رواية قدر لا يشبهنا الفصل الثالث
كان أسلم واقف في مكان شغله، بيؤدي عمله بهدوء كعادته، بيتعامل مع كل اللي حواليه بابتسامته البسيطة وكلماته الطيبة، وكل شوية كان بيبص على الساعة منتظر انتهاء يومه، مش لأنه بيكره شغله أو مستعجل يهرب منه، بالعكس، أسلم كان من النوع اللي بيعمل اللي عليه مهما كان الشغل كتير وتقيل، وكان شايف إن الإنسان لازم يخلص عمله بأمانة طالما ربنا رزقه بيه، ومع اقتراب نهاية اليوم بدأت حركة المكان تهدى تدريجيًا، والموظفين واحد ورا التاني بدأوا يمشوا، لحد ما أسلم أخيرًا بص على الساعة وابتسم لنفسه وقال بصوت هادي:
أسلم: خلاص كده... الحمد لله، يوم وعدّى على خير.
خلع الزي الخاص بالشغل، وبدل هدومه بسرعة، وبعدها خرج من المكان وهو شايل حاجته على كتفه، وأول ما وصل عند أصحابه لقاهم واقفين بيتكلموا سوا قبل ما كل واحد فيهم يروح بيته، وأول ما شافوه بدأوا ينادوا عليه.
عماد: يا أسلم، استنى يا عم، هتمشي كده من غير ما تسلم؟
أسلم ضحك وهو بيقرب منهم وقال: لا يا سيدي، هو أنا أقدر أمشي من غير ما أسلم عليكم؟
سامح: طب اقعد معانا شوية.
أسلم هز راسه بابتسامة وقال: والله نفسي، بس أنا تعبان شوية وعايز أروح أرتاح، وبكرة ورايا شغل بدري.
عماد: ربنا يعينك يا أسلم.
أسلم: ويعينكم جميعًا يا رب.
صافحهم واحد واحد، وقبل ما يركب دراجته النارية وقف لحظة وبص لهم وقال بابتسامة هادية: تصبحوا على خير يا رجالة.
سامح: وإنت من أهله يا صاحبي، وخلي بالك من نفسك.
أسلم ابتسم وقال: حاضر.
ركب دراجته النارية، شغلها، وتحرك بهدوء، وكان الجو بدأ يدخل في الليل، والهواء بارد بشكل لطيف، والشوارع مش زحمة زي وقت النهار، وأسلم كان سايق على سرعته الطبيعية، لا مستعجل ولا عنده أي سبب يخليه يجري، وكل اللي كان بيفكر فيه إنه يوصل البيت، يصلي العشاء، ياكل أي حاجة بسيطة، وبعدها ينام عشان يبدأ يوم جديد.
كان الطريق في البداية مليان حركة وأصوات عربيات، لكن كل ما أسلم بعد عن المنطقة المزدحمة، بدأت الأصوات تقل تدريجيًا، والبيوت تقل، وأعمدة الإنارة بقت متباعدة، لحد ما وصل لطريق هادي جدًا، الطريق كان شبه خالي، ومفيش غير كام عربية بتظهر من وقت للتاني، وأسلم كان سايق بهدوء، وعينيه مركزين قدامه، لحد ما فجأة لمح نور عربية جاي من بعيد.
في البداية ماخدش باله من حاجة، لكن مع اقتراب العربية منه بدأ يلاحظ إنها مش ماشية في مكانها الطبيعي، كانت داخلة ناحية الطريق اللي هو ماشي فيه، وأسلم ضيق عينيه وحاول يفهم إيه اللي بيحصل، لكنه في ثواني قليلة جدًا اكتشف إن العربية جاية عكس الاتجاه تمامًا.
أسلم: يا ساتر يارب!
ضغط على الفرامل وحاول يبعد بالدراجة ناحية اليمين، وفي نفس اللحظة العربية حاولت تتحرك بعيد عنه، لكن كل حاجة حصلت أسرع من أي محاولة للسيطرة، الدراجة انحرفت، وأسلم فقد توازنه، والعربية اصطدمت بجانب الدراجة، فاندفع أسلم بعيدًا وسقط على الأرض بعنف، بينما العربية نفسها انح'رفت عن الطريق وانقلبت مرة، ثم مرة ثانية، ثم ثالثة، قبل ما تستقر مقلوبة على جانب الطريق وسط صوت زجاج بيتكسر وصوت الحديد وهو بيحتك بالأرض.
