رواية ذات العيون البنفسجية الفصل الرابع 4 بقلم أماني سيد


 

رواية ذات العيون البنفسجية الفصل الرابع 


خرج فارس من أمام غرفة العمليات بخطوات ثقيلة، وظل للحظات واقفًا في الممر، وعيناه معلقتان بالباب المغلق.
كان قلبه مشغولًا بالرجل الذي يرقد خلفه، وكلمات متولي لا تزال تتردد في أذنه:
ـ متنساش وعدك يا فارس...
مرر فارس يده على وجهه، ثم أخرج هاتفه ونظر إلى الساعة.
كان يعرف أن عليه أن يبلغ أهل متولي بما حدث، ولم يجد أمامه مكانًا أفضل من دوار العمدة؛ فهو كان ضيفًا عنده، وجاء إلى البلدة خصيصًا لحضور فرح ابنته.
اتجه إلى الخارج، وركب سيارته، ثم انطلق عائدًا إلى دوار العمدة.
ما إن دخل فارس إلى الدوار حتى استقبله أحد رجال العمدة، الذي ما إن رأى ملامحه المتغيرة حتى سأله بقلق:
ـ خير يا فارس بيه؟ إيه اللي حصل؟ وشك متغير كِده ليه؟
ـ حصلت حادثة في الأرض.
اقترب الرجل منه بسرعة:
ـ حادثة؟!
ـ أيوه... واحد من العمال كان بيقطع نخلة، والنخلة كانت هتقع عليّ، وراجل اسمه متولي أنقذني، لكن النخلة وقعت عليه هو.
شهق الرجل:
ـ يا ساتر يا رب! متولي؟!
ـ تعرفه؟
ـ ده متولي عبد الجليل! راجل من أهل البلد، غلبان وعلى باب الله.
ـ هو دلوقتي في المستشفى، وحالته حرجة ودخل العمليات.
في تلك اللحظة، خرجت زوجة العمدة من المجلس بعدما سمعت الحديث، وما إن سمعت اسم متولي حتى قالت:
ـ متولي عبد الجليل؟!
التفت إليها فارس:
ـ أيوه، تعرفيه؟
هزت رأسها بسرعة:
ـ طبعًا أعرفه، ومرته أمينة كانت عندي امبارح بتخبز لفرح بنتي.
تذكر فارس للحظة أنه سمع الاسم نفسه من متولي.
قال:
ـ هي دي اللي لازم نبلغها.
وضعت زوجة العمدة يدها على صدرها:
ـ يا ساتر يا رب... أمينة هتتجنن لو عرفت إن متولي في المستشفى وحالته صعبة.
ثم التفتت إلى أحد الخدم:
ـ نادي العمدة بسرعة.
دخل العمدة بعد لحظات، واستمع إلى فارس وهو يحكي له ما حدث بالتفصيل.
تغير وجهه وقال:
ـ ربنا يقومه بالسلامة. والراجل ده أنقذك يا فارس؟
ـ أيوه. لو هو ما دفعنيش بعيد، النخلة كانت هتقع فوقي أنا.
ـ متولي راجل أصيل، ودي مش أول مرة يعمل فيها واجب مع حد.
ثم سأله:
ـ إنت عايز توصل لأهله؟
ـ لازم. وعدته وأنا في المستشفى إني أبلغهم، ومش هقدر أرجع أقعد هنا وأنا سايب مرته وبنته مش عارفين عنه حاجة.
تدخلت زوجة العمدة قائلة:
ـ أنا عارفة بيته، وهروح معاك.
نظر إليها العمدة:
ـ هتروحي بنفسك؟
ـ أيوه. أمينة كانت عندي امبارح، والست غلبانة، ولو سمعت الخبر من غريب ممكن تقع من طولها.
ثم التفتت إلى فارس:
ـ يلا يا ولدي، أنا هدلك على بيتهم.
قال العمدة:
ـ وأنا هبعت اتنين من الرجالة معاكم.
أومأ فارس:
ـ تمام.
خرج فارس وزوجة العمدة ومعهما اثنان من رجال العمدة، واتجهوا إلى سيارة فارس.
وفي الطريق، كانت زوجة العمدة تحاول أن تخفف عنه:
ـ متشيلش هم يا ولدي، متولي راجل قوي، وربنا قادر يقومه بالسلامة.
ظل فارس صامتًا للحظات، ثم قال:
ـ أنا مش قادر أنسى إنه رمى نفسه قدام النخلة عشاني.
ـ دي طبيعته... قلبه أبيض، بس ظروفه صعبة، وكل اللي عنده مرته وبته.
سألها فارس:
ـ عنده بنت واحدة؟
ـ أيوه... بنت وحيدة.
ثم ابتسمت وقالت:
ـ بس البت دي حكاية لوحدها.
التفت فارس إليها:
ـ ليه؟
ضحكت زوجة العمدة:
ـ أمينة مخبياها عن البلد كلها. عمرها ما بتخلي حد يشوفها.
لم يهتم فارس كثيرًا بالحديث، وقال:
ـ ليه يعني؟
ـ عشان البت جميلة بشكل مش طبيعي.
ظل فارس صامتًا.
فجأة، مرت في رأسه صورة وجه الفتاة التي رآها ليلة أمس.
الوجه الأبيض...الشعر الأسود...والعينان البنفسجيتان.
لكنه طرد الفكرة سريعًا.
مستحيل.
فهو لا يعرف حتى اسم تلك الفتاة، ولا يعرف من أين جاءت.
وبعد دقائق، قالت زوجة العمدة:
ـ وصلنا.
توقفت السيارة أمام دار بسيطة في نهاية أحد الشوارع.
نزلت زوجة العمدة أولًا، وتبعها فارس والرجال.
نظر فارس إلى الباب الخشبي القديم، ثم أخذ نفسًا عميقًا.
لم يكن يعلم أن خلف هذا الباب...
توجد الفتاة التي قضى ليلة كاملة يبحث عنها.
وأنها ليست مجرد فتاة غامضة ذات عيون بنفسجية...
بل هي ابنة الرجل الذي أنقذ حياته، والعروس التي وعد بالزواج منها.

طرق فارس باب منزل متولى وانتظر لحظات 
جاءهم صوت امرأة من الداخل:
ـ مين؟
اقتربت زوجة العمدة من الباب وقالت:
ـ أنا يا أمينة، افتحي.
فتحت أمينة، وما إن رأت زوجة العمدة حتى ابتسمت رغم استغرابها من مجيئها في هذا الوقت.
أمينه؟! خير يا حبيبتي؟ إيه اللي جابك؟
لكن ابتسامتها اختفت تدريجيًا عندما وقعت عيناها على فارس والرجال الواقفين خلفها.
شعرت بانقباض مفاجئ في صدرها.
ـ هو في إيه؟
مدت زوجة العمدة يدها وأمسكت بيدها.
ـ ممكن ندخل الأول يا أمينة؟
ازداد خوف أمينة.
ـ اتفضلي... بس قوليلي، حصل إيه؟
دخلت زوجة العمدة، بينما ظل فارس ورجلا العمدة عند الباب.
نظرت أمينة إلى فارس للحظة، ثم أعادت نظرها إلى زوجة العمدة.
ـ الراجل ده مين؟
قالت زوجة العمدة بنبرة هادئة:
ـ ده فارس بيه... ابن اختى وضيف عندنا
توقفت لحظة، ثم أضافت:
ـ وهو جاي يبلغك خبر عن متولي.
بمجرد سماع اسم زوجها، تغير وجه أمينة.
ـ متولي؟!
هزت زوجة العمدة رأسها.
ـ أيوه يا أمينة.
اقتربت أمينة منها، وأمسكت بذراعها بقوة.
ـ ماله متولي؟!
تنهدت زوجة العمدة، ثم قالت:
ـ حصل له حادث وهو في الأرض.
