رواية نقطة ضعف الفصل الثاني 2 بقلم يارا علاء الدين

 


رواية نقطة ضعف الفصل الثاني


لم تستطع ليان أن تغمض عينيها طوال الليل.
كانت الرسالة الأخيرة ما زالت أمامها:
لسه فاكرة إنك تقدري تثبتي إنها مش صورتك؟ الناس صدقت خلاص.
كلما قرأتها، شعرت بالغضب أكثر, لم يكن أكثر ما يؤلمها أن الناس صدقت.
بل أن شخصًا ما كان واثقًا إلى هذه الدرجة من قدرته على تدميرها.

وضعت الهاتف على الفراش، ثم نهضت واتجهت إلى المرآة.
ظلت تنظر إلى وجهها طويلًا.
هذا الوجه الذي تعرفه منذ ولدت.
الملامح نفسها.
العينان نفسيهما.
حتى الشامة الصغيرة أسفل ذقنها، والتي لم تكن تظهر إلا في الصور القريبة، كانت موجودة في الصور المنتشرة.
همست:
— إزاي قدر يعمل كل ده؟ وليه عمل فيا كده؟
جلست أمام جهاز الحاسوب وبدأت تبحث عن متخصص يستطيع فحص الصور وإثبات التلاعب بها.
لم تكن تريد أن تسمع من أحد أنها "تبدو مزيفة".

كانت تريد شيئًا أقوى, دليلًا لا يستطيع أحد إنكاره.
وبعد ساعات من البحث، وجدت شخصًا يعمل في تحليل الأدلة الرقمية.
أرسلت إليه الصور، ثم اتصل بها.

طلب منها أن تحضر النسخ الأصلية التي تحتفظ بها على هاتفها، وأي صور أخرى التُقطت لها في الفترة نفسها.
في اليوم التالي، ذهبت إليه, وضعت هاتفها أمامه، ثم قالت:
— أنا محتاجة أثبت إن الصور دي مش حقيقية
أخذ الهاتف منها وبدأ يفحص الصور.
لم يتعجل في الرد.
ظل ينتقل بين صورة وأخرى، ثم طلب منها فتح الصور الأصلية.
وبعد وقت طويل، رفع عينيه إليها.
— أقدر أثبتلك إن الصور دي مش أصلية.
شعرت ليان بأن قلبها ارتاح للحظة.
— بجد يعني تقدر تثبت إنها متفبركة بسهولة؟
—مش بسهولة طبعًا,هو فيه تلاعب واضح في الصورة, وأنا أقدر أعمل تقرير يوضح علامات التعديل الموجودة فيها.
اقتربت منه وقالت:
— بس أنا عايزة حاجة أقدر أواجه بيها الناس.
— التقرير ممكن يساعدك جدًا، خصوصًا لو هتقدميه لجهة رسمية.
سكت قليلًا، ثم قال:
— لكن لازم تبقي عارفة حاجة.
— إيه؟
— إن إثبات إن الصورة متعدلة ما يحددش بالضرورة مين اللي عدلها.
خفضت عينيها
لكنها سرعان ما رفعتها مرة أخرى:
— مش مشكلة, أنا عارفة مين عملها.
لم يناقشها.
اكتفى بأن قال:
— لو عندك دليل إنه هو، احتفظي بيه, عشان هتحتاجيه.
خرجت ليان من عنده وهي تحمل شيئًا لم تملكه منذ يومين.
الحقيقة.
قد لا تستطيع إثبات من صنع الصور، لكنها الآن تستطيع إثبات أنها لم تكن موجودة فيها أصلًا.
وكان هذا كل ما تحتاج إليه.
جلست في سيارتها، وأعادت فتح هاتفها.
كانت الإشعارات لا تزال تنهال عليها.
بعضها شتائم.
بعضها أسئلة.
وبعضها رسائل من أشخاص لم تعرفهم من قبل.

لكن هذه المرة لم تغلق الهاتف.

فتحت حسابها على مواقع التواصل’ ظلت أمام شاشة الكتابة دقائق طويلة.
كانت تعرف أن نشر الحقيقة لن يعيد لها الساعات التي قضتها وهي تبكي.
ولن يمحو نظرات زملائها.
ولن يجعل أمها تنسى تلك الليلة.
لكنها كانت تريد شيئًا واحدًا:
أن تتوقف عن كونها المتهمة.
كتبت منشورًا, ثم قرأته مرة, ومرة أخرى.
قبل أن تضغط زر النشر.
بعد ثوانٍ، ظهر المنشور أمام الجميع.
كتبت فيه أنها تعرضت للابتزاز من طليقها، وأن الصور المنتشرة عنها تم التلاعب بها، وأنها تمتلك تقريرًا فنيًا يثبت ذلك، وأنها لن تسمح لأحد بأن يستخدم خوفها من الفضيحة لإجبارها على الصمت.
ثم أرفقت جزءًا من التقرير.
وضعت الهاتف جانبًا.
في البداية، لم يحدث شيء, ثم بدأ الهاتف يهتز.
إعجاب.
تعليق.
مشاركة.

ثم عشرات المشاركات.
ثم مئات.
بدأ الناس يقرأون.
بعضهم اعتذر.
بعضهم حذف تعليقاته القديمة.
وبعضهم بدأ يسأل:
لماذا فعل بها طليقها هذا؟
ثم ظهر أول تعليق اتهمه صراحة.
وبعده عشرات.
ثم مئات.
انقلب كل شيء خلال ساعات.
كريم أصبح الآن هو المتهم.
ده كان بيبتز مراته؟
لازم يتحاسب.
يعني هي أصلًا بريئة؟
إزاي وصل بيه الحال إنه يعمل كده؟
ده مش راجل.
كانت تقرأ التعليقات بصمت.
لم تشعر بالفرح, ولم تشعر بالانتصار.
فقط شعرت بشيء يشبه استعادة جزء صغير من كرامتها.
رن هاتفها, كان كريم.
نظرت إلى اسمه طويلًا, ثم أجابت.
— ألو؟
جاء صوته غاضبًا:
— إنتي عملتي إيه؟
— عملت اللي كان لازم أعمله من الأول.
— فضحتيني!
ضحكت بمرارة.
— أنا؟ أنا اللي فضحتك؟ مش إنت اللي فضحتني؟
— إنتي عارفة إني كنت عاوز أرجعلك!
إنت مجنون ومريض ولازم تتعالج!
صمت.
استغلت صمته وقالت:
— وأنا أثبت للناس إن الصور اللي اتنشرت متفبركة عشان تتحبس و
هناك هيعالجوك.
— إنتي فاكرة إن كده خلصتي؟
— لأ.
توقفت لحظة ثم قالت:
— بس على الأقل المرة دي الناس عرفت الحقيقة, وكل ما هتعمل حاجة هتلاقي رد أقوى!
أغلق الهاتف في وجهها, ظلت تنظر إلى الشاشة.
كان الغضب في صوته مختلفًا.
لم يكن غضب رجل خسر زوجته فقط.
كان غضب شخص خسر كرامته وسمعته.
---
في مساء اليوم نفسه، جلست ليان مع والدتها.
كانت أمها أكثر هدوءًا هذه المرة وقالت:
— أنا آسفة إني موقفتش جنبك يا بنتي.
نظرت إليها ليان:
— أنا مش زعلانة منك.
— بس أنا كان لازم أبقى جنبك في موقف زي ده.
ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة:
— الناس كلها شكت فيا, عادي يا ماما متركزيش وانسي!
اقتربت منها أمها وأمسكت يدها.
— وأنا مش هسيب حد يكسرك تاني ياحبيبتي.
للمرة الأولى منذ بداية الكارثة، شعرت ليان أن صدرها أصبح أخف.
لكن راحتها لم تدم طويلًا.
عندما عادت إلى غرفتها، وجدت رسالة جديدة.
ليست من كريم, وليست من رقم مجهول.
بل من حساب بلا صورة أو اسم واضح.
مبروك... أثبتِ إن الصور مزيفة.
تجمدت.
قرأت الرسالة مرة أخرى, ثم وصلت رسالة ثانية:
بس لسه عندنا الأصل وأقدر أعمل بيه كتير!
توقفت أنفاسها.
حدقت في الشاشة.
ثم ظهرت الرسالة الثالثة:
وخلي بالك... مش كل اللي عندنا اتنشر واحنا مش كريم اللي بيهدد الأول قبل ماينفذ احنا بننفذ علطول!
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
نظرت حولها وكأن أحدًا يراقبها, ثم كتبت بسرعة:
— إنت مين؟
ظهرت علامة الكتابة.
اختفت.
ثم ظهرت مرة أخرى.
وأخيرًا جاء الرد:
اسألي كريم.

رفعت ليان عينيها عن الهاتف.
للمرة الأولى، شعرت أن هناك شيئًا لا تعرفه.
شيئًا أكبر من كريم, لكنها لم تكن تعرف بعد...
أن الشخص الذي يرسل لها الرسائل الآن لم يكن يريد تدميرها.
كان يريد فقط أن يذكرها بأن "اللعبة لم تنتهِ بعد".


تعليقات