رواية وكانت هيا الرسالة الفصل الثالث 3 بقلم شروق البنداري

 


رواية وكانت هيا الرسالة الفصل الثالث بقلم شروق البنداري


ساد صمت رهيب في المكتب بعد ما خرج وليد بجهل وهو مش فاهم سر التحول المفاجئ في ملامح جاسر!
كانت جميلة واقفة مكانها، قلبها بيدق بسرعة وهي بتبص لـ جاسر اللي كان إيده بتتشنج على القلم، وعيونه اتسعت بصدمة وذهول مش طبيعيين، وكأنه شاف طيف من الماضي!
حاول جاسر يتمالك أعصابه بجهد جبار، سحب موبايله بسرعة وفتحه تحت المكتب، ودخل على تطبيق التليجرام.. بحث عن بيدج "ذكرى"، ورجع بالرسائل لسنتين ورا!
كانت الأوردة في إيده بارزة من شدة التوتر.. فتح الصور والدردشات القديمة، ليجد نفس الاسم ونفس الأسلوب!
رفعه عينه ببطء ونظر لـ جميلة؛ البنت المتمردة، الذكية، العفوية اللي بتجادله في كل تصميم.. هي نفسها "طوق النجاة"! البنت اللي كانت سبب هدايته، واللي دعواتها وطيبتها أنقذوه من الضياع لما كان مكسور!
شعر جاسر بمزيج مرعب من الفرحة والشوق والارتباك.. لكنه في نفس اللحظة افتكر ضعفة وقلة حيلتة معاها زمان وخاف جدا تكتشف انه نفس الشخص... 
. تنفس بعمق، وقفل الموبايل وقال بنبرة حادة محاولاً إخفاء توتره:
ـ "إحم.. يا باشمهندسة جميلة، ياريت نركز في جدول الألوان والميزانية، ولو سمحتي أي أوردرات خارجية أو كلام جانبي يكون بره أوقات العمل."
جميلة بصتله بذهول واستغراب من لهجته الجافة المفاجئة وقالت في سرها: "ماله ده اتغير في ثانية كده ليه؟! إنسان غريب والله!"

في نفس اليوم بعد الظهر، كانت مريم نزلَت مع مازن لمعاينة موقع بناء وتطبيق ديكورات جديدة في أحد مشاريع الشركة.
وأثناء ما كانوا ماشيين في الموقع بين التراب والمواد الخرسانية، مريم كانت ماشية بكبرياء بتحاول تثبت إنها مهندسة موقع قوية، وفجأة اتكعبلت في سيخ حديد طالع من الأرض، وكعب جزمتها اتكسر!
ـ "آآه!"
صرخت مريم بخفة وهي بتتوازن بالعافية عشان ما تقعش على الأرض. مازن بسرعة وبشهامة وقف قدامها عشان يمنع سقوطها، بس من غير ما يلمسها أو يتجاوز الحدود!
مريم كانت محتارة ومش عارفة تمشي بجزمة مكسورة كعبها في موقع بناء، وبدأت تحس بالإحراج الشديد.
مازن بصلها بوقار، وبدأ يتصرف بذكاء ورجولة.. 
بص حواليه ولقى كشك صغير قريب من الموقع بيبيع مستلزمات بسيطة، بسرع راح جاب منه "حذاء بلاستيك نظيف وبسيط"، ورجع لـ مريم.
حط الخُف على الأرض بمسافة محترمة وقال وهو باصص للأرض بغض بصر وأدب جم:
ـ " اتفضلي يا باشمهندسة مريم.. غيري الجزمة دي عشان تعرفي تمشي مرتاحة لحد ما نرجع الشركة."
مريم بصت للخُف وبصت لـ مازن بذهول.. النخوة والشهامة والأدب اللي التصرف ده حملهم لمسوا قلبها بشكل غير طبيعي!
قالت بخجل شديد وابتسامة دافية:
ـ "بس.. بس شكله مش لايق خالص على الطقم يا باشمهندس مازن!"
مازن ابتسم ابتسامة هادية ورزينة وقال بنبرة فيها نصيحة دينية راقية:
ـ "يا باشمهندسة، النبي ﷺ علمنا إن الستر والبساطة وعزة النفس أهم من أي مظاهر.. 'إن الله جميل يحب الجمال'، والجمال الحقيقي هو الأدب وطهارة القدم اللي بتمشي في الحلال، مش كعب عالي يتعبك وتتأذي بيه. الستر والصحة أهم من الشكل قدام الناس."
كلمات مازن نزلت على قلب مريم زي البلسم.. حسّت بمدى رجولته وتقواه، وعرفت إن الشاب ده مش مجرد زميل، ده شخص يتقى الله في تصرفاته. غيرت جزمتها وهي حاسة بامتنان واحترام كبير ليه، وشرارة حب صادق بدأت تنبت في قلبها.

