رواية الي ان نفترق الفصل السادس بقلم رقية الأنصاري
_ لو أنا فعلًا بالنسبالك مجرد جوازة على ورق عشان شغل... فارق معاكي ليه وجودي واهتمامي؟!
فضلت باصة له، ومردتش.
المشكلة إن السؤال مكانش معقد، بالعكس، كان واضح لدرجة إن المفروض إجابته تطلع مني في نفس اللحظة. من أول يوم وإحنا عارفين إحنا اتجوزنا ليه، وعارفين إن اللي بينا له مدة محددة، وإن بعد الست شهور كل واحد فينا هيرجع لحياته.
يعني المفروض أقول له بمنتهى السهولة: مش فارق.
بس معرفتش.
لأني لو قولتها هبقى بكدب، ولو قولت عكسها... مكنتش عارفة العكس ده معناه إيه أصلًا.
خالد فضل واقف قدامي مستني، وأنا لأول مرة من ساعة ما بدأت الخناقة مكنتش بدور على رد يسكته ولا حاجة أمسكها عليه.
_ هنفضل باصين لبعض كده كتير؟ ما تردي.
بلعت ريقي.
= معرفش.
عقد حواجبه.
_ متعرفيش إيه؟
= مش عارفة أرد عليك.
_ ليه؟
بصيت بعيد.
= معرفش يا خالد.
_ ليليا أنا بسألك سؤال واضح.
= وأنا بقولك معرفش!
صوتي علي غصب عني، وبعدها سكت فورًا.
كنت متضايقة من نفسي.
لأن كل ما أرجع الخناقة في دماغي، ألاقي إني أنا اللي حطيته في موقف مستحيل...لما قرب مني زعلت، ولما بعد زعلت. لما سألني اعتبرت سؤاله زيادة، ولما بطل يسأل حسيت إنه بيتجاهلني. حتى يوم ما إيدي اتحرقـ ـت، ساعدني بشكل تلقائي، وأنا بدل ما أشوف ده زي ما هو شايف، فضلت أراقب اللحظة اللي هيسيب فيها إيدي.
والأسوأ إني كنت عارفة إنه عنده حق.
عيني سخنت، فبصيت ناحية السفرة بسرعة...رمشت كذا مرة، لكن دمعة نزلت قبل ما ألحق أمنعها.
مسحتها بعصبية.
خالد سكت لحظة.
_ طب إنتي بتعيطي ليه دلوقتي؟
= مش بعيط.
بصلي كذا ثانية.
_ آه واضح.
كنت هرد، لكن دمعة تانية نزلت، وبعدها التالتة، وصوتي خرج أوطى.
= خلاص يا خالد... امشي.
_ يعني إيه خلاص؟
= يعني خلاص.
_ طب وبعدين؟
هزيت راسي وأنا بمسح وشي.
= معرفش... خلاص معرفش أنا مش عايزة حاجة، عاملني زي ما إنت عايز.
_ ليليا—
= بتكلم بجد ، عايز تسألني اسأل، مش عايز متسألش... عايز تتكلم اتكلم، عايز تقعد لوحدك اقعد...أنا أصلًا مش عارفة أنا عايزة إيه.
غطيت وشي بإيديا، والعياط اللي كنت بحاول أوقفه زاد.
عدت ثواني قبل ما أقول من ورا إيديا:
= أنا آسفة.
مردش فورًا.
شلت إيديا وبصيتله.
= بجد أنا آسفة يا خالد.
_ على إيه؟
مسحت دموعي وأنا بحاول أتكلم من غير ما صوتي يتهز.
= على اللي قولتهولك يومها... أنا مكنش من حقي أتكلم معاك بالطريقة دي لمجرد إنك وقفت جنبي وأنا خايفة على بابا...إنت معملتش حاجة غلط أصلًا.
فضل ساكت.
كملت وأنا باصة له:
= بالعكس، إنت فضلت معايا، ورديت على سلمى، وهديتني لما كنت منهارة... وأنا أول ما فوقت بدل حتى ما أشكرك، قعدت اتخانق معاك.
صوتي اتهز تاني.
= أنا عارفة إن طريقتي كانت وحشة.
_ ليليا—
= استنى، خليني اكمل.
سكت.
أخدت نفس متقطع.
= وإنت لما عملت اللي أنا طلبته منك، رجعت اتضايقت منك...يعني حرفيًا مهما كنت عملت كنت هطلعك غلطان...وأنا عارفة إن ده ظلم ليك.
نزلت عيني للأرض.
= يمكن عشان أنا مضغوطة، ويمكن عشان كل حاجة حصلت بسرعة، بس ده مش مبرر إني أطلع ده عليك. إنت ملكش ذنب أصلًا.
ملامحه هديت، لكنه فضل ساكت.
وده خلاني أكمل وأنا بعيط:
= فـ حقك عليا...بجد.
إيده اتحركت ناحيتي سنة، وبعدها وقفت.
خدت بالي.
وعرفت ليه.
هو مش عارف يقرب.
أنا اللي خليته مش عارف.
والفكرة دي وجعتني أكتر من أي حاجة قالها طول الخناقة.
_ أنا آسفة.
قولتها للمرة التالتة، بس المرة دي صوتي كان شبه همس.
خالد اتنهد.
_ خلاص يا ليليا.
= لأ، مش خلاص عشان إنت لسه زعلان.
_ أنا مقولتش إني زعلان أنا مش هزعل منك ، أنا بس مكنتش فاهم انتي عايزة ايه.
= بس أنا عارفة انك زعلان.
بصلي ثواني، وبعدها قال بهدوء:
_ طب اهدي الأول.
هزيت راسي وأنا بحاول، لكن العياط زاد بدل ما يقل.
قرب وحط إيده على كتفي بحذر.
_ تعالي اقعدي.
مشى معايا للكنبة وقعد جنبي، وساب بينا مسافة صغيرة. مدلي علبة المناديل، وبعدها فضل ساكت، كأنه خايف يعمل أي حاجة زيادة فأرجع أفهمها غلط.
مسحت وشي، وبعد ثواني حسيت ايده على ضهري، بيطبطب عليا بخفة.
_ خلاص... اهدي.
بصيتله.
كان لسه حذر.
وبسببي أنا.
وقتها مفكرتش.
ولا حسبت الحركة معناها إيه، ولا سألت نفسي المفروض أعملها ولا لأ.
كل اللي حسيت بيه إني عايزة أصلح ولو جزء صغير من المسافة اللي أنا اللي عملتها بينا.
