رواية عودة بلا استئذان الفصل الثالث والاخير
للدرجة دي مش قادرة تقفي في نفس المكان معايا يا ثيرا..؟ للدرجة دي وجودي بيخوفك؟!
لفيت ليه وأنا ماسكة الفلاشة في إيدي وبصيت في عينيه مباشرة..
_ أنا مفيش حاجة بتخوفني.. أنا بس بحمي نفسي وبحترم شغلي، والشخص اللي سابني زمان من غير سبب، ملوش مكان في حياتي دلوقتي ولا حتى في مساحة شغلي.
قرب خطوة وأخد الفلاشة من إيدي، عينيه كانت بتترجاني أصدقه لما قال بحدة..
_ أنا مسيبتكيش من غير سبب.. وأقسملك إني عمري ما بعتك.. السفر كان الشوك اللي دست عليه عشان أرجعلك شخص يملى عين الكل، شخص يقدر يقف قدام باباكي ومازن ويقولهم أنا أستاهلها.
دمعة محبوسة لمعت في عيني بس مسكت نفسي بالعافية..
_ المتأخر ملوش قيمة يا بدر.. وأنا مش هستنى لما تهد السور اللي بنيته حولين قلبي طول الخمس سنين دول.. اتفضل شوف شغلك، وعن إذنك المهندس الجديد هيتواصل معاك.
مشيت وسبته واقف في نص المكتب، ماسك الفلاشة وعينيه متعلقة بيا بقلة حيلة، وأنا طالعة بحاول أتنفس وكأن الهواء اللي في المكان خلص كله.
_ مكانش ليكي حق يا أثير.. ليه عملتي كده؟!
اتنهدت بتعب وسندت راسي على المخدة..
_ معرفش يا زينة.. أنا لقيت نفسي صحيت الصبح، روحت قولت لمستر أنس مش عاوزة أكمل.
سكتت زينة ثواني كأنها بتمتص الصدمة..وبعدين سألتني بفضول..
_ طيب وبدر عمل إيه؟!
ابتسمت بسخرية ووجع مكتوم وقولت..
_ مش هتتوقعي.. وافق، وبسرعة كمان!
ردت باستغراب شديد ونبرة اندهاش..
_ غريبة!.. متمسكش بيكي؟
_ لا.
_ طيب أنتِ كويسة؟
مسحت دمعة هربت من عيني وجمعت كل القوة اللي فاضلة في صوتي عشان أبان متماسكة..
_ جداااا يا زينة.. المهم دلوقتي هقفل عشان أنام، متنسيش تمضي مستر أنس على طلب الإجازة، مش هعرف أجي الأيام دي.
زينة اتنفست بصدمة وزفرت بتعب..
_ إجازة؟! يا أثير أنتي بتهربي! أسبوع إجازة مش هيحل المشكلة، ده غير إن مستر أنس هيضايق جداً إنك بتسيبينا في الوقت ده ..!
رديت بصوت مبحوح ومجهد..
_ أنا محتاجة أبعد وأفصل، مخي هيقف من التفكير! ومستر أنس وافق خلاص على نقل الملف، الشغل مش هيقف عليا يعني يا زينة .
زينة سكتت شوية ونبرتها هديت خالص وبقت مليانة حنية
_ ماشي يا أثير.. هعملك اللي أنتي عايزاه وهخليه يوقعلك طلب الإجازة.. بس المهم إنك ترتاحي يا حبيبتي.
_ شكراً يا زينة.. تصبحي على خير.
قفلت المكالمة وحطيت التليفون جمبي الأوضة رجعت ضلمة وساكتة، بس صوت أفكاري كان عالي جداً.
"ليه وافق بسرعة كده؟ ليه متمسكش بيا قدام مستر أنس زي ما كان بيقول في الكافيه والمسدجات؟! ولا كلامه كان مجرد شعارات وما صدق لقي مخرج؟؟
عدى يومين وأنا محبوسة في أوضتي..
وفي اليوم التالت الباب كان بيخبط وروحت أشوف .. أول ما فتحت كانت الصدمة بالنسبة لي..
_ بدر؟؟
قبل ما ينطق بكلمة، وقبل ما أحاول أستوعب إنه قدامي ..
