رواية هتاف مسيلمه الفصل الخامس
« يا من ترفعُ صوتك حد إرتجاف الجدران .. دعهم يهربون .. يحتمون بأيديهم و إن فج الصمت ، و تفجرْ .. !!
ألا تكترث بمن إذا عجزوا ؛ تلبَسوا رداء العافيه حروفًا على السطور ؟!
غِب ما شئت ، و لكن إتركني لصومعتي ؛ فأنا و حق ربي لا أجيدُ الإختباء ...
لا أعي من أنت .. و لا من أين أتيت ؟!
لم تُحدثني يومًـا ، و لم أرَ لك ملامح ..
كأنك طيفٌ جئت تتجول داخل تلافيف عقلي دون موعد
أرديتني قتيلة الشجون .. و كأنني بسجن بالحزن نزيلة ..
إنها أنا التي ارتدت وشاح الأسود منذ الزمن البعيد ، و إلى الآن لم أخلعه عن جسدي ....
لا زلت أشعر أنني لستُ سوى أشلاء مبعثرة لصدى بعيد
وحياه تمنيتُها بديلةً لكنني لم أحياها بعد ...
و إن بحثتَ عن البقايا مني .. ستجد
" بقايا صوت أنهكَـهُ الحديث الباكي .. و بقايا حُـلم تآكل تحت وساوس الرؤى المزعجة .. و بقايا ظَـن أن الغد أفضل .. و بقايا ظِـل نسي الجسد الذى يتبعه ...
ما تبقى مني لم يكن سوى فتاة لم تتجاوز الخامسة عشر..
فتاة بحثت عن نجاة بِليلها الطويل الهالك ..
فتاة عجزت عن النجاة أو إتيان النهاية .. فقد تاهت الأسئلة و بيانات الإجابة ..
تجلس بين خرابهـا كما الحارس الهَـرِم .. تُراقب سقوط الخطايا كما إمرأةٍ بلا مِحرم ...
و إن وَطِئْتَ بين مشرقي و المغرب .. فتذكَّـر أن بينهما فواصل أخرى لم يحددها أحد .. »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
**********
« يقولون .. دقت طبول الخطر .. فألفينا الرجال من جميع الأعمار كانوا ، يتجردون من أدوارهم كأرباب الأسر ... تلبيةً لنداء الوطن ...
وطني ... داري ، و مداري ... أرضي ... و رمالي ...
فيه وُلدت .. و على ثراه أحيا ....
و إليه ركضت كي أزُود عنه ...
و دارت المعركة بمن فيها .. صفوف شعبي ، و صف العدو ...
أجساد تتساقط ... دماء تسيل .. و تنتهي بنصرٍ مبين عدت من المعركـه منتصرا ...
عدتُ من المعركةِ جندياً خاسراً...
لا .. لم أخسر الحرب ، بل انتصرت على سيوف العدو ... ثم عدتُ مهزومـا ..
لم تُخطِئُوا القول ... و لم أُخطِيء الكتابة ...
فخسارتي ، و عزيمتي هنا على يد طيف إمرأةٍ كنت أحارب لأجلها ...
لم يقتلني العدو .. بل كان أضعف من أن يصل إلى جبهتي .. فصدري هو الدرع لمن أحببت ..
إلا أن من أوليته نفسي ، إستحل دمي ...
يا لقسـوة القدر !
أهكذا أُذكـر ؟؟ سيفُ العدوِ يُخطئ ، وسيفُ الحبيبِ بعنقي ينحَـر ... !!
و ها أنا بالكاد أقوى على الوقوف ...
نظرت إلى ما حولي .. فى ساحة الخراب ..
فلم أجد أحدا ... لا أهل .. لا قريب ... لا عدو .. و حتى القلب من صدري .. سقط »
نهض الألفـا فى صباحه الباكر .. فشروق الشمس حليفه الصادق .. هي تُشرق ، و هو ينهض ... و الانتفاضة الأخيرة لكليهما تختلف ..
ترجل الدهليز الفاصل بين حجرات كثيرة تتشابه فى المدخل .. ليقترب من الحجرة التي يحتجز بداخلها المسكينة ضحية الهدم ..
و ما إن لمحه رجاله المسئولين عن التأمين و الحراسة ، حتى تصلبوا فى احترام و طاعة ، لينتحي كل واحدٍ منهم جانبًا .. فالألفـا على وشك الوصول ..
وقبل أن يتوقف أمام الباب الفولاذي ، كان مفتوحًا على مصراعيه ، ليطَأ داخله بخطوات ثابته صلبه ارتجت الأرض من تحت قدميه ...
و بأقصى الأركان كانت المسكينة غائبة عن الوعي فى متاهةٍ مترامية الأطراف ..
يعقبُـها طرق متشابكة ... يعيقها حواجز متتالية و وخز بجانبها الأيمن .. حتى أفاقت على إثر حذاء الألفـا الذى جعل منه إنذار الخطر لها ؛ لتفيق ..
تفتحت عينيها معتقدة أن ما شعرت به لم يكن إلا هذيان اللاوعي ؛ إلا أنها لم تُصيب تلك المرة .. بل أخطأت ..
فها هو يقف أمامها كما المهيب الشامخ ..
ضاقت نظراته لإحتوائها وحدها فى سكون دامَ لدقيقتين ، شعرت تلك اليتيمة بإستطالتهم لما بعد الشهور .. ثم هتف بصوته الرخيم القاسي :
— هاتوها عـ الصراط .
استمعت الفتاة إلى الكلمة ، لتُذهل ..
هل قامت القيامة ، و قد آن الأوان لبني آدم و الحساب ؟!
و مَن هذا الرجل مِنْ ذاك اليوم المهيب ؟!!
أم أنه يقصد بالكلمة ما هو أسوء من مُحبيها ؟!
لم تتجرد من تفكيرها ، بل تجرد رجاله من قلوبهم .. لينهضوا كما وحوش مفترسة ... ترفض الفتك بضحيتها ، بل تتأمل طاعة سيد القطيع " الملك الذئب "
حَملهـا أحدهم بذراعٍ واحدة ليتلقى باقي الجسد ارتطام الأرض الصلبه ، ثم سحبها كما وسادة تفككت أجزائها و باطنها ...
و إلى الصراط اتجه ، بجسدها الذي يئن دون أن تُظهِـر ، و عيون قررت الانغلاق محل التفتح ...
أشار الألفـا إليه بتركها على المحفه الجراحيه ، ليرحل فى صمت ..
انطلق حميم إلى الداخل ، فى حين توقف سادي بجوار باب الصراط ... إلى أن أشار الألفا إلى الجميع بالرحيل ..
و ما إن أغلق الباب .. حتى اقترب منها الرجل ، ليزفر أنفاسه أمام وجهها ...
شعرت اليتيمة بأنفاسه الحارة الصاخبة تكاد تُشعِل وجنتيها ... إلا أنها ظلت على موضعها بعيون مغلقه
همس فى حدة :
— واضح إنك بتعشقِـي الألم ... استعدي و جربي !!
ظنت بالبدايه أن ما نطق به لم يكن إلا محض تهديد باطل ، لكنه اقترب بمبضع جراحي حاد .. و اقترب به من عيناها التي تفتحت على الفور ... لتهتف بإرتباك :
— خلاص .. أنا فتحت أهــو .. إنت مين ، و عايز مني إيه ؟! هتقتلني .. صح ؟!
نظر إليها الرجل بإستخفاف ، و كأنها لا تنتمي إلى بني البشر ، لا يهتم بوجودها ، ثم إنزوي عنها بجوار أحد القوائم الفولاذية لينتزع من داخله صندوق صغير مُصمت ..
اقترب به من الراقدة على المحفـة ، ثم سألها بنبرة جافة:
— إنتِ عذراء ولا ثَيب ؟!
إلتقى حاجبي الفتاة فى تساؤل :
— يعني إيه ثَيب ؟! مش فاهمة !!
إرتكز بعيناه عليها ، لتبدو كما بئريـن عميقين بلا قرار ، ليهتف بصوت كالعِـواء ، مشيرًا إلى نقطةٍ بعينها داخل جسدها :
— يعني حد قرب من هنـا ؟!
إتسعت مقلتي اليتيمة فى هلع من فرط الخجل البادي عليها ، لتهتف فى غيظ :
— على فكره إنت ... إنت قليل الأ...........
لم تكتمل الكلمة ، و إنما غُصت فى حلقها ما بين يُمناه التى اعتصرت عُنقهـا فى مقتل ، و يُسراه التي قبضت على خُصلاتها الشعثاء ، دون لمحةٍ من رحمة ...
لا تجد فى فمها القدرة على الصراخ ، و لا فى جسدها القوة على المقاومة ..
فقط عيناها التي اعتادت البكاء ، فكت أسر دموعها الغزيرة التي تسقط بلا توقف ...
اشتدت يداه إلى الحد الذى كادت عنقها الهزيلة تُكسر ، ثم حرر يديه فى غضون ثوانٍ قليله ... ليهتف بصيحة :
— إنتِ كده كده ميته .. على الأقل بلاش تتعذبي فـ آخر أيامِك .. عذراء .... ؟!
جاهدت الفتاة على النطق ، لتقول :
— أيوه .. متجوزتش ... أنا لسه عندي ١٥ سنه ..
ابتعد قليلاً ؛ ليسحب إحدى التقارير الطبية التى خرجت من الفتحة السُفليه لأحد الأجهزة ، و التى تكشف السجل الطبي الكامل للفتاة ، و الخريطة الجينيه بما فيها من صفات وراثية و كروموسومات ..
تركزت عيناه على التقرير بإهتمام ، ليعود إليها فى لهفـةٍ قائلاً :
— ليكي أخوات ؟! أب ؟! أم ؟! و لا كله مات تحت الهدم ؟!
تذكرت ما حدث لها ، و ما علمت منه ، لتهتف :
— لأ .. أنا يتيمة و مليش حد .. أنا إزاي عايشة بعد ما البيت وقع فوقي ؟! أنا كنت تحت الهدد اللي حصل !!
قولت خلاص ، هروح لبابا و ماما ؛ لكن .. لكن لسه ربنا مأمرش !!
هتف الرجل فى غلظه :
— اطمني .. مش هتتأخري عليهم كتير .. اسمِك إيه؟!
أجابت فى رجفة من حديثه المخيف :
— هِتــاف .... إسمي هِتــاف ....
تفحص بناظريه ملامحها فى عمق ، ثم قال :
— ساعتين تأكلي و تنامي .. و بعدها هتقومي و تجهزي ، عندنا سفر النهارده .. كلام مش عايز أسمع .. ولا سؤال .. اللي أقول عليه يتنفذ من غير مقدمات ، لو عايزة تعيشي كمان كام يوم ..
إنزلي .... يلا .....
حاولت الفتاة تمالك نفسها ، و التحامل على ضعفها للوقوف مستقيمة ، أو حتى مُنحنية .. إلا أن عضلات ساقيها خذلاها تلك المرة ، لتسقط على الأرض فى ألم ..
اندفعت الدماء من جانبي أنفها ، ليصرخ فيها الرجل قائلاً :
— قومِي يلا .. مش طايق أشوفِك .. قومِي ..
صيحة اكتملت بغضب ، لتتجرع الفتاة وجع لا يتناسب مع عمرها الصغير .. إلا أنها لم تعتاد الاستسلام ، لتنهض من جديد و تتكيء على جزعها ثم خطت بالمسير كما خُطى الاطفال ، لكنها فى النهاية تمضي بألم .. تمضي و حسب ..
إلى أن اقتربت من باب الصراط ، لتلتفت إليه بوجه شاحب و عرق غزير .. ثم إلتفتت إليه تنشد منه فك تلك الأوصاد عن الباب ..
فعلها .. نعم ... ظـنًا منها لرغبته أن تغرُب عن وجهه ، و لكن الحقيقة على النقيض ...
و حين غادرت إلى الخارج .. كان أحدهم فى انتظارها لإرفاقها إلى غرفتها الجديدة ، و ذلك لتناول الطعام ، و الراحة .
ما إن غادرت ذاك الصراط حتى ابتسم الألفـا للمرةِ الأولى قائلاً:
— أحسنتي يا صغيرة ...
عاد إلى أعماله من جديد .. و تجاربه التى لا نهاية لها .. و اشرافه على الأجنة فى أرحامهن الصناعية .. ثم تسجيل النتائج و مقارنتها بالبحث حول الجديد ...
ساعات أربع .... تخطى فيها الألفـا المهلة التى منحها للمسكينة هتـاف ... و عدد من النتائج التي فاقت التصور .. ليكتفي بذاك القدر ، ثم نهض فى جَـلاله ، و غادر صراطه ...
استقبله مُساعداه غسق ، و رام فى احترام ، لينطقا فى آنٍ واحد :
— أوامرك يا ألفـا ... !!
تساءل ألفا حول غياب سادي ، لينظر الرجلان إلى بعضهما فى إشفاق قائلين :
— جات له النوبة ، و الدكتور معاه بيعطيه أي مهديء
صرخ الألفـا فيهما ، ثم أطبق بمخالبه الحادة حول عُنقهما قائلاً :
— و لما هو تعبان ، مجيتوش قولتولي ليه يا بها.يم .. ؟!
أومال حميم الزفت فين ؟!
إرتجف كلاهما ، و خاصةً بعد تحول ملامحهما الوردية المليئة بالحياة إلى لون أزرق داكن إشارةً إلى الإختناق ؛ ليهمس رام :
— حميم معاه من ساعتها .. أقسم لك يا ألفـا .. سادي هو اللي طلب مننا منبلغكش ...
ألقاهمـا فى الأرض كما عيدان الثقاب البالية ، ثم انطلق إلى حيث يرقد سادي ، و ما إن اقترب من غرفته حتى شعر المُثجى بالداخل بوجوده .. ليتكتم الأنين الصارخ بداخله ، و يحاول السيطرة على حالته التي شابهت الصرع .. ريثما دلف الألفا إلى الداخل .. حتى نهض الطبيب ينحني إليه فى اجلال ، و هيبة ؛ هامسًا :
— ألفــا .....
اقترب ألفـا من سادي، الذى أولاه ظهره ، ليحُول الألفـا دون ذلك قائلاً:
— مصمم تعذب نفسك ، و أنا موجود ..
( ثم إلتفت إلى الجميع صارخًا فيهم ) :
— بره ... مش عايز حد هنا ..
ركض الطبيب إلى الخارج ، فى حين انضم إليه الباقون ، ليقف كلاً من رام ، و غسق أمام الباب الخارجي للإطمئنان ، بينما اقترب الألفـا من سادي ، و أخرج أحد أجهزة نقل الدم ، ليضع إحدى الإبر الطبية فى وريده دون ألـم يُذكر ، ثم وضع الأخرى فى وريد سادي ... لتتم عمليه نقل الدم من جسد الألفـا إلى مساعده المخلص سادي ...
لتتساقط الدموع من الأول قائلاً :
— هتفضل كده مِتحملني لغايت إمتى ؟! سيبني أرتاح ، و أموت .. أنا تعبت أكون عِبء عليك .. وجودي بيضعفك يا مُـــ ..... يا ألفـا ...
إلا أن الألفـا رغم ما يعاني من أعراض تلك العملية ، و التكسير الداخلى الذى ينشأ عنها ، و الوجع الذريع الذي يقصد كل خليه من خلاياه ، أجاب فى تصميم و إرادة من فولاذ :
— بطَّــلْ هبـل .. أنا مش هسمحلك تتعذب لوحدك .. طول ما فيا نفس ، لغايت ما ألاقيلَك علاج .. و هلاقيه .. أوعدك ...
ضم كلاهما قبضته فى قبضة الآخر علامة الإخلاص و الأخوة ، كل طرف يعاني ؛ و الآخر يحتمل لأجله ..
فى حين همس غسق بالخارج :
— رغم كل اللي بنعمله .. قلبي و ضميري مات .. لكن لما سادي بيتعب بالشكل ده ، بحس إني رجعت لآدميتي من جديد .. مش عارف ليه ؟!
أجاب صديقه فى شفقة :
— سادي بيتحول على النقيض أول ما تجيله النوبـه .. اللي يشوفه فـ عِـز قوته يقول ده أقوى ذئاب العشيرة ، و أمهرهم ..
عاد الآخر إلى توضيح ما آل إلى صديقه من حديث :
— هو فعلاً أقوى ذئاب القطيع .. عارف لو أعرف مكانها القذرة التى اتسببت له فـ اللي هو فيه .. ساعتها مش هتموت إلا على إيدي ...
عض الآخر على شفتيه فى جنون غاضب :
— اختفت .. وكأنها ملهاش أثر .. كان ممكن تلحقه أول ما ولدته ؛ لكن إنها تِكلف الدكتور ميحقنوش بالحقنة ، ده قمة الوحشيه .. و الآخِر يفضل عمره كله يعاني بالشكل ده ..
ضم غسق قبضتيه ، صاغطًا أحدهما فى الأخرى حتى أدمت يداه دمـا ، ليقول :
— لولا الألفـا ؛ مكنش هيقدر يتحمل كل السنين دي .. أنا مكنتش متخيل إن فيه أمراض خطيرة كده ، و ملهاش علاج ... رغم عبقرية الألفـا ، و كل اللي وصله ، لكن لسه مقدرش عليه ..
أجاب الآخر فى خفوت :
— هو ده مرض نقص المناعة الأولي Primary Immunodeficiency .. ولولا إن جسم الألفـا قوي ، و دمُّه فيه أجسام مضادة مكنش يقدر يفيده ...
أصاب الاثنان الحسرة على ما يعانيه كلا السادي و الألفا ، فى حين ظل الأخير على صبره القاسي على الألم حتى انتهت عملية نقل الدم ، ليخلع عنه الإبر الطبية ، ثم ترك سادي يتماثل للراحة بعد التجربة الشنيعة بألم مرض المُتسبب فيه إمرأة من دمه .. بل أقرب المقربين له .. والدتِـه ...
نظر الألفـا إليه نظرة أخيرة ، ثم همس :
— أُقسملك لو وقعتْ فـ إيدي لأصفِّي دمها كله قُدام عينيك ...
و غادر الغرفة متمنيًا له الشفاء العاجل ...
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
*************
« ربما لم نكن يومًا أشخاصًا مثاليين ...
و ربما لم نكن ذاك الحلم الذي يخشى الآخرون انطفاءه ... كنا فقط أولئك الذين يسهل العبور من حياتهم دون كثير من الالتفات ...
أيقنا أنه يمكن استبدالنا بآخرين ، وكأن حضورنا لم يكن أكثر من صدفةٍ عابـرة في طريـقٍ طويـل ..
ربما كُتب علينا أن نكون دائمًا عُرضَـة الهجر ...
وأن نتقن الصمت حين يختارنا النسيان ...
و فى النهاية .. تم التأكيد ..
ذنبنا الوحيد أننا كنا نبحث عن معنى البقاء في قلوبٍ ، لم تعرف إلا فن العبور ..
و رغم ما أعاني ... لا زلت أُحاول ... »
استقبلت هتـاف غرفتها الجديدة بمزيج من السعادة و التعاسة سويًا ..
كانت تتمنى فى أحد الأيام ، و إن كانت بالسنوات الكبيسة أن تحيـا فى غرفةٍ مضيئة بنور الأمل .. أن تسكن على فراش من أنسجة الزعفران .. أن ترقد على وسادة ليست بالصلبة ، ولا بالرخوة ...
و ما إن دلفت إلى الداخل ، حتى اقتربت رويدًا رويدًا.. تُلقي بجسدها على الفراش الوثير ... و استكانت ...
ليسألها أحدهم :
— الغداء هيكون عندِك حالا .. تحبي حاجة تانيه معاه ؟!
إلا أنها لم تُنصت إليه ، و كيف تفعل .. و تلك الراحة التي استوعبت للحظات لذتـها هي الأولى فى رحاب سنواتها الأولى ..
لذا لم ينتظر ، و إنما غادر لتنفيذ أمر الألفـا دون تأجيل ..
السكون الذى فرضـه غياب الجميع إلا منها .. جسدها الضئيل فى ذاك المحيط الواسع .. الفراش الرحب الذي استكانت إليه للحظه يظُن خلالها البعض أنه سيبتلعها إلى آخرها ..
ثم تفتحت عيناها ... لتلتهم الثراء و الرفاهية من حولها .. حتى اختل توازن فرحتها بمقبض الباب الذى فُتح بتلك القوة و الشراسة حين دلف إلى المكان الألفـا فى قوة و صراع ..
تراجعت إلى الخلف ، و أين تختبيء ممن لا يُسمح الاختباء منه ، و التخفِي ؟!
لم يعد أمام الوعـل الصغير إلا انتظار سيد الذئاب ، لكي يُفجر غريزته ، و يُحيي معدته بوجبةٍ شهية ؛ و إن كان الوعل أضعف من اشباعِـه !
اقترب منها بحضوره الطاغي ، قائلاً :
— إطلعي على السرير ، و غمضي عيونِك ...
انتفضت هتاف قائلة :
— أغمض !! ليــــه ؟!
أجاب فى صرامة :
— من غير أسئله .. أنا كلامي يتقال مرة ، و بعدها التنفيذ .. إنتِ مبتفهميش ؟؟
وكيف تفهم ما لا يُـقال ؟! لقد أحاط بها ، أنقذها من تحت الركام .. ليأتي بها إلى هنا ، دون أن تستوعب هدفه الكامن ..
وضعها بمحبسه ، و أذاقها الأمـرَّين ، و ها هو يُودعها بين رفاهية الثراء لهدفٍ فى نفسه ، لا زالت لا تعلمه ..
و لكن .. إدعاء الجهل أحيانًا ، يكن أفضل ألاف المرات من نهايةٍ شنيعة ..
لذا أغمضت عينيها ، بعد أن سحبت جسدها و إرتمت على الفراش الوثير ...
جسدها يرتجف .. لا تُبقِـي على محنتها ولا تَذر .. فِعلتها دامغَـة بغموض رجلٍ لا معنى لأفعاله ..
وضع الألفـا يده داخل جيب سرواله ، حتى أخرجها و بين أنامله زجاجة لسائل أسود اللون ثقيل داكن ..
اقترب منها الرجل ، ثم ارتدى قفازين طبيين ، و وضع القليل من تلك الزجاجة بين يديه ..
ثم اعتلى الفراش ، ليكشف عنها ملابسها فى سخاء
ارتعشت هتاف على إثر فعلته الجريئة ، لتتفتح عيناها و تحاول المرور من بين مخالبه و أنيابه .. لكنها كما فـأر صغير فى مواجهة سيد الجبل ...
هدر فيها صارخًا :
— إثبتي ، و إلا هكسرِك ..
( ثم وضع يديه على إحدى الزوايا الجانبية لمحيط خصرها و ظل يستحضر هدوئه .. )
شفتاه تُتمتم بكلمات غير مفهومة ، بصوت خفيف لا يكاد يُسمع ، و أنامله الخبيرة تتوزع بإحترافيه على جسدها فى براعة تسحب من آلامها الكثير ؛ حتى استسلمت إلى لمساته الشافيه ... رويدًا رويدًا ، ولا يزال الألفـا يتجه بأنامل مدربة حيث موضع الألم ، و كأن عيناه تكشف بالأشعة السينية ما خلف ذاك الجسد من أنين و إصابات ..
أوشك على الانتهاء ، و تلك الأخرى على هدوئها ، حتى أغمضت عيناها .. و غرقت فى محيط النوم العميق ..
انتهى ألفـا من عمله ، ليسدل عليها الغطاء من جديد
ثم اقترب منها ..
ظل يتأملها بعيناه بنظرات غير مفهومة ، و كأنه يرى أنثى للمرةِ الأولى .. ثم اقترب من نقطة بعينها ما بين الأذن ومحيط العنق .. ليقول فى عمق :
— ساعة واحدة و تقومي .. مش هكرر كلامي
( و نهض إلى الخارج بلا إلتفات )
غادر الغرفة ، و الفتاة على حالها و نومها العميق .. ليحدث ما كانت تخشاه .. ما اعتادت الخوف منه ..
الجميع يلجأ للنوم بليلِـه كما أمر الله الجسد بالراحة ، إلا أن ليل تلك المسكينة ليس كغيرها من بني جنسها ..
تعتريها هواجس الكوابيس منذ أن كانت بالسابعة من عمرها .
و ما يُخيغها حقًا أن ما تُعانيه ، ليس محض أضعاثُ أحلام ، بل رؤى حقيقية تحدث فى المُطلق .. بنفس التفاصيل و المنظور
لذا أحيانًا تخاف النوم العميق ، و تخشاه ...
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
**********
« لعل أصدق من يصف الأمان هو المرتجِف من الخطر ..
مَنْ ذاق الخوف ، و تربع بداخله ..
يا عزيزي الموطن المقدس .. نحن في الغالب لا نشعر بالطمأنينة إلا إذا صادفت من يحسب حساب الخطوة ، و يتردى عن أي خطر قائم ...
نعاني ... و قد نُوزِع ضمادات التعافي على الجميع ، دون أن نضمن إبقاء ضمادتِنا على شاكلتها ..
ربما العفو لا يزال بطريقه الأعرج ، أو يتخفى فى غرفته من جراحه القديمة التي لم يُخبر بها غيرِه ..
كيف سيأتي ليُرتب على كتفي ، و هو بأمس الحاجة إلى من ينتشل القسوة بمحيطه ؟!
أُطالبه بالإنتصار ، و هو فى خِضَم غضبه خاسر !! »
أفاق سادي من محنته المرضية ، ليتكيء على ذراعيه الصلبتين ، و يتأكد من أنها تجربة أخرى عزز شفائه منها صديقه و شقيقه الأقرب إلى قلبه " الألفـا " ..
أحيانًا .. يجد أنه ما هو إلا عبء ثقيل على كاهله ، ليتمنى من ربه أن يرحل من دنياه فى هدوء .. لكن الآخر لا يتوانى عن إنقاذه مهما كانت الضغوط ..
نهض فى إرادة ، لينضم إلى مرحاضه حاصلاً على حمامه المنعش ، منتشيا ببرودة الماء الثلجية التى تُنشط خلاياه ، ثم ارتدى ثيابه بعد أن انتهى ... و غادر غرفته إلى سيده ... سيد الذئاب " الألفـا " كما يُلَقب ...
وجده يقف أمام مدخل الجبل .. ذاك الطريق الذى حار في الوصول إلى خارطته الجميع ، إلا هو عندما أبدع فى تصميمه لم يكن مجرد مهندس معماري ، أو عالمًـا للجيولوجيا ... بل هو الأبرع منهم جميعا ...
يخالَـهُ البعض .. و ربما للكل .. أنه الأول .. المميز عن الكل .. الأوسعهم إدراكًا .. الأكثرهم علمًا .. رغم صغر سنه و كِـبر مكانته ...
اقترب منه سادي فى هدوء قائلاً :
— و مرة تانيه .. لسه ليا عمر بفضلك .. أعمل إيه علشانك يا ألفـا ؟؟
أجاب الألفا الذى التفت فقط له قائلاً :
— ولا حاجة .. تاخد بالك من نفسك بس ... جوه فى جهاز التبريد .. هتلاقي ٣ لتر دم .. محفوظين ..
إذا لا قدر الله احتجت ، متتردِدش .. و هبلغ حميم و غسق بكده ...
المهم دلوقتي .. الرحلة كمان ساعتين ..
البنت اللي جوه دي مختلفه .. عن الكل ..
علشان كده هاخدها معايا ضروري .. اجتماع المرة دي غير كل مره .. لازم أرجع منه بإسم الكلب اللي عملها زمان ، و روحُـه فى ايدي ..
أنا لا يمكن أسمح له يموت ببساطة كده ... لازم أعملُه طقوس خاصة ...
أقدم سادي على إلحاحه الذى لم يقصده من قبل ليهتف :
— سيبني أرافقك المرة دي .. القطيع كله هيحمي الجبل و القصر و اللي فيه .. صدقني .. يمكن تحتاجني جنبك ..
إلا أن الألفـا لا يزال على قسمه ، و صلابته لا يتردد ؛ يكتنفه شعور غير مريح ؛ أن تلك المرحله ليست كسابقيها .. و أن اجتماع النُخبة تلك المرة لن يمر مرور الكرام .. و أن قوانين عالمية ستتغير ، و أن الكوكب على وشك أن يشهد كارثة حقيقية لا قِـبل للسادة بها ...
و رغم ما يشكله القلق فى داخله ، صلابته لا تتزحزح ، لذا ربت على كتفيه قائلاً:
— متخافش .. عُمر الشقي بقِي ...
( و تركه عازمًا على إعداد الفتاة إلى مصيرها الذى ينتظرها .. أو بالأحرى الخطر الذى تنتظره ) ...
فى تلك الأثناء ..
كانت المسكينة تُعاني رؤيا قوية صادمة .. معاناه لا فِـكاك منها ، إلا بإيقاظها ...
آلام اشتدت عليها ، و صراخ داخل تلافيف عقلها ، إلى الدرجة التي دفعتها إلى التشنج ...
لكن حصارًا اجتمع حولها ، يمنعها من اليقظه .. و ظلال كثيرة .. و وجوه غريبة ... و هــو .. صاحب الملامح الباردة " الألفـا " فى المنتصف ...
انهمرت الدماء من فتحتي أنفها غزيرة فى اللحظة التى اقتحم فيها الألفـا مخضعها ، ليجد ما هي عليه ..
احتلت الدهشة ملامحه لثانية أو يزيد ، ثم اقترب منها ليوقظها ..
لكنها رغم محاولاته المُضنية فى افاقتها ، لم يحقق النجاح .. إلى أن اضطر إلى صفعها على وجهها صفعة صلبه قوية سالت لها الدماء من جانبي شفتيها ... لتصحو شاعرة بآلام فى محيط جسدها بأكمله ...
لكنها لم تبالي ... فقط صرخت فيه قائلة :
— أنا مش هسافر .. مش لازم تسافر إنت كمان .. الرحلة دي أيًـا كانت لفين ؛ كلها خطر .. بلاش !! أنا حلمت بكده .. صدقني ..
بلاش المرة دي .. أجِـلها .. هم مستنيينك هناك ، و عايزين يستخدموك ... أنا سمعتهم . والله سمعتهم ..
فى تلك الأثناء .. انضم إليهما سادي قائلاً :
— بلاش يا ألفـا .. أنا كمان مش مرتاح ، و حاسس إنها مصيدة ، مش اجتماع عادي .. إعتذر .. إرفض .. إعمل أي .........
صرخ الألفـا قائلاً فى تصميم :
— مش هينفع .. أنا ما صدقت .. بقالي شهور فى العذاب اللي إنت عارفه ، علشان أوصل ؛ و لما تجيلي الفرصة أتراجع ... ده لا يمكن يحصل ...
( ثم إلتفت إليها صارخًا فى توعد ) :
— و إنتِ .. سيبِك من الخزعبلات اللي قولتيهـا دي ، و إجهزي .. يا إما تيجي معايا حية ، يا إما هاخدِك ميته ...
و غادر الغرفة تاركًا قلبين يرتجفان أحدهما أقرب إليه من الوريد ، و الأخرى أبعد ما يكون .. ليهمس سادي فى قلق :
— ربنا معاك يا ألــ ... يا مُسيلَمـة !!
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
« قد يقع المرء أحيانًا بين الحيرة ، و الجنون .. يطرق العقل آلاف التساؤلات حول هويـة الألفـا ، و سر ذاك اللقب ؟!
و قد يظن البعض الآخر أنه ليس من جنس البشر ؟!
و القريب يتساءل ؛ ما سر أفعاله الغريبة و خاصةً حوار الأجنـة ؟!
و لماذا لاَزَمَ الجبل ، و كون ذاك القطيع ؟!
و من هو السادي ، و الحميم ، و الغسق ، و الـرام ؟!
و هل له عودة من تلك الرحله ؟! أم أن ذاك الاجتماع قد خُطط له لتوقيع شهادة وفاته ؟!
الإجابات ليست لديّ ، بل تم التكتم عنها حتى يأذن الألفـا بالحديث ...
تمت بحمد الله و فضـله
