رواية ليلة في الزنزانه الفصل الثالث والأخير بقلم عيد عزام
- أنا فاروق
فضلت باصص للراجل اللي واقف قدامي، وبعدين بصيت للحيطة. الصوت اللي جاي من الناحية التانية كان صوت راجل كبير، مختلف تمامًا عن صوت فاروق.
= إنت مين؟
فاروق اتحرك ناحيتي بسرعة
- متردش عليه
رجعت خطوة
= هو بيقول إنه إنت
- وأنا قولتلك متردش
الصوت من ورا الحيطة ضحك
- اسأله دخل هنا إمتى يا سالم.
بصيت لفاروق.
= إنت فعلًا دخلت هنا إمتى؟
مردش عليا كأنى مسألتش ، الصوت كمل:
- اسأله اتحجز في إيه
افتكرت كلامه من أول ما دخلت: "حاجات قديمة."
= فاروق؟
قرب مني
- سالم، اسمعني، الحاجة اللي برا جربت صوت أمك، ولما منفعتش جربت أختك. دلوقتي بتجرب حاجة تانية.
- بكدب عليك.
الصوت جه من ورا الحيطة:
- هو اللي مش فاروق.
فاروق رفع صوته:
- متسمعوش!
الخبط رجع، خبطة، خبطة، خبطة، وبعدها الصوت قال:
- لو مش مصدقني، بص تحت الحوض
بصيت ناحية الحوض الصغير اللي في ركن الزنزانة. فاروق وقف قدامي
- متروحش
= ليه؟
- عشان هو عايزك تروح
= فيه إيه تحت الحوض؟
مردش. بصيتله، وبعدها اتحركت ناحية الحوض. فاروق سابنى المرة دي. قعدت على ركبتي وبصيت تحته. في الأول مشوفتش حاجة، بس لما مددت إيدي لقيت حاجة صغيرة محشورة بين الحيطة والمواسير. سحبتها. قطعة معدن قديمة. قلبتها في إيدي، كان محفور عليها اسم: "فاروق عبدالعال".
رفعت عيني ببطء.
= دي بتاعتك؟
فاروق بص للقطعة.
- كانت.
= كانت يعني إيه؟
الصوت من ورا الحيطة ضحك.
- قولتلك.
قمت وقربت من فاروق.
= فهمني.
- مش دلوقتي.
= أمال إمتى؟ من ساعة ما دخلت وإنت بتقولي متردش، متبصش، متقربش. أنا رديت، والحاجة زي ما بتقول لقتني. يبقى على الأقل أعرف أنا محبوس مع مين.
فاروق بصلي فترة، وبعدين قعد على الأرض.
- أنا دخلت الزنزانة دي من زمان.
= قد إيه؟
- سنين.
= واتحبست ليه؟
بصلي.
- أنا متحبستش ؟
=متعصبنيش وتكلمنى بألغاز تانى أمال؟
فاروق رفع عينه ناحية الباب.
- كنت بشتغل هنا.
بصيت للقطعة المعدنية اللي في إيدي. فهمت إنها لوحة اسم.
= كنت عسكري؟
هز راسه.
= وإيه اللي جابك جوه الزنزانة؟
- واحد كان محجوز هنا.
سكت شوية، وبعدين كمل:
- كان لوحده. بعد نص الليل سمعته بيصـ ـرخ. فضلت واقف برا، وكل ما أسأله فيه إيه مكنش بيرد. بعدها سمعته بينادي اسمي.
= وبعدين؟
- فتحتله.
= وإيه اللي حصل؟
فاروق بصلي.
- دي كانت الغلطة.
الصوت من ورا الحيطة قال:
- كداب.
فاروق تجاهله.
- لما فتحت الباب، ملقتش الراجل.
= راح فين؟
- معرفش.
= يعني إيه معرفش؟
- الزنزانة كانت فاضية.
بصيت حواليا. نفس الحيطان، نفس الباب، نفس الحوض.
= طب وإنت؟
فاروق مردش.
= إيه اللي حصلك؟
رفع عينه ناحيتي.
- سمعت صوت أمي.
بلعت ريقى ولقيته بيكمل:
- كانت مـ ـاتت قبليها بسنين. سمعتها بتناديني من آخر الطرقة. مشيت وراها.
= لحد فين؟
بصلي.
- لحد البحر.
افتكرت الحلم، الشخص اللي كان واقف جوه المية وإيده الممدودة ناحيتي.
= البحر؟
فاروق قام.
- عشان كده سألتك إنت شوفته ولا لأ.
= إيه البحر ده؟
- معرفش.
= أمال تعرف إيه؟
- أعرف إن كل واحد بيرد، بيشوفه.
قرب مني.
- وأعرف إن اللي بيوصل للشخص اللي مستنيه جوه المية، مبيرجعش.
بلعت ريقي.
= وإنت رجعت.
فاروق فضل باصصلي.
- جزء مني.
قبل ما أسأله يعني إيه، اللمبة طفت والضلمة رجعت.
سمعت صوت فاروق:
- سالم؟
= أنا هنا
- متنامش
= أنا مش نايم
- مهما شوفت، متقربش منه
= فاروق، أنا صاحي
مردش. مددت إيدي في الضلمة أدور عليه.
= فاروق؟
مفيش رد. حركت إيدي أكتر، مفيش حد.
= فاروق!
فتحت عيني ، كنت واقف في المية.
بصيت حواليا بسرعة. مفيش زنزانة، مفيش باب حديد، مفيش فاروق. بحر بس. المية كانت لحد ركبتي، والسما سودا، ومفيش أي صوت غير الموج.
بصيت ورايا. الشط كان بعيد، مع إني مكنتش فاكر إني مشيت أصلًا. حاولت أرجع، بس سمعت صوت قدامي:
- سالم.
وقفت ، الصوت ده كنت مستعد أسمعه. كنت عارف إنه هييجي، بس معرفتش أستعد للإحساس لما سمعته فعلًا.
رفعت عيني ،كانت واقفة قدامي ، أمي.
جوه المية، بنفس هدوم البيت اللي فاكرها بيها، بنفس شعرها، بنفس وشها قبل ما المرض يغير ملامحها. كانت مبتسمة.
- تعالى يا حبيبي.
دموعي نزلت.
= ماما؟
ابتسامتها وسعت.
- تعالى.
خدت خطوة، المية وصلت فوق ركبتي. خدت خطوة تانية.
= وحشتيني.
- وإنت كمان وحشتني.
مدت إيدها ناحيتي. نفس الإيد اللي شوفتها في المرة الأولى. مشيت ناحيتها، وكل خطوة كانت المية بتعلى. وصلت لبطني، وبعدين صدري، بس مكنتش مهتم. بعد تلات سنين كنت شايف أمي قدامي.
= إنتِ كنتِ فين؟
- مستنياك.
خدت خطوة. المية وصلت لرقبتي ،سمعت صوت بعيد:
- سالم!
بصيت حواليا. صوت فاروق.
- متقربش منها!
أمي بصت ورايا. ملامحها اتغيرت لحظة، وبعدها رجعت تبتسم.
- متسمعوش.
= بس هو قال إنك مش إنتِ.
- وإنت مصدقه؟
سكت. قربت هي خطوة.
- بصلي يا سالم.
بصيت في عينيها.
- أنا مين؟
معرفتش أرد.
- مين كان بيستناك كل يوم ترجع من الشغل؟ مين كان أول حد تكلمه لما تتزنق ويحصل معاك موقف صعب ؟!
دموعي نزلت. افتكرت نفسي في الزنزانة وأنا بدور على موبايلي، وافتكرت الجملة اللي جت في دماغي وقتها: يمكن العادة أبطأ من المـ ـوت.
أمي مدت إيدها أكتر.
- تعالى.
رفعت إيدي. كانت المسافة بين إيدينا سنتيمترات.
صوت فاروق جه من بعيد:
- لو لمستها مش هترجع!
أمي صـ ـرخت:
- متسمعوش!
وقفت. دي أول مرة صوت أمي يخوفني ،بصيتلها. ابتسامتها رجعت.
- تعالى يا سالم.
بصيت لإيدها، وبعدين لوشها.
= إنتِ مش أمي.
ابتسامتها اختفت.
= أمي مـ ـاتت. وأنا اللي دفـ ـنتها بإيدي.
وشها بدأ يتغير، والمية اتحركت حواليا بعنف. رجعت خطوة. هي مدت إيدها ومسكت دراعي. إيدها كانت ساقعة. حاولت أشد نفسي.
= سيبيني!
ملامح أمي اختفت. الوش اللي قدامي مكنش فيه عينين، ولا مناخير، ولا بوق، مجرد جلد باهت. شدني ناحية المية. حاولت أرجع، بس رجلي مكنتش لامسة الأرض. بدأت أغـ ـرق.
صوت فاروق كان بعيد:
- سالم! متردش عليه!
المية دخلت بوقي. حاولت أطلع، وفجأة سمعت صوت أختي:
- سالم!
فتحت بوقي عشان أرد، بس افتكرت ومتكلمتش.
الصوت اتحول لصوت أمي:
- سالم يا حبيبي!
مردتش ،صوت العسكري:
- سالم!
مردتش ،صوت فاروق:
- سالم، رد عليا!
وقفت ، ده فاروق. هو قال من الأول: "متردش غير لو أنا اللي كلمتك."
كنت هرد، بس افتكرت حاجة. أنا مش في الزنزانة، وفاروق نفسه قال: "مهما شوفت، متقربش منه."
قفلت بوقي. حتى فاروق مردتش عليه ، فجأة الإيد اللي ماسكة دراعي اختفت، ووقعت لورا.
فتحت عيني وأنا على أرض الزنزانة. كنت بكح ونفسي مقطوع. بصيت على هدومي، ناشفة. رفعت عيني، اللمبة الصفرا كانت منورة.
= فاروق؟
مفيش رد ، بصيت مكانه، فاضي. قمت بسرعة.
= فاروق؟
دورت حواليا، مفيش حد. جريت ناحية الباب وخبطت عليه.
= يا عسكري!
محدش رد. خبطت تاني.
= يا عسكري!
سمعت خطوات، المرة دي سريعة. مفتاح اتحط في الباب. رجعت لورا. الباب اتفتح، ودخل عسكري معرفوش.
بصلي باستغراب.
- إنت كويس؟
= فاروق فين؟
- مين؟
= الراجل اللي كان معايا.
بص جوه الزنزانة.
- راجل مين؟
= فاروق!
فضل باصصلي.
- إنت كنت لوحدك هنا يا أستاذ.
ضحكت. مكنتش عارف أعمل إيه غير إني أضحك.
= لوحدي إزاي؟ ده كان قاعد هنا.
العسكري بصلي كأنه مش فاهم.
= الساعة كام؟
- ستة ونص.
بصيت ناحية الشباك العالي. النور داخل منه. الصبح جه.
خرجت من الزنزانة وأنا كل خطوتين أبص ورايا. عدينا في نفس الطرقة وطلعنا السلم. أصوات القسم رجعت، تليفونات، ناس بتتكلم، أبواب بتتفتح وتتقفل. كل حاجة طبيعية، لدرجة إني بدأت أسأل نفسي إذا كنت نمت وحلمت بكل اللي حصل.
وصلنا فوق. العسكري إداني حاجتي وموبايلي. وأنا باخده، عيني وقعت على لوحة صور قديمة معلقة على الحيطة، صور لضباط وعساكر من سنين ،وقفت وقربت منها.
لقيته ، نفس الوش، أصغر شوية، بس هو.
فاروق.
شاورته للعسكري.
= هو ده
العسكري قرب.
- مين؟
= فاروق. الراجل اللي كان معايا تحت.
بص للصورة، وملامحه اتغيرت.
- إنت تعرفه منين؟
= قولتلك كان معايا في الزنزانة.
فضل ساكت.
= هو مين؟
بصلي وبعدين للصورة.
- فاروق عبدالعال.
نفس الاسم اللي كان على قطعة المعدن.
= فين هو؟
العسكري مردش.
= بسألك فين؟
- فاروق كان شغال هنا.
= عارف.
بصلي باستغراب.
- عارف منين؟
= هو قالي.
سكت، وبعدين قال:
- فاروق مـ ـات من أكتر من عشرين سنة.
فضلت باصصله ومقدرتش أنطق
- لقوه تحت في الطرقة جنب زنزانة الحجز القديمة.
= مـ ـات إزاي؟
- معرفش، أنا أصلًا مكنتش اشتغلت هنا وقتها. الحكاية قديمة.
بصيت ناحية السلم اللي نزلت منه بالليل.
= والزنزانة؟
- مالها؟
= لسه بتحجزوا فيها ناس؟
استغرب السؤال.
- الزنزانة دي مقفولة من سنين.
بصيتله.
= إنت بتقول إيه؟
قبل ما يرد، ظابط نادى عليه. مشي وسابني واقف.
بصيت للموبايل في إيدي. كان فيه مكالمات كتير من أختي. اتصلت بيها، ردت من أول رنة.
- سالم! إنت فين؟ أنا هتجنن عليك!
أول ما سمعت صوتها حسيت إني رجعت للدنيا.
= أنا كويس.
- إنت بتقول كويس؟ أنا من امبارح بكلمك!
= خلاص، أنا خارج أهو.
- حصل إيه؟
بصيت ناحية السلم.
= لما أجيلك أحكيلك.
خرجت من القسم. الشمس كانت طالعة، الشارع مليان ناس وعربيات وأصوات. كل حاجة عادية. وقفت قدام القسم وخدت نفس طويل.
خلصت ، الليلة عدت ،حطيت الموبايل في جيبي ومشيت. بعد كام خطوة رن. طلعته، رقم غريب. فضلت باصص للشاشة ومردتش. الرنة وقفت.
بعد ثواني، جالي إشعار ، رسالة صوتية.
وقفت مكاني وبصيت ورايا ناحية القسم، وبعدين فتحت الرسالة. مدتها أربع ثواني. دست تشغيل.
في الأول كان فيه صوت تشويش، وبعدين سمعت صوت:
- يا فاروق.
عرفت الصوت من أول كلمة ،كان صوتي أنا.
وقبل ما التسجيل يخلص، صوتي قال:
- أنا رجعت.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