قربت منه مرة واحدة، ولفيت إيديا حواليه ودفنت وشي في صدره وانا بدخل في حضنه.
أنا اللي حضنته.
المرة دي هو مقربش مني وأنا منهارة، او اضطر يهديني، او خد الخطوة مكاني.
أنا اللي قربت.
جسمه اتشد للحظة.
واضح إنه متوقعش الحركة، وإيده فضلت معلقة في الهوا ثانية كأنه بيديلي فرصة أرجع في اللي عملته... لكني مرجعتش بالعكس، إيديا شدت في قميصه أكتر، ووشي استخبى في صدره كأني أنا نفسي مش عايزة أشوف رد فعله.
وقتها لف إيده حواليا.
ضمّني له بهدوء، من غير ما يعلق ولا يسألني أنا بعمل إيه، وإيده التانية طلعت لشعري. مرر صوابعه بين خصلاتي براحة، وبعدها كفه استقر على راسي وهو بيطبطب عليا.
_ خلاص... اهدي.
غمضت عيني، والعياط زاد للحظات قبل ما يبدأ يهدى واحدة واحدة.
الغريب إن حضنه المرة دي كان مختلف عن المرة اللي فاتت...وقت بابا، أنا مكنتش واعية تقريبًا بحاجة غير خوفي، وهو اللي قرب، وهو اللي حاول يهديني.
دلوقتي أنا كنت واعية بكل حاجة.
عارفة إني حضناه.
وعارفة إنه حضني.
وعارفة إن رغم إني بدأت أهدى، لسه متمسكة فيه ومش ببعد.
بعد وقت، صوته جه هادي فوق راسي.
_ أحسن؟
هزيت راسي.
= آه.
_ متأكدة؟
= اممم.
فضلنا ساكتين شوية، وإيده لسه بتتحرك في شعري، لحد ما اتنهد.
_ بصي يا ليليا... إحنا لسه قدامنا وقت طويل مع بعض، فـ مش هنفضل عايشينه كله في مناقرة كده... لازم نعقل شوية.
اتكلمت من مكاني:
= أنا اللي بناقر؟
_ أهو ابتدينا.
رفعت راسي أبصله.
= ما إنت بتقولها كأني أنا السبب.
_ أنا مقولتش كده...أنا بتكلم علينا إحنا الاتنين.
فضلت باصة له لحظة، وبعدها رجعت سندت راسي عليه.
= ماشي... كمّل.
_ إحنا قدامنا شهور في نفس البيت، وبنشوف بعض تقريبًا طول اليوم...لو كل حاجة هنعمل منها مشكلة، هنكره بعض أكتر ما إحنا أصلًا—
رفعت راسي بسرعة.
= أكتر؟
ابتسم.
_ ركزي في باقي الجملة.
= لأ، دي وقفتني.
_ ليليا ابوس ايديكي اسمعيني للآخر.
ضحكت بخفة ورجعت مكاني.
_ الفكرة إن كل واحد فينا عارف إن في حاجات بيعملها بتضايق التاني...فـ بدل ما نفضل نكررها ونرجع نستغرب إننا بنتخانق، نقولها مرة واحدة وخلاص.
= إنت عارف الحاجات اللي بتضايقني وبتعملها مخصوص.
_ بعض الحاجات.
= معظمها.
_ بعض.
= خالد.
_ ماشي، كتير منها.
ابتسمت غصب عني.
= أهو.
_ وأنا هحاول أقللها.
= تحاول؟
_ متطمعيش.
رفعت إيدي خبطته بخفة على صدره.
= رخم.
_ أهو دي مثلًا ممكن نضيفها في قايمة الحاجات اللي بتضايقني.
= كلمة رخم؟
_ لأ، الضرب.
= ده مش ضرب.
_ أمال إيه؟
= تعبير عن الرأي.
ضحك، وحسيت ضحكته من تحت خدي قبل ما أسمعها.
سكتنا ثانية، وبعدها قلت:
= طب إيه اللي بيضايقك بجد؟
اتغيرت نبرته شوية.
_ إنك بتفترضي إن ورا كل حاجة بعملها معنى تاني.
مردتش.
_ لو سألتك مالك، بدل ما تقوليلي مالك، تقعدي تفكري أنا بسأل ليه...لو جبتلك حاجة، تسألي جبتها ليه...لو قلقت عليكي، تحاولي تثبتيلي إن مفيش داعي أقلق...كأني لازم يكون عندي سبب خفي لأي حاجة طبيعية بعملها معاكي.
حركت صوابعي في طرف قميصه من غير ما أخد بالي.
= أنا عارفة.
سكت هو المرة دي، يمكن لأنه متوقع إني أعترض.
كملت:
= وعندك حق فيها خصوصًا بعد اللي حصل... أنا فعلًا فضلت أحلل كل حاجة زيادة عن اللزوم.
إيده اتحركت على شعري مرة تانية.
_ خلاص، وأنا كمان ساعات بستفزك عمدًا.
رفعت راسي.
= ساعات؟
غمض عينه للحظة.
_ هنرجع تاني؟
= عشان تبقى صريح.
_ حاضر...كتير مش ساعات.
= شكرًا.
_ العفو يختي.
رجعت مكاني وأنا مبتسمة.
= وأنا بيضايقني إنك لما نتخانق تقفل الكلام فجأة.
_ إزاي؟
= «تمام». «ماشي». «براحتك». التلات كلمات دول تحديدًا متقولهمليش وإحنا متخانقين.
_ حاضر.
= وكمان متفضلش تعلق على كل حاجة بعملها.
_ دي صعبة.
= خالد.
_ هحاول.
= وكمان—
_ هو أنا داخل تقييم سنوي؟
ضحكت.
= إنت اللي اقترحت.
_ لا خلاص ندمت.
سكتنا شوية، وبعدها قال:
_ وبعدين الموضوع أبسط من كل ده... وإحنا مش لازم نحب بعض عشان نعامل بعض كويس.
ثبتت عيني قدامي وأنا لسه في حضنه.
_ يعني؟
_ يعني مش لازم كل ما واحد فينا يعمل حاجة كويسة للتاني نخاف منها ونقعد نسأل معناها إيه...ممكن نتعامل طبيعي...نتكلم، ناكل مع بعض، نخرج، نهزر... ولو حاجة ضايقتنا نقولها وقتها بدل ما نخزنها.
= يعني نبقى أصحاب؟
_ أصحاب مرة واحدة؟
= ما أنا بقول مثلًا.
_ خلينا الأول نبقى بني آدمين طبيعيين، وبعدها نشوف موضوع أصحاب ده.
ابتسمت.
= ماشي.
_ وبعدين إحنا الاتنين عارفين إن آخر حاجة ممكن تحصل في الدنيا إننا نحب بعض، فـ مفيش داعي أصلًا لكل الحذر ده.
رفعت راسي ببطء.
= آخر حاجة في الدنيا؟
_ آه.
= للدرجة دي؟
رفع حاجبه.
_ إنتي زعلانة؟
= لأ طبعًا! بس يعني... آخر حاجة في الدنيا؟ أوفر شوية.
فكر ثانية.
_ خلاص، قبل الأخيرة.
ضحكت وأنا بهز راسي.
= مستفز.
_ أهو اتفقنا نقللها، مش نلغيها.
رجعت سندت راسي على صدره.
_ المهم... متفقين؟
= متفقين.
_ نتعامل طبيعي؟
= نتعامل طبيعي.
_ من غير تحليل لكل نفس؟
= هحاول.
_ وأنا أقلل الاستفزاز.
= ياريت يعني.
_ متطمعيش.
ابتسمت، وبعدها سكتنا.
والغريب إن الاتفاق خلص، والعياط وقف من فترة، ومبقاش فيه أصلًا سبب يخليني أفضل في حضنه.
لكن أنا مابعدتش.
وهو كمان... مابعدنيش.
عدت ثواني وإحنا ساكتين، وأنا لسه ساندت راسي عليه، وإيده اللي كانت من شوية بتتحرك في شعري هديت واستقرت على ضهري.
لحد ما سمعته بيقول:
_ طب إيه... هنفضل كده كتير؟
رفعت راسي بسرعة، وبعدت عنه في نفس اللحظة.
= أنا آسفة.
عقد حواجبه.
_ على إيه؟
= معرفش إنك متضايق.
_ متضايق؟
اتعدلت في قعدتي ومسحت آخر أثر للدموع من على وشي.
= ما إنت بتقول هنفضل كده كتير.
_ يا بنتي هو أنا لسه نطقت؟
= خلاص خلاص، عادي... مش هقرب تاني متقلقش.
بصلي خالد ثانيتين كأنه مش مصدق إني لحقت أوصل لكل الاستنتاجات دي في خمس ثواني، وبعدها مد إيده مسكني من دراعي.
_ تعالي هنا.
ملحقتش أسأله، كان شدني ناحيته تاني، فرجعت أخبط بخفة في صدره وإيده تلف حواليا.
رفعت راسي له باستغراب.
= إيه؟
_ اهدي بقى.
= ما إنت اللي قولت—
_ كنت هقول هنفضل قاعدين كده كتير والأكل بقاله أكتر من ساعة على السفرة، ولا هنقوم نشوف له حل؟
سكت.
بصيت ناحية السفرة، وبعدين رجعت بصيتله.
= طب ما تقول كده من الأول!
_ هم إنتي ادتيني فرصة؟
= ما أنت سكت!
_ أنا سكت؟ ده أنا أخدت نفسي عشان أكمل الجملة.
حاولت أبعد وأنا مكسوفة من نفسي.
= خلاص بقى سيبني.
شد دراعه حواليا أكتر سنة.
_ لأ.
= لأ ليه؟
_ عشان تتعلمي تستني الناس تكمل كلامها قبل ما تعلني قرارات مصيرية كده.
بصيتله بغيظ.
= والله إنت رخم.
_ ودي المرة الكام النهارده؟
= معرفش، بس تستاهلهم كلهم.
ضحك، وأنا حاولت أفضل مكشرة قدامه، لكن منظر رضاه عن نفسه استفزني لدرجة إني ضحكت غصب عني.
مش ابتسامة صغيرة وسط الكلام.
ضحكت فعلًا.
وخالد سكت لحظة وهو باصصلي، كأنه هو كمان لاحظ إن دي تقريبًا أول مرة يخليني أضحك بالشكل ده من غير ما تكون الضحكة سخرية منه أو شماتة فيه.
لكن، لحسن الحظ، معلقش.
قال بس:
_ أهو... كده أحسن.
= متاخدش مقلب في نفسك.
_ فات الأوان خلاص.
ضحكت تاني، ومن غير ما أفكر رجعت حضنته، وإيدي لفت حواليه للمرة التانية.
المرة دي مكنتش بعيط.
ولا خايفة.
ولا حتى محتاجة حد يهديني.
ومع ذلك... فضلت حضناه.
والأغرب إنه فضل حاضني هو كمان.
بعد شوية، بص ناحية السفرة.
_ على فكرة أنا كنت بهزر من شوية، بس الأكل فعلًا مات.
= ندفنه؟
_ ده أقل واجب.
بعدت عنه وأنا بضحك، وقمنا نشيل الأطباق...دخلت المطبخ قدامه، وحطيت اللي في إيدي جنب الحوض، ولما مدت إيدي آخد الطبق اللي معاه، بعده عني.
= سيبيه أنا هغسل.
بصيتله.
= إنت؟
_ ايه؟ عندك شكوك في قدراتي؟
= عندي شكوك في حاجات كتير بصراحة.
_ الاتفاق بقاله عشر دقايق وابتدينا.
ضحكت وأنا باخد فوطة المطبخ.
= خلاص، إنت اغسل وأنا هنشف.
وقفنا جنب بعض، وكل شوية يرش نقطة مياه ناحيتي بالغلط، أو على الأقل كان بيدّعي إنها بالغلط، لحد ما بصيتله بتحذير.
= لو عملتها تاني هسيبلك المواعين كلها.
_ تهديد خطير.
= جرّبني.
رفع إيده باستسلام، وكملنا وإحنا بنتكلم في حاجات ملهاش أي أهمية، لكن الغريب إنها كانت أول مرة أحس إن وجودنا في نفس البيت مش محتاج مجهود.
لما خلصنا، كل واحد راح ناحية أوضته.
قفلت بابي ورايا، ووقفت ثانيتين.
وبعدين استوعبت.
أنا اللي حضنته الأول.
حطيت إيدي على وشي.
وهو اللي رجعني لحضنه المرة التانية.
مشيت للسرير ورميت نفسي عليه، ودفنت وشي في المخدة.
أكيد عشان كنت مضغوطة.
والحضن التاني كان هزار.
وكل اللي حصل طبيعي جدًا بعد خناقة بالشكل ده.
رفعت راسي وأنا بفتكر جملته:
«آخر حاجة ممكن تحصل في الدنيا إننا نحب بعض.»
اتنهدت براحة، ورجعت حطيت راسي على المخدة.
أيوه...بالظبط.
آخر حاجة ممكن تحصل.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
الخمس أسابيع اللي جم بعد الليلة دي كانوا مختلفين عن أي وقت عدى بيني وبين خالد من ساعة ما اتجوزنا.
مش لأننا فجأة بقينا متفاهمين ومبنتخانقش، بالعكس، لو عدّى يوم كامل من غير ما واحد فينا يستفز التاني كنت غالبًا بشك إن خالد تعبان، وهو كان بيعتبر سكوتي لفترة طويلة علامة تستدعي القلق.
بس الفرق إن الخناقة مبقتش معناها إن اليوم كله باظ.
بقينا نعرف نتخانق، نزعل شوية، وبعدها نكمل يومنا عادي من غير ما حد فينا يحس إنه لو كلم التاني يبقى كده تنازل عن كرامته.
مرة كنا راجعين سوا بعد يوم طويل، واتخانقنا من أول ما خرجنا بسبب إنه كان مستعجلني وأنا بجمع حاجتي.
= على فكرة أنا بستناك كل يوم ومبتكلمش.
_ بتستنيني فين؟
= الصبح.
_ انتي بتبقي لسه بتدوري على حاجتك وأنا واقف على الباب.
= مش مبرر.
_ آه طبعًا، وقتي أنا مالوش قيمة.
بصيتله بغيظ.
= خلاص متكلمنيش.
_ حاضر.
= وأهو حاضر دي أخت تمام على فكرة... يعني مبحبهاش برضو.
لفلي وهو ماشي جنبي.
_ طب أقول إيه لما انتي اللي بتقولي متكلمنيش؟
= متردش.
_ يعني انتي تكلميني وأنا مردش؟
= آه.
_ وده مش هيعصبك؟
فتحت بوقي، وبعدين قفلته.
ابتسم.
_ أهو.
= خالد، متكلمنيش.
_ حاضر.
بصيتله.
ضحك.
كملت مشي وأنا مقررة إني مش هقوله كلمة لحد ما نوصل.
بعد حوالي عشر دقايق، وقف قدام مكان صغير كنا عدينا عليه قبل كده.
بصيتله باستغراب.
= وقفت ليه؟
_ جعان.
= طب هات اكل.
_ وانتي؟
= مش جعانة.
بصلي.
_ ليليا.
= نعم؟
_ انتي من الصبح مأكلتيش غير حاجة صغيرة.
سكت لحظة، وبعدين قلت بعند:
= مش بكلمك.
هز راسه بمنتهى الجدية.
_ طب وانتي مش بتكلميني، هتاكلي إيه؟
بصيتله ثانيتين، وبعدها ضحكت غصب عني.
= والله إنت مستفز.
_ ها؟
= نفس اللي جبناه المرة اللي فاتت.
_ أهو الصلح دخل عن طريق الكرش.
= احنا متصالحناش.
_ لا خالص.
دخلنا، وبعد نص ساعة كنا قاعدين بناكل، ولسه بنتخانق على موضوع التأخير، بس من غير ما الخناقة تمنعنا نتكلم في عشر حاجات تانية في النص.
وده تقريبًا بقى شكلنا.
وفي يوم تاني كان عندي يوم مرهق جدًا...خالد كان معايا من الصبح، فطبعًا شاف بنفسه إني طول اليوم مكلتش تقريبًا، وكل ما يسألني أقول له بعدين.
لما خلصنا، كنت ماشية جنبه وساكتة تمامًا.
بصلي.
_ انتي كويسة؟
= آه، بس تعبانة شوية.
_ ناكل الأول.
= مش عايزة.
_ دي مش إجابة.
بصيتله.
= خالد بجد مش قادرة.
_ عشان كده لازم تاكلي.
كنت هعترض، لكنه وقف قدام مكان كنا جربناه قبل كده، وبصلي.
_ يلا.
دخل وانا معاه، وطلب من غير حتى ما يسألني.
لما الأكل اتحط قدامي، بصيتله.
= إنت طلبتلي دي؟
_ آه.
كانت نفس الحاجة اللي قولتله قبلها بأيام إنها عجبتني.
زمان كان أول سؤال هيطلع مني: عرفت منين إني عايزاها؟ وجبتلي ليه؟
المرة دي قلت بس:
= شكرًا.
خالد كان بيحط الموبايل على الترابيزة، فوقف لحظة وبصلي.
_ العفو.
وبس.
لا أنا حللت، ولا هو اتريق.
وأنا وقتها بس خدت بالي إن اتفاقنا فعلًا بدأ يشتغل.
ومع الوقت عرفنا عن بعض حاجات عمرنا ما كنا هنعرفها وإحنا مجرد اتنين في نفس الشركة...عرفت إن خالد ممكن يعمل قهوة وينساها لحد ما تبرد ويشربها عادي، وعرف إن أول عشر دقايق بعد ما أصحى مينفعش يطلب مني أي نوع من أنواع التواصل البشري.
بقى يعرف من وشي إمتى أنا متضايقة، وأنا بقيت أعرف من نبرة صوته إمتى هو مضغوط حتى لو بيقول إنه كويس.
ولو كنا بره واتأخر الوقت، عمره ما كان يقول لي روحي وأنا هحصلك ...حتى لو عنده حاجة تانية، كنت بلاقيه مستنيني.
مرة قولتله:
= على فكرة ممكن أمشي لوحدي عادي.
بصلي كأني قولت حاجة غريبة.
_ وأنا قولت إنك متقدريش؟
= أمال مستنيني ليه؟
_ عشان هنرجع سوا.
قالها ببساطة وكمل اللي في إيده.
والمرة دي، لأول مرة تقريبًا، مسألتوش ليه.
بقينا ناكل سوا، نتفرج على اي حاجة سوا، ولو نزلنا نجيب حاجة ممكن نتمشى بعدها من غير ما يكون ده متخطط له.
والخناقات؟
موجودة طبعًا.
بس مبقيناش أعداء بعدها.
وأكتر واحدة لاحظت ده كانت سلمى.
كنت بكلمها فيديو في يوم وبحكيلها عن الأسبوع، لحد ما قاطعتني:
_ استني... انتي خدتي بالك إنك بقالك عشر دقايق بتقولي احنا؟
عقدت حواجبي.
= احنا مين؟
_ انتي وجوزك المصون.
= خالد؟
_ لأ، رئيس وزراء إسبانيا...آه خالد.
ضحكت.
= بقول احنا عشان احنا الاتنين هنا.
_ بتقولي احنا خرجن ، احنا جبنا ، احنا اتخانقنا ، ناقص تقوليلي احنا حامل.
= يا بنتي اتلمي!
ضحكت، وبعدها قالت:
_ المهم، موظف خدمة العملاء عامل إيه؟
بصيت ناحية الباب تلقائيًا.
= وطي صوتك.
فتحت عينيها.
_ الله! بقينا بنخاف على مشاعره؟
= سلمى!
_ طب اتصالحتو؟
= احنا مكنّاش مرتبطين عشان نتصالح...بس اتفقنا نبطل خناق على كل نفس.
_ ونفذتوا؟
فكرت.
= بنسبة سبعين في المية.
_ والتلاتين؟
= خالد.
ضحكت.
_ وانتي ملاك؟
= طبعًا.
_ طب اسكتي عشان الكدب حرام.
ضحكت، وكملنا كلام.
مقولتلهاش عن الحضن.
يمكن لأني لو حكيته هضطر أشرح حاجة أنا نفسي مكنتش عايزة أشرحها.
خصوصًا إن الحضن متكررش.
ولا مرة.
كان فيه حاجات صغيرة؛ يلمس كتفي وهو بيعديني، ألحقه بضربة على دراعه لما يستفزني، يلخبط شعري مخصوص عشان يغيظني.
لكن الحضن فضل ملك الليلة دي بس.
وبعد خمس أسابيع، كنت مقتنعة إن اتفاقنا نجح.
احنا لسه بنتخانق، ولسه خالد مستفز، ولسه أنا على رأيك بعاند لمجرد الحفاظ على المستوى.
بس مبقيناش اتنين مستنيين الست شهور يخلصوا عشان يهربوا من بعض.
بقينا حاجة أهدى.
وأريح.
حاجة وقتها... مكنتش أعرف أسميها.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كنت قاعدة على الكنبة بقلب في الموبايل من غير هدف، وخالد كان على السفرة قدامي بيقفل اللابتوب بعد ما خلص حاجة عليه.
قفل الشاشة، وبصلي.
_ احنا الجمعة فاضيين صح؟
رفعت عيني من الموبايل.
= ليه؟
_ شوية من بتوع البرنامج خارجين بالليل.
=اه فاضيين.
سكت ثانيتين، كأنه مستني حاجة.
رجعت بصيت للموبايل.
_ أنا هروح تحبي تيجي؟
= لأ.
_ لأ؟
رفعت عيني له.
= آه، لأ.
_ ليه؟
= معرفهمش أوي.
_ تعرفي نصهم.
= معرفة برنامج يا خالد، مش صحابي...وبعدين روح إنت عادي.
هز كتفه.
_ براحتك.
رجعت للموبايل، وهو قام شال الكوباية اللي قدامه ومشي ناحية المطبخ. افتكرت الموضوع خلص، لحد ما صوته جه من هناك:
_ على فكرة هيبقى فيه بنات.
رفعت عيني عن الشاشة رغم إنه مش قدامي.
= وبعدين؟
طلع من المطبخ وهو بيشرب مياه.
_ مفيش.
= أمال بتقولي ليه؟
_ بقولك عادي.
= ما أنا عارفة إن فيه بنات...دول ناس من البرنامج، يعني أكيد مش كلكم ولاد.
هز راسه بمنتهى الجدية.
_ آه... بس بنات.
ضيقت عيني وأنا ببصله.
هو بيستفزني.
عارفة النظرة دي كويس جدًا بعد تقريبا شهرين من التعامل اليومي معاه.
= طيب وأعملهم إيه يعني؟
_ ولا حاجة.
= أمال إيه أهمية المعلومة؟
_ معرفش، قولت يمكن تفرق معاكي.
= لأ، متفرقش.
_ حلو.
= روح عادي.
_ ما أنا هروح.
= وأنا مالي؟
رفع حاجبه.
_ ما أنا مقولتش إنك مالك.
سكت.
هو كمل شرب المياه بمنتهى البرود، وأنا حاولت أرجع للموبايل وأتجاهله.
عدت ثانيتين.
ثلاثة.
وبعدين، بمنتهى الغباء، رفعت عيني له.
= وبعدين انت فاكرني هغير مثلًا؟
الكوباية وقفت عند بوقه.
نزلها ببطء، وبصلي.
أنا في اللحظة نفسها عرفت إني غلطت.
_ هو أنا قولت إنك هتغيري؟
= إيه؟
_ أنا جبت سيرة الغيرة؟
= لأ، أنا قصدي—
_ انتي اللي جبتيها.
ظهرت ابتسامة صغيرة على وشه.
= بس اسكت إنت بتقول إيه!
_ أنا مقولتش حاجة لحد دلوقتي.
= إنت بتلمح.
_ بلمح لإيه؟
= للحاجة اللي إنت عارفها.
_ الغيرة؟
= خالد!
ضحك، وأنا حسيت وشي سخن من الإحراج.
= أنا أصلًا مكنتش بفكر في كده.
_ واضح.
= والله ما كنت بفكر!
_ وأنا مصدقك.
= متقولهاش بالطريقة دي.
_ أقولها إزاي؟
= بطريقة تبين إنك مصدقني فعلًا.
هز راسه.
_ حاضر... أنا مصدق إن فكرة الغيرة مجتش في دماغك خالص بأمارة ان انتي بنفسك قولتيها من غير ما حد يجيب سيرتها.
حدفته بالمخدة اللي كانت جنبي، فـ مسكها وهو بيضحك.
_ إنت رخم أوي.
_ اتفقنا أقلل، مش أبطل.
= طب روح بقى لبناتك وسيبني.
أول ما الجملة خرجت، سكتنا إحنا الاتنين.
خالد رفع حاجبه أكتر.
وأنا قفلت عيني ثانية.
يا رب الأرض تنشق.
_ بناتي؟
= بتوع البرنامج قصدي.
_ آه.
حاول يخبي ابتسامته، وفشل.
= بتوع البرنامج.
= خالد، والله لو علقت—
_ معلقتش.
= وشك بيعلق.
_ دي خلقة ربنا، أعمل إيه؟
خدت المخدة التانية، فرفع إيده بسرعة.
_ خلاص اسكت.
رجعت المخدة مكاني وأنا ببصله بغيظ.
هو اتحرك ناحية أوضته وهو لسه مبتسم.
_ عمومًا خلاص، هروح أنا لوحدي.
بصيت وراه.