شهقت أمينة:
ـ حادثه 
ـ فارس بيه كان هناك، ومتولي أنقذه من حادث كان ممكن يموت فيه... لكن النخلة وقعت عليه.
وضعت أمينة يدها على فمها، وتراجعت خطوة.
ـ لا...
اقتربت منها زوجة العمدة بسرعة.
ـ اهدي يا أمينة.
هزت أمينة رأسها بعنف.
ـ لا... متولي لا. هو فين؟!
ـ في المستشفى.
ـ حالته إيه؟
صمتت زوجة العمدة للحظة.
فهمت أمينة الإجابة من صمتها قبل أن تسمعها.
ـ حالته صعبة؟
خفضت زوجة العمدة عينيها.
ـ دخل العمليات.
انفجرت أمينة في البكاء، وكادت تسقط، فأمسكت بها زوجة العمدة.
ـ يا حبيبتي اهدي... ربنا قادر يقومه بالسلامة.
لكن أمينة كانت تردد وسط بكائها:
ـ متولي... يا متولي... ده أنا ماليش غيره.
ثم رفعت رأسها فجأة .
ـ بنتي!
تجمدت للحظة، وكأنها تذكرت شيئًا مهمًا.
ـ بنتي لازم تعرف!
قالت زوجة العمدة بسرعة:
ـ آهدي الأول يا أمينة، وخدي نفسك. إحنا جايين ناخدك المستشفى.
نظرت أمينة نحو الداخل، ثم مسحت دموعها بيد مرتعشة.
ـ لازم أروح له حالًا .
وفي الخارج، كان فارس واقفًا بعيدًا عن الباب، لا يسمع سوى أصواتهم المتقطعة من الداخل.
لم يحاول الدخول.
كان يشعر أن وجوده وسط أهل متولي في هذه اللحظة ليس مناسبًا.
كل ما كان يشغله هو أن يطمئن على الرجل الذي أنقذ حياته.
وبينما كانت أمينة تستعد للخروج، سمعت زوجة العمدة تقول:
ـ فارس بيه هو اللي جابنا لحد هنا.
توقفت أمينة، ونظرت ناحية الباب.
خرجت إلى العتبة، وقالت لفارس بصوت مخنوق بالبكاء:
ـ متولى فين ودين ليه دلوقتي عايزه أشوفه واطمن عليه
خفض فارس رأسه باحترام.
ـ ده أقل واجب. متولي أنقذ حياتي، وأنا وعدته إني أبلغ أهله.
قالت أمينة:
ـ ربنا يردهولي بالسلامة.
ـ إن شاء الله.
لم يزد فارس كلمة أخرى.
ركبت أمينة السيارة مع زوجة العمدة، وانطلقت السيارات عائدة إلى المستشفى.
أما فارس فظل للحظات واقفًا أمام البيت.
نظر إلى الباب الخشبي القديم، ثم إلى الطريق الذي ابتعدت فيه السيارات.
لم يعرف لماذا شعر للحظة أنه كان يقف أمام شيء أكبر من مجرد بيت رجل أنقذ حياته.
لكنه لم يكن يعلم أن القدر كان يخفي خلف ذلك الباب سرًا سيعرفه بعد وقت طويل جدًا...
ولم يكن يعلم أن الفتاة التي ظل يبحث عن صاحبة عينيها البنفسجيتين منذ الليلة الماضية، كانت على بُعد أمتار قليلة منه.
لكنه لم يرها.
ولم تسمح له الظروف أن يعرفها.
فقط استدار، وركب سيارته، وعاد إلى المستشفى.
فقد كان هناك وعد آخر ينتظره...
وعد قطعه لرجل يحتضر:
أن يظل إلى جواره حتى يفتح عينيه.
عاد فارس إلى المستشفى بخطوات سريعة، وما إن دخل الممر المؤدي إلى غرفة العمليات حتى وجد العمدة وزوجته وأمينة يجلسون في انتظار خروج الطبيب.
كانت أمينة تبكي بحرقة، وكلما حاولت زوجة العمدة تهدئتها كانت تهز رأسها وتقول:
ـ قلبي حاسس إن فيه حاجة وحشة... متولي عمره ما غاب عني بالساعات دي.
اقترب فارس منهم.
ـ الدكتور لسه ما خرجش؟
هز العمدة رأسه.
ـ لسه.
جلس فارس بعيدًا عنهم، وظل ينظر إلى باب غرفة العمليات.
مرت دقائق أخرى بدت كأنها ساعات، حتى انفتح الباب أخيرًا وخرج الطبيب، وعلى وجهه علامات القلق.
انتفض الجميع من أماكنهم.
اقترب منه فارس:
ـ طمني يا دكتور.
نظر الطبيب إليهم جميعًا قبل أن يقول:
ـ العملية خلصت، لكن الحالة صعبة جدًا.
شهقت أمينة:
ـ يعني إيه صعبة؟!
ـ الإصابة كانت قوية، وفيه نزيف كبير، وجسمه لسه مش مستجيب بالشكل الكافي. إحنا هننقله العناية، والساعات الجاية هتحدد حالته.
انهارت أمينة في البكاء.
ـ يا رب... يا رب ما تاخدهوش مني.
دخلوا خلف الممرضين حتى وصلوا إلى العناية المركزة، لكن الطبيب منعهم من الاقتراب.
وبعد فترة، سمح لهم برؤيته من خلف الزجاج.
كان متولي مستلقيًا على السرير، والأجهزة تحيط به من كل جانب .
وقفت أمينة أمام الزجاج وهي تضع يدها على فمها.
ـ أه يا متولى هتسيبنا لمين 
أما فارس فظل صامتًا.
كان المشهد أقسى مما تخيل.
ذلك الرجل القوي الذي دفعه بعيدًا عن النخلة منذ ساعات، أصبح الآن عاجزًا عن تحريك يده.
وفجأة، تحرك متولي داخل الغرفة.
اقتربت الممرضة منه، ثم خرجت مسرعة.
ـ هو طلب يشوف فارس.
نظر الجميع إليه.
دخل فارس إلى الغرفة، ووقف بجوار سريره.
فتح متولي عينيه بصعوبة، وحاول أن يتكلم.
ـ فارس...
اقترب فارس منه.
ـ أنا هنا يا متولي.
ضغط متولي على يده.
ـ إنت وعدتنى ...
ـ أنا عند وعدي.
حاول متولي أن يلتقط أنفاسه، ثم قال بصوت متقطع:
ـ بنتي...
تغيرت ملامح فارس.
ـ مالها بنتك؟
أغمض متولي عينيه للحظة، ثم فتحهما.
ـ ملهاش غيري... وأنا خايف عليها.
ـ متقولش كده. إن شاء الله هتقوم وتبقى كويس.
هز متولي رأسه ببطء.
ـ لو حصل لي حاجة...
ـ مش هيحصل.
ـ اسمعني يا فارس.
صمت فارس.
قال متولي بصعوبة:
ـ اتجوز بنتي دلوقتي 
تجمد فارس مكانه.
ـ إيه؟
ـ اتجوزها... عشان لو مت ابقى مطمن عليها.
ظل فارس ينظر إليه غير مصدق.
ـ يا متولي، إنت لسه خارج من عملية، ومينفعش تفكر بالطريقة دي.
قبض متولي على يده بضعف.
ـ أنا عارف إني ممكن أموت... وأنا مش خايف على نفسي. خايف عليها هي.
سكت فارس.
ـ عشان كده بطلب منك الطلب ده.
خفض فارس عينيه.
كان الطلب ثقيلًا.لكنه تذكر الرجل وهو يرمي نفسه أمام النخلة لإنقاذه، وتذكر كلماته قبل دخوله العمليات ووعده له 
ثم قال بهدوء:
ـ أنا موافق.
أغمض متولي عينيه براحة.
ـ ربنا يرضى عنك.
ثم التفت إلى الممرضة.
ـ نادوا أمينة.
دخلت أمينة وهي تبكي، فاقترب منها فارس وقال:
ـ متولي عايزك.
اقتربت منه، فأمسك يدها.
ـ أمينة...
ـ نعم يا متولي؟
ـ فارس وافق يتجوز بنتنا.
توقفت دموعها للحظة، ونظرت إلى فارس ثم إلى زوجها.
ـ إنت بتقول إيه؟
ـ وصيتي... عايزك تنفذيها.
انهارت أمينة في البكاء.
ـ بس بنتنا...
ـ هتفهم.
ثم نظر إلى فارس.
ـ وأنا عايز الكتاب يتكتب النهارده.
لم يتردد فارس.
ـ هجيب المأذون.
خرج من الغرفة، وأجرى عدة اتصالات حتى تمكن من الوصول إلى مأذون شرعي في البلدة.
وفي الوقت نفسه، أرسلت أمينة أحد أقاربها ليحضر بنفسج من البيت.
وبعد فترة قصيرة وصلت بنفسج إلى المستشفى، لكنها لم تدخل إلى غرفة متولي.
كانت تقف في مكان بعيد، تستمع إلى أمها وهي تشرح لها ما حدث.
ـ أبوكي حالته صعبة يا بنتي... والدكاترة مش مطمنين، وهو عايز يطمن عليكي وعايزك تتجوزي فارس.
ظلت بنفسج تنظر إلى أمها وكأنها لم تستوعب ما قالته.
ـ أتجوز مين؟
ـ فارس... الراجل اللي ابزكى انقذه، وأبوكي طلب منه بنفسه يتجوزك.
هزت بنفسج رأسها وهي تبكي.
ـ بس أنا... أنا مش عارفة مين فارس ده يا ماما.
احتضنتها أمينة وهي تبكي معها.
ـ وأنا عارفة يا بنتي... بس أبوكي حالته صعبة، ودي وصيته.
رفعت بنفسج عينيها إليها.
ـ أنا عايزة أشوف بابا.
ـ الدكتور مانعنا ندخل له، بس هو طلب يشوفك.
ارتجف جسد بنفسج.
ـ هو عايزني ؟
ـ أيوه.
أمسكت بنفسج بيد أمها، وسارت معها ناحية غرفة العناية.
لكن ما إن اقتربت من الباب ورأت والدها من خلف الزجاج، محاطًا بالأجهزة والأسلاك، حتى توقفت في مكانها.
خرجت منها شهقة مكتومة.
ـ بابا...
وضعت يدها على فمها، وبدأ جسدها كله يرتجف.
ذلك الرجل الذي لم تره يومًا ضعيفًا، والذي كان دائمًا بالنسبة لها السند والأمان، أصبح مستلقيًا لا يستطيع حتى أن يفتح عينيه.
اقتربت من الزجاج، ودموعها تنهمر بلا توقف.
ـ بابا... أنا هنا.
تحركت أصابع متولي ببطء، وكأنه سمع صوتها 
اقتربت بنفسج أكثر.
ـ أنا جنبك يا بابا... متسبنيش.
فتحت عينيه بصعوبة، وحاول أن يبتسم لها.
رفعت يدها إلى الزجاج.
ـ قوم يا بابا... عشان خاطري قوم.
لكن جسدها لم يحتمل المشهد. 
شعرت بأن الدنيا تدور حولها، وأن الأصوات من حولها بدأت تبتعد.    
قالت أمينة بفزع:
ـ بنفسج!
ثم سقطت بين ذراعيها.
ـ يا ناس! حد يلحقني!
أسرع أحد الممرضين إليها، وتم إحضار كرسي لها، وبعد دقائق بدأت تستعيد وعيها.
فتحت عينيها ببطء، وأول كلمة خرجت من فمها كانت:
ـ بابا...
كانت أمينة جالسة بجوارها تبكي.
ـ هو لسه عايش يا حبيبتي، متخافيش.
مسحت بنفسج دموعها، ثم جلست بصعوبة.
ـ أنا موافقة.
نظرت إليها أمينة.
ـ على إيه؟
ـ على الجواز.
ثم نظرت ناحية غرفة العناية.
ـ لو الجواز ده هيخليه يطمن  عليا ويبقى كويس .. أنا موافقة.
احتضنتها أمينة وانفجرتا في البكاء.
وبعد دقائق، وصل المأذون إلى المستشفى.
كان فارس قد أنهى كل شيء، وجلس بجوار متولي، بينما كان العمدة وبعض الرجال يقفون بالقرب منه.
دخل المأذون الغرفة، وجلس أمام فارس.
قال بهدوء:
ـ العريس موجود؟
أشار فارس إلى نفسه.
ـ أنا.
ـ والعروسة؟
كانت بنفسج في الخارج مع أمها.
قالت أمينة:
ـ موجودة.
دخلت بنفسج الغرفة بخطوات مترددة، وجلست بعيدًا.
لم ترفع عينيها.
كانت كل أفكارها معلقة بوالدها.
أما فارس فلم يلتفت إليها.
لم يكن يشغله في تلك اللحظة سوى متولي الراقد أمامه، فظل واقفًا بجوار سريره، يتابع أنفاسه ويطمئن عليه بين لحظة وأخرى.
قال المأذون:
ـ يا بنتي، إنتِ موافقة على الزواج؟
رفعت بنفسج عينيها للحظة نحو والدها، ثم قالت بصوت مكسور:
ـ موافقة.
ـ موافقة على الزواج من فارس؟
أغمضت عينيها، وانهمرت دمعة على خدها.
ـ موافقة.
بدأ المأذون في إجراءات عقد الزواج.
كانت الكلمات تمر على مسامع بنفسج كأنها تأتي من مكان بعيد.
أما فارس فكان حاضرًا بجسده فقط؛ قلبه وعقله كانا عند متولي.
كلما تحركت الأجهزة أو تغير صوتها، كان يلتفت إليه بسرعة.
وحين انتهى المأذون من كتابة العقد، أمسك فارس القلم ووقّع.
ثم وقعت بنفسج.
وبذلك أصبحت زوجته رسميًا.
قال المأذون:
ـ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
لم ترفع بنفسج عينيها عن الأرض.
أما فارس فأغلق القلم ووضعه أمامه، ثم عاد فورًا إلى جوار متولي.
لم ينظر إليها.
لم يسألها حتى عن اسمها.
كل ما كان يهمه أن يظل بجوار الرجل الذي أنقذ حياته.
اقترب المأذون من متولي بعد أن انتهى العقد، وأخبره:
ـ يا حاج متولي... اطمن، كتبنا الكتاب.
فتح متولي عينيه بصعوبة.
ـ بنتي... بقت مراتك رسمى ؟
أمسك فارس يده وقال:
ـ أيوه يا متولي... مراتى رسمي.
ارتسمت ابتسامة ضعيفة على وجه متولي.
نظر إلى ابنته، ثم إلى فارس.
وقال بصوت بالكاد يُسمع:
ـ دلوقتي... قلبي ارتاح 
وانهمرت دموع بنفسج وهي تنظر إلى والدها.
لم تكن تعرف الرجل الذي أصبحت زوجته.
ولم يكن فارس يعرف المرأة التي أصبحت زوجته.
جلسا في الغرفة نفسها...
بينهما عقد زواج رسمي..
لكن دون أن يعرف أحدهما الآخر
فارس كان يرى أمامه فقط الرجل الذي أنقذ حياته.
وبنفسج لم تكن ترى أمامها سوى أبيها الذي تخشى أن تفقده.أما القدر...فكان قد جمع بينهما بالفعل.
دون أن يمنحهما حتى فرصة أن ينظرا إلى بعضهم 


تعليقات