رواية جوازه اضطراريه علي الورق الفصل الثالث
اشتعل الشارع الهادئ بلحظة صمت قاطعة، بينما كانت عينا مازن تتنقلان بين آدم الواقف كالجبل ونور القابعة خلفه. جز مازن على أسنانه بغل، وقال وهو يرفع إبهامه بتهديد:
ــ ماشي يا أستاذ.. كتب كتاب بعد يومين؟ هنشوف! بس افتكر إن اللعبة دي مش هتنتهي بالسهولة دي!
انطلق مازن ورجاله إلى سيارتهم وغادروا الشارع بسرعة، لتتلقف نور أنفاسها بصعوبة. نظرت إلى ظهر آدم العريض، ولأول مرة تحس بامتنان حقيقي وشعور جدعنة منه؛ لأنه وقف قدام ابن عمها ومنعه يمد إيده عليها.
سكتت نور لحظة، ثم قالت بنبرة دافئة فيها جدعنة واحترام:
ــ شكراً يا آدم.. بجد شكراً. إنت وقفت معايا موقف جدعان، وما سمحتلوش يمسني بكلمة.
التفت إليها آدم بثبات، وتغيرت ملامح وجهه الحادة إلى ابتسامة خفيفة قائلاً:
ــ العفو يا نور، أنا أه اتخانقت معاكِ في الشارع ودخلتِ فيا بعربيتك، بس ما أسيبش راجل يتعدى حدوده مع ست قدامي أبداً.
لكن نور سرعان ما استوعبت الجملة الأخيرة التي قالها لمازن، فضيّقت عينيها وقالت بصدمة:
ــ بس إنت بجد اتجننت رسمياً؟ يومين إيه اللي هيتكتب كتابنا فيهم؟ إنت واعي للكلمة اللي طلعت منك بره دي؟!
رد آدم بثقة وابتسامة مكرة:
ــ امسكي أعصابك يا مصيبة وركزي معايا.. الراجل ده مش هيسيبك، وما كانش قدامي غير القنبلة دي عشان أخليه يلم نفسه ويرجع خطوة لورا!
بقلم: الكاتبة نسرين نادر
وفي هذه اللحظة بالذات، خرجت نجوى، والدة آدم، من بوابة العمارة وهي تضع نظارتها الشمسية. وقفت تنظر إليهما بابتسامة عريضة وغمزت بعينها قائلة بخفة دم:
ــ إيه يا ولا، إيه اللي موقفكم هنا في الشارع لحد دلوقت؟ إيه.. مش قادرين تفارقوا بعض ولا إيه؟
ابتسمت نور بإحراج وتحفظ، بينما استغل آدم الموقف فوراً وقرر يلعب اللعبة صح! اقترب خطوة من نور ونظر في عينيها بنبرة معاكسة ومرحة:
ــ مش قادرين إيه بس يا أمي؟ دي نور بصراحة مش قادرة تبعد عني خطوة واحدة، وأنا كمان شكله كده قلبي وقع وما سمّاش!
توترت نور فوراً واحمرت وجنتاها من كلامه ونظراته الماكرة، لكنها حاولت تمثل معاه قدام أمه عشان ما تفضحش الخطة، فقالت بنبرة مرتبكة وهي تحاول تبتسم:
ــ أه.. أصل.. بصراحة يا طنط، آدم شخصيته بتشد أي حد، والوقت معاه بيمشي بسرعة أوي فمش حاسين بالشارع!
ضحكت نجوى بحرارة وقالت:
ــ يا سلام يا سلام! الحب ولّع في الذرة من أول يوم! طب يلا يا حبيبتي روحي جهزي مامتك، إحنا نجيكم بكرة إن شاء الله عشان نطلب إيدك رسمي ونظبط الميعاد، ولا إيه رأيك؟
نور بلهفة وارتباك:
ــ طبعاً يا طنط ينورونا.. هستناكم بكرة!
بقلم: الكاتبة نسرين نادر
ركبت نور عربيتها وانطلقت بسرعة لشقة صديقتها مريم عشان تشرح لها المصيبة. أول ما فتحت مريم الباب، دخلت نور وأغلقت الباب خلفها وقالت بذهول:
ــ مريم! الحقيني يا مريم.. أنا هتجوز!
انصدمت مريم وقالت:
ــ إيه؟! هتتجوزي مين؟ مازن؟
نور وهي تتنهد بتعب:
ــ مازن إيه بس! بتاع العربية اللي خبطته الصبح! بصي يا مريم الموضوع كبير، الراجل ده اقترح عليا جواز صوري على الورق وبنود ومحامي عشان يحميني من عمي ومازن وفي نفس الوقت يخلص من زن أمه.. وأمه جاية بكرة معاه تطلب إيدي من ماما، ولازم تنقذيني وتيجي معايا وتمثلي إنك الصديقة المشتركة اللي عرفتني بيه عشان ماما مش هتصدق السرعة دي!
فتحت مريم فمها بذهول وقالت:
ــ جواز صوري وعلى الورق؟! إنتِ متأكدة يا نور من الخطوة دي؟
نور بحسم وجدية:
ــ ده الحل الوحيد المتاح دلوقت يا مريم لحد ما طارق المحامي يظبط الورث والقضايا.. والشرط الجزائي هيحفظ كل حقوقي.
بقلم: الكاتبة نسرين نادر
رجعت نور البيت وقعدت مع أمها سعاد وقالت لها بتمهيد:
ــ ماما.. فيه موضوع مهم عايزه أقولك عليه. فيه واحد اسمه آدم، مهندس ورئيس مجلس إدارة شركة، عايز يجي بكرة يطلب إيدي رسمي.
سعاد باستغراب وصدمة:
ــ آدم مين يا بنتي؟ إنتِ عمرك ما حكيتي لي عن حد، ولا أصلاً قلتي إنك بتكلمي حد!
ابتسمت نور بتحفظ وقالت:
ــ أصل الموضوع جه واحدة واحدة يا ماما.. هو بصراحة مريم صاحبتي كانت الصديقة المشتركة بيننا، وعرفتنا على بعض من فترة وبدأنا نتكلم ونرتاح لبعض، وهو بصراحة استغل الفرصة وطلب يجي بكرة هو ومامته نتعرف رسمي.. إيه رأيك؟
سكتت سعاد شوية وهي بتفكر، وبعدين قالت بلطف وحنان:
ــ والله يا بنتي طالما مريم صاحبتك عارفاه وهو راجل محترم، ينوروا بكرة ونشوفهم ونتعرف عليهم.
بقلم: الكاتبة نسرين نادر
وفي اليوم التالي، شهد منزل نور لقاءً مبهجاً؛ حيث أقبلت نجوى والدة آدم محملة بأفخر الحلويات والهدايا، وجلست مع سعاد في جو مليء بالدفء.
وقفت نجوى وهي تنظر لنور بابتسامة حنونة وقالت بحماس:
ــ والله يا سعاد هانم، بنتك نور دخلت قلبي من أول لحظة! وإحنا جايين نطلب إيدها لآدم.. إيه رأيك نكتب الكتاب ونعمل الفرح آخر الشهر الجاي؟
ابتسمت سعاد بذهول وقالت بضحكة خفيفة:
ــ والله يا أم آدم كل حاجة جت بسرعة أوي، وعمر نور ما قالت لي عن حد.. هو إنتِ مستعجلة على جواز آدم كده ليه؟
ضحكت نجوى وقالت بقلة حيلة وبصراحة:
ــ بيني وبينك كده يا سعاد هانم.. أنا ما صدقت إنه شاوَر على واحدة وقال إنه بيحبها وعايز يتجوزها! ده كان مطلع عيني ورافض فكرة الجواز تماماً، لحد ما بنتك اللي زي القمر دي فكت العقدة على إيديها والحمد لله!
ضحكت سعاد بامتنان ودفء وقالت:
ــ والله يا أم آدم ده شرف لينا طبعاً، بس ندي فرصة للولاد يتقابلوا كتير ويتعرفوا على بعض أكتر في الشهر ده، وقبل كتب الكتاب نكون متطمنين على كل حاجة.
نجوى بابتسامة واسعة:
ــ عندك حق طبعاً، كلام العقل والمنطق!
واتفق الجميع على هذه الخطة، وخلال الشهر التالي، كانت اللقاءات بين آدم ونور تتكرر تحت إشراف سعاد ومريم. وبينما كان آدم يتصرف بشهامة وجدعنة في المواعيد والمواقف، كانت نور تلاحظ اهتمامه الشديد ورجولته التي جعلت أمها تطمئن له تمامًا، ووافق الجميع بحماس على الخطوة القادمة.
وبعد مرور الشهر.. وفي جو عائلي هادئ داخل شقة نور وبحضور المقربين فقط قبل التجهيز للفرح الكبير.
جلس المأذون وعلى الطاولة عقد الزواج الرسمي، وبجانبه كان طارق المحامي يحتفظ بالعقد الصوري السرّي المكتوب بالبنود والشروط التي تحفظ حقوق نور وآدم.
وقع آدم أولاً بقلم أنيق، ثم مدت نور يدها وهي ترتجف خفيفاً وتستشعر جلال اللحظة، ووقّعت على الأوراق.
ارتفع صوت المأذون بابتسامة وهو يقول:
ــ بارَكَ اللَّهُ لَكُما وَبارَكَ عَلَيكُما وَجَمَعَ بَينَكُما في خَيرٍ.. ألف مبروك يا ولاد!
تعالت زغاريد نجوى وسعاد في المكان، وتوافقت التهاني، وفي تلك اللحظة بالذات، التفتت نور بنظرها نحو آدم، ليتلاقى نظرهما في صمت عميق.. كل منهما ينظر للآخر بذهول وارتباك:
ــ إحنا بقينا زوج وزوجة رسميًا وعلى الورق!