كان المفروض أقول له ماشي أو براحتك
أو أي حاجة طبيعية جدًا تناسب واحدة من دقيقتين كانت مصممة إنها مش عايزة تروح.
لكن بدل كل ده، قلت:
= طب تصدق بقى؟ أنا هاجي معاك.
وقف.
لف ناحيتي ببطء.
_ نعم؟
= هاجي.
_ ليه؟
= عادي...غيرت رأيي.
_ بالسرعة دي؟
= آه.
ابتسامته رجعت.
_ طب ما كان من الأول.
بصيتله ثانيتين.
= إنت عامل كل ده مخصوص صح؟
_ كل ده إيه؟
= بتستفزني عشان أوافق.
_ أنا؟ لا طبعا مستحيل.
= خالد.
ضحك وهو بيفتح باب أوضته.
_ يعني أعتمد إنك جاية؟
رفعت دقني بعند.
= آه، جاية.
_ متأكدة؟
= جدًا.
_ فل جدا.
= ومش عشان البنات على فكرة.
هز راسه بجدية مصطنعة.
_ طبعًا طبعا أنا عارف.
= ولا عشان أشوف إنت هتعمل إيه.
_ أكيد.
= ولا غيرانة.
_ دي تحديدًا أنا مجبتش سيرتها.
فتحت بوقي أرد، لكنه دخل أوضته بسرعة وقفل الباب قبل ما ألحق.
فضلت باصة للباب ثانيتين، وبعدها رميت الموبايل جنبي وأنا بتمتم:
= رخم.
ومن ورا الباب، صوته وصلني واضح:
_ سمعتك على فكرة.
بصيت ناحية الباب بصدمة، وبعدها ضحكت غصب عني.
لكن وأنا برجع أمسك الموبايل، فضلت جملة واحدة تلف في دماغي رغم محاولاتي أتجاهلها.
هيبقى فيه بنات.
ومعرفش ليه أصلًا كان مهم بالنسبالي أعرف... مين البنات دول.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
يوم الجمعة، وأنا بجهز، فضلت أقول لنفسي إن الخروجة عادية جدًا، وإن قراري إني أروح ملوش أي علاقة بالكلمتين السخيفين اللي خالد قالهم.
مجرد خروجة.
ناس من البرنامج أعرف معظمهم بالوش، وخالد رايح، وأنا بدل ما أقعد في البيت لوحدي قررت أروح معاه.
بس كده.
خرجت من أوضتي وأنا بظبط شنطتي، ولقيت خالد واقف عند الباب مستنيني...أول ما شافني بص في الساعة.
_ حلو ده.
وقفت.
= إيه؟
_ ولا حاجة، بس كنت متوقع عشر دقايق زيادة.
= على فكرة أنا جاهزة في المعاد.
_ عشان الخروجة فيها بنات بقى؟
بصيتله بحدة.
= هنبدأ من دلوقتي؟
ضحك وهو بيفتح الباب.
_ خلاص، اتفضلي.
= والله لو فضلت طول اليوم على نفس الموضوع هرجع.
_ لأ، مينفعش.
= ليه؟
بصلي وهو مستنيني أخرج قبله.
_ خلاص اتسجل اسمك في الرحلة.
لفيت عيني وعديت، وهو خرج ورايا.
المكان مكنش بعيد، ولما وصلنا كان فيه خمسة قاعدين بالفعل، وبعد شوية بقينا تمانية...معظمهم كنت قابلتهم في البرنامج قبل كده: كريم، منة، يوسف، هاجر، واتنين تانيين اتعرفت عليهم وقتها، ومن ضمنهم بنت اسمها لارا.
في الأول كنت متوقعة إني هفضل لازقة في خالد طول القعدة لأني معرفهمش كويس، لكن ده محصلش...منة كانت اجتماعية جدًا، وهاجر قعدت جنبي، وبعد أول عشر دقايق تقريبًا كنت دخلت معاهم في الكلام عادي.
الغريب إن خالد وسطهم كان مختلف شوية عن خالد اللي عرفته في الشركة.
أهدى.
مش أقل استفزازًا، للأسف، بس اجتماعي أكتر مما كنت متخيلة.
كريم كان بيحكي عن مشكلة حصلت بينه وبين خطيبته، وفي نص الكلام قال:
_ وأنا قولتلها خلاص اعملي اللي انتي عايزاه.
خالد، اللي كان بيشرب، نزل الكوباية وبصله.
_ لا، انت كده اللي غلطان.
كريم بصله بصدمة.
_ ليه؟
_ اعملي اللي انتي عايزاه دي مبتتقالش.
بصيت لخالد فورًا.
= نعم؟
لفلي.
_ إيه؟
= مبتتقالش؟
_ آه.
= مين اللي قال؟
_ الخبرة.
ضحكت بعدم تصديق.
= ده انت بتقولهالي كل يومين!
_ وبتتخانقي معايا كل يومين، أهو الدليل العملي.
ضحكوا، فقلت لكريم:
= متاخدش منه نصايح، ده هو سبب نص المشاكل اللي عندك أصلًا.
خالد هز راسه.
_ والنص التاني؟
= برضو إنت، بس مكنتش عايزة أحرجك.
كريم ضحك.
_ أنا حاسس إنكم متجوزين بقالكم عشر سنين مش—
سكت لحظة وهو بيحسب.
_ انتوا بقالكم قد إيه أصلًا؟
أنا وخالد بصينا لبعض.
= مش كتير.
وبعدين قلت.
= شهرين يعتبر.
كريم بص بينا.
_ اه يعني لسة عرسان جداد.
خالد هز راسه بجدية.
_ تجربة صعبة.
رديت عليه بـغيظ.
= ربنا ما يكتبها على حد.
_ آمين.
الترابيزة كلها ضحكت، وأنا ضحكت معاهم وأنا بخبطه بخفة على دراعه.
_= قليل الأدب.
_ انتي اللي بدأتي.
= وإنت اللي أمّنت.
_ دعاء، مقدرتش مردش.
القعدة كملت بنفس الخفة، ولأول مرة تقريبًا شفت علاقتنا من بره.
قدام الناس، مكنش فيه اتفاق ست شهور، ولا شروط، ولا ملف برنامج، ولا كل التعقيد اللي إحنا عارفينه.
كان فيه أنا وخالد بس.
بنتخانق على كل كلمة، نرد على بعض قبل ما التاني يكمل، وهو يعرف أنا هشرب إيه من غير ما يسأل، وأنا أزق له طبق كان بعيد عنه بشكل تلقائي.
ويمكن عشان كنت مستمتعة فعلًا، نسيت تمامًا موضوع البنات اللي خلاني أوافق أجي من الأساس.
لحد ما سمعت صوت لارا من الناحية التانية:
_ خالد، إنت لسه مصمم إن اللي حصل يوم التلات كان غلط طارق؟
خالد لف ناحيتها.
_ مصمم؟ ده كان غلطه فعلًا.
ضحكت وهي بتهز راسها.
_ لا والله، إنت اللي زنقته بالسؤال.
_ أنا سألته سؤال طبيعي.
_ طبيعي إيه؟ ده بعد ما سألته قعد خمس دقايق مش عارف يرد.
كريم دخل في الكلام:
_ أنا شاهد، خالد كان مستمتع.
خالد ابتسم.
_ ده افترى على فكرة.
لارا ضحكت.
_ إنت بجد مستفز أوي.
عيني راحت لها تلقائيًا.
وبعدين رجعت للكوباية اللي قدامي.
عادي.
جملة عادية.
وأنا أصلًا تقريبًا بقولها له كل يوم.
كملت كلامي مع هاجر كأن مفيش حاجة حصلت.
لأن فعلًا...مفيش حاجة حصلت.
أو على الأقل، ده اللي فضلت أقوله لنفسي.
لأن بعد أقل من عشر دقايق، سمعت اسم خالد للمرة التالتة تقريبًا بصوت لارا.
_ خالد بص كده.
كانت ماسكة موبايلها وبتقلب فيه، وبعدها مالت ناحيته عشان توريه حاجة على الشاشة...خالد قرب سِنة يبص، وهي فضلت تشرحله حاجة تخص واحد من الناس اللي معاهم في البرنامج.
أنا كنت بتكلم مع منة.
أو المفروض إني كنت بتكلم مع منة.
= صح يا ليليا؟
رمشت وبصيتلها.
= إيه؟
ضحكت.
_ انتي روحتي فين؟ بقولك المكان اللي رحناه الأسبوع اللي فات كان أحلى، صح؟
= آه، آه طبعًا.
_ انتي مجتيش أصلًا.
سكت ثانية.
= أومال بسأليني ليه؟
ضحكت منة.
= عشان أشوف مركزة معايا ولا لأ.
= رخمة.
رجعت أكمل كلام معاها، المرة دي وأنا متعمدة أبص في وشها ومبصش ناحية خالد خالص.
ونجحت ، بس...
لمدة... دقيقتين تقريبًا.
_ فاكر يا خالد يوم ما ضيعنا نص ساعة بندور على القاعة؟
صوت لارا تاني.
مبصتش.
خالد ضحك.
_ إحنا مضيعناش، انتي اللي كنتي ماشية ورا اللوحة الغلط.
_ وإنت كنت ماشي ورايا!
_ عشان كنت بحاول أفهم انتي واثقة أوي كده ليه وانتي تايهة.
_ وفي الآخر طلعت تايه معايا.
ضحكت، وضحك هو كمان.
المرة دي بصيت.
مش عشان حاجة.
عشان صوتهم عالي بس.
لارا كانت قاعدة قريبة منه، وبتحكي لكريم اللي حصل، وخالد بيصححلها التفاصيل كل شوية...واضح إن الموقف حصل في يوم أنا مكنتش معاهم فيه.
وده طبيعي.
أنا مش بحضر مع خالد كل حاجة.
ولا المفروض أصلًا.
بس معرفش ليه فكرة إن فيه مواقف حصلتله هنا، وضحك فيها مع ناس، وبقى بينهم حكايات أنا معرفهاش... ضايقتني سِنة.
سِنة صغيرة جدًا.
ملهاش قيمة.
رجعت أبص قدامي.
بعد شوية، الكلام اتقسم بين أكتر من حد...يوسف ومنة دخلوا في نقاش، وهاجر قامت تجيب حاجة، وأنا فضلت ساكتة بسمع.
لارا غيرت مكانها لما الكرسي اللي جنب خالد فضي... وقعدت هي جنبه.
عادي.
يمكن مكانها الأول مكنش مريح.
بدأت تسأله عن حاجة في البرنامج، وهو رد عليها طبيعي جدًا. مفيش أي حاجة في طريقته ينفع أمسكها عليه أصلًا.
وده لسبب ما كان مضايقني أكتر.
لأني مكنتش عارفة أنا متضايقة من إيه بالظبط.
بعدها لارا قالت حاجة، وخالد رد عليها رد ساخر، فضحكت ومدت إيدها خبطته بخفة على دراعه.
حركة مدتها ثانية.
يمكن أقل.
بس عيني نزلت على إيدها، وبعدها طلعت على وش خالد.
هو مكمل كلام عادي.
ولا كأن حاجة حصلت.
حسيت فكي شد، فشربت من الكوباية اللي قدامي وأنا ببص الناحية التانية.
إيه يعني؟
أنا نفسي بضربه على دراعه كل شوية لما يستفزني.
مش اختراع مسجل باسمي.
_ ليليا.
بصيت بسرعة.
خالد كان باصصلي.
= نعم؟
_ مالك؟
= مالي؟
_ آه.
_ مفيش.
فضل باصصلي ثانيتين.
_ متأكدة؟
= آه، متأكدة.
عيني راحت ناحية لارا للحظة من غير ما أقصد، ورجعتله بسرعة.
هو لاحظ؟
معرفش.
ملامحه متغيرتش.
_ انتي ساكتة بقالك شوية.
= عادي.
_ تعبتي؟
= لأ يا خالد، أنا كويسة.
هز راسه، لكنه فضل باصصلي ثانية زيادة قبل ما يرجع للكلام.
حاولت بعدها أرجع طبيعية.
دخلت في كلام هاجر، وضحكت على حاجة قالها كريم، وحتى لما خالد سألني عايزة أطلب حاجة تانية قلتله لأ بشكل عادي جدًا.
بس المشكلة إن عيني بقت تروح لوحدها.
لارا تناديه؟
أسمع.
تضحك على حاجة قالها؟
أبص.
تقرب منه عشان توريه حاجة؟
ألاحظ.
وفي مرة كانت بتتكلم عن نشاط هيعملوه الأسبوع الجاي، فقالت:
_ خلاص يا خالد، إنت معانا المرة الجاية برضو مفيش أعذار.
قال ببساطة:
_ نشوف.
_ مفيش نشوف، المرة اللي فاتت إنت اللي لمّيت الدنيا أصلًا.
ضحك كريم.
_ خلاص يا لارا سيبيه يتنفس.
