رواية الزاوية 45 الفصل السادس
ما إن فتح يونس باب الفيلا ودخل، حتى أغمض عينيه لثوانٍ معدودة، واستنشق الهواء بارتياح بالغ وهو يعد في سرّه: "واحد.. اتنين.. تلاتة.. المكان نقي وخالٍ من الفوضى البصرية. الزوايا 90 درجة، الألوان متناسقة، النسبة مية في المية."
وقفت أمينة وفايزة تبتسمان بسعادة لهذا الهدوء الذي غمر وجه يونس، وقبل أن يتحركوا لتفقد باقي الغرف، توقفت سيارة سوداء أمام البوابة الحديدية للفيلا.
ترجل منها طارق، وقد ظهرت على ملامحه آثار الإعياء والندم، لكن وجهه كان يحمل ملامح صفاء روحي ونظافة داخلية لم تكن موجودة من قبل. انتهت الإجراءات القانونية سريعاً بفضل تصالح يونس، وتم إخلاء سبيله رسمياً، ليأتي إلى هنا مباشرة وكأن بوصلة خفية داخله تدفعه نحو عائلته الحقيقية.
توقفت السيارة السوداء أمام بوابة الفيلا الحديدية.
ترجل طارق ببطء شديد، ورجلاه تكادان لا تحملانه؛ كانت خطواته مترددة، ووجهه يحمل آثار الإعياء والندم بعد أسبوع كامل أمضاه خلف القضبان، لكن نظراته الزائغة كانت تبحث بلهفة عن أي طيف للأمان. كان يعلم جيداً أن الإجراء القانوني بالتصالح والتنازل الذي قاده يونس بدم بارد ومنطق صلب هو ما أنقذه من ظلمات السجن.. والآن، ها هو يعود بخطوات مضطربة إلى البيت الذي صبّ فيه غضبه ودمره بيده، يخشى ألا يُستقبل أو يُطرد من الجنة التي حطمها.
فتح الباب الخارجي بتردد، وخطا الخطوة الأولى داخل الصالة الرئيسية.. ثم تجمد في مكانه.
ما إن عبر العتبة حتى اتسعت حدقتاه بذهول؛ المكان لم يعد هو المكان! كل شيء تغير جذرياً كأن يدًا خفية أعادت بناء القصر من الصفر: الألوان الفاقعة المتنوعة اختفت ليحل محلها تدرج رمادي هادئ، الأثاث غير المتساوي أُزيح كلياً واستُبدل بأثاث مصفوف بزوايا قائمة مثالية 90 درجة، السجادة الفارسية أُزيلت، والنجفة واللوحات ضُبطت أبعادها بالمليمتر.. كل شيء يخضع لنظام صارم ودقيق.
همس طارق لنفسه بارتباك وهو يدير رأسه بحيرة: "أنا... أنا غلطت في البيت ولا إيه؟"
ثم رفع رأسه ببطء نحو عمق الصالة، فوجد الأسرة واقفة بانتظاره: أمينة تقف بوقار أمومي، وفايزة بعينين تراغبان المشهد بلهفة، وسلمى بملامح مشوبة بالمشاعر المتضاربة..
أما يونس، فقد كان يقف في زاوية الصالة محاذياً خطاً فارقاً بين بلاطتين على الأرض، بوضعية هندسية صارمة؛ كعقبا قدميه ملتصقان وأصابع قدميه تتجهان للخارج بزاوية منتظمة، ويداه متشابكتان بدقة أمام حد خط الحزام. كانت سبابته اليمنى تطرق بانتظام خفيف جداً فوق ظهر إبهامه الأيسر بنمط عدّ ثابت (1.. 2.. 3)، وعيناه تركزان على الياقة اليمنى لقميص طارق ليحسب استقامتها.
أخذ طارق خطوة واحدة متثاقلة للأمام، ثم توقف. خرج صوته مختنقاً ومصحوباً بغصة حارقة: "أنا آسف."
كلمتان فقط، لكنهما حملتا وزن أسبوع كامل من العزلة والندم خلف الأسوار.
ثم اقتربت خطواته المترددة من أمينة وقال بصوت يرتجف: "طنط أمينة.. أنا بعتذر.. عن كل حاجة. أنا دمرت كل حاجة.. حاولت أخفي الحق، اتهمت يونس بتهمة ما عملهاش.. وحاولت أسرق ميراثه بدم بارد.. أنا غلطت في حقكم أوي وما أستاهلش السماح، بس بطلبه منكم."
اقتربت أمينة منه خطوة واحدة دون أن تسرع، رفعت يدها لتمسح دمعة تناثرت على خدها، وكانت نظرتها رحيمة ومحتضنة.
التفت طارق نحو والدته فايزة، واقترب منها بقلب منكسر وقال: "سامحيني يا ماما.. أنا غلطت كتير وخيبت ظنك، بس والله غصب عني."
