رواية الي ان نفترق الفصل الثالث بقلم رقية الأنصاري
فضلت باصة له ثواني.
مش عشان مفهمتش هو قال إيه.
بالعكس، فهمت كويس جدًا.
بس يمكن كنت مستنية يكمل الجملة بحاجة تخلي معناها أقل جنانًا من اللي وصلني.
محصلش.
كان قاعد قدامي بنفس هدوئه، كأنه من شوية مكنش بيقنعني إن الجواز حل عملي، ودلوقتي مكنش لسه قايل بمنتهى الثقة:
هتجوزك.
عقدت حواجبي.
= إنت بتبلغني يعني ولا ايه؟
_ لأ.
= أصل طريقتك متقولش إنك بتسأل.
_ عشان أنا مش بسألك دلوقتي.
ضحكت بعدم تصديق.
= والله؟
_ أنا بقولك إن لو المشكلة كلها إنك رافضة الجواز، يبقى الموضوع ليه حل.
= والله؟! هو أنا رافضه لوحدي ؟ خالد إنت لسه من دقيقتين قايل إن آخر حاجة كنت متخيل تعملها في حياتك إنك تتجوزني.
_ ولسه عند كلامي.
= وفي نفس الوقت هتتجوزني؟
_ لو ده اللي هيخلينا منخسرش البرنامج، آه.
فضلت باصة له، وبعدها سندت ضهري للكرسي.
= إنت مجـ نون ، انت حقيقي مجـ نون.
_ مش عارف والله ، احتمال اطلع مجـ نون فعلا.
= لأ مش احتمال ده أكيد.
_ تمام.
= وبطل تقول تمام لكل حاجة!
_ أقول إيه؟
= معرفش…استوعب مثلًا إنك بتتكلم عن جواز، مش تعديل في ملف.
ملامحه رجعت جدية.
_ أنا مستوعب على فكره كويس جدا.
= اه ماهو باين.
_ إنتي متوقعة مني أعمل إيه مش فاهم؟ أتوتر معاكي عشان نحل المشكلة؟
= على الأقل متبقاش قاعد قدامي كأنك حسمت الموضوع لوحدك.
_ أنا حسمت موقفي، مش موقفك.
سكت.
كمل:
_ أنا بقولك إن أنا مستعد أعمل ده لو إنتي وافقتي…إنتي حرة ترفضي… بس بفكرك انها هتبقى خسارة ليكي انتي كمان قبل ما تبقى خسارة ليا.
= خلاص، طالما أنا حرة يبقى نفصل الملفات بكرة.
المرة دي سكت.
بصيتله.
= إيه؟
_ متفصليش حاجة بكرة.
= ليه؟
_ عشان إنتي رفضتي في وسط خناقة، مش بعد ما فكرتي.
= أنا بفكر في الموضوع من ساعة ما عرفنا.
_ كنتي بتفكري إزاي نهرب منه، مش إذا كان ينفع أصلًا او لا .
= لأنه مينفعش أصلًا.
_ تمام، لو ده رأيك بعد ما تروحي وتفكري فيه بهدوء، ابعتيلي وقوليلي…وساعتها لو بعد ما فكرتي كده بهدوء وعقلانية زي الناس وبرضو لسة رافضة ، نفصل الملفات.
فضلت باصة له.
= يبني هدوء وعقلانية ايه؟!! هو أنا لو رافضة اتجوزك عشان كام ورقة ابقى مش بفكر بـ هدوء وعقلانية؟؟ وبعدين هو انت واثق أوي إني هغير رأيي؟
_ لأ مين قال اني واثق ، وبعدين الكام ورقة الي مستهونة بينهم دول اهم مني ومنك ، وهيضيعوا عليا وعليكي حاجات كتير ، وانتي بنفسك عارفه ده كويس.
= طب ولما انت مش واثق بتقولي أفكر ليه؟؟
_ عشان قلتلك مليون مرة يا ليليا القرار هيأثر عليا زي ما هيأثر عليكي، فمن حقي على الأقل أعرف إنك خدتيه وإنتي هادية.
= طب ومعلش انت أخدت قرار إنك مستعد تتجوزني إمتى؟
_ من وقت ما الرد وصل.
اتسعت عيني.
= يعني انت قاعد من الضهر بتفكر تتجوزني؟
_ أنا بفكر في حل المشكلة.
= والحل اننا نتجوز؟
_ انتي شايفة في حل غير كده؟؟!
سكت وأنا بحاول ألاقي سبب واحد يخليني مكملش الخناقة، لكن الساعة اللي قدامي كانت عدت سبعة فعلًا.
قومت.
المرة دي خالد مقالش اقعدي.
قفل اللابتوب وقام هو كمان.
لبست الشنطة على كتفي.
= أنا مش هديك رد النهارده.
_ وانا مطلبتش رد انهاردة.
= ومش معنى إني هفكر إني موافقة.
_ ماشي عارف.
= ومتبعتليش تسألني كل ساعتين.
_ ليليا، أنا عندي حياة على فكرة مش هفضل قاعدلك يعني.
بصيتله.
= صعب أصدق بعد الأسبوع ده بصراحة.
فتح باب غرفة الاجتماعات.
_ تصبحي على خير.
عديت من جنبه.
= وإنت من أهله.
مشيت كام خطوة، وبعدها وقفت ولفيتله.
كان لسه عند الباب.
= خالد.
_ نعم؟
= لو يعني … لو أنا بقول لو… ولو دي كبيرة جدًا المهم يعني لو فكرنا في موضوع الجواز وتم ، محدش يعرف السبب الحقيقي.
سكت لحظة.
_ أكيد.
= لا أهلي ولا أهلك.
_ ماهو طبعا مش هيعرفوا.
= وأنا لسه مقولتش إني موافقة.
_ عارف يا ليليا.
= كويس انك عارف.
لفيت وكملت مشي.
وأنا خارجة من الشركة كان عندي إحساس مزعج جدًا.
لأني دخلت غرفة الاجتماعات وأنا مقتنعة مية في المية إن فكرة الجواز مستحيلة.
وخرجت منها وأنا لسه شايفاها مستحيلة…
بس بدأت أفكر فيها.
وده لوحده كان أسوأ من أي حاجة.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
طول الطريق للبيت حاولت أشغل أغاني.
قفلتها بعد خمس دقايق.
فتحت بودكاست.
قفلتُه هو كمان.
وفي الآخر فضلت سايقة في هدوء، ودماغي بتعيد نفس الحسابات اللي كنت رافضة أعملها من الأول.
ست شهور.
مش السنة كاملة.
ست شهور بس، وبعدها كل واحد مساره مستقل.
أوض منفصلة.
حياة منفصلة.
والجواز نفسه يبقى اتفاق واضح من البداية.
كل ما أوصل للنقطة دي أوقف نفسي.
هو أنا بجد قاعدة بحسب مميزات وعيوب إني أتجوز خالد؟
خالد؟؟؟
الشخص اللي لو حد قالي من أسبوع إني هقعد معاه أكتر من ساعتين الشغل كنت هعتبرها عقوبة؟
وصلت البيت، وفتحت الباب.
ماما كانت قاعدة في الريسيبشن ماسكة الموبايل، وبابا على الكنبة التانية بيتفرج على حاجة في التليفزيون.
أول ما دخلت، رفعت عينها.
_ اتأخرتي ليه؟
= كان عندي شغل.
شريف بص في الساعة.
_ شغل لـسبعة ونص؟
= قعدنا نخلص كام حاجة.
ماما سألت:
_ مشكلة السفر؟
وقفت ثانية وأنا بقلع الجزمة.
= جزء منها.
_ اتحلت طيب؟
بصيتلها.
= لا لسه.
دخلت وقعدت جنبها.
بابا وطى صوت التلفزيون.
_ الاعتراض اترد عليه؟
= آه.
_ قالوا إيه؟
أخدت نفس.
= قالوا مفيش استثناء…لو رجعوا الملف للمسار الفردي هرجع انتظار.
ماما قفلت الموبايل.
_ يعني إيه؟ بعد ما وصلتي للمرحلة الأخيرة؟
= آه.
_ طب ده مش عدل.
بابا سأل:
_ وإنتي ناوية تعملي إيه؟
بصيتله.
السؤال جه في أسوأ توقيت ممكن.
= لسه معرفش بفكر.
_ فيه اختيار تاني؟
سكت لحظة.
= ممكن ، مش عارفة.
ماما قربت مني.
_ إيه هو؟
هزيت راسي.
= لسه مش واضح يا ماما…لما أعرف هقولكم.
فضل بابا باصصلي شوية، لكنه مكتفاش بأسئلة.
رجع رفع صوت التلفزيون وقال:
_ متاخديش قرار وإنتي مضغوطة عشان الوقت.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
= حاضر.
دخلت أوضتي، وغيرت هدومي وقعدت على السرير.
مسكت الموبايل.
فتحت إيميل البرنامج.
قريت الرد للمرة اللي مش عارفة كام.
وبدأت أفكر…
لو وافقت.
ست شهور فقط.
أوض منفصلة.
كل واحد مسؤول عن مصاريفه الشخصية.
مفيش تدخل في حياة التاني.
مفيش قرارات تخص التاني من غير ما يعرف.
قدام البرنامج نتصرف بالشكل المطلوب فقط.
أول ما الست شهور يخلصوا وكل واحد يبقى مستقل، ننفصل.
محدش من الأهل يعرف إن الجواز مؤقت.
سندت راسي على ضهر السرير.
كنت عارفة إن دي أصعب نقطة.
البرنامج سهل.
أوراق، شروط، مواعيد.
حتى خالد، على قد ما هو مستفز، بس سهلة.
إنما بابا وماما؟
أنا هقولهم إيه؟
إن خالد، اللي عمرهم أصلًا ما سمعوا اسمه مني، قرر فجأة يتقدملي؟
والأسوأ إني هضطر أخليهم يصدقوا إن أنا موافقة عليه فعلًا.
رن الموبايل في إيدي.
بصيت للشاشة.
سلمى.
رديت.
_ ألو.
= ها؟
_ ها إيه؟
= عملتوا إيه؟
= هما مين؟
_ ليليا، الساعة عشرة بالليل وأنا مستنية من بعد الشغل..متستعبطيش.
اتنهدت.
_ اتكلمنا.
= وبعدين؟
= مفيش.
_ يعني ايه؟
سكت شوية.
= خالد شايف إننا نتجوز.
_ إيه؟!
= زي ما سمعتي.
_ وهو قالك كده؟
= آه.
_ وإنتي قولتيله إيه؟
= قولتله لأ.
= طب كويس.
سكتت ثانيتين.
_ صح؟
= إيه؟
_ إنتي قولتي لأ… صح؟
= آه يا سلمى.
_ أمال صوتك ماله؟
= عشان قالي أفكر قبل ما أقرر.
_ وإنتي بتفكري؟
مردتش.
قالت:
_ يا نهار أبيض، إنتي بتفكري فعلًا.
= أنا بحسب الموضوع بس.
_ ليليا، ده جواز.
= عارفة.
_ من خالد.
= متنـ يلة عارفة يا سلمى!
_ لا أصل دي نقطة مهمة.
غمضت عيني.
= أنا مش بفكر فيه كجواز طبيعي. لو حصل، هيبقى ست شهور، وبعدها البرنامج بيفصل وضع كل واحد، وساعتها ننفصل.
سلمى سكتت.
ولما اتكلمت المرة دي صوتها كان جدي.
_ وإنتي تقدري تعملي كده؟
بصيت قدامي.
= معرفش.
_ طب متوافقيش عشان خايفة تخسري السفر وبس.
= ما هو السفر مش رحلة يا سلمى…إنتي عارفة أنا عايزة الفرصة دي من إمتى.
اتنهدت بـضيق وبعدين كملت.
= ولو فصلت الملف دلوقتي ممكن أستنى شهور وفي الآخر متتقبلش تاني.
سكتنا.
وبعدين قالت:
_ خدي القرار اللي تقدري تتعايشي معاه بعدين يا ليليا، مش تختاري اللي شكله أسهل دلوقتي وترجعي بعد كده تقولي ياريتني ما عملت.
فضلت ساكتة شوية.
= حاضر يا سلمى.
_ وهتردي عليه إمتى؟
= بكرة.
_ بسرعة كده؟
= معندناش وقت كتير، عشان لو هنكمل فـ فيه ورق وحاجات كتير لازم تتعمل.
_ إنتي كده وافقتي في دماغك أصلًا.
= لأ.
_ ليليا.
= والله ما عارفة يا سلمى.
لكن بعد ما قفلت معاها،سألت نفسي السؤال بشكل مباشر.
لو خالد مكنش خالد…
لو كان مجرد شخص أعرفه من الشغل، واثقة إنه مش هيحاول يستغل الوضع، وكل حاجة بيننا مكتوبة وواضحة، والمدة ست شهور…
كنت هوافق؟
الإجابة اللي جت في دماغي ضايقتني.
لأن المشكلة الأكبر فعلًا كانت إنه خالد.
وفي نفس الوقت، يمكن ده كان السبب اللي يخلي الموضوع ممكن.
أنا عارفاه من سنة.
عارفة طريقته.
عارفة إنه مستفز ومغرور أوقات كتير، بس برضو عارفة إنه في الشغل عمره ما لعب بكلمة ولا حاول يحمل حد غلطه.
والأهم إن مفيش بينا أي حاجة.
لا هو مستني مني حاجة، ولا أنا مستنية منه حاجة.
حطيت الموبايل بعيد.
الليلة دي نمت متأخر جدًا.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
تاني يوم، خالد مسألنيش.
ولا مرة.
شفته الصبح في اجتماع، اتعامل معايا عادي جدًا.
بعتلي ملف بعد الضهر.
رديت عليه.
وخلاص.
مجابش أي سيرة نهائي.
الساعة قربت على أربعة وأنا استفزني إنه مش بيسأل، رغم إني امبارح كنت أنا اللي قايلاله ميسألش.
وفي الآخر، الساعة أربعة ونص، وقفت عند باب مكتبه.
رفع عينه من اللابتوب.
_ نعم؟
= فاضي؟
بص في الشاشة.
_ اه تعالي.
دخلت وقفلت الباب.
قعدت قدامه.
خالد قفل الملف اللي كان فاتحه.
_ فكرتي؟
= آه.
سكت مستني.
= لو عملنا ده، هيبقى بشروطي.
ملامحه متغيرتش تقريبًا.
_ يعني موافقة؟
= قولت لو.
_ ليليا.
= آه، موافقة.
قالها بعد ثانية:
_ تمام.
بصيتله.
_ لو قولت تمام تاني همشي.
_ قولي طيب.
= عندي شروط.
رفع حاجبه.
_ شروط إيه؟
= شروط… وإلا مش هوافق.
_ ايه عاملة لائحة؟
= آه، وعندي استعداد أزود.
_ انجزي طيب قولي.
= أول حاجة، ست شهور…أول ما المرحلة المشتركة تخلص وكل واحد وضعه يبقى مستقل، ننفصل.
_ موافق.
= أوض منفصلة.
_ ده اكيد.
= المصاريف الشخصية منفصلة... كل واحد مسؤول عن نفسه.
_ و ده ازاي يعني؟؟
= ايه هو اللي ازاي؟
_ كملي يا ليليا اما نشوف اخرتها.
= مفيش تدخل في حياة التاني إلا لو حاجة تخص البرنامج أو البيت.
_ ماشي.
= مفيش أي قرار يخصني تاخده من غير ما ترجعلي.
سكت لحظة.
عرف فورًا أنا أقصد إيه.
_ ماشي.
= ودي أهم واحدة.
_ ماشي خلاص فهمت.
= قدام البرنامج نتصرف بالشكل اللي يخلي الملف يمشي، لكن غير كده كل واحد في حاله.
_ موافق.
= والأهل ميعرفوش حاجة.
اتغيرت ملامحه شوية.
_ ما أنا قلتلك اكيد مش هيعرفوا.
= ولا أهلي يعرفوا إن الموضوع مؤقت ولا أهلك.
_ هما لو عرفوا مش هيوافقوا أصلًا.
= بالظبط.
سكتنا.
وبعدين خالد اتكلم.
_ معلش لو مش هنضايق سيادتك ، ممكن ازود شرط على اللائحة بتاعت حضرتك.
= إيه؟
_ أي مشكلة تحصل بسبب الاتفاق او غيره نحلها بيننا، من غير ما ندخل حد سواء كان الأهل او اي حد.
رفعت عيني.
= ماشي.
_ فيه حاجة تانية؟
فكرت.
= آه…محدش في الشغل يعرف.
_ طب ما سلمى عارفة.
بصيتله.
_ عرفت منين؟
_ صحبتك الانتيم ، اكيد هتعرفيها وبعدين بقالها يومين كل ما تشوفني بتبصلي وتضحك.
غمضت عيني.
= ده أنا هقتـ لها.
_ المهم محدش غيرها يعرف.
= ده كده كده.
حطيت موبايلي على الترابيزة.
وسكتنا.
لأول مرة من ساعة ما دخلت حسيت بثقل اللي حصل.
أنا وافقت.
أنا فعلًا وافقت أتجوز خالد.
هو كمان كان ساكت، وبعدها قال:
_ دلوقتي الأهل.
بصيتله.
= آه.
_ هنقولهم إيه؟
= هنقول كل حاجة ما عدا الجزء المهم.
_ اللي هي ايه كل حاجة؟
= اننا نعرف بعض من الشغل بقالنا سنة وشوية تقريبا.
= وكل واحد مقدم على نفس البرنامج.
= واكتشفنا إننا احنا الاتنين مسافرين برشلونة.
_ لسه متقبلناش نهائي.
= هما مش محتاجين تفاصيل المرحلة.
فكر شوية.
_ نقول إن موضوع السفر خلانا نفكر إن بدل ما كل واحد يسافر لوحده، ناخد خطوة رسمية.
= بس إحنا عمرنا ما اتكلمنا أصلًا.
_ أهلك يعرفوا ده؟
= لأ.
_ ولا اهلي برضو.
بصيتله.
= بس مش هنقول إننا بنحب بعض اكيد يعني.
_ من غير ما تقولي طبعا.
سكتنا ثانية.
_ نقول إننا نعرف بعض من فترة، وكان فيه قبول، ولما موضوع السفر ظهر قررنا ناخد خطوة جد.
= قبول؟
_ عندك كلمة أحسن؟
= لأ… بس متقولهاش وإنت باصصلي كده.
_ باصصلك إزاي؟
= كأنك بتراجع بند في عقد.
_ ما إحنا فعلًا بنراجع.
تنهدت.
= خلاص يا خالد.
فتح موبايله.
_ رقم والدك.
بصيتله.
= إيه؟
_ رقم عمو شريف.
فضلت باصة له.
_ بسرعة كده؟
_ ليليا، فاضل أقل من أسبوع على المهلة.
= عارفة، بس…
سكت.
مجرد إني أديه رقم بابا حسسني إن الموضوع نقل فجأة من كلام بيني وبينه لحاجة حقيقية.
خالد فهم ترددي، فقفل شاشة الموبايل وحطه قدامه.
_ مش لازم دلوقتي.
بصيتله.
_ لأ خلاص مفيش وقت.
فتحت الأسماء عندي.
قريتله الرقم.
كتبه.
وقبل ما أقوم قلت:
= خالد.
_ إيه؟
= متقولوش في التليفون تفاصيل كتير.
_ أكيد.
= قوله إنك زميلي وعايز تقابله.
_ حاضر.
= ومتقولش إني—
وقفت.
_ إيه؟
= ولا حاجة.
_ ليليا، أنا هعرف أكلم والدك.
= أتمنى.
قومت.
وقبل ما أفتح الباب قال:
_ هكلمه بعد الشغل.
هزيت راسي.
= ماشي.
خرجت.
ومشيت لحد مكتبي وأنا عندي رغبة غريبة جدًا إني أرجع آخد منه الرقم.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
الساعة سبعة إلا ربع كنت في البيت.
ومن ساعة ما رجعت وأنا ببص للموبايل كل دقيقتين.
خالد مبعتش حاجة.
وده معناه احتمالين.
يا إما مكلمش بابا.
يا إما كلمه وأنا لسه معرفش.
كنت قاعدة مع ماما في الريسيبشن لما باب الشقة اتفتح ودخل بابا.
سلم علينا، دخل غير هدومه، وبعد حوالي عشر دقايق خرج وهو ماسك موبايله.
بصلي.
_ ليليا.
قلبي وقع.
= نعم؟
_ تعالي عايزك.
ماما رفعت عينها من اللي في إيدها.
_ في إيه؟
شريف بص لها.
_ مفيش، بس بسألها على حاجة.
قعد على الكنبة المقابلة.
روحت قعدت قدامه.
فضل باصصلي ثانيتين.
_ مين خالد؟
ماما بصتلي فورًا.
أنا كنت محضرة نفسي للسؤال.
بس التحضير طلع ملوش أي لازمة.
= خالد؟
بابا رفع حاجبه.
= آه، خالد.
= زميلي في الشغل.
ماما دخلت في الكلام:
_ ماله زميلك؟
بابا قال وهو لسه باصصلي:
_ كلمني من شوية.
ماما قعدت عدل.
_ كلمك ليه؟
مردش عليها.
سألني:
_ إنتي عارفة إنه هيكلمني؟
سكت لحظة.
= آه… أنا اديته الرقم.
ماما بصت بينا.
_ حد يفهمني فيه إيه؟
بابا قال بهدوء:
_ الأستاذ خالد عايز ييجي يقابلني.
نادين بصتلي.
_ ليه؟
بلعت ريقي.
= عشان… يتقدملي.
الصمت اللي حصل بعدها كان متوقع.
بس برضه محرج.
ماما فضلت باصة لي كأنها مستنية أقول إني بهزر.
= يتقدملك؟
_ آه.
_ خالد زميلك؟
= آه.
_ وإحنا أول مرة نسمع اسمه النهارده؟
شريف قال:
_ ده تقريبًا نفس سؤالي.
بصيتلهم.
= عشان مكنش فيه حاجة أقولها قبل كده.
ماما عقدت حواجبها.
_ يعني إيه؟ هو اتصل بباباكي فجأة من غير ما يكون فيه كلام بينكم؟
= لأ، اتكلمنا.
_ إمتى؟
= قريب.
_ قريب يعني إمتى؟
= يا ماما…
_ أنا بسأل.
بابا تدخل بهدوء:
_ سيبيها تتكلم يا نادين.
رجع بصلي.
_ تعرفيه من إمتى؟
= من حوالي سنة…إحنا في نفس الشركة.
_ وعلاقتكم إيه؟
السؤال خلاني أتوتر أكتر.
= زمايل.
_ بس؟
= آه.
ماما قالت:
_ أمال قررتوا تتجوزوا إزاي؟
= إحنا مقررنـاش نتجوز… هو طلب مني رقم بابا وقالي انه عايز يتقدملي ومكنش في بينا اي حاجة قبلها والله… مرتبطناش مثلا.
بابا فضل ساكت.
كنت عارفة إني لازم أقول الجزء اللي اتفقنا عليه.
= موضوع برشلونة هو اللي خلانا نتكلم بشكل جدي.
شريف عقد حواجبه.
_ إزاي؟
= اكتشفنا إن خالد مقدم على نفس البرنامج، وهو كمان مرشح للسفر.
ماما قالت:
_ سبحان الله.
كملت قبل ما تدخل في استنتاجات أكتر:
= وإحنا أصلًا نعرف بعض من الشغل، ولما عرفنا إن ممكن الاتنين نسافر نفس المدينة ونقعد فترة طويلة، اتكلمنا… وهو قال إنه بدل ما كل واحد يسافر لوحده، لو فيه قبول بينا يبقى يدخل البيت من بابه ونسافر واحنا على الأقل بينا حاجة رسمية.
بابا سأل:
_ وفيه قبول بينكم؟
دي كانت أول كدبة حقيقية.
أو نص كدبة.
بصيتله.
= يعني …آه.
بابا فضل باصصلي.
حاولت متهربش بعيني.
ماما قالت:
_ وإنتي مخبية ده كله؟
= مفيش حاجة كنت مخبياها والله الموضوع جديد.
_ طب بتحبيه؟
السؤال خرج بسرعة لدرجة إني تقريبًا شهقت.
= يا ماما!
_ بسأل عادي.
= لأ، مش… يعني إحنا أصلًا الموضوع بينا جديد أنا مكنتش بتعامل معاه كتير.
شريف بص لنادين.
_ كويس إنها قالت كده.
رجعلي.
_ وأنا أصلًا مكنتش هرتاح لو قولتيلي بتحبيه وإحنا أول مرة نسمع عنه.
هزيت راسي بسرعة.
= مفيش علاقة بينا من وراكم يا بابا.
ودي كانت حقيقة كاملة على الأقل.
قال:
_ هو كلمني بأدب، وقال إنه عايز ييجي يقعد معايا رسمي. وأنا قولتله أهلًا وسهلًا.
ماما سألت:
_ اتفقت معاه على إمتى؟
_ الاحد الجاي.
بصيتله.
= الاحد؟
_ عندك مشكلة؟
= لأ.
_ كويس.
ماما بدأت تسأل:
_ هو عنده كام سنة؟ ساكن فين؟ أهله مين؟ شغال معاكي في نفس القسم؟ وإزاي سنة كاملة معرفش عنه حاجة؟
غمضت عيني.
= سؤال سؤال يا ماما.
بابا ابتسم لأول مرة.
_ استحملي بقى. إنتي اللي دخلتينا في الموضوع فجأة.
وبالرغم من توتري، ضحكت بخفة.
لكن وأنا قاعدة بينهم وبجاوب على أسئلة عن خالد، حسيت لأول مرة إن الاتفاق خرج فعلًا من غرفة الاجتماعات.
خالد هييجي بيتنا.
هيقعد قدام بابا.
وهيطلبني منه.
وكل ده عشان بعد ست شهور…
ننهيه.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
يوم الاحد جه أسرع مما كنت عايزة.
من الصبح ماما كانت بتتصرف كأن عندنا مناسبة أكبر بكتير من “ناس جايين يتعرفوا علينا”.
وأنا كنت بحاول أقنعها إن الموضوع مجرد قعدة أولى.
_ ماما، بلاش كل ده.
= كل ده إيه؟ أنا عاملة حاجات بسيطة.
بصيت للسفرة.
= دي بسيطة؟
_ جدًا.
_ ده إحنا ممكن نعزم العمارة.
بصتلي.
= روحي شوفي هتلبسي إيه وسيبيني.
دخلت أوضتي وأنا بهز راسي.
خالد كان باعتلي من نص ساعة:
_ إحنا هنتحرك بعد شوية.
رديت:
= ماشي.
قفلت الموبايل.
لبست حاجة بسيطة، ورتبت شعري، وقعدت قدام المراية للحظات.
كان المفروض أبقى متوترة عشان فيه عريس جاي.
أنا كنت متوترة عشان العريس نفسه عارف إننا هنطلق بعد ست شهور.
سمعت الجرس.
قلبي دق أسرع غصب عني.
خرجت من الأوضة.
بابا كان رايح يفتح، وماما عدت من جنبي بسرعة وهي بتبصلي.
_ ابتسمي شوية.
= أنا مبتسمة.
_ ده منظر واحده مبتسمة.
حاولت أبتسم.
بصتلي.
_ بلاش أحسن.
فتحت بوقي أعترض، لكن صوت بابا وهو بيرحب بالضيوف خلاني أسكت.
دخل خالد مع والده ووالدته.
أول ما عيني جت عليه، وقف لحظة صغيرة قبل ما يسلم على بابا.
كان لابس رسمي أكتر من الشغل، وده لوحده خلاني أحس إن الشخص اللي قدامي مختلف عن خالد اللي بتخانق معاه كل يوم.
دخلوا وقعدوا.
والدته كانت لطيفة من أول لحظة، وماما اندمجت معاها أسرع مما كنت متوقعة، وده خلاني أقلق أكتر بدل ما أرتاح.
أنا وخالد كنا قاعدين كل واحد في ناحية.
بابا بدأ الكلام العادي، شغل خالد، عيلته، السفر، البرنامج.
خالد جاوب بهدوء.
وبعد شوية شريف سأله:
_ بص يا خالد، أنا مقدر إنك جيت البيت واتكلمت بشكل واضح، وده شيء يحترم. بس أكيد عندي سؤال.
_ طبعًا يا عمو، اتفضل.
_ ليليا بتقول إنكم تعرفوا بعض من الشغل بقالكم حوالي سنة، لكن موضوع الارتباط نفسه جديد.
_ صحيح.
_ إيه اللي خلاك تاخد القرار دلوقتي؟
حسيت جسمي كله شد.
بصيت لخالد.
هو فضل باصص لبابا.
_ بصراحة، موضوع السفر كان السبب إني أفكر بشكل جدي.
بابا سكت مستني.
_ أنا وليليا كل واحد فينا قدم على البرنامج لوحده، ومحدش فينا كان يعرف إن التاني مقدم. لما عرفنا إن الاتنين مرشحين لنفس المدينة، بدأنا نتكلم. إحنا عارفين بعض من الشغل بقالنا فترة كفاية، وعارف طريقتها وشخصيتها، وهي عارفاني. فحسيت إن بدل ما كل واحد يسافر ونسيب الموضوع معلق، لو فيه قبول من الناحيتين، الصح إني أجيلكم.
كان بيتكلم طبيعي جدًا.
طبيعي لدرجة إني للحظة استغربت.
شريف سأله:
_ وإنت على كده ناوي على جواز قبل السفر بقى مش خطوبة.
_ والله لو حضرتك وافقت وليليا موافقة، آه. خصوصًا إن السفر فترة طويلة ومش شايف إن خطوبة وإحنا الاتنين بره مصر مع بعض هتبقى أفضل اختيار.
والد خالد قال:
_ وإحنا لما قال لنا نفس الكلام، قولناله إن الموضوع في الآخر يرجع لليليا وأهلها، ومفيش حاجة تتعمل باستعجال لمجرد السفر.
الجملة ريحتني.
لأن على الأقل محدش هنا بيحاول يضغط علينا.
إلا إن محدش يعرف إن إحنا أصلًا اللي مستعجلين.
القعدة كملت.
والغريب إنها كانت طبيعية.
طبيعية جدًا.
ماما ووالدة خالد اتكلموا.
بابا ووالده دخلوا في كلام عن الشغل والسفر.
وفي وقت ما، والدته بصتلي وقالت بابتسامة:
_ خالد عمره ما حكى لنا حاجة عن الشغل أصلًا، فإحنا اتفاجئنا لما قال ليليا.
بصيت لخالد.
هو بصلي في نفس اللحظة.
قلت:
= وأنا أهلي اتفاجئوا برضو.
ماما قالت:
_ اتفاجئنا دي كلمة قليلة.
ضحكوا.
خالد اكتفى بابتسامة صغيرة.
وبعد حوالي ساعتين، القعدة انتهت.
وقفنا نودعهم.
قبل ما خالد يخرج، عينه جت عليا للحظة.
مفيش كلام.
بس كان واضح إن الاتنين بنفكر في نفس الحاجة.
أول خطوة عدت.
بعد ما الباب اتقفل، ماما لفتلي فورًا.
_ أنا ارتحت لهم.
= يا ماما لسه ما—
_ بقول ارتحت لهم، مقولتش كتبنا الكتاب.
بابا كان واقف ساكت.
بصيتله.
_ إيه؟
_ تعالي نقعد شوية.
قلبي دق أسرع.
قعدنا.
ماما قعدت معانا.
شريف بصلي مباشرة.
_ إنتي مقتنعة بخالد؟
سكت.
السؤال ده كنت عارفة إنه جاي.
لكن معرفتش إنه هيبقى صعب بالشكل ده.
= ايوه يا بابا.
_ مش عشان السفر؟
هنا تحديدًا حسيت بالذنب.
بلعت ريقي.
= السفر خلانا ناخد الخطوة أسرع… بس أنا مش هوافق على حد مش مقتنعة بيه عشان أسافر.
فضل باصصلي ثواني طويلة.
وبعدين هز راسه.
_ خلاص.
بصيتله.
_ خلاص إيه؟
_ طالما إنتي موافقة ومرتاحة، وأنا سألت عنه كويس، والناس شكلها محترمة… أنا معنديش اعتراض.
ماما ابتسمت.
أنا حاولت أبتسم زيها.
بس جوايا كان فيه شعور غريب.
لأن المفروض دي اللحظة اللي أفرح فيها إن بابا وافق.
وأنا كل اللي فكرت فيه كان:
كده الموضوع هيكمل فعلًا.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
الأيام اللي بعدها اتحركت بسرعة، بس مش بالسهولة اللي كنت متخيلاها.
كان فيه فرق كبير بين إننا نقول “هنكتب الكتاب بسرعة عشان السفر” وبين إننا نعمل ده فعلًا.
ورق.
مواعيد.
مكالمات.
اتفاق بين العيلتين.
وفي النص شغلنا اللي محدش فيه يعرف أي حاجة.
أكتر حاجة كانت غريبة إن أنا وخالد الصبح نتخانق على ملف، وبعد الضهر نتكلم في معاد كتب كتابنا.
مرة دخل مكتبي وقفل الباب.
_ الخميس مناسب؟
رفعت عيني من اللابتوب.
= لإيه؟
فضل باصصلي.
= ماتش الأهلي.
افتكرت.
= آه… صح.
_ أيوه، كتب كتابنا يعني.
بصيت في التقويم.
= الخميس؟
_ أهلي مناسب لهم، ووالدك قال لي غالبًا مناسب… وبعدين احنا مش هنعمل هليلة يعني هي قعدة كده على الضيق في مسجد وخلاص.
رفعت عيني بسرعة.
= إنت كلمت بابا؟
_ آه.
= إمتى؟
_ الصبح.
= ليه؟
_ عشان أسأله عن المعاد.
= طب ما تسألني أنا الأول.
سكت.
وبعدين شاورلي.
_ أهو الشرط السادس اشتغل.
بصيتله.
_ كويس إنك فاكر.
_ عندك حق…كان المفروض أسألك.
هداني اعترافه أسرع مما كنت متوقعة.
= الخميس مناسب.
_ طيب كويس.
وقف عشان يمشي.
ناديت:
= خالد.
لف.
= إيه؟
= فاضل كام يوم على مهلة البرنامج؟
_ خمسة.
هزيت راسي.
_ هنلحق؟
_ هنلحق ان شاء الله.
خرج.
فضلت باصة للباب بعده.
الخميس.
بعد يومين.
أنا هتجوز خالد بعد يومين.
في نفس الليلة، ماما دخلت أوضتي ومعاها كذا حاجة وهي بتتكلم عن اللي ناقص.
قعدت جنبي على السرير.
_ إنتي كويسة؟
بصيتلها.
= ايوه.
مسكت إيدي.
_ أنا عارفة إن كل حاجة حصلت بسرعة، وعشان كده لو في أي لحظة حسيتي إنك مش مرتاحة، متخليش السفر ولا أي حاجة تضغط عليكي.
بصيتلها.
الكلام ضرب في أكتر نقطة كنت بحاول متفكرش فيها.
= عارفة يا ماما.
_ متأكدة؟
= متأكدة.
ابتسمت وربتت على إيدي.
_ طيب ياحبيبتي.
وبعدين بدأت تتكلم عن حاجة تانية.
وأنا فضلت ساكتة.
لأول مرة من بداية الموضوع، حسيت إن الجزء الأصعب مش خالد.
ولا البرنامج.
الجزء الأصعب كان إن الناس اللي حوالينا كلها شايفة حاجة غير اللي إحنا شايفينها.
هما شايفين بداية.
وإحنا محددين نهايتها من قبل ما تبدأ.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
الخميس وصل.
كنت متوقعة أصحى وأنا متوترة.
الحقيقة إني صحيت وأنا هادية بشكل غريب.
يمكن عشان دماغي وصلت لمرحلة إنها بطلت تستوعب.
اليوم عدى وسط تجهيزات بسيطة، مكالمات، ماما داخلة خارجة من أوضتي، وبابا كل شوية يسأل لو ناقص حاجة.
كتب الكتاب نفسه كان عائلي وبسيط بسبب ضيق الوقت.
وده كان مناسب لينا إحنا الاتنين.
مفيش وقت أصلًا لأي ترتيبات كبيرة.
لما وصلت وقعدت وسط أهلي، بدأت أحس إن الموضوع حقيقي لأول مرة.
شوفت خالد داخل مع أهله.
عيني جت في عينه.
المرة دي محدش فينا ابتسم.
ثانية واحدة بس، وبعدها كل واحد بص للناس حواليه.
بدأت الإجراءات.
كنت سامعة الكلام.
شايفة الورق.
شايفة بابا.
شايفة ماما اللي كانت فرحانة أكتر مني بمراحل.
لكن كل حاجة كانت كأنها بتحصل بعيد.
لحد ما الورقة اتحطت قدامي.
القلم في إيدي.
واسمي.
واسم خالد.
فضلت باصة عليهم.
من أسبوع تقريبًا، كنت قاعدة في مكتب برنامج سفر وعايزة أخنقه عشان قال عني إني مراته.
دلوقتي أنا اللي همضي بإيدي عشان أبقى مراته فعلًا.
رفعت عيني.
خالد كان الناحية التانية.
بصلي.
نظرة قصيرة، جدية.
كأنه بيسأل من غير كلام:
متأكدة؟
فضلت باصة له ثانية.
وبعدين نزلت عيني.
ومضيت.
بعدها كل حاجة اتحركت تاني.
مباركات.
أصوات.
ابتسامات.
ماما حضنتني.
بابا باس راسي.
والدة خالد قربت مني وهي فرحانة.
وأنا كنت برد على الكل وأبتسم.
لحد ما لقيت خالد واقف قدامي.
لأول مرة من ساعة ما بدأ اليوم، بقينا قريبين من بعض من غير مكتب أو ترابيزة اجتماعات بينا.
ماما نادتني، فتحركت ناحيتها.
وبعد شوية، وأنا واقفة وسط الناس، عيني راحت لخالد تاني.
كان واقف مع بابا ووالده، بيتكلموا في حاجة وأنا مش سامعاها.
نزلت عيني على الورقة اللي لسه نسخة منها قدامي.
اسمي جنب اسمه.
ليليا وخالد.
من وسط الناس رفعت عيني، فوقعت عليه.
كان واقف على الناحية التانية، بيسلم على حد من عيلتي، ولما خلص كلامه اتحرك ناحيتي.
تابعته بعيني لحد ما وقف قدامي.
قريب.
أقرب من المسافة اللي اتعودنا نقف فيها قدام بعض طول السنة اللي فاتت.
ثواني عدت من غير ما حد فينا يتكلم.
كنت مستنية منه أي تعليق، أي كلمة من النوع اللي بيقولها دايمًا عشان يخفف موقف أو يستفزني، لكنه معملش.
بصلي بس.
وأنا بصيتله.
كان غريب جدًا إني أبص للشخص نفسه اللي بشوفه كل يوم تقريبًا، بنفس الملامح اللي حفظتها من كتر خناقات الشغل، وأحس إن فيه حاجة اتغيرت لمجرد توقيع على ورقة.
خالد هو خالد.
وأنا هي أنا.
لكن من دقايق بس، بقى فيه اسم للحاجة اللي بينا.
جواز.
قبل ما أعرف أقول أي حاجة، لقيته أخد خطوة صغيرة ناحيتي.
عيني اتحركت عليه باستغراب، ولسه بحاول أفهم بيعمل إيه، لحد ما إيده اتحركت بهدوء حواليا.
وفي اللحظة اللي بعدها…حضني.
اتجمدت.
مش مجازًا.
جسمي فعلًا وقف مكانه، وإيدي فضلت جنبي، وعيني اتفتحت شوية من الصدمة.
يمكن أي حد واقف حوالينا كان شايف موقف طبيعي جدًا.
عريس بيحضن مراته بعد كتب كتابهم.
بس بالنسبة لي، مكنش طبيعي.
خالد عمره ما لمسني.
طول سنة كاملة كان دايمًا فيه بينا مسافة، حتى وإحنا واقفين جنب بعض قدام شاشة أو بنتناقش على ملف. عمره ما قرب زيادة، وأنا عمري ما فكرت أصلًا في شكل وجوده قريب مني بالشكل ده.
وفجأة المسافة دي اختفت.
حضنه كان بسيط.
مفيهوش أي مبالغة، ولا حاول يطول اللحظة. إيده استقرت بخفة حواليا، وقربني منه بالقدر الطبيعي اللي يخلي أي حد شايفنا مقتنع إن مفيش حاجة غريبة.
وده كان المفروض يفوقني.
افتكرت فجأة إن أهلنا واقفين حوالينا.
وإن لو فضلت متجمدة كده، أنا اللي هخلي الموقف غريب.
رفعت إيدي ببطء، وحاوطته بيها.
وبمجرد ما عملت كده…
حاجة جوايا هديت.
من غير مقدمات.
ومن غير سبب مفهوم.
كنت من ساعة ما صحيت وأنا مشدودة. كل حاجة النهارده كانت بتفكرني إن حياتي بتتغير في كام ساعة؛ كل ورقة، كل سؤال، كل مرة ماما تدخل أوضتي، كل مرة عيني تيجي على الساعة.
حتى وأنا بمضي، كنت حاسة إني واخدة نفسي على أجزاء.
لكن أول ما بادلته الحضن…
أخدت نفس كامل.
بهدوء.
وحسيت جسمي من غير ما أطلب منه رخى التوتر اللي كان ماسكه طول اليوم.
كان إحساس صغير.
دافي.
مطمّن بطريقة ملهاش أي حق تبقى موجودة.
والغريب إني مخدتش بالي إني كنت محتاجة الإحساس ده أصلًا غير لما حسيت بيه.
لثواني معدودة، كل الدوشة اللي حواليا بعدت.
مسمعتش ماما.
ولا الناس.
ولا المباركات.
ولا فكرت في الورق اللي لازم نبعته للبرنامج، ولا السفر، ولا برشلونة، ولا الشقة اللي هنعيش فيها، ولا الست شهور اللي اتفقنا إن أول ما يخلصوا كل واحد فينا يرجع لحياته.
كل اللي حسيت بيه وقتها إني…مرتاحة.
معاه.
الفكرة نفسها خلتني أفوق.
مع خالد؟
شدّيت نفسي من الإحساس قبل حتى ما الحضن يخلص.
لا…أكيد ملهاش علاقة بيه.
ده ضغط اليوم كله، ولأول مرة من أسبوع المشكلة اتحلت فعلًا. طبيعي جسمي يهدى. كان ممكن أحس بنفس الراحة وأنا في حضن ماما مثلا.
أيوه.
ده تفسير منطقي.
وأنا كنت محتاجة أي تفسير منطقي.
بعد ثواني قليلة حسيت خالد بيتحرك، ففكرت إنه هيبعد.
وفعلًا بعدني عنه…لكنه مسبنيش.
إيديه فضلت مكانها.
مش ماسكني بقوة، ولا مقربني منه زي الأول، بس كان لسه ماسكني.
رفعت عيني له.
وكان بالفعل بيبصلي.
ساعتها بس حسيت إن أنفاسي اتلخبطت تاني.
لأن نظرته مكنتش اللي متوقعة أشوفها.
مكنتش نظرة خالد اللي أعرفها.
مفيش رفع حاجب مستفز.
مفيش نص ابتسامة بتسبق تعليق سخيف.
مفيش حتى النظرة العملية الجامدة اللي بشوفها منه في الاجتماعات.
كان ساكت.
وهادي.
وبيفصّل ملامحي بعينيه كأنه لأول مرة واخد باله إني واقفة قدامه.
فضلت باصاله، مستنية اللحظة تخلص.
مخلصتش.
ثانية.
وبعدها ثانية.
والغريب إني أنا كمان مبعدتش عيني.
بدأت أحس بالناس حوالينا تاني، لكن بشكل بعيد، كأن المشهد كله اتحرك خطوة لورا وإحنا فضلنا مكاننا.
حاولت أفهم هو بيفكر في إيه.
هل ده كله تمثيل؟
هل حد من أهلنا باصص علينا وهو واخد باله؟
حاولت أبص بطرف عيني حوالينا، لكن نظرته خلتني أرجعله تاني.
مكنتش عارفة أقراها.
ودي يمكن كانت أول مرة تحصل.
أنا بعرف خالد لما يكون متضايق.
بعرفه لما يكون مستعجل.
بعرفه لما يكون شايف إني غلطانة ومستني أعترف.
وبعرف من شكل وشه لما يكون هيقول كلمة مخصوص عشان يستفزني.
حتى سكوته كنت بقيت بعرف معناه.
إنما دلوقتي…معرفتش.
كان فيه هدوء غريب في عينه.
وحاجة تانية وراه أنا معرفتش أسميها.
لقيت نفسي بعقد حواجبي بخفة.
= خالد…
قلت اسمه بصوت واطي.
يمكن كنت بسأله.
يمكن كنت بفكره إننا واقفين وسط الناس.
أو يمكن كنت بس عايزاه يقول أي حاجة تفسرلي هو بيبصلي كده ليه.
لكنه مقالش.
عينيه فضلت في عيني للحظة أخيرة، وبعدها حسيت إيده بتتحرك عني.
افتكرت إنه أخيرًا هيبعد.
لكنه قرب بدل ما يبعد.
بهدوء شديد.
وقبل ما ألحق أستوعب، باسني على راسي بهدوء.
اتسعت عيني.
لو الحضن فاجئني، فالحركة دي خلت كل الأفكار اللي كنت بحاول أرتبها تختفي تمامًا
كانت كفاية إنها تمسح كل الأفكار اللي كنت بحاول أرتبها من دماغي.
فضل قريب للحظة صغيرة بعدها، وبعدين بعد وشه عني.
ولما بصيتله تاني، كان لسه بنفس الهدوء.
قال بصوت منخفض:
_ مبروك يا ليليا.
مردتش.
مش لأني مش عايزة.
أنا فعلًا نسيت أرد.
فضلت باصاله وأنا حاسة إني محتاجة ثانية زيادة عشان ألحق اللي حصل من أول ما قرب مني أصلًا.
_ ليليا؟
رمشت كأني فوقت.
= ها؟
ظهرت حاجة بسيطة جدًا في عينه، شبه ابتسامة من غير ما توصل فعلًا لشفايفه.
بلعت ريقي.
= الله يبارك فيك.
صوتي طلع أوطى من الطبيعي.
وأتوترت أكتر لما سمعت نفسي.
فكملت بسرعة:
= مبروك ليك إنت كمان.
هز راسه بخفة.
_ الله يبارك فيكي.
وبعدها سابني.
فعلًا سابني المرة دي.
والده ناداه من بعيد، فلف ناحيته، وكأنه من ثواني مكنش واقف قدامي عامل حاجة قلبت ترتيب أفكاري كلها.
فضلت مكاني.
بصيت وراه ثانيتين، وبعدها بصيت حواليا بسرعة.
ماما كانت بتتكلم مع والدته.
بابا واقف مع حد من عيلة خالد.
الناس عادية.
محدش باصصلي باستغراب.
محدش شايف إن فيه حاجة حصلت أصلًا.
لأن بالنسبة لهم…
مفيش حاجة حصلت.
أنا بس اللي كنت واقفة مكاني كأني محتاجة حد يشرحلي الموقف.
الحضن مفهوم.
على الأقل حاولت أقنع نفسي إنه مفهوم.
أكيد خالد فكر زيي إن وقوفنا قدام بعض من غير أي تصرف طبيعي ممكن يلفت النظر.
لكن ليه فضل ماسكني بعدها؟
وليه كان بيبصلي بالشكل ده؟
وبوسة راسي…دي كمان عشان الناس؟
بصيت ناحيته تاني من غير ما أقصد.
كان بيتكلم مع والده ومركز معاه، طبيعي جدًا.
حسيت إني سخيفة.
ما هو طبيعي يا ليليا.
إنتوا لسه كاتبين الكتاب والناس حواليكم. أكيد مش هيحضنك وبعدها يقولك “أشوفك بكرة في الشغل”.
كل حاجة ليها موقفها.
وبعدين الراحة اللي حسيتها دي ملهاش معنى هي كمان.
أنا كنت متوترة.
بس.
كررت الكلمة في دماغي كأنها كفاية تقفل الموضوع.
بس.
ومع ذلك…
لما ماما نادتني وروحت وقفت جنبها، ولما بدأت أتكلم مع الناس وأرد على المباركات من جديد، كان فيه حاجتين فضلوا معلقين في دماغي مهما حاولت أطردهم.
الإحساس الهادي اللي جه فجأة أول ما حضنته.
ونظرته ليا.
الأولى لقيتلها ألف تفسير.
أما التانية…مهما حاولت معرفتش أفهمها.
وياريتها دي بس اللي مش فهماها.
أنا مش قادرة استوعب اي حاجة حصلت.
من أسبوع واحد بس، كان بيقول لراجل معرفوش دي مراتي.
وبعدها بكام يوم قعد قدامي وقالي هتجوزك.
وقتها الاتنين كانوا مجرد كلام.
أما النهارده…بقيت مراته فعلًا.
كان المفروض إن الجواز يبقى أصعب قرار في الموضوع كله.
لكن وأنا برفع عيني وببصله من بعيد، وبفتكر إن قدامنا سفر وبيت واحد وست شهور محدش فيهم عارف هيحصل فيهم إيه…
كان عندي إحساس واضح جدًا إننا لسه مخدناش أصعب خطوة.
الصعب الحقيقي لسه مبدأش.
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
