رواية حكاية سليم وليلي الفصل الرابع 4 بقلم ملك ابراهيم


 رواية حكاية سليم وليلي الفصل الرابع 

 ليلى كانت حاسة ان جمايل سليم عليها ملهاش آخر.. جمايله مغرقاها ومش عارفة تردهاله ازاي.

 

سما كانت واقفة بتتفرج من بعيد.. وعينيها الخضرا بتاكلها الغيرة.. كانت شايفة سليم ازاي بيهتم بالولد الفقير، وازاي بيبص على أخته البسيطة بصة مختلفة.. بصة عمره ما بصها ليها هي بنت الأغنياء.

 

سما قررت تروح فيلا عيلة نصار.. عيلة سليم.. هي عارفة ان والده ووالدته بيحبوها.. وبيتعاملوا معاها على إنها زوجة سليم المستقبلية.

 

الفيلا كانت كبيرة أوي، جنينة واسعة مليانة ورد ونجيلة متقصصة بعناية، وبوابة حديد كبيرة بتتفتح إلكتروني.. من جوه الصالون كان كله انتيكات غالية، تماثيل صغيرة من النحاس، ونجف كريستال نازل من السقف بينور المكان كله.

 

دخلت وهي لابسة فستان أحمر غالي قصير وضيق على جسمها، مفتوح من الضهر، وشعرها الأشقر معمول ويفي نازل على كتفها بتسريحة أنيقة جدا، وميكب تقيل بس حلو، وكعبها الأحمر العالي بيطقطق على الرخام الأبيض.. داخلة واثقة من نفسها أوي كأنها صاحبة البيت.

 

قعدت مع والدة سليم ووالده في الصالون اللي كله انتيكات من الغالية.. والدة سليم كانت قاعدة على كنبة قطيفة بيج، ست شيك أوي، في أواخر الخمسينات بس عاملة عمليات تجميل مخلياها أصغر، لابسة طقم ألماظ بيلمع في رقبتها وودانها، وريحتها برفان غالي مالي الصالون، ولابسة فستان غالي جدا ومناسب لعمرها.. ووالده رجل أعمال كبير من اللي بيتكلموا دايما بلغة الأرقام والمكسب والخسارة.. لابس بادلة وماسك سيجار من الغالي في ايده وهو قاعد بثقة وهيبة، وشه جامد ومليان تجاعيد من كتر التفكير في الفلوس، وبيشربوا القهوة مع سما.

 

الخدامة قدمت القهوة، وسما مدت ايدها الرقيقة اللي ضوافرها معمولة أحمر زي فستانها، خدت الفنجان بمنتهى الرقة، وبصت للفنجان شوية كأنها زعلانة: “بصراحة يا طنط.. أنا زعلانة من معاملة سليم ليا في المستشفى.. بيتعامل معايا وكأني موظفة عنده” سما حطت الفنجان قدامها على الترابيزة وهي بتقول برقة، صوتها واطي ومكسور، وعينيها الخضرا لمعت بدموع متفق عليها، كانت بتمثل دور البنت المظلومة ببراعة.


والدة سليم بصت لها وابتسمت ابتسامة هادية، ابتسامة حماة بتحب مرات ابنها المستقبلية، ومدت ايدها طبطبت على ايد سما: “مش معقول يا سما يا حبيبتي.. كلنا عارفين سليم بيحبك قد ايه.. ده انتي متربية معاه من وانتو صغيرين” اتكلمت والدة سليم بابتسامة هادية، صوتها ناعم وكل كلمة بتقولها كأنها بتطمنها انها خلاص بقت من العيلة.

 

سما هزت راسها وشفايفها اترعشت كأنها هتعيط، ورفعت عينيها لفوق ببراءة مصطنعة: “عشان كده أنا مش عايزة أقول لبابا.. لأن بابا طلب مني كتير أسيب المستشفى وأفتح مستشفى خاصة بيا باسمي.. بس أنا مش عايزة أسيب سليم لوحده.. خصوصا الفترة دي” كانت بتتكلم وهي بتلعب في خاتم الألماظ اللي في ايدها، بترمي كلمة مستشفى خاصة عشان تفكرهم ان عيلتها أغنياء وممكن يعملوا أي حاجة.

 

والد سليم نفخ دخان السيجار بتاعه بهدوء، والدخان طلع لفوق حوالين النجف، وبص لها بنظرة أب بيقدر بنت أغنياء زيه: “متزعليش يا سما يا بنتي.. أنا هتكلم مع سليم بنفسي لما يرجع.. سليم بيحترمني وعمره ما كسر كلمتي” اتكلم والد سليم بهدوء، صوته تقيل وواثق، كل كلمة بتطلع منه كأنها قرار مجلس إدارة.

 

سما هنا بقى لقت الفرصة.. اتعدلت في قعدتها، ووشها اتحول من بنت زعلانة لبنت خايفة وقلقانة بجد، ودموع التماسيح بدأت تنزل على خدها: “الحقيقة أنا خايفة على سليم أوي.. عشان في بنت فقيرة بتدور حواليه الفترة دي في المستشفى.. بنت دخلت المستشفى تقول ان أخوها تعبان ومحتاج علاج مجاني.. وطبعا سليم بقلبه الطيب اتعاطف معاها هي وأخوها.. ومش قادر يفهم إنها طمعانة فيه عشان فلوسه.. وأنا خايفة تضحك عليه.. حضرتك عارف الأشكال اللي زي دي” قالتها سما وهي عاملة نفسها خايفة على سليم، صوتها بيترعش وايدها على صدرها، بتمثل دور المنقذة الأمينة.

 

والدة سليم شهقت شهقة كبيرة، وحطت ايدها على صدرها اللي مليان ألماظ، وعينيها برقت بصدمة واستحقار في نفس الوقت: “بنت فقيرة؟ بتدور على ابني أنا؟ سليم مستحيل يعمل كده.. مستحيل يبص لبنت زي دي.. سليم متربي على الغالي وعينه مليانة” قالتها بصدمة، كأن كلمة فقيرة دي شتيمة كبيرة مينفعش تدخل الفيلا بتاعتهم.


والده نفض السيجار بتاعه في الطفاية الكريستال بعنف خفيف، ووشه احمر شوية من الغضب، وبص لسما بنظرة راجل أعمال بيحسب كل خطوة: “سليم طول عمره عاقل.. بس سما عندها حق.. في نوع من البنات ليهم طرق يلفوا بيها على الرجالة الأغنياء.. بنات عارفة ازاي تصطاد” قالها بحدة، قالها وهو بيبص لوالدة سليم بصة معناها لازم نتصرف بسرعة.

 

الصوت في الصالون سكت ثانية.. وسما كانت بتبص لهم وهي من جواها فرحانة.. فرحانة ان خطتها ماشية زي ما هي عايزة.. عينيها الخضرا لمعت بلمعة انتصار خبيثة وهي شايفة والدة سليم بتغلي من جوه.

 

والدة سليم قامت وقفت مرة واحدة، وقالت: “لا.. أنا مش هسكت.. سليم لازم يخطب سما بسرعة.. لازم نحط النقط على الحروف” قالتها وهي بتبص لجوزها.

 

ووالد سليم هز راسه وهو بيبص لسما بابتسامة رضا: “عندك حق”.

 

والدة سليم بصت لجوزها وغمزت له غمزة خفيفة.. غمزة ست فاهمة جوزها من نظرة عين، غمزة معناها لازم نسرع في موضوع جواز سليم وسما عشان نطمن على ابننا قبل ما البت الفقيرة دي تلف عليه.. غمزة كلها خوف أم على ابنها اللي شايفاه هيضيع منها.

 

جوزها فهم الغمزة في ثانية، هز راسه هزة صغيرة وهو بيشرب السيجار، وعينيه بتقول عندك حق.. لازم نخلص الموضوع بسرعة.

 

وسما كانت قاعدة قدامهم بتمثل دورها بإتقان.. قاعدة حاطة رجل على رجل، ماسكة فنجان القهوة بايديها الاتنين، ووشها عامل حزين ومكسور، بس من جواها كانت بتضحك.. بتضحك بانتصار.. عينيها الخضرا بتلمع وهي شايفة الخطة بتنجح قدامها: “أنا بجد مش عارفة أعمل ايه يا طنط.. أنا بحب سليم من وانا صغيرة وعمري ما اتخيلت ان واحدة زي دي ممكن تاخده مني” قالتها سما بصوت واطي مكسور وهي بتمسح دمعة مش موجودة بطرف صباعها.

 

والدة سليم قربت منها وقعدت جنبها وخدتها في حضنها، حضن حماة بتحب مرات ابنها: “متقلقيش يا حبيبتي.. انتي بنتنا.. وسليم ليكي انتي وبس.. احنا هنتصرف” قالتها وهي بتطبطب على ايديها بحنية مصطنعة.

