رواية بين دورين الفصل الثالث 3 والاخير بقلم دينا جمال


 رواية بين دورين الفصل الثالث والاخير 

خرجت  من باب المنزل لأول مرة تشعر أن جسدها أخف من أي وقت مضى، رغم أن قلبها كان مثقلًا بكل ما عاشته لم تهرب من أمها بل هربت من الحياة التي صنعتها أمها لها.

نزلت الدرج ببطء لا تعرف لما لم تستخدم المصعد ولكنها فقط لم ترغب في ذلك ، ما إن وصلت إلى مدخل العمارة حتى لمحت البواب يجلس على كرسيه ، اقتربت منه ترددت للحظة، ثم سألته:

عم حسن؟

رفع الرجل رأسه وابتسم يردف :
 أيوه يا بنتي؟

ابتلعت لعابها لم تعرف ما تقول لعدة لحظات قبل أن تهمس تطلب منه مرتبكة :

 ممكن لما تبقى تقابل الأستاذ يونس اللي ساكن قدامنا تقوله سلمى بتشكرك جداا على اللي قولتهولها 
وعلى عكس ما توقعت رأت وجه الرجل يصفر ذعرًا قبل أن يهب واقفا عن مكانه.

 يتمتم مذعورًا :

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، أستاذ يونس مين يا بنتي اللي ساكن قدامكوا ، أستاذ يونس مات مع أهله في الحادثة من أربع سنين ، ما فيش حد عاش فيهم غير مريم أخته الصغيرة ، أنتي شوفتي أستاذ يونس فين ؟

توقف قلبها عن النبض للحظات ما الذي يهذي به هذا العجوز الخرف ، ما يقصد بأن يونس قد مات قبل سنوات ، 
إذا من ترى كل يوم ؟!

 من يرافقها في المصعد كل يوم تقريبا ، من تحدث معها اليوم ؟  ما العبث الذي يقوله ذاك الرجل ، حركت رأسها للجانبين يرفض ما يقول تتمتم مذعورة :

 أنت بتقول ايه يا عم حسن ، أستاذ يونس مين اللي ميت ، يونس أنا بشوفه كل يوم في الاسانسير ، لسه كان واقف بيتكلم معايا من شوية ، لما كنت محبوسة جوا الاسانسير لما النور كان قاطع ، يونس مش ميت ، أنا بشوفه وكلمته ، وقالي لو احتجتي حاجة خبطي على بابي 
تعجب الرجل يضرب كفًا فوق آخر ، يستعيذ من الشيطان 
أما هي فعادت أدراجها تتحرك صوب المصعد ، ستصعد إلى أعلى وتدق الباب لتثبت لنفسها أن يونس حي ، ما إن باتت داخل المصعد رأته يقف جوارها هناك يبتسم لها ، ارتعبت تبتعد للخلف تهمس تسأله مذعورة :

 أنت عايش صح ؟

ابتسم من جديد يحرك رأسه للجانبيبن بكل هدوء قبل أن يردف يخبرها :
 لاء 

حاولت أن تعي ما قال توًا أخرجت هاتفها ،فتحت الكاميرا 

ثم بدأت تبحث في صورها القديمة ، تعرف لما فعلت ذلك
معها دليل أنه حي ، الصورة التي  التقطتها في المصعد قبل أشهر كان يقف خلفها فيها يشيح بوجهه بعيدا عنها 
كانت صورة عادية بسيطة ، نظرت إليها فاتسعت عيناها ذعرا تعاود النظر إليه مرتعبة ، تتذكر أنه كان يقف خلفها تقسم أنه كان يفعل ولكن لا أثر له في الصورة الآن
شهقت ،سقط الهاتف من يدها في اللحظة نفسها سمعت صوته يقول بهدوء:

 متخافيش ، أنا مش عايز آذيكي بأي شكل من الأشكال ، أنتي صعبانة عليا أوي يا سلمى ، دا اللي خلاني ظهرتلك ، قبل ما نعمل الحادثة أنا وأهلي كنت ناوي أتقدملك ، بس النصيب ، أنا بجد حبيتك يا سلمى وما قدرتش أشوفك بتتعذبي العذاب دا كله ، وأنا عارف أنك قوية وشجاعة أنتي بس كنتي محتاجة زقة ، أنتي شجاعة بس محتاجة حد يفكرك.

أغمضت عينيها تشعر بالألم يجتاح نفسها لمجرد فكرة أنه ميت ، أن الشخص الوحيد الذي شجعها للتخلص من قيودها لم يكن له وجود ، نظرت إليه تطلب منه راجية :

ممكن ما تختفيش ، ممكن تفضل موجود ، أرجوك 
ابتسم لها ابتسامة بسيطة ثم انطفأت الإضاءة لثوانٍ قليلة وعادت.

لكن يونس لم يكن هناك نظرت حولها سريعا تبحث عنه متلهفة لم يكن هنا المصعد فارغ ، يصعد بها لأعلى حيث طابقها من جديد انفتح الباب خرجت سلمى
وقفت أمام باب منزله تنظر إلى يدها كانت هناك دبلة من الفضة رأتها في إصبع يونس عدة مرات والآن تستقر في إصبعها هي ، وكأنه يخبرها أنه سيبقى دومًا قريبًا منه
نظرت خلفها إلى المصعد قبل أن يغلق الباب تمامًا، لمحت يونس واقفًا داخله ، رفع يده يلوح لها يبتسم ومن ثم أُغلق الباب واختفى خلفه
وقفت سلمى وحدها لم تبكِ ابتسمت فقط حين أدركت أخيرًا أن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا ليبقوا فيها
يدخلونها فقط ليُعيدوا إلينا أنفسنا.

ومنذ تلك الليلة، كلما تعطل المصعد أو انقطعت الكهرباء تبتسم سلمى لأنها تعرف أن هناك روحًا ما......
ما زالت تراقبها من بعيد
وتتأكد أنها بخير.

عادت سلمى للحياة من جديد نسخة أقوى أسعد ، لا أحد يملك زمام أمرها غيرها ، لم تخلع دبلة يونس لليوم وربما لن تفعل أبدًا !

         تمت بحمد الله 

تعليقات