هي ضحكت وبصت لخالد.
_ ما هو بيحب يعمل تقيل.
خالد رد بحاجة، بس أنا مسمعتهاش.
كنت باصة قدامي، وبحرك الشال على كتفي من غير داعي.
مضايقة.
دي كانت الحقيقة الوحيدة اللي مقدرتش أنكرها.
لكن السبب؟
لأ.
السبب أنا مش هفكر فيه.
خصوصًا إن خالد معملش حاجة غلط.
مكنش بيغازلها، ولا مركز معاها لوحدها، ولا حتى بيتعامل معاها بطريقة مختلفة عن باقي الناس.
هو كان طبيعي.
هي اللي كانت واخدة راحتها زيادة.
أو يمكن أنا اللي شايفاها كده.
مش عارفة.
بعد شوية حسيت بخالد بيميل ناحيتي سنة عشان صوته ميوصلش لباقي الترابيزة.
_ ليليا بجد مالك؟
بصيتله.
كان بيسأل المرة دي من غير هزار.
= مفيش حاجة.
_ طب ما انتي كنتي كويسة من شوية.
= وأنا لسه كويسة.
فضل ساكت.
فقلت بسرعة:
= متقعدش تحلل كل نفس بقى، مش ده اتفاقنا؟
رفع حاجبه، وبعدها رجع بضهره للكرسي.
_ ماشي يا ليليا.
ورغم إني أنا اللي طلبت منه ميسألش...
اتضايقت لما مسألش تاني.
وده كان كفاية يخليني أعرف إن المشكلة المرة دي، غالبًا، مش فيه خالص.
القعدة كملت بعدها حوالي نص ساعة، وأنا حاولت على قد ما أقدر أرجع لطبيعتي.
ولما قررنا نمشي، سلمنا على الكل وخرجنا...خالد كان ماشي جنبي، وأنا ساكتة تقريبًا من ساعة ما اتحركنا.
استحمل سكوتي شوية قبل ما يقول:
_ الخروجة كانت حلوة.
= آه.
_ والناس لطيفة.
= آه.
بصلي بطرف عينه.
_ واضح إننا داخلين على حوار مثمر جدًا.
= ما أنا برد أهو.
_ ردودك كلها حرفين.
= عشان معنديش حاجة أقولها.
سكت شوية، وبعدها سأل:
_ انتي تعبتي طيب؟
= لأ.
_ طب في حاجة ضايقتك؟
بصيتله بسرعة.
= لأ، ليه؟
_ بسألك.
= مفيش حاجة.
هز راسه، ومضغطش عليا أكتر.
طول الطريق حاول مرتين يفتح كلام في حاجات عادية، وأنا رديت، بس حتى أنا كنت سامعة الفرق في صوتي.
وأكيد هو كمان كان سامعه.
لما وصلنا البيت، دخلت قبله وهو قفل الباب ورانا...حط المفاتيح مكانها، وبصلي.
_ عايزة تشربي حاجة؟
= لأ.
_ ماشي.
اتحرك ناحية أوضته.
_ أنا داخل أغير.
= ماشي.
مشي خطوتين.
بصيت في ضهره، وحاولت أسكت.
فشلت.
= خالد.
وقف ولفلي.
_ نعم؟
سكت لحظة، وأنا نفسي مش مصدقة إني هسأل السؤال.
لكن سألته.
= هي البنت دي مين؟
عقد حواجبه.
_ أنهي بنت؟
ضيقت عيني.
= متستعبطش.
فضل باصصلي ثانية، وبعدها قال:
_ لارا؟
= آه... زفتـ ـة لارا.
خالد فضل باصصلي ثانيتين، وبعدها طرف بوقه اتحرك بابتسامة صغيرة.
_ زفتة؟
= آه.
_ هي عملتلك إيه؟
= هي معملتليش أنا حاجة.
_ أمال؟
بصيتله كأني مستغربة إنه بيسأل.
= بتتعامل معاك كده ليه؟
اختفت ابتسامته شوية وحل مكانها الاستغراب.
_ كده إزاي؟
= إنت بجد مش واخد بالك؟
_ من إيه يا ليليا؟
= من طريقتها!
_ مالها طريقتها؟
ضحكت بغيظ وأنا بحط شنطتي على الكنبة.
= لأ خلاص...مفيش.
_ لأ استني.
لفيتله.
= إيه؟
_ انتي وقفتيني وأنا داخل أغير عشان تسأليني عن لارا، ودلوقتي مفيش؟
= عشان إنت عامل نفسك مش فاهم.
_ والله ما عامل نفسي حاجة...أنا بحاول أفهم إيه اللي انتي شوفتيه وأنا مشوفتوش.
= مشوفتش إنها كانت لازقة فيك طول القعدة؟
عقد حواجبه.
_ لازقة فيا؟
= آه.
_ كانت قاعدة معانا كلنا يا ليليا.
= وبعدين نقلت قعدت جنبك.
_ عشان الكرسي فضي.
= آه، أكيد يعني كانت مستنية الكرسي يفضى بالصدفة.
سكت ثانية، وبعدين ابتسامة بطيئة بدأت تظهر على وشه.
وأنا عرفت فورًا هو بيفكر في إيه.
شورتله بإصبعي.
= متقولهاش.
_ أقول إيه؟
= اللي في دماغك.
_ وإنتي عرفتي منين اللي في دماغي؟
= خالد.
حاول يخبي ضحكته.
_ انتي غيرانة؟
= يا خالد مش متنيّلة غيرانة!
ضحك.
= طيب خلاص.
= متقوليش خلاص!
ضحك أكتر.
_ طب أقول إيه؟ انتي بتقولي مش غيرانة، قولتلك خلاص.
= إنت بتقولها وإنت بتضحك!
_ طب أعيط؟
= إنت مستفز.
_ دي عرفناها...لارا قالتها برضو النهارده.
بصيتله بحدة.
= آه ما أنا خدت بالي.
سكت.
خالد رمش مرة، وبعدها رفع حاجبه.
_ انتي خدتي بالك من دي كمان؟
= ما هي قالتها قدامي!
_ ماشي.
= وبعدين متقعدش تمسكلي في كل كلمة عشان تهرب من الموضوع.
_ أنا مش بهرب، أنا لحد دلوقتي مش فاهم الموضوع أصلًا.
= الموضوع إنها كانت واخدة راحتها معاك زيادة.
_ زيادة إزاي؟
بدأت أعد على صوابعي بعصبية.
= بتناديك كل شوية، وتقعد تحكيلