا صاحبك لازم أنبهك لما ألاقيك بتغلط...

وابتسم إسماعيل وغيّر الموضوع... وبدأ يلف في شقتي وهو بيقول بسخرية:
- دا إنت محتاج أقل واجب نص مليون عشان تقدرتجهز شقتك دي! اعتقد إنت مشهتتجوز قبل التلاتين معلم.
- لعله خير.
قولتها بحزن وكلامه أثر على نفسيتي...
ومرت الأيام وكلام إسماعيل بيترسم قدامي كل فترة.. إني مش هتجوز قبل التلاتين! طيب بس ياريت ألحق أتجوز قبل الأربعين.
ومن يومها بدأت أتهرب من إسماعيل وعلاقتي بيه اتهزت ومبقاش الصاحب اللي كنت بحكيله أسراري.. 
لأني كنت بحس في كلامه ونظراته بحاجه غريبه بس مش قادر أوصفها... لدرجة إني حسيته عارف إني كنت بحب مراته!

واشترى آدم، ابن خالتي، شقة في البيت اللي جنبنا، واقترح عليا بدل ما يشتري لخالتي وحنان شقة، يساعدني أجهز شقتي وأطلع أقعد فيها...
وخالتـي تقعد مع حنين، أختي، وحنان بنتها في الشقة اللي تحت.
وطبعًا وافقت..
آدم ساعدني كتير، وفتح شركة لتشطيبات الشقق والديكور، ومع إني خريج تجارة، اشتغلت معاه واتعلمت منه ومن الشغل لحد ما بقيت فاهم في المجال كويس، وبقيت بشتغل في تصميم الديكورات ومتابعة التشطيبات كأني واحد من أهل المهنة.

وآدم كان بيساعدنا في الشغل بشكل كبير؛ لأنه معروف في المجال من فترة وعنده علاقات وزباين كتير، فبدأ الشغل يتحرك، وأنا بدأت أستعيد إحساسي إني بعمل حاجة في حياتي.
وبدأت أتقابل مع حنان كتير...
لكن كنت دايمًا بحس إنها بتهرب مني، وأوقات كنت ألمح الخوف في عينيها.
في البداية استغربت، والموضوع شغلني، وكنت عاوز أتكلم معاها وأفهم منها إيه اللي بيحصل.
لكن مع الوقت بطلت أفكر في الموضوع... وتجاهلتها.
كان عندي هم يكفيني.
وكل يوم كنت بتأكد أكتر إني ضعيف... شاب ضعيف، وتيارات الحياة أقوى مني، ومكنش بيثبتني قدامها غير صلاتي بالليل، ودعواتي اللي ربنا وحده كان بيسمعها.
والتزمت بقراءة سورة البقرة كل يوم... يمكن عشان كنت محتاج حاجة واحدة على الأقل أحس إنها بتشدني لفوق، كل ما الدنيا تحاول تسحبني لتحت.

عدت سنة كاملة...
بدأت حياتي تستقر شوية، وقتها حسيت إني محتاج أستقر أنا كمان...
قعدت مع نفسي وفكرت... أنا لازم أتجوز، بس مش هينفع أتجوز أي حد تاني غير حنان، لأنها لسه متجوزتش.. وتبقى بايخه لما أسيب بنت خالتي وأروح أتجوز حد تاني! وأخوها ساعدني كتير وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ 
بس أنا معرفش عنها حاجه دا أنا حتى معرفش هي خريجة كلية ايه!
يمكن مكنتش أعرف عنها تفاصيل كتير، لكن اللي شوفته منها طول الفترة اللي فاتت كان كفاية يخليني أطلبها بالحلال... بنت هادية، محترمة، ومتدينة، وأهلها ناس أعرفهم، والأهم إني كنت واثق إني أقدر أبني معاها بيت مستقر.

وفي ليلة اختلفت أنا وآدم على التصاميم والألوان... وآدم كان محتار وكل شويه يغير رأيه، فزفر بعمق وسكت شويه قبل ما يقول بصوت عالي:
- حنان، تعالي عايزك... 
جت حنان وكانت بتتجنب تبص ناحيتي، وقال آدم:
- محتاجين حد يساعدنا في اختيار الألوان وتنسيق الديكور، وأنا بثق فيكي.. وبعرض عليكي للمره اللي مش عارف عددها تشتغلي معايا... إي رأيك

سكتت شوية وكانت بتبص ناحيتي بارتباك، قالت بحروف بتترعش:
- يعني دوري هيكون ايه في الشغل؟
- التصميمات، تقترحي ألوان وأفكار... وأنا هعلمك الباقي واحده واحده.

ابتسمت حنان ابتسامة صغيرة:
- ماشي ممكن أجرب.

ومن يومها بدأت حنان تشتغل معانا...
في الأول كنت بحاول أتجنب وجودي معاها على قد ما أقدر، خصوصًا إني كنت ملاحظ إنها بتتوتر كل ما تشوفني..
ولأني عارف إن وجودي بيوترها، ترددت أتقدملها، لكن مع الوقت أقنعت نفسي إنها لو رفضتني يبقى أعتقتني من مسؤولية إني لازم أتجوزها.. 

وفضلت بحاول أراقبها من بعيد وأحاول أعرف هل فعلًا تنفع تكون زوجة ليا ولا لأ.
في يوم كنا بنجهز تصميم لشقة جديدة، وآدم خرج يرد على مكالمة في البلكونه، وفضلنا أنا وهي لوحدنا...
كنت واقف قدام لوحة الألوان، وهي قاعدة على المكتب بتراجع التصميم...

قلت من غير ما أبص لها:
- حنان... بصي كده اللون ده مش مناسب.
رفعت عينيها وبصت للون بعمق، وفكملت:
- أنا شايف إن المساحة صغيرة، واللون الغامق هيخليها أضيق.

مدت إيدها على عينة لون تانية:
- طب وده؟
بصيتله للحظات وقلت:
- أفضل بكتير.

سكتنا شوية... وبعدين سمعتها بتقول بهدوء:
- عندك حق..

وقررت أخد الخطوه وخلاص بس من جوايا كان فيه جزء بيتمنى إنها ترفضني وبكده أخد إعفاء إني مضطر اتجوزها... مع إنها بنت محترمة، هادية، متدينة، وبنت خالتي... لكني مش بحبها... ومش بكرهها، مشاعري ناحيتها عادية، لكن معتقدش إني هحبها وأكون متيم بيها، مع إن أصلًا آخر اهتمامي الحب... كل اللي محتاجه زوجة نعيش سوا باحترام، ونبني بيت هادي، وكل واحد فينا يكون سند للتاني، وده كفاية!
أو كنت فاكر إنه كفاية...
حمحمت وقلت:
- حنان! 
لما بصت حنان ناحيتي، حسيت بالعرق بدأ يظهر على جبهتي... كنت ناوي أعرض عليها الجواز... 

وانطلقت الكلمات مني: 
- هو.... إي رأيك لو... تقبلي إننا... نتجوز؟
شوفت الصدمه على وشها... وفي اللحظة دي أدركت مدى فداحة الخطأ اللي ارتكبته حالًا...


تعليقات