رواية اسرار لا تموت الفصل الرابع 4
دخل أحمد شقته، وقفل الباب وراه، وخلع جاكته وحطه على الكرسي، وقعد شوية وهو شارد.
كانت صورة هناء قدام عينيه، وابتسامتها وهي بتوعده إنها هتكون عنده من الصبح
ابتسم لوحده، لكن فجأة دخلت صورة تانية فى دماغه
حنين.
أحمد لنفسه:
سبحان الله مين كان يصدق إن البنت اللى دخلت قلبى من أول ما شوفتها، تطلع بنتى!
تنهد أحمد، وسند رأسه على ظهر الكرسي، وعادت به ذاكرته إلى سنوات مضت
من سنين...
كان أحمد موجود في القاهرة بسبب شغله، بعد ما أُسندت إليه مهمة الإشراف على أعمال التوسعات والتجديدات في المستشفى التي كانت تعمل بها هناء.
وفي أحد الأيام، كان واقفًا يتابع العمال، وفجأة سمع صوتًا مألوفًا يناديه من خلفه.
أحمد: هناء؟
التفتت هناء إليه، وما إن رأته حتى ابتسمت بدهشة.
هناء:
أحمد الهلالي؟
أحمد بضحكة:
أيوه هو أنا اتغيرت للدرجة دي؟
هناء:
لا والله، بس بقالنا سنين ما شوفتكش.
أحمد:
الدنيا فرقتنا.
هناء:
إنت بتعمل إيه هنا؟
أحمد:
أنا المهندس المسؤول عن مشروع المبنى الجديد.
هناء:
ربنا يوفقك.
أحمد:
الله يبارك فيكي إنتي أخبارك إيه؟
هناء بابتسامة هادئة:
الحمدلله أهو بنحاول نعيش.
أحمد:
ربنا يعينك.
هناء:
وإنت؟
أخبارك إيه؟
أحمد: الحمدلله بس واضح إن الأيام غيرت فينا كتير.
هناء بابتسامة حزينة:
جدًا.
مرت الأيام، وكثرت لقاءات أحمد بهناء بحكم عمله في المستشفى، وبدأ يتعرف عليها من جديد، بعيدًا عن الصورة القديمة التي كان يعرفها عنها.
كان يكتشف كل يوم شيئًا جديدًا فيها...
هدوءها...
طيبة قلبها...
رحمتها بالمرضى...
وحنانها الذي كان يراه في تعاملها مع الجميع.
ومع الوقت، بدأ أحمد يشعر براحة غريبة كلما جلس معها أو تحدث إليها، لكنه لم يكن يعرف أن القدر يخبئ له مفاجأة ستغير حياته بالكامل.
وفي إحدى الزيارات، كانت حنين برفقة والده هناء فى إحدى زياراتها للمستشفى.
وبينما كانا يتحدثان، سمع أحمد صوت طفلة صغيرة تضحك ، ثم ظهرت طفلة لا يتجاوز عمرها بضع سنوات، تمسك بيد جدتها، وتختبئ قليلًا خلفها بخجل.
أحمد ابتسم تلقائيًا، وبص للطفلة باهتمام.
أحمد: مين القمر دي؟
هناء بابتسامة:
دي حنين..... بنتي.
أحمد: حنين؟
هناء: أيوه.
اقترب أحمد منها قليلًا، وانحنى لمستواها وهو يبتسم.
أحمد: إزيك يا حنين؟
الطفلة بصوت خجول: الحمدلله.
أحمد:
اسمك حلو أوي.
حنين ابتسمت من غير ما ترد، واستخبت أكثر خلف جدتها.
أحمد ضحك:
مالك يا بنتي؟ أنا شكلي بخوف؟
هناء بضحكة:
لا، هي بس بتتكسف من الناس اللي ما تعرفهمش.
أحمد:
طب خلاص أنا هبقى من الناس اللي تعرفهم.
ضحكت هناء، بينما ظلت عينا أحمد معلقتين بالطفلة.
لم يكن يعرف لماذا يشعر تجاهها بهذا القرب الغريب...
وكأن وجهها مألوف له.
وكأن عينيها سبق وشافهم قبل كده.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال دون أن يشعر
أحمد: غريبة أوي.
هناء توترت:
في إيه؟
أحمد: البنت دي. فيها حاجة مش عارف أحددها.
هناء حاولت تخفي ارتباكها.
هناء:
حنين يعني طفلة عادية.
أحمد: لا، مش قصدي كده.
هناء: أمال قصدك إيه؟
أحمد وهو لا يزال ينظر إلى حنين: مش عارف... بس ملامحها مألوفة أوي.
والده هناء ضحكت وقالت:
يمكن علشان شوفتها قبل كده.
أحمد: لا، أنا متأكد إني أول مرة أشوفها.
والده هناء:
مالك يا أحمد؟ سرحت فى ايه .
أحمد:
لا أصل حنين فكرتنى بحد.
هناء توترت فجأة
هناء: شبه مين؟
أحمد:
مش عارف
أحمد ظل ينظر إلى حنين
أحمد:
عينيها.
هناء قلبها بدأ يدق بسرعة
هناء:
مالها عينيها؟
أحمد:
شبه عيون أمى
سكت لحظة، ثم أكمل
وملامحها فيها حاجة من أختى.
هناء لم تستطع الرد
أما أحمد، فظل ينظر إلى حنين وهو يشعر بشعور غريب لم يعرف له تفسيرًا.
اقتربت حنين من أحمد بخطوات صغيرة، ثم نظرت إليه بفضول.
حنين: إنت مهندس؟
أحمد ابتسم: أيوه.
حنين: وماما قالت إنك بتبني المستشفى؟
أحمد ضحك: أيوه يا ستي.
حنين: لما أكبر هبقى مهندسة زيك.
أحمد ابتسم لها بحنان لم يفهم مصدره.
أحمد:
إن شاء الله يا حبيبتي وتبقي أحسن مهندسة كمان.
هناء كانت تراقب المشهد وقلبها يرتجف.
فهي تعرف الحقيقة، وتعرف أن الطفلة الصغيرة التي يقف أمامها أحمد الآن، ويبتسم لها بهذا الحنان الفطري، هي ابنته.
أما هو..
فلم يكن يعلم أن القدر جعله يقف لأول مرة أمام ابنته التي حُرم منها، دون أن يعرف أنها من دمه.
ومن يومها، كلما كان أحمد يزور هناء وأهلها، كان يسأل عن حنين.
أحمد: حنين فين؟
هناء:
بتلعب جوه.
أحمد:
طيب نادي عليها.
هناء:
ليه؟
أحمد:
عاوز أشوفها.
هناء بابتسامة:
إنت اتعلقت بيها ولا إيه؟
أحمد:
مش عارف بس البنت دي ليها مكان غريب في قلبي.
هناء سكتت، وقلبها انقبض.
فهي وحدها كانت تعرف أن هذا الشعور لم يكن غريبًا...
فهو شعور الأب تجاه ابنته، حتى لو لم يعرف أنها ابنته.
وبمرور الوقت، بدأت علاقة أحمد بهناء تقوى، وأصبح وجوده في حياتها أمرًا لا يمكن تجاهله.
لكن كلما اقترب منها أكثر، كانت هناء تشعر أن اللحظة التي ستضطر فيها إلى إخباره بالحقيقة أصبحت أقرب.
فهي لم تكن تستطيع أن تتزوجه وتخفي عنه أن الطفلة التي أحبها من أول نظرة هي ابنته.
وكان عليها أن تختار بين خوفها من خسارة أحمد...
وبين حقه في معرفة الحقيقة
ومع مرور الوقت، زادت مشاعر أحمد تجاه هناء، حتى جاء اليوم الذي طلب فيه الزواج منها.
لكن هناء، قبل أن توافق، قررت أن تخبره بالحقيقة كاملة، وأن حنين هي ابنته، وأنها لم تخطفها، بل كانت تنفذ وصية منى لها بالتخلص منها.
طلبت منه أن يبحث عن كوثر، وأن يتأكد بنفسه من الحقيقة، وبالفعل تأكد أحمد من كل شيء، وأجرى تحليل الـDNA، ليتأكد أن حنين ابنته بالفعل.
ورغم صدمته، اختار أحمد هناء، وتم زواجهما على سنة الله ورسوله، في البداية بعيدًا عن أعين الجميع، حتى من والدتها، وظلت حنين لا تعرف أن أحمد هو والدها الحقيقي.
اتفق أحمد وهناء أن يمهدا لها الحقيقة في الوقت المناسب، وبعد أن يعلنا زواجهما أمام الجميع، يخبرها أحمد بالحقيقة التي ظلت مدفونة لسنوات.
حقيقة أن الرجل الذي أحبها من أول نظرة، وشعر تجاهها بقرب غريب دون أن يعرف السبب كان والدها.