 

والد سليم طفى السيجار بتاعه في الطفاية الكريستال وقام وقف، وقفته كلها هيبة بتاعة راجل أعمال متعود الكل يسمع كلامه: “خلاص يا سما.. اعتبري الموضوع خلص.. انتي معزومة انتي وعيلتك عندنا يوم الخميس الجاي.. نتغدى مع بعض ونفتح موضوع جوازك انتي وسليم.. ونفرح كلنا” قالها بنبرة حاسمة كأنه بيمضي عقد صفقة كبيرة.


سما وشها نور مرة واحدة، ابتسامة انتصار كبيرة طلعت على وشها بس حاولت تخبيها بسرعة وعملت نفسها مكسوفة: “بجد يا أنكل؟ حضرتك فاجئتني ؟” قالتها بدلع وفرحة باينة في عينيها.

 

والد سليم ضحك: “إحنا مش هنلاقي أحسن منك لسليم؟” قالها وهو بيبص لمراته بفخر.

 

وورا باب الصالون.. كان في حد تاني سامع كل حاجة.. “تولين” أخت سليم الصغيرة.. بنت عندها 20 سنة، لابسة بيجامة قطن بينك وشعرها كيرلي مربوط كحكة فوق راسها.. كانت واقفة ورا الباب وفاتحة حتة صغيرة بتبص منها.. سمعت اتفاقهم مع سما انها معزومة عندهم يوم الخميس الجاي هي وعيلتها عشان يفتحوا موضوع جوازها هي وسليم.

 

تولين بتحب سليم أوي.. وسليم بيحبها وبيحكيلها كل حاجة.. وهي مكانتش بتحب سما خالص.. كانت شايفاها بنت متعجرفة وبتاعة مصلحتها.. أول ما سمعت الكلام ده، قلبها وقع.. حست ان أخوها هيتظلم.

 

رجعت أوضتها بسرعة وقفلت الباب وراها، مسكت تليفونها وايدها بتترعش: “لازم أقول لسليم.. لازم يعرف انهم عاملين له فخ يوم الخميس.. سما دي حية” قالتها لنفسها بصوت واطي وهي بتدور على رقم سليم في التليفون، وعينيها مليانة قلق على أخوها الكبير اللي طول عمره كان سندها.

رواية سليم وليلى بقلمي ملك إبراهيم. 

في المستشفى..

الدنيا كانت ليل.. المستشفى هادية ونورها خافت، ريحة المطهر مالية الطرقة.. سليم كان خلاص بيقفل باب مكتبه وخارج ، كان هيمشي بس مقدرش.. رجله خدته لوحدها ناحية أوضة كريم عشان يطمن عليه قبل ما يمشي ويبلغهم بميعاد العملية بعد ما اطمن ان كريم بقى جاهز تماما للعملية.

 

فتح الباب بهدوء.. ليلى كانت قاعدة جنب كريم على طرف السرير.. لابسة يونيفورم الاستقبال الأبيض وحاطة عليه جاكت خفيف عشان البرد، طرحتها البيضا مربوطة بسيطة، ووشها مرهق من القعدة طول اليوم بس أول ما شافته قامت وقفت بسرعة وهي بتعدل طرحتها بخجل.

 

سليم دخل وهو بيبتسم كالعادة.. ابتسامته الهادية اللي بتطمن أي حد.. قرب من كريم وهزر معاه وهو بيقوله بنبرة مرحة كلها حنية: “البطل بتاعنا عامل ايه دلوقتي.. جيت أطمن عليك قبل ما أمشي” قالها وهو بيقعد على طرف السرير جنب كريم وبيحط ايده على شعره يمسح عليه.


كريم اللي كان نايم وتعبان، وشه نور أول ما شاف سليم، ابتسم ابتسامة كبيرة كلها ثقة وحب: “أنا كنت لسه بقول لليلى.. دكتور سليم مش ممكن يمشي قبل ما يسلم عليا” قالها كريم بحماس، صوته ضعيف بس مليان فرحة كأنه بيشوف بطل خارق قدامه.

 

سليم ضحك.. ضحكة طلعت من قلبه، ضحكة صافية أول مرة يضحكها من فترة طويلة: “انت أشطر ولد شوفته في حياتي يا كريم ” قالها وهو بيطبطب على كتفه الصغير.

 

وبعدين رفع عينيه وبص لليلى اللي واقفة بعيد.. ملاحظ انها دايما بتبعد عينيها عن عينيه بخجل.. كل ما يبص لها توطي وشها وتبص في الأرض، خدودها بتحمر بسرعة: “عاملة ايه يا ليلى في شغلك هنا؟ مرتاحة؟” اتكلم معاها بصوته الهادي المميز، صوت دافي بيخلي القلب يهدى.

 

ليلى رفعت عينيها ثانية وبعدين نزلتها تاني بسرعة، ايديها بتلعب في طرف الجاكت بتاعها: “الحمد لله.. شكرا لحضرتك.. مرتاحة أوي” ردت بهدوء وخجل، صوتها واطي ومكسوف، مش قادرة تبص له من كتر ما هي حاسة انها مدينة له بحياتها وحياة أخوها.

 

سليم بص لها بنظرة عميقة.. نظرة طويلة حنينة.. كان شايف بنت بسيطة واقفة قدامه، وشها من غير ميكب بس قمر، وخجلها مخليها أحلى بكتير من أي بنت غنية شافها في حياته.. وبعدين بص لكريم عشان ميحرجهاش أكتر: “أنا كنت جاي أقولكم ان العملية هتكون يوم الخميس ان شاء الله.. الحمد لله كريم بقى جاهز للعملية” قالها بنبرة دكتور مطمن، بس صوته كان فيه قوة بتدي أمان.

 

ليلى شهقت شهقة صغيرة.. شهقة خوف طلعت غصب عنها، حطت ايدها على بوقها وعينيها وسعت وهي بتقرب من كريم بلهفة: “يوم الخميس! يعني بعد يومين؟!” قالتها بخوف، قلبها وقع في رجلها.. يومين بس واخوها هيدخل أوضة العمليات وقلبه هيتفتح.

 

كريم بص قدامه وظهر عليه الخوف.. الخوف بان في عينيه الصغيرة.. مسك ايد ليلى جامد.

 

سليم حس بخوفهم.. مسك ايد كريم الصغيرة بين ايديه الدافية: “على فكرة أنا اللي هعمل العملية.. مش عايزك تخاف أبدا.. انت معايا أنا” قاله بحنية، صوته كان زي حضن أب، بيطمن وبيحتوي.

 

كريم بص لسليم.. بص لعينيه الهادية الواثقة.. وابتسم ابتسامة صغيرة متطمنة: “أنا مش خايف.. عشان انت اللي هتعملها أنا مش خايف” قالها كريم وهو ماسك ايد سليم جامد كأنه ماسك في طوق نجاة.


سليم ابتسم له: “أكيد.. عشان انت بطل.. والأبطال مبيخافوش” رد سليم وهو بيهزر ويضحك معاه، بيحاول يخليه ينسى خوفه.. قعد يحكيله قصة صغيرة عن بطل خارق عشان يشجعه ان الابطال ما بيخافوش.. وكريم ضحك ضحكة صغيرة تعبانة.

 

وليلى كانت واقفة بتبص على أخوها وقلبها مقبوض وهتموت من الرعب عليه وخايفة.. خايفة أوي.. دموعها محبوسة في عينيها ومش عايزة تعيط قدام كريم عشان متخوفوش أكتر.. كانت بتبص لسليم وهو بيضحك مع كريم وكأنها بتبص لملاك نازل من السما ينقذهم.

 

وفجأة تليفون سليم رن.. رنته عالية قطعت الضحك.. بص على الشاشة.. رقم أخته تولين.

 

استغرب.. تولين عمرها ما بتتصل بيه في وقت متأخر كده.. فتح بسرعة: “أيوه يا تولين..؟” قالها وهو بيبص لليلى وكريم وبيبعد خطوتين.

 

صوت تولين كان واطي ومتوتر وبتتكلم بسرعة من ورا باب أوضتها: “سليم…. ماما وبابا اتفقوا مع سما.. هي وعيلتها جايين يوم الخميس الجاي يتغدوا هنا وهيفتحوا موضوع جوازك انت وهي.. هيعملوهالك مفاجأة ويحطوه قدام الامر الواقع ” قالتها بسرعة.

 

سليم وهو بيسمع أخته ظهر على وشه الغضب.. وشه اللي كان هادي وبيضحك من ثانية اتحول مرة واحدة، حواجبه اتعقدت، وعينيه البني الغامق احمرت، وفكه شد جامد من كتر ما هو جازز على سنانه.. مسك التليفون جامد كأنه هيكسره في ايده: “تمام يا حبيبتي.. اقفلي انتي دلوقتي.. متقلقيش” قالها بصوت واطي بيحاول يمسك غضبه قدام ليلى وكريم، بس صوته كان باين عليه انه غضبان .

 

ليلى أول لما سمعته بيقول كلمة حبيبتي.. قلبها دق بسرعة.. دقة غريبة وجعتها.. دقة من الحزن.. وشها اللي كان شاحب من الخوف على أخوها بقى أحمر شوية وبعدين بهت تاني.. فهمت انه بيكلم حبيبته.. أكيد بيكلم حبيبته اللي بيحبها.. ما هو راجل غني ووسيم زي القمر وأي بنت تتمناه.. أكيد عنده حبيبة غنية وحلوة زيه.

 

حطت وشها في الأرض بسرعة عشان متبينش انها اتضايقت.. بس عينيها العسلي لمعت بدمعة حزينة غصب عنها.. مسكت ايد كريم جامد كأنها بتدور على حاجة تسندها.

 

سليم قفل التليفون وحطه في جيبه وهو لسه وشه مقلوب غضب، وبص لها هي وكريم.. شافها موطية وشها وشكلها زعلان.. افتكر انها خايفة من العملية: “أنا لازم أمشي دلوقتي.. عندي مشوار مهم” قالها وهو بيبص لها نظرة طويلة، كان نفسه يقولها متخافيش أنا جنبك، بس الكلام اتحبس في زوره من كتر الغضب اللي جواه من أهله.


وبص لكريم وقرب منه تاني وطبطب على شعره بحنية، حاول يرسم ابتسامة صغيرة رغم الغضب اللي مالي وشه: “نام كويس يا كريم ومتخافش من حاجة.. كفاية سهر ونام بدري.. اتفقنا؟” قاله بنبرة أب حنين بيوصي ابنه.

 

كريم اللي كان شايف سليم بطله، ابتسم بحماس رغم تعبه ورفع ايده الصغيرة عمل علامة تمام: “اتفقنا.. هسمع الكلام ” رد كريم بحماس، صوته ضعيف بس مليان ثقة في سليم.

 

سليم هز راسه وابتسم له ابتسامة أخيرة وبعدين خرج من الأوضة.. خرج بخطوات سريعة غاضبة، الباب اتقفل وراه بصوت عالي شوية.

رواية الكاتبة ملك إبراهيم. 

ليلى قربت من أخوها وقعدت جنبه على السرير وخدته في حضنها.. حضنته جامد كأنها بتحميه من الدنيا كلها.. راسها على راسه وبتشم ريحته.. وهي حزينة.. حزينة أوي وبتلوم على نفسها.. دموعها اللي كانت حابساها نزلت على شعر كريم من غير ما تحس.

 

فضلت تهمس جواها بصوت واطي موجوع محدش سامعه غيرها: “فوقي لنفسك يا ليلى.. فوقي.. انتي بتحلمي ولا ايه؟ واحد زي ده يبصلك انتي؟ ده دكتور قد الدنيا ومن عيلة كبيرة.. كفاية انه ساعدك انتي وأخوكي ومد ايده ليكم من غير ما يستنى مقابل.. بلاش تحلمي وتبصي لفوق.. انتي فين وهو فين.. ربنا يوفقه في حياته.. ويابخت حبيبته بيه.. يابختها بجد.. ربنا يسعده” قالتها لنفسها وهي بتعيط بصوت مكتوم، بتحاول تقنع قلبها اللي بدأ يدق لحد مش من مستواها.. قلبها اللي لأول مرة من سنين حس بالأمان مع راجل غريب.. بس الأمان ده مش ليها.. ده لواحدة تانية.. واحدة غنية وحلوة وتليق بيه.

 

كريم حس بدموعها على راسه، رفع وشه وبص لها: “ليلى انتي بتعيطي ليه؟” سألها بخوف طفولي.

 

ليلى مسحت دموعها بسرعة وضحكت له ضحكة باهتة: “مش بعيط يا حبيبي.. أنا بس فرحانة انك هتبقى كويس.. فرحانة أوي” قالتها وهي بتبوسه من خده وبتحضنه أكتر، بس قلبها من جوه كان بيتقطع حتتين.. حتة خايفة على أخوها .. وحتة موجوعة عشان فهمت انها مينفعش تحب سليم.. مينفعش خالص.

رواية سليم وليلى بقلمي ملك إبراهيم. 

سليم رجع بيت العيلة.. الفيلا كانت منورة كلها، نورها الأصفر الدافي طالع من كل الشبابيك، وصوت التليفزيون شغال جوه.. ركن عربيته السودا الغالية قدام الجنينة ودخل وهو وشه لسه مقلوب من الغضب اللي سمعه من تولين.


كان والده ووالدته قاعدين في انتظاره في الصالون الكبير.. قاعدين جنب بعض على كنبة كبيرة، قدامهم ترابيزة عليها شاي وكيك.

 

دخل قعد وهو شايف في عيونهم كلام كتير.. كلام متفقين عليه ومستنيين يقولوه.. قعد قدامهم على كرسي لوحده، وسند ضهره لورا بتعب.

 

والده فتح الكلام وهو بيبص له بنظرة أب متعود كلمته تمشي: “سما وعيلتها معزومين هنا يوم الخميس.. عاملين عزومة غدا.. لازم ترجع بدري من المستشفى عشان تستقبل الناس معايا.. الناس دي مهمة وعيلتهم كبيرة ولازم تكون موجود في استقبالهم ” قاله بنبرة هادية بس آمرة، كأنه بيدي أمر في شركته.

 

سليم بص لأبوه بهدوء.. هدوء يخوف.. هدوء واحد واخد قرار ومش هيرجع فيه: “يوم الخميس أنا عندي عملية خطيرة ومش هقدر أكون موجود.. عملية قلب مفتوح لطفل 8 سنين.. ولازم أكون جنبه” رد بهدوء، صوته واطي بس ثابت، وعينيه بتبص في عين أبوه مباشرة من غير خوف.

 

والده اتعدل في قعدته وملامح وشه شدت، اتكلم بصرامة، صرامة رجل أعمال متعودش حد يقوله لأ: “انت عايز تحرجني قدام الناس يا سليم؟ انت عارف هما جايين هنا ليه؟ جايين عشان يفتحوا موضوع خطوبتك انت وسما.. وأنا اديت كلمة.. كلمتي اللي عمرها ما نزلت الأرض” قاله بصوت عالي شوية، السيجار في ايده بيتهز من الغضب.

 

سليم قام وقف مرة واحدة.. وقفته كانت طويلة وهيبة، وشه احمر وعينيه بتلمع غضب: “عارف.. واللي هما جايين عشانه مش هيحصل.. أنا مش هخطب سما.. لا دلوقتي ولا بعدين.. أنا قولتلكم ميت مرة اني مش بحبها ومش هحبها” قالها بصوت عالي بس ماسك نفسه، قالها وهو بيبص لأبوه وأمه بوجع.

 

واتحرك سليم من قدامهم وطلع على فوق.. طلع على أوضته بخطوات سريعة غاضبة.. سابهم قاعدين مصدومين.. أول مرة سليم يقف قدام أبوه بالشكل ده.

 

والدة سليم بصت لجوزها وشهقت، حطت ايدها على صدرها وعينيها برقت بصدمة وخوف: “هو كلام سما هيطلع حقيقي؟ معقول هو معجب بالبنت الفقيرة اللي قالت عليها؟ معقول ابني اللي مربياه على الغالي يبص لواحدة من الشارع؟” قالتها ل جوزها بصوت واطي مرعوب، كأنها بتقول كابوس.

 

والد سليم طفى السيجار بتاعه بعنف في الطفاية، ووشه بقى جامد زي الحجر، عينيه بتفكر في مكسب وخسارة: “احنا هنحط سليم قدام الأمر الواقع.. هنخطب سما من أهلها وهنحدد ميعاد الخطوبة.. وهو مش هيقدر يحرجني مع الناس.. خصوصا لو عملنا حفلة خطوبة وعزمنا الناس والصحافة.. سليم بيخاف على شكله وشكل العيلة قدام الناس.. مش هيقدر يقول لأ قدام الكل” رد والد سليم وهو بيبص لمراته بنظرة مكر بتاعة راجل أعمال بيعمل صفقة كبيرة.


والدة سليم بصت لجوزها وهزت راسها باتفاق، ابتسامة شر صغيرة طلعت على وشها وهي بتفكر في شكل سما وهي لابسة فستان الخطوبة: “صح كده.. سليم لازم يتحط تحت الأمر الواقع.. وموضوع البنت الفقيرة ده هنخلص منه.. بكره تزهق وتمشي لوحدها لما تعرف ان سليم هيخطب” قالتها وهي بتطبطب على ايد جوزها، وعينيها بتلمع بمكر ست عايزة تحافظ على ابنها الغني من بنت فقيرة شايفاها خطر على العيلة كلها…


تعليقات