رواية العشق رماد العداوة الفصل الثاني 2 بقلم مروه محمد البطراوي


 رواية العشق رماد العداوة الفصل الثاني 2


استند يوسف بظهره إلى مقعد السيارة و الزهو يملأ قلبه بعد أن ظن أنه أحكم سيطرته على الموقف مع سلمى في محل الذهب ولكن ما إن طرق مسامعه اسم سيف حتى تبدلت ملامحه تماما وظهرت عليه علامات الجدية الصارمة.
قال يوسف بصوت هادئ يحمل نبرة وعيد:
— سيف مين يا سلمى؟ ومين ده اللي يلمح صورتك ويقول فضيحة؟ هو كان شاري القلعة ولا إيه؟
ارتبكت سلمى وحاولت إغلاق هاتفها بسرعة وهي تجيب:
— ده. ده سيف دكتور أسنان و مامته صاحبة ماما وكان فيه كلام بينا من بعيد لبعيد بس أنا مكنتش موافقة والله.
ضحك يوسف ضحكة ساخرة وعقب قائلا:
— موافقة أو مش موافقة دي تخصك لكن صورنا في المنور دي براند مسجل باسمي أنا ومسموح لي أنا بس أحفل عليكي بيها.

*******
وعندما وصل الاثنان إلى بيت العائلة، وجدا سيارة أنيقة تقف أمام الباب. وبمجرد دخولهما إلى الصالة، وقعت أعينهم على شاب يرتدي قميص أبيض ناصع، وساعة تلمع في يده. كان الشاب يجلس بهدوء يشرب القهوة مع الحاجة وداد والخالة سوسو، وبدا التوتر واضحا على وجه الأخيرة.
نهض سيف واقفا بابتسامة واثقة وقال:
-أهلا يا سلمى. نورتي. كنت جاي أبارك بس اتفاجئت بالصور اللي مالية الجروبات مع إننا متفقين إننا لسه بنفكر.
تدخل يوسف في الحوار بجسده الرياضي، ووضع يده في جيبه بثقة قائلا:
-والتفكير خلص يا دكتور. سلمى دلوقتي محجوزة لذوقي الصعب والشبكة اللي في ايديها دي علامة ممنوع الاقتراب أو التصوير.
نظر سيف إلى يوسف بتحدى، ورد عليه:
-باشمهندس يوسف أنا بسمع عنك كل خير بس الجواز مش بالعافية وسلمى إنسانة رقيقة ومحتاجة حد يفهم لغتها و إحنا دكاترة زي بعض وبنفهم بعض من نظرة.
حدثت سلمى نفسها بذهول:
-يا نهار أسود ده أنا مدرسة لغة عربية ايه اللي جابنا لبعض.
نظر يوسف إلى سلمى و غمز لها مداعبا، ثم وجه حديثه إلى سيف:
-فعلا يا دكتور هي رقيقة جدا لدرجة إنها لسه قايلة لي في المحل إنها بتموت فيا وما تقدرش تعيش من غير مناقرتي مش كده يا لولي؟
شعرت سلمى برغبة في أن تنشق الأرض و تبلعها بسبب مناداته لها بلقب لولي، لكنها اضطرت إلى مجاراته في هذه اللعبة، فقالت:
-طبعا يا يويو. يا دكتور سيف يوسف أصله بشمهندس حياتي فمعلش بقى النصيب غلاب.
لم يستطع سيف تمالك أعصابه، فقرر الرحيل، لكنه رمى بكلماته الأخيرة قبل المغادرة:
-ماشي يا يوسف مبروك بس خلي بالك جروب العيلة مش بس عليه صوركم ده عليه تسجيل بصوت خالتو سوسو وهي بتقول إن الخطوبة دي تمثيلية عشان تداروا على اللي حصل في المنور.
خيم الصمت المطبق على المكان، ونظرت الحاجة وداد إلى يوسف وسلمى بعيون تشتعل غضبا وقالت:
-تمثيلية يا يوسف؟ يعني إنت بتضحك على أمك؟
نظر يوسف إلى سلمى بهدوء مشوب بالحذر وقال:
-البسي يا لولي. الحرب العالمية الثالثة قامت فعلا.
***
سحب يوسف يد سلمى بسرعة، ودخل بها إلى الغرفة، ثم أغلق الباب خلفهما بإحكام. في الخارج، كان البيت يغلي بالأصوات، وصوت لطم الحاجة وداد يعلو وهي تصرخ بانفعال
-يا مري العيال بيمثلوا عليا يا سوسو
اقترب يوسف منها، وهمس بنبرة حادة
-شوفتي التسجيل ده لو اتثبت علينا أمي مش هتدخلنا البيت تاني وأنا كرامتي كباشمهندس هتبقى في الأرض قدام الدكتور بتاع السنان ده
نظرت إليه سلمى بذعر وقالت
-طب والعمل . دي خالتو سوسو صوتها واضح في التسجيل والناس بدأت تشك
اعتدل يوسف فجأة و كأن فكرة خطرت له، وقال بثقة
-الحل إننا نخرج دلوقتي ديت رومانسي و نصور صور تغيظ الحجر و ننزلها على نفس الجروب ونكتب الناس اللي بتموت من الغيرة وبيطلعوا إشاعات لازم نخليهم يشكوا في ودانهم ويصدقوا عيونهم
*****
في الكافيه
اختار يوسف كافيه هادئ جدا على النيل، وجلسا متقابلين. كانت سلمى متوترة، تأكل أظافرها في قلق، بينما كان يوسف منشغلا بضبط زوايا الهاتف، يحاول أن يلتقط صورة مثالية.
قال يوسف بضيق خفيف
-ممكن تبطلي تاكلي ضوافرك إحنا عايزين صورة حب مش صورة جوع كافر اضحكي و بصيلي بحنان يا سلمى
ردت عليه بحدة خفيفة
-حنان مين يا يوسف ده أنا لو بصيت لك هطلع نار من راسي وبعدين إنت لابس القميص اللي بحبه قصدي القميص المستفز ده ليه
ابتسم يوسف بخبث، واقترب منها أكثر
-أوه يعني مركزة في هدومي كمان . طب قربي بقى عشان السيلفي ده هو اللي هينقذ رقبتنا
اقترب يوسف جيدا، ووضع يده خلف ظهرها. في تلك اللحظة، شعرت سلمى بأن قلبها يخفق بسرعة غير معتادة، ولم يكن ذلك تمثيلا هذه المرة. رفعت عينيها إليه، و للحظة قصيرة نسيت كل شيء، نسيت سيف ووداد.
قال يوسف بصوت منخفض وهو ينظر في عينيها
-على فكرة عينيكي بتلمع في الضلمة باين عليكي مدرسة لغة عربية شاطرة وبتحبي الغزل العفيف
حاولت سلمى أن تستعيد توازنها وقالت
-ده فلاش الموبايل يا بشمهندس ماتسرحش بخيالك
وفجأة، وفي ذروة تلك اللحظة المصطنعة، ظهر سيف ومعه نوجا، وكأن تحالف خفي قد اكتمل.
قالت نوجا بسخرية
-يا عيني التمثيل واصل لمراحل متطورة . بس يا ترى يوسف عارف إن سلمى لسه محتفظة بدبدوب سيف اللي جابهولها في عيد ميلادها
تصلبت ملامح يوسف، والتفت إلى سلمى بنظرة حادة
-دبدوب إنتي لسه شايلة دباديب يا سلمى
كادت سلمى أن ترد، لكن يوسف وقف فجأة، وأمسك يدها بقوة أمامهما، وقال بثبات
-وماله خليه ذكرى عشان كل ما تشوفه تعرف الفرق بين الدبدوب وبين اللي اختارته يكمل معاها حياتها . يلا بينا يا خطيبتي مش عايزين نقعد مع ناس نفسيتها محتاجة حشو عصب
سحبها يوسف وخرج بها، تاركا خلفه نظرات مشتعلة.
وبمجرد أن ركبا السيارة، خيم صمت غريب بينهما.
قالت سلمى بصوت منخفض
-يوسف إنت كنت بتمثل صح
ظل يوسف ينظر إلى الطريق أمامه بحدة، ثم قال
-مش عارف يا سلمى بس اللي أعرفه إن سيف ده لو شوفت وشه تاني مش هضمن لك سلامة العفش اللي في البيت
****
عاد يوسف و سلمي إلى المنزل يخيم عليهما صمت ثقيل، كأنه هدوء ما قبل العاصفة. وبمجرد دلوفهما من الباب، وجدا الحاجة وداد جالسة في ردهة البيت، تقبض بيمناها على مسبحتها وبالأخرى تمسك دفتر هواتف كبير، وعلى ثغرها ترتسم ابتسامة غامضة تذكرك بالموناليزا.
سألها يوسف بنبرة يملؤها القلق:
-خير يا أمي؟ الابتسامة دي وراها فاتورة كهرباء غالية ولا إيه؟
أجابته الحاجة وداد بهدوء واثق: 
-ولا غالية ولا رخيصة يا حبيبي. أنا فكرت في كلام سيف والتسجيل اللي سمعه لينا، ولقيت إن الحل الوحيد عشان نقطع لسان الكل، و نثبت إن حبكم حقيقي. إننا نكتب الكتاب ونعمل فرح عائلي بكره بالليل في جنينة البيت.
سقطت الحقيبة من يد سلمى من فرط الصدمة وقالت:
-بكره؟! يا خالتو ده أنا لسه ما لحقتش أغسل وشي من خروجة النهاردة. فرح إيه اللي بكره؟ ده الاعراب في اللغة العربية بياخد وقت أكتر من كدة.
ردت الحاجة وداد بذكاء ودهاء:
-والله يا بنتي، الجاهز موجود، والفستان أنا حجزته ليكي من الأتيليه اللي جنبنا، و المعازيم كلهم عرفوا. لو ممانعين، يبقى سيف كان عنده حق وهي فعلا تمثيلية و امك هتبعت تلم عزالك بقى وتسافرى تشوفي حالك عندها مع جوزها .
تبادل يوسف وسلمى النظرات، وكانت نظرة الغريق الذي يستنجد بمن ينجيه. 
قال يوسف بصوت مخنوق من شدة الموقف:
-طبعا يا أمي. موافقين، إحنا أصلا كنا مستعجلين، بس كنا مكسوفين منك.
انزوت سلمى في غرفتها تندب حظها و تشد شعرها قائلة:
-إنت مجنون؟ بكره؟ ده أنا هلبس فستان فرح بجد وإنت هتلبس بدلة. والناس هتيجي تبارك. إنت عارف ده معناه إيه؟ معناه إننا هنتجوز بجد يا بشمهندس الغبرة.
جلس يوسف على الأريكة يحاول تهدئة أعصابه وهو يربط جرحا في يده أحدثه من كثرة التوتر وقال:
-عارف. بس أمي لو شكت لحظة إننا بنكذب، هتطردك و تبعتك عند مامتك، وأنا مش هسمح لسيف إنه يشمت فيا. إحنا هنكمل اللعبة للآخر، ونتجوز على الورق بس، وبعد شهرين نقول محصلش نصيب وكل واحد يروح لحاله.
صمتت سلمى فجأة ونظرت إليه بتعجب: -على الورق؟ يعني مش هنبقى متجوزين بجد؟
أجابها يوسف بنظرة غريبة وعميقة:
-والله لو حابة يبقى بجد، أنا معنديش مانع. بس أعتقد مدرسة اللغة العربية ذوقها أدبي وأنا راجل علمي بحت.
***
جاء الموعد الموعود، و تزينت الحديقة بالأنوار الزاهية، وانتشرت في الأرجاء رائحة البخور الممزوجة. أطلت سلمى بفستانها الأبيض الناصع، فكانت مثل القمر في ليلة تمامه، لدرجة أن يوسف حين رآها تهبط الدرج، ذاب الاتفاق و تبخرت فكرة الزواج علي الورق، وظل شاخصا إليها لا تسعفه الكلمات.
همس يوسف وهو يمسك يدها برفق: 
-على فكرة. الفستان ده غلط جدا لأنه هيخليني أنسى إننا بنمثل.
توردت وجنتي سلمى خجلا، ولأول مرة في حياتها عجز لسانها الطليق عن الرد و صمتت تماما.
وبينما كانت مسيرة الزفاف في ذروتها.
اقتحم المكان سيف ومعه مأذون آخر غير الذي أحضره يوسف، و صاح عاليا: 
-وقفوا الفرح ده. المأذون اللي جابه يوسف ده مأذون مزيف، وأنا جايب المأذون الحقيقي عشان نكشف الحقيقة قدام الكل
******
كان سيف واقف في وسط الحديقة، ممسكا بيد المأذون كأنه يمسك بحرز وقضية، بينما ساد الصمت بين المعازيم جميعا. وبدأت ملامح الحاجة وداد تتحول إلى بركان يوشك على الانفجار في وجه يوسف.
قال سيف بشماتة واضحة:
-المأذون اللي يوسف جابه ده لا معاه دفتر ولا مقيد في المحكمة. يوسف كان عايز يعمل فرح صوري عشان يضحك عليكم ويخلص من الزن، بس أنا جيت أنقذ سلمى من الخدعة دي.
نظرت سلمى إلى يوسف برعب، و همست: -يوسف. إنت عملت كده بجد؟
ظل يوسف هادئ تماما، وضع يده في جيب البدلة، وأخرج كارنيه وصورة رسمية. ثم نظر إلى سيف بابتسامة باردة جدا وقال: 
-خلصت فقرة الساحر بتاعتك يا دكتور؟ طب أحب أعرفك بقى إن المأذون اللي أنا جبته ده يبقى ابن عم ابويا شخصيا، و مأذون شرعي ومعتمد بقاله تلاتين سنة. أما الدفاتر، فإحنا موثقين الورقي رسمي في المحكمة من الصبح، وده التوثيق أهو.
اقترب يوسف من سيف وهمس له بحيث يسمعه الجميع:
-أنا مبهزرش في حاجتي يا دكتور. وسلمى بقت حرم المهندس يوسف رسميا قدام ربنا والقانون قبل ما الزفة تبدأ. مش فاضل غير امضتها .تحب تشرب شربات ولا نخليه حشو عصب على حسابي؟
صرخت نوجا من الغيظ وخرجت تجري، بينما وقف سيف مكانه مثل اللوحة، غير قادر على النطق. و بدأت الناس تعلو بزغاريدها و تصفق ليوسف، ذلك البطل الذي حافظ على كرامة زوجته.
*****
أغلق يوسف الباب بالمفتاح، وسلمى كانت لا تزال واقفة بفستان الزفاف، مذهولة و مصدومة. قالت سلمى:
-إنت.إنت وثقت الورق بجد؟ من غير ما تقولي؟ ومن الصبح؟
خلع يوسف جاكيت البدلة ورماه على الكنبة وقال: 
-كان لازم أعمل كده. سيف ونوجا ما كانوش هيسكتوا، وأمي كانت هتنكسر قدام الناس. أنا أنقذت الموقف يا مدرسة العربي.
بدأت دموع سلمى تلمع في عينيها وقالت: -أنقذت الموقف ولا دبستني بجد؟ إحنا اتفقنا إنها لعبة.
اقترب يوسف منها، ولأول مرة كانت ملامحه حنونة حقا وليست تمثيل. رفع يده ومسح دمعة نزلت على وجهها وقال بصوت منخفض: -اللعبة خلصت يا سلمى من أول ما شوفتك نازلة بالفستان. أنا اكتشفت إني مش عايز حد تاني يقرا لغتك العربية غيري. وإني مستعد أعيش عمري كله في اشتباك معاكي، ولا أعيش يوم واحد هادي مع غيرك.
صمتت سلمى، وقلبها كان يدق بقوة جعلتها تخاف أن يسمعه يوسف. قالت سلمى وهي تحاول أن تعيد لسانها الطويل:
-يعني. يعني ده اعتراف بالحب؟ ولا ده عشان تطلع صح في الآخر قدام سيف؟
ضحك يوسف وقال:
-الاتنين. بس الاعتراف بالحب أهم. ها؟ لسه عايزة تطلبي الطلاق بعد شهرين ولا نفتح صفحة جديدة من غير كراتين و عفش؟
فجأة، سمعوا دقات عنيفة على الباب. وجاء صوت الحاجة وداد من الخارج: 
-يا يوسف. افتح يا ضنايا. خالتك سوسو شافت الدبدوب بتاع سيف تحت السرير، وقالت إن فيه عمل محطوط في الأوضة. افتحوا علشان نبخر بسرعة.
ضرب يوسف يده على رأسه وقال:
-إحنا مش هنتجوز يا سلمى. إحنا هنعتزل العالم ده كله ونهاجر
******
كان يوسف يغلق الحقائب بسرعة شديدة، وعينه لا تفارق الساعة، ثم قال بتعجل
-يلا يا سلمى لو طلعنا دلوقتي حالا نلحق نهرب قبل ما أمي تصحى وتفتكر إننا محتاجين مؤن للسفر
كانت سلمى تحاول إغلاق حقيبة مكياجها، وقالت وهي تلتقط أنفاسها
-أنا جاهزة بس إنت متأكد إننا رايحين دهب أنا نفسي أشوف البحر و أنسى خناقة المأذون و الدبدوب ده
أمسك يوسف يدها، و نزلا معا يتسللان على السلم في هدوء، كأنهما يهربان بالفعل. وما إن فتحا باب المنزل ، حتى فوجئا بحافلة
صغيرة (ميكروباص سياحي) تقف أمامهما فجأة، وفي داخله الحاجة وداد و الخالة سوسو ونوجا، و حولهم أكياس ممتلئة بالاكل.
أطلقت الحاجة وداد زغرودة عالية، وقالت بفرح
-رايحين فين من غيرنا يا عرسان ده السفر فرحة و إحنا قلنا نونسكم في شهر العسل الركاب جاهزين يا يوسف يا بني
تجمد يوسف في مكانه، ووضع يده على رأسه وقال بدهشة
-يا أمي ده اسمه شهر عسل . عسل يعني اتنين بس مش فوج سياحي وبعدين إيه اللي جاب نوجا معانا
عدلت نوجا نظارتها وقالت بهدوء
-أصل مامي جاتلي في المنام و قالت لي إني محتاجة أغير جو بعد الصدمة اللي شوفتها في الفرح وبعدين أنا هقعد في أوضة لوحدي ما تخافش يا يويو
اقتربت سلمى من يوسف و همست له بضيق
-يويو في عينها . بقولك إيه يا باشمهندس لو نوجا ركبت جمبك أنا هنزل أركب مع سواق الميكروباص واللغة العربية هتتحول للغة شوارع دلوقتي



تعليقات