قبل أن تجيب أمه، قطعت سلمى الصمت واندفعت خطوات للأمام، ونظرت إليه بمرارة وعينين تلمعان بالدموع وقالت: "إيه اللي غصبك عشان تعمل فينا كده؟ عارف يا طارق.. أنا كنت بتمنى إن يكون عندي إخوات كتير عشان يكونوا سندي، أتاري اللي كان لازم يبقى سندي هو اللي ضربني في صدري!"
نكس طارق رأسه بألم، ثم رفعه ونظر إليها وإلى الجميع والدموع تغرق عينيه: "لو سمحتي.. أنا عاوز أحكي، وأتمنى تسمعوني."
عندما بدأ الجميع يتحركون نحو المقاعد، اتجه يونس بخطوات متزنة نحو أريكة رمادية منفردة؛ جلس عليها بظهر مشدود وقدمين متوازيتين تماماً، تاركاً مسافة آمنة ومحسوبة عن باقي أفراد العائلة تحميه من أي تلامس جسدي، لكنها قريبة بما يكفي ليلتقط كل لفظ وتفصيلة تسير في أرجاء الغرفة.
جلس طارق على حافة أريكة مقابلة، وقص عليهم كل ما كان يكتمه في صدره؛ حكى عن طفولته وشعوره بجفاء والده وبُعده عنه، وكيف كان يشعر أن فرحة أبيه بنجاحه ناقصة وكأنه يؤدي واجباً ثقيلاً. ولما عرفت بعدين ان عندو عيلة تانيه
نظر طارق مباشرة ناحية يونس ، وواصل بصوت مخنوق: "ساعتها بس فهمت إن بابا ما كانش بعيد عني لأنه مشغول أو مكتئب.. كان بعيد لأن فيه هنا جزء من قلبه، جزء من حياته، وجزء من ذنبه! فبدأت أكره.. كرهت الفكرة إنني ما أستاهلش الحب الكامل.. كرهت إنك أنت موجود يا يونس.. وكرهت الوصية اللي اتكتبت لك.. فقررت أخنقها قبل ما تطلع.. وخنقت يونس معاها."
خيم على الصالة صمت ثقيل، وكانت النساء الثلاث (أمينة، وفايزة، وسلمى) يبكين متأثرات بكلماته وألمه الدفين الذي قاده لهذا الضلال.
في تلك اللحظة، تقدمت أمينة بخطوات حنونة، وانحنت لتحتضن طارق بآلية أمومية دافئة، وقالت له برقة وهي تمسح على رأسه: "لو أنت كنت حاسس بحب والدك وحسيته ناقص، يونس وسلمى عمرهم ما عرفوا معنى حب أبوهم.. بس ربنا كرمكم أهو وبقت عندكم بدل الأم اتنين! وأنت يا طارق اكتر واحد كسبان.. لأن بدل الأم عندك اتنين، وفوقهم أخت وأخ.. مين زيك يا عم!"
ابتسم طارق من بين دموعه. وهنا فقط، اقتربت سلمى بخطوات هادئة، واندفعت تحتضنه بعناق أخت مشتاقة. وفي وسط العناق، مالت على أذنه وهمست بصوت خفيض جداً لا يسمعه أحد غيره: "عارف يا طارق.. أنا لا عمري عرفت حضن الأب ولا حضن الأخ.. أنا أبويا عمري ما شفته، وأخويا بيمشي ويقول ممنوع اللمس!"
تأثر طارق بكلماتها الحنونة، واشتد في عناقها، ثم رد عليها بصوت عالٍ وممتن ملأ الصالة: "بس كده؟ دنتي من النهارده حتنامي في حضني!"
وفي تلك اللحظة بالذات، فتح زياد باب الفيلا الخارجي ودخل، ليتفاجأ بالمشهد وبصوت طارق العالي وهو يحتضن سلمى!
توقف زياد في منتصف الصالة، وعقد حاجبيه بذهول وصدمة ، وقال بصوت مرتفع: "مين دي اللي تنام في حضنك؟! لاااا.. أنت تتجوز تنيم مراتك في حضنك! أنا كنت ناقص؟! ده أنا والله كنت مرتاح لأن يونس ما بيحضنش حد!"
تعالت ضحكات العائلة بأكملها في الصالون، وانقشعت أستار الحزن والتوتر أمام دعابة زياد العفوية. وحتى يونس، الجالس على أريكته المنفردة بكل انضباط وهو يطوي مناديله الورقية بأبعاد هندسية متطابقة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة هادئة، وارتخى حزم ملامحه قليلاً لمشاركتهم اللحظة.
بعد أن هدأت الضحكات، عدّل يونس وضعية جلوسه بثبات، ورَفَع معصمه الأيسر ببطء ليتحقق من ساعته الرقمية، ثم التفت بنظره نحو الصالة المنظمة بزواياها القائمة والأسرة المستقرة في أماكنها الصريحة، وقال بصوت هادئ ونبرة مرتاحة: "دلوقتي النظام اتظبط، والعيلة كلها في مكانها الصحيح.. وصلنا من زاوية 45 لـ 90."
انتهت أحداث الرواية نتمني ان تكون نالت اعجابكم وبإرائكم في التعليقات وشكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