ثواني من الصمت سيطرت على المكان، وبعدها بدأ الناس اللي كانوا بعيد شوية يجروا ناحية الحادث، لكن أول ما قربوا شوية وقفوا مكانهم لما لاحظوا إن العربية مقلوبة وبدأ يتسرب منها البنزين.
رجل من الموجودين صرخ: ابعدوا! ابعدوا عنها! العربية ممكن تو لع!
واحد تاني قال بخوف: متقربوش منها، البنزين بيسرب!
الناس بدأت تتجمع على مسافة، وكل واحد بيبص للتاني في خوف، محدش عارف يعمل إيه، ومحدش كان قادر يقرب من العربية، خصوصًا إن أي شرارة ممكن تحول المكان لكارثة.
أما أسلم فكان واقع على الأرض على بعد أمتار من دراجته، وكان الأ لم شديد جدًا في كتفه وجانبه، ووشه اتخبط واتجرح، وإيده كانت بت نزف، لكنه رغم كل ده حاول يحرك جسمه، رفع نفسه بصعوبة، واتكأ على الأرض بإيده، وبعد محاولتين قدر يقف.
أحد الرجال جري ناحيته وقال: إنت كويس يا ابني؟ متتحركش!
أسلم بص له وهو بيحاول يستوعب اللي حصل، وبعدها عينيه راحت ناحية العربية المقلوبة.
أسلم: في حد جوه؟
الرجل سكت.
رجل تاني قال: غالبًا آه... بس متقربش، العربية هتو لع!
أسلم بص للعربية مرة تانية، وشاف البنز ين بينزل على الأرض، وسمع صوت حد ضعيف جدًا جاي من جوه العربية.
في اللحظة دي، الألم اللي كان في جسمه اختفى تقريبًا قدام صوت الاستغاثة.
أسلم: في حد جوه!
الرجل: أيوه... بس يا ابني متقربش!
أسلم بدأ يمشي ناحية العربية.
الرجل مسكه من دراعه: إنت اتعورت! استنى، الشرطة والإسعاف جايين.
أسلم سحب دراعه بهدوء وقال: لو استنيت الإسعاف ممكن يكون الوقت فات.
الرجل: بس العربية ممكن تنف'جر!
أسلم بص له بثبات وقال: لو فيها حد لسه عايش... مش هقدر أقف أتفرج عليه وهو بيموت.
وبدون ما يستنى رد من أي حد، بدأ يجري ناحية العربية رغم الألم اللي كان في جسمه، والناس كلها فضلت واقفة مكانها بتبص له في ذهول، لأن محدش كان فاهم إزاي شخص مصاب في حادث من شوية قادر يفكر في إنقاذ شخص تاني قبل ما يفكر في نفسه.
وصل أسلم للعربية، وحاول يفتح الباب، لكنه كان محشور بسبب الانقلاب، مسك المقبض وشده بكل قوته، لكن الباب مااتحركش، حاول مرة تانية، وعضلات ذراعه شدّت من شدة المجهود، والجرح اللي في إيده بدأ ينزف أكتر، لكنه ماوقفش، ضرب الباب بكتفه مرة، واتوجع، لكنه رجع حاول تاني، وبعد محاولات متتالية بدأ الباب يتحرك بصعوبة.
أسلم بصوت متقطع: يلا... افتحي... بالله عليكي افتحي.
وأخيرًا الباب اتفتح جزء بسيط، فأسلم دخل إيده وحاول يوسع المساحة، وبعد مجهود كبير قدر يفتح الباب بدرجة تسمح له إنه يوصل للشخص الموجود بالداخل.
وفي اللحظة دي شافها لأول مرة.
كانت روفانا.
كانت محاصرة داخل السيارة، شعرها مبعثر على وجهها، وملامحها شاحبة، وعلى جبينها جرح كبير، وكانت شبه فاقدة للوعي، عينيها بتفتح وتقفل بصعوبة، وأنفاسها ضعيفة، لكنها كانت لسه واعية بدرجة بسيطة.
أسلم: سمعاني؟
روفانا فتحت عينيها بصعوبة، لكنها لم تستطع الرد.
أسلم قرب منها وقال: متخافيش... أنا هطلعك من هنا.
روفانا حاولت تتكلم، لكن صوتها خرج ضعيف جدًا وغير مفهوم.
أسلم: متتكلميش، بس خليكِ معايا.
مد إيده ناحية حزام الأمان وحاول يفكه، لكنه كان عالقًا، فاضطر يشده بكل قوته، وبعد محاولات نجح أخيرًا في تحريرها.
أسلم: خلاص... خلاص، هنخرج.
مد ذراعه تحت كتفها، وحاول يرفعها، لكنها كانت فاقدة قوتها تقريبًا، وجسمه نفسه كان مصاب، وكل حركة كانت بتسبب له ألم شديد، لكنه ضغط على نفسه، وبدأ يسحبها للخارج ببطء.
روفانا فتحت عينيها مرة أخرى.
كانت الرؤية قدامها مشوشة جدًا، وكل اللي كانت شايفاه صورة رجل بيحاول ينقذها، رجل غريب عنها تمامًا، وجهه عليه آثار إصابة، وإيده بتنـزف، لكنه رغم كل ده كان مركز عليها هي فقط.
لم تكن تعرف اسمه.
لم تكن تعرف من أين جاء.
ولم تكن تعرف لماذا خاطر بحياته من أجل شخص لا يعرفه.
لكنها في تلك اللحظة حفظت ملامحه.
حفظت عينيه...
وحفظت ملامح وجهه رغم التشوش...
وحفظت صوته وهو يقول لها:
أسلم: متخافيش... إنتِ هتبقي كويسة.
وبآخر جزء من وعيها، شعرت إنها خرجت من السيارة، وبعدها سقط رأسها على كتفه للحظة، ونظرت له مرة أخيرة، قبل ما تغمض عينيها تمامًا وتفقد الوعي.
أسلم: إنتِ سامعاني؟!
لكنها لم تجبه.
أسلم بصوت مرتجف: يا جماعة! حد يتصل بالإسعاف بسرعة!
بدأ الناس يقتربون أخيرًا بعدما أصبحت روفانا خارج السيارة، بينما أسلم جلس على الأرض وهو يسندها بحذر، ونظراته لا تفارق وجهها، ولم يكن يعرف عنها أي شيء سوى أنها كانت على وشك الموت منذ دقائق.
أما روفانا، فقبل أن يغيب عنها الوعي تمامًا، كانت آخر صورة ثبتت في ذاكرتها هي وجه ذلك الغريب الذي ظهر من وسط الخطر لينقذها، وكأن القدر أراد أن يجعل أول لقاء بينهما مختلفًا عن كل اللقاءات... لقاء لم يبدأ بكلمة حب، ولا بتعارف، ولا حتى بنظرة عابرة، وإنما بدأ بحادث كان من الممكن أن ينهي حياة أحدهما،
وفي نفس اللحظة، كانت أصوات سيارات الإسعاف تقترب من بعيد، وأصوات الناس بدأت تعلو في المكان، بينما أسلم ظل واقفًا بجوار روفانا، غير مدرك أن القدر الذي جمعهما بهذه الطريقة الغريبة لم يكن قد انتهى من مفاجآته بعد...
🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺
ماهي إلا ثواني قليلة حتى بدأت أصوات سيارات الإسعاف تقترب من مكان الحادث، والناس اللي كانوا متجمعين حول السيارة بدأوا يبعدوا عن الطريق، بينما رجال الإسعاف نزلوا بسرعة واتجهوا ناحية روفانا، وفي نفس الوقت كان واحد من المسعفين بيتجه ناحية أسلم اللي كان واقف بصعوبة شديدة، وملامح التعب والإصابة بدأت تظهر عليه أكتر بعد ما انتهى الخطر اللي كان قدامه، وكأنه كان طوال الوقت بيجبر جسمه على التحمل فقط لأنه كان عارف إن حياة شخص تاني متعلقة بقدرته على الحركة.
المسعف: إنت مصاب؟
أسلم حاول يرد، لكنه في البداية ماطلعش منه صوت، وبعدها هز راسه وقال بصوت ضعيف: أنا كويس... شوفوا البنت الأول.
المسعف بص له باستغراب وقال: إنت بتقول كويس وإنت وشك كله جروح وإيدك بتنـزف؟
أسلم بص ناحية روفانا اللي كان المسعفون بيحاولوا يثبتوها على النقالة وقال: هي كويسة؟
المسعف: لسه هنكشف عليها في العربية.
أسلم حاول يتحرك ناحيتها، لكن أول ما خطى خطوة حس إن الأرض بتتحرك تحته، وبدأت الدنيا قدامه تتشوش، حاول يستند على العربية الموجودة جنبه، لكن إيده ماقدرتش تشيل جسمه، وفي لحظة واحدة فقد توازنه ووقع على الأرض.
المسعف: يا جماعة بسرعة! عندنا مصاب تاني!
اتجمع حواليه أكتر من شخص، وحاولوا يرفعوه، لكن أسلم كان فقد وعيه تمامًا، وفي نفس الوقت كانت روفانا بالفعل على نقالة الإسعاف، جسمها ساكن وعينيها مغمضة، ولم تكن تعرف شيئًا عما يحدث حولها، بينما آخر صورة كانت ما زالت عالقة في ذهنها قبل أن تفقد وعيها هي وجه أسلم وهو بيحاول يخرجها من السيارة.
تحركت سيارات الإسعاف بسرعة ناحية المستشفى، وكل واحد من الاثنين كان داخل سيارة مختلفة، لا يعرف أحدهما شيئًا عن الآخر.
وصلت سيارات الإسعاف إلى المستشفى، واستقبلهم الأطباء والممرضون بسرعة، وتم نقل روفانا مباشرة إلى قسم الطوارئ بسبب حالتها، بينما تم نقل أسلم إلى غرفة أخرى لتلقي الإسعافات اللازمة، وبعدها بدأت ساعات طويلة تمر، ساعات لم يكن أي واحد منهما يعرف فيها ماذا يحدث للآخر.
الأطباء كانوا بيتعاملوا مع إصابات الاثنين، وطاقم التمريض كان بيتابع حالتهم باستمرار، وكل دقيقة كانت تمر كانت تحمل معها احتمالات جديدة، لكن بمرور الوقت بدأت حالة أسلم تستقر، وبعد ساعات طويلة من العلاج والإرهاق، بدأ يحرك أصابعه ببطء، ثم فتح عينيه بصعوبة.
في البداية لم يفهم أين هو.
كان كل شيء حوله أبيض، ورائحة المكان مختلفة، وصوت جهاز قريب منه كان بيصدر صوتًا منتظمًا، حاول يحرك رأسه، لكنه شعر بألم شديد في كتفه وجانبه، فغمض عينيه مرة أخرى للحظة، ثم فتحهما وبص للسقف، وبعد ثوانٍ قليلة بدأ يستوعب.
أسلم لنفسه بصوت ضعيف: المستشفى...
حاول يفتكر اللي حصل، وبدأت الصور ترجع له واحدة وراء التانية؛ الدراجة، العربية اللي كانت ماشية عكس الاتجاه، صوت الاصطدام، السيارة وهي بتتقلب، الناس وهي واقفة خايفة، وبعدها صورة البنت اللي كانت جوه العربية.
فجأة حاول يقوم من على السرير.
أسلم: البنت!
لكن قبل ما يحط رجله على الأرض، كانت الممرضة دخلت الغرفة، ولما شافته بيحاول يقوم جريت ناحيته.
الممرضة: استنى! إنت رايح فين؟
أسلم: أنا كويس.
الممرضة: كويس إيه؟ إنت لسه فايق من كام دقيقة ومصاب في حادث كبير، ارجع مكانك.
أسلم حاول يقوم تاني وقال: أنا لازم أعرف البنت اللي كانت في العربية... هي فين؟
الممرضة بصت له للحظة، ثم قالت: تقصد البنت اللي وصلت معاك؟
أسلم هز راسه بسرعة: أيوه، هي... هي عاملة إيه؟
الممرضة: حالتها كانت محتاجة متابعة أكتر، وهي دلوقتي في العناية المركزة.
أسلم اتغيرت ملامحه فورًا.
أسلم: العناية المركزة؟
الممرضة: أيوه.
أسلم: طب هي عايشة؟
الممرضة: أيوه، الحمد لله، لكن حالتها محتاجة مراقبة.
أسلم أخذ نفسًا عميقًا وكأنه كان حابس أنفاسه من وقت ما سمع إنها في العناية، وبعدها قال: أنا عايز أشوفها.
الممرضة بصت له باستغراب: تشوفها؟ إنت حتى مش قادر تقف على رجلك.
أسلم: أنا لازم أطمن عليها.
الممرضة: الدكتور قال إنك ترتاح، وممنوع تتحرك كتير دلوقتي.
أسلم بص لها برجاء وقال: أنا مش هعمل حاجة، بس عايز أعرف إنها كويسة، أنا السبب إني دخلت العربية وأنقذتها، ومش هقدر أرتاح وأنا مش عارف حالتها.
الممرضة: إنت أنقذتها؟
أسلم هز راسه ببساطة وقال: كانت محبوسة جوه العربية... ومفيش حد كان قادر يقرب منها.
الممرضة سكتت للحظة، ثم قالت: طيب استنى، أنا هكلم الدكتور.
وبعد دقائق دخل الطبيب إلى الغرفة، وبص على أسلم وقال: إنت اللي كنت موجود في الحادث؟
أسلم: أيوه يا دكتور.
أسلم هز راسه.
الطبيب تنهد وقال: واضح إنك كنت مصاب من البداية، ومع ذلك فضلت تتحرك وده اللي خلّى إصاباتك تزيد، بس الحمد لله حالتك مستقرة.
أسلم: والبنت؟
الطبيب: حالتها مستقرة حاليًا، لكنها تحت الملاحظة في العناية المركزة.
أسلم: أقدر أشوفها؟
الطبيب تردد قليلًا، ثم قال: من بعيد، ولمدة قصيرة جدًا، وبعدها ترجع غرفتك فورًا، لأنك محتاج ترتاح.
أسلم وافق من غير تردد.
خرج أسلم من غرفته بصعوبة، والممرضة كانت ماشية جنبه تحاول تساعده، وكل خطوة كان بياخدها كانت بتفكره بإصاباته، لكنه رغم الألم كان مصمم يوصل للعناية المركزة، مش لأنه يعرف البنت دي، ولا لأنه كان منتظر منها شكر، ولا حتى لأنه كان يعرف اسمها، لكنه فقط كان محتاج يشوف بعينه إنها لسه بخير.
وصل أمام العناية المركزة، ووقف عند الباب، ورفع عينيه ناحية الزجاج، وهناك لمح روفانا للمرة الثانية.
كانت نايمة على السرير، والأجهزة حواليها، وملامحها هادئة بشكل مختلف تمامًا عن اللحظة اللي شافها فيها داخل السيارة، ولأول مرة شعر أسلم براحة حقيقية، لأنه عرف إنها لسه عايشة.
الطبيب وقف بجواره وقال: هي دلوقتي حالتها مستقرة، وإن شاء الله تعدي المرحلة دي على خير.
أسلم فضل ساكت للحظات، وبص لها من خلال الزجاج، ثم قال بصوت منخفض: الحمد لله.
الطبيب: إنت عملت اللي عليك وزيادة، ودلوقتي لازم تهتم بنفسك.
أسلم هز راسه، لكنه قبل ما يمشي سأل: هي... أهلها عرفوا؟
الطبيب: المستشفى بدأت تتواصل مع بياناتها، وإن شاء الله أهلها يوصلوا قريب.
أسلم: تمام.
الطبيب: يلا، نرجع غرفتك.
رجع أسلم مع الطبيب والممرضة إلى غرفته، وجلس على السرير، وبعد لحظات صمت سأل الطبيب:
أسلم: يا دكتور... العلاج والمصاريف؟
الطبيب بص له وقال: إيه اللي تقصده؟
أسلم: يعني حساب علاجي وعلاج البنت... كام عشان أدفعه؟
الطبيب ابتسم وقال: متشغلش بالك بالموضوع ده.
أسلم: لأ، أنا لازم أعرف.
الطبيب: الشخص اللي جابكم المستشفى دفع كل المصاريف المطلوبة.
أسلم عقد حاجبيه وقال: الشخص اللي جابنا؟
الطبيب: أيوه، اللي كان موجود وقت الحادث، أو اللي تولى إجراءات دخولكم، دفع المطلوب كله.
أسلم: يعني أنا مش مطلوب مني حاجة؟
الطبيب: لأ، كل شيء اتدفع.
أسلم فضل ساكت شوية، وكأنه مش قادر يفهم مين الشخص اللي دفع كل المصاريف، لكنه في النهاية لم يكن عنده طاقة يسأل أكتر.
أسلم: ربنا يجازيه خير.
الطبيب: آمين، ودلوقتي بقى نام وريح جسمك.
أسلم ابتسم ابتسامة بسيطة وقال: حاضر يا دكتور.
خرج الطبيب، ورجعت الغرفة للهدوء من جديد، وأسلم سند رأسه على الوسادة، وغمض عينيه، لكنه قبل ما ينام افتكر وجه روفانا مرة تانية، واللحظة اللي شافها فيها لأول مرة، ثم قال لنفسه بصوت خافت:
أسلم: المهم إنها بخير.
وبعدها غلبه التعب، ودخل في نوم عميق.
مرت ساعات الليل ببطء، حتى بدأ ضوء الصباح يتسلل من نافذة الغرفة، وأسلم فتح عينيه، وحس إن جسمه لسه تعبان لكنه أفضل من الليلة اللي فاتت، جلس على السرير للحظات، ثم بدأ يجهز نفسه للخروج بعد ما سمح له الطبيب بالعودة إلى البيت مع ضرورة الراحة وعدم بذل أي مجهود.
خرج أسلم من المستشفى في الصباح، والجو كان مختلف تمامًا عن أجواء الليل، وقف للحظة أمام باب المستشفى وبص للشارع، ثم أخذ نفسًا عميقًا.
كان لسه مصاب.
ولسه مش فاهم كل اللي حصل.
ولسه مش عارف مين البنت اللي أنقذها.
كل اللي كان يعرفه إنها كانت إنسانة محتاجة مساعدة، وهو عمل اللي كان شايف إنه لازم يعمله.
استقل سيارة اجرة لتوصله إلى البيت، وبعد وقت وصل إلى الحي الصغير اللي عايش فيه، ومشى في الشوارع بهدوء، والناس اللي يعرفوه كانوا بيبصوا له باستغراب بسبب الجروح اللي على وشه وإيده.
دخل بيته، وقفل الباب خلفه، ووضع حاجته جانبًا، ثم جلس على سريره وأخذ نفسًا طويلًا.
أسلم لنفسه: يوم غريب أوي...
سكت لحظة، ثم ابتسم ابتسامة بسيطة.
أسلم: بس الحمد لله.
وفي مكان آخر، داخل نفس المستشفى، كانت روفانا لا تزال ترقد في العناية المركزة، لا تعرف أن الرجل الذي أنقذ حياتها عاد إلى بيته، ولا تعرف حتى اسمه، وكل ما بقي في ذاكرتها من تلك الليلة هو وجه غريب ظهر أمامها وسط الحطام والخطر، وصوت هادئ قال لها:
«متخافيش... إنتِ هتبقي كويسة.»
لكنها لم تكن تعرف أن هذا الصوت لن يكون مجرد صوت عابر في حياتها...
وأن القدر الذي جمعها بأسلم وسط حادث كاد أن يق. تلها، كان قد بدأ بالفعل في كتابة أول سطر من حكاية قدر لا يشبهنا.
🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺
مرّ وقت طويل داخل المستشفى، وكانت روفانا لسه غارقة في نوم عميق، جسمها بيحاول يستعيد قوته بعد الحادث العنيف اللي تعرضت له، والأجهزة حوالين سريرها كانت بتصدر أصوات منتظمة، والأطباء والممرضات بيتابعوا حالتها من وقت للتاني، لحد ما بدأت أصابعها تتحرك ببطء، وبعدها حركت رأسها قليلًا، وكأن عقلها بيحاول يرجع من مكان بعيد، ثم فتحت عينيها أخيرًا، لكن الرؤية في البداية كانت مشوشة، والسقف الأبيض فوقها كان أول حاجة شافتها، حاولت تتحرك لكنها شعرت بثقل شديد في جسمها، فأغمضت عينيها مرة أخرى، وبعد ثواني فتحتهم وهي بتحاول تفتكر هي فين.
روفانا بصوت ضعيف: أنا... فين؟
الممرضة اللي كانت قريبة منها انتبهت إنها فاقت، واقتربت منها بسرعة.
الممرضة: حمد لله على السلامة، متحاوليش تتحركي دلوقتي.
روفانا بصت لها باستغراب، وحاولت تجمع الأحداث في دماغها، لكن فجأة بدأت الصور ترجع لها واحدة وراء التانية؛ السيارة، الطريق، الفرامل اللي ماكانتوش شغالة، صوت ياسمين في الهاتف، الدراجة النارية، الخوف، الاصطدام، وبعدها السيارة وهي بتتقلب، ثم صورة الرجل اللي ظهر أمامها وسط الحطام.
اتسعت عينيها فجأة.
روفانا: الراجل...
الممرضة: إيه؟
روفانا بصوت متقطع: الراجل اللي... أنقذني.
الممرضة ابتسمت وقالت: تقصدي الشاب اللي كان موجود وقت الحادث؟
روفانا هزت رأسها بسرعة رغم الألم.
روفانا: أيوه... هو فين؟
الممرضة: إنتِ لسه فايقة، ارتاحي الأول.
روفانا: لأ، أنا عايزة أعرف هو فين.
الممرضة بصت لها للحظات، ثم قالت: هو كمان كان مصاب في الحادث، واتنقل المستشفى معاكي.
روفانا تنفست براحة بسيطة.
روفانا: يعني هو هنا؟
الممرضة: كان هنا.
روفانا اتعلقت بالكلمة.
روفانا: كان؟
الممرضة: أيوه، هو خرج من المستشفى من بدري.
روفانا سكتت للحظات، وكأنها كانت منتظرة تسمع إجابة مختلفة تمامًا، ثم قالت بصوت خافت: خرج؟
الممرضة: أيوه، حالته كانت مستقرة، وبعد ما أطمن على حالتك وسمح له الدكتور بالخروج، مشي.
روفانا بصت قدامها، وشعرت بحاجة غريبة جدًا جواها، إحساس بالضيق لم تعرف له سببًا، مع إنها من الأساس لا تعرف هذا الرجل، ولا تعرف اسمه، ولا تعرف عنه أي شيء، وكل علاقتها به لم تتعدَ دقائق قليلة وسط حادث، لكنه رغم ذلك ترك داخلها أثرًا غريبًا، وكأن جزءًا منها كان منتظرًا أن تراه مرة أخرى قبل أن تخرج من المستشفى.
روفانا لنفسها: مش عارفة ليه...
سكتت، ثم هزت رأسها كأنها بتحاول تطرد الفكرة من دماغها.
روفانا: هو أنقذني وخلاص... يمكن دي آخر مرة أشوفه فيها.
الممرضة: أكيد، والمهم إن ربنا نجّاكم أنتم الاتنين.
روفانا ابتسمت ابتسامة بسيطة، لكنها لم تكن ابتسامة فرح، ثم سألت:
روفانا: هو... قال حاجة عني؟
الممرضة: قال إنه كان عايز يطمن عليكِ بس.
روفانا سكتت.
روفانا: بس؟
الممرضة: أيوه.
روفانا بصت للسقف مرة تانية، وملامح الرجل رجعت قدام عينيها؛ وجهه المصاب، إيده اللي كانت بتنـزف، وصوته الهادئ وهو بيقول لها إنها هتبقى كويسة، والغريب إنها كانت قادرة تفتكر تفاصيل ملامحه بشكل واضح رغم إن اللحظة كلها كانت مليانة خوف ودخان وحطام.
الممرضة: ارتاحي دلوقتي.
روفانا هزت رأسها، لكن بعد دقائق بدأت تفكر في الخروج، خصوصًا بعدما طمأنها الطبيب إن حالتها تسمح لها بالعودة إلى البيت مع الالتزام بالراحة والمتابعة، وروفانا لم تكن تريد البقاء في المستشفى أكثر من ذلك، كانت محتاجة ترجع لمكانها، محتاجة تشوف غرفتها، محتاجة تبقى لوحدها، والأهم من كل ده إنها كانت محتاجة تفهم اللي حصل في حياتها خلال اليومين اللي فاتوا.
بعد وقت، ارتدت ملابسها بمساعدة الممرضة، ثم خرجت من المستشفى، ولم يكن هناك أحد من عائلتها في انتظارها، فقررت ألا تتصل بأحد، واستقلت سيارة أجرة واتجهت إلى القصر.
طوال الطريق كانت ساكتة، عينيها على الطريق من خلف زجاج السيارة، وكل شوية كانت تحط إيدها على مكان الإصابة وتغمض عينيها، لكن كلما أغمضت عينيها كانت صورة أسلم ترجع لها مرة أخرى، فكانت تفتح عينيها بسرعة وتحاول تنشغل بأي شيء آخر.
السائق: حضرتك كويسة يا آنسة؟
روفانا انتبهت لسؤاله وقالت: أيوه.
السائق: شكلك تعبانة.
روفانا ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: شوية بس.
السائق: ربنا يقومك بالسلامة.
روفانا: شكرًا.
رجعت تبص من الشباك، وبعد فترة وصلت السيارة إلى القصر، دفعت الحساب ونزلت، ثم وقفت للحظات أمام البوابة الكبيرة، وأخذت نفسًا عميقًا، وبعدها دخلت.
كانت تتمنى أن تدخل غرفتها من غير ما حد يسألها عن أي شيء، لكنها كانت تعرف في نفس الوقت إن غيابها طوال الليل وخروجها من البيت من غير حراسة أكيد هيثير أسئلة كثيرة.
لكنها لم تكن تعرف أن المشكلة الحقيقية لم تكن في الحادث...
كانت في شيء آخر.
صعدت روفانا السلم ببطء، وكل خطوة كانت بتسبب لها ألمًا بسيطًا، لكنها لم تهتم، وكل اللي كان في دماغها إنها توصل جناحها وتقفل الباب وتكون لوحدها.
وصلت أمام باب جناحها.
مدت إيدها للمقبض.
فتحت الباب.
وفي اللحظة اللي دخلت فيها...
تجمدت في مكانها.
عينيها اتسعت.
أنفاسها انحبست.
لأنها لم تكن وحدها.
كانت ماري واقفة في منتصف الجناح.
لم تكن جالسة.
لم تكن هادئة.
كانت واقفة تنتظرها.
وملامح الغضب على وجهها كانت مختلفة تمامًا عن أي مرة شافتها روفانا فيها قبل كده.
لكن هذا لم يكن أكثر شيء أخاف روفانا.
الشيء الذي جعل الدم ينسحب من وجهها تمامًا...
كان الشيء الموجود في يد ماري.
ماري رفعت يدها قليلًا، ونظرت إلى الشيء الموجود بها، ثم رفعت عينيها ناحية روفانا.
ماري بصوت غاضب وبارد:
ـ إيه ده يا هانم؟
روفانا لم تستطع الرد.
كانت واقفة عند الباب، لا تتحرك، ولا حتى قادرة على استيعاب كيف وصلت ماري إليه.
ماري اقتربت منها خطوة.
ـ أنا بسألك... إيه ده؟
روفانا بدأت تتنفس بسرعة، وقلبها بدأ يدق بعنف، وكأن روحها فعلًا بتنسحب منها ببطء.
بصت للشيء الموجود في يد أمها، ثم رفعت عينيها إليها.
روفانا بصوت مرتجف:
ـ مامي...
ماري قاطعتها بعنف:
ـ متقوليليش مامي!
روفانا انتفضت.
ماري:
ـ أنا سألتك سؤال واضح... وعايزة إجابة واضحة.
روفانا حاولت تتكلم، لكن الكلمات اختفت من على لسانها.
صلي على الحبيب قلبك يطيب ﷺ🌺🌹