ظهر مازن أخويا ورايا.. أول ما شافه عصبية الدنيا كلها اتجمعت فيه ..
صرخت برعب وأنا بحاول أقف في النص بينهم..
_ لا مازن استنى!
مازن زق الباب بقوة وخرج يقف قصاد بدر صوته هز العمارة كلها وعينيه بتطلع شرار..
_ أنت ليك عين تجي لحد هنا؟!! أنت فاكر نفسك مين ولا جاي تعمل إيه تاني بعد كل السنين دي؟!
بدر متهزش من مكانه، فضل واقف بثبات بس عينيه كانت مليانة وجع مكتوم، وقال بصوت هادي وثقيل..
= أنا مش جاي أعمل مشاكل يا مازن.. أنا جاي أقول لأثير كلمتين قدامكم وبعدها لو قالتلي أمشي.. أوعدك مش هتشوفوا وشي تاني.
مازن قرب منه ومسكه من لياقة بدلتها وصرخ في وشه بغضب..
_ تقول أي ولمين أنت ملكش كلام معاها أصلا ..!
أنت سيبتها ومشيت في أكتر وقت كانت محتاجة وجودك فيه، وبابا الله يرحمه مات وهو عارف إنك مش قد كلامك! جاي بعد ما كل حاجة اتهدمت تقول أي فهمني ؟!
دموعي نزلت بانهيار ومسكت إيد مازن بكل قوتي وأنا بترجاه وصوتي بيترعش..
_ عشان خاطري يا مازن سيبه! مازن عشان خاطري بلاش مشاكل، سيبه واسمعه الأول!
ماما خرجت تجري من المطبخ على الصوت وقالت بخضة..
_ مازن! سيبه يا ابني.. احنا مش في الشارع عيب كده اهدى!
مازن سحب إيده بغضب بس فضل واقف قافل السكة، وبدر عينيه مكانتش شايفه حد في المكان غيري..
سحب نفس عميق.. وغمض عينيه لثواني وصوته نزل لطبقة هادية جداً مليانة رجاء وتعب، وعينيه ما فارقتش عينيا..
_ أنا آسف.. عارف إن دخولي بالطريقة دي وفي الوقت ده عملك دوشة، وعارف إن موقفك قدام أخوكي وجيرانك صعب.. بس صدقيني يا ثيرا، أنا مكنتش شايف قدامي، مكنش عندي طاقة أستنى يوم كمان وأنا شايفك بتبعدي وبتقفلي كل الأبواب في وشي.
سبقتهم ودخلت قعدت وكلهم جم قعدوا في الصالون..قولت بحدة.
_ شوفت آخرة عنادك وصلنا فين؟!
رد عليا بضيق ..
_ أنا اللي عنيد ولا أنتي يا أثير؟!
رديت بعصبية ونبرة صوتي بتترعش من القهر:
_ أنت جيت عملتلي مشكلة في العمارة كلها يا بدر!
قال بنبرة صادقة..
_ أنا أسف بس إنتي لازم تسمعيني يا أثير.. أنا مستحيل أتخلى عنك، أنا مشيت غصب عني صدقيني.. أنا لسه بحبك، واللي جابني تاني عشان أوضحلك أنا مشيت ليه.. أنا كنت مجبور!
رديت بحدة ودموعي بتلمع في عيني..
_ ومجبور متتواصلش معايا كل المدة دي؟! أنت عارف منظري إيه قدام نفسي حتى؟!!
بصلي بوجع مكتوم..
_ أنا أسف.. بس بجد أنا لما سافرت الدنيا كانت متدهورة معايا على الآخر وبايظة من كل مكان.. أولهم أمي اللي ماتت يا ثيرا!
سكت ثواني معرفتش أرد أقوله إيه.. الكلام وقف في زوري، أنا عارفة إنها كانت غالية عنده جداً، وكانت تعبانة وكان نفسه يساعدها ويعملها أي حاجة.
كمل بحزن وصوته مبحوح..
_ وقتها كل اتصالاتي هنا اتقطعت، وكل حاجة ضاعت مني.. كنت فاكر أول ما أسافر هلاقي الدنيا تمام ومفيش سنة وهنزل ونتجوز، بس أنا فضلت فترة كبيرة أوي بدون شغل.. وخدت وقت على ما عرفت أقف على رجلي، وبقيت بدر اللي أنتي شايفاه قدامك دلوقتي.. واتقابلنا تاني.
رديت بضيق وأنا بحاول أداري تأثري بكلامه عن والدته:
_ اتقابلنا صدفة يا بدر.. الشغل اللي جمعنا يابدر ماجتش عشاني!
قال بسرعة ونبرة إصرار قاطعة..
_ لا يا أثير مكانتش صدفة! جيتلك أنتي وجيت عشانك.. كان قدامي كذا شركة، بس جيتلك أنتي بالاسم.
بعد كلامه الأخير، حسيت إن جدار البرود اللي بنيته طوال الخمس سنين بدأ يتلاشى..
بصيت له وبصيت لمازن اللي ملامحه هديت نسبياً، وكأن العاصفة اللي كانت جوانا كلنا ابتدت تهدى عشان نسمع بعض بجد.
عدى يومين والموضوع هادي جداً.. معرفش حاجة عن بدر، ولا اتكلمنا، بنزل الشغل وبس وحتى متقابلناش.
زينة كانت بتنقلي أخبار بسيطة عن شغله وخلاص.. غير كده محصلش معانا أي لقاء.
أخذت نفس عميق وأنا قاعدة على مكتبي..الأيام التلاتة اللي بعد صدمة مجيئه للبيت عدوا كأنهم سنين.. لا تواصل، لا رسائل جديدة، ولا حتى نظرة صدفة في ممرات الشركة.. كان سايبني براحتي تماماً زي ما وعد، كأنه بيدياني المساحة اللي طلبتها من غير ضغط.
بس في اللحظة دي، الباب اتفتح بهدوء.. وطلت زينة وبإيدها ملف صغير، وبصتلي بابتسامة..
_ أثير.. البشمهندس بدر طالبك في مكتبه بخصوص ملف المشروع الجديد.. وبيقول إن في نقطة فنية محتاجة رأيك النهائي قبل ما العميل يستلمها.
رفعت عيني لزينة، وقلبي حس بنبضة سريعة غلبت هدوء الأيام اللي فاتت.. قفلت اللابتوب..وعدلت قعدتي، وقولت بصوت حاولت أخليه ثابت تماماً..
_ تمام يا زينة.. أنا جاية حالاً.
قمت خطيت خطواتي ناحية مكتبه..ورجلي كانت بتتحرك بثبات ظاهري، بس جوايا عاصفة تانية.. فتحت باب مكتبه بهدوء.. بس الصدمة إن المكتب مكانش فيه ورق ولا مشاريع..!
المكتب كان مزين بطريقة هادية وبسيطة خطفت عيني، وبدر كان واقف في النص، عيونه بتلمع بابتسامة دافية وواثقة.. أول ما قفلت الباب ورايا، قرب مني بخطوات ثابتة وطلع علبة صغيرة من جيبه، فتحها وبهدوء شديد طلع منها دبلة بتلمع تحت النور.
بصلي بحب عميق وقال بصوت دافئ..
_ محبتش أستنى أكتر من كده، ولا أحب أسيبك محتارة كتير يا ثيرا.. ومفاجأة بقى.. أنا أخذت الإذن من مازن ومن طنط، والاتنين وافقوا..ها.. تفتكري ينفع نبدأ من جديد؟!!
دموع الفرحة تجمعت في عيني.. وبصيت له وبابتسامة عريضة هزيت رأسي بالموافقة وأنا حاسة إن كل سنين التعب راحت في اللحظة دي.
رجوعه ليا تاني كان عودة بلا استئذان لقلبي وحياتي..
بس تقريباً كده قلبي كان موافق وأنا اللي كنت بكابر!
كنت عارفة إن بدر استحالة كان يبعد عني بمزاجه ويسيبني، بس زعلي كان كبير أوي.. ودلوقتي، كل الوجع ده اتبخر أول ما لبست دبلته في إيدي من تاني.
أصلها مكانتش مجرد دبلة.. دي كانت إعلان إن الغربة انتهت، وإن الخمس سنين كانوا مجرد اختبار لقوة الحب اللي بينا.. ما هو مكانش ينفع أكمل طريقي من غير بدر..!
تمت بحمد الله