رجعت جميلة بيتها في آخر اليوم وهي منهكة، بس أول ما فتحت الباب، ابتسامتها رجعت لوشها.
ـ "السلام عليكم يا أحلى بابا.. السلام عليكم يا ست الكل !"
جرت على إيد والدها وقبلتها باحترام وحب، وقبلت رأس والدتها، وقعدت تحت رجليهم تسألهم عن يومهم وتطمن عليهم وتساعد أمها في تحضير العشاء. كانت بنت بارة بوالديها، حنونة، ومتربية على الأصول والأخلاق والدين.
بعد ما خلصت السهرة العائلية الدافية، دخلت جميلة أوضتها.. اتوضت واستعدت للنوم.
قعدت على سجادة الصلاة، مسكت مصحفها وقرأت وردها اليومي من القرآن الكريم بصوت خاشع وجميل، وبعدها قرأت أذكار النوم.
أول ما حطت رأسها على المخدة، صورته ما فارقتش خيالها!
بدأت تفكر في جاسر.. نبرة صوته لما قال: "أهم حاجة ميكونش لونك المفضّل هو.. الأصفر المخضر!"
ـ "معقول يكون هو؟! معقول الشاب التايه المكسور اللي كلمني من سنتين هو نفسه المهندس الصارم المحترم اللي ماسك الشركة؟! طب لو هو.. إزاي اتغير كده 180 درجة؟! إزاي بقى يصلي، وغاضض بصره، ونيته طاهرة، وجسمه ونفسيته بقوا قويين كده؟! يارب لو كان هو، بارك له في طريقه.. ولو مش هو، ليه قلبي بيدق بسرعة كده أول ما بشوفه؟!"
نامت جميلة وفي قلبها حيرة وتساؤلات لا تنتهي.

في الصباح التالي في الشركة.. كان وليد كالعادة بيحاول يتقرب من جميلة، ودخل مكتب قسم الديكور وهو ماسك وردة وشكولاتة بحجة إنه بيشكرها على بيدج الهاند ميد.
في اللحظة دي، دخل جاسر.. ولما شاف وليد واقف جنب جميلة وبيبتسم لها، شعلة غيرة نارية اشتعلت في قلبه!
دخل بصرامة وقال لـ وليد:
ـ "باشمهندس وليد.. موقع التجمع محتاج مراجعة إنشائية فورية، اتفضل استلم الملف ده وانزل حالا مع التيّم."
خرج وليد بسرعة، وجاسر أخذ نفس عميق وخرج .. 
 
دخل جاسر مكتبة وفضل رايح جاي مش عارف يفكر ولا يعمل ايه وهو حاسس انة مش هينفع يقرب منها ولا يبعد عنها وبرضة مش قادر يشوف وليد قريب منها بالشكل دا فضل كتير على الحال دا لغاية ما استقر على قرار .....

في مكتب مديرالشركة...قدم جاسر طلب رسمي بالانتقال فوراً لإدارة فرع الشركة الجديد في إسكندرية لمسكة مشروع الضبعة!
انتشر الخبر في الشركة كالنار في الهشيم.. "المهندس جاسر هينتقل فرع إسكندرية بكره!"
جميلة أول ما سمعت الخبر، حسّت بنغزة وجع شديدة في قلبها.. خرجت تجري على مكتبه ودخلت بدون شعور وقالت بنبرة عتاب وحزن مكتوم:
ـ "هو حضرتك بتتهرب مني يا مهندس جاسر؟! عشان كده مسافر فجأة؟!"
وقف جاسر ورا مكتبه، ولم أوراق عمله.. بص لها بنظرة كُلّية مليانة حب مكتوم وشوق وطهارة، وقال بصوت هادي ووقور جداً:
ـ "أنا مش بتهرب يا جميلة.. أنا بس بحافظ على نفسي وبحافظ عليكي. في مشاعر لما بتدخل الشغل بتبوظه، ولما بتخرج عن بابها الشرعي بتمس طهارة القلوب.. وأنا أطهر حاجة حصلت في حياتي كانت بفضل ربنا ثم بسببك، ومش هقبل ألوثها بداعي الظروف أو النظرات."
جميلة وقفت مبهورة ومصدومة من كلامه مش فهمة يعني كدا هو بيحبها ولا لا.... طب لو بيحبها هيبعد لية !
سحب جاسر حقيبته، ومَدّ إيده بظرف أبيض مقفول وحطه على المكتب قدامها وقال:
ـ "ده تقرير تقييمك.. اتفقت مع الإدارة إنك الأولى على دفعة التدريب وتستاهلي التعيين هنا. وجوا الظرف ده.. حاجة أظن إنها تخصك من سنتين."

سابها جاسر وخرج بخطوات ثابته ووقار، وقفل الباب وراه!
جميلة وقفت وكتفيها بيترعشوا ونبضات قلبها متسارعة.. قربت من الظرف ببطء وأصابعها بتترعش، فتحت الظرف..
لتتفاجأ بوجود "المجسم الخشبي الصغير" اللي كانت بعتتهوله زمان كأوردر هاند ميد على التليجرام! ومعاه ورقة صغيرة بخطه الأنيق مكتوب فيها:
 "القصور اللي في الهوا ممكن تقع يا جميلة.. بس القلوب اللي أصلحها ربنا بالدعاء والالتزام، بتفضل ثابتة مهما هبت الرياح.. شكراً لأنكِ كنتِ طوق النجاة وكنت الرسالة اللى مستنيها لهدايتي  ."

دمعة دافية نزلت من عين جميلة، وضمت المجسم لصدرها وهي بتصرخ بصوت خافت من الصدمة والفرحة:
ـ " هو!! هو نفس الشخص!! يارب.."


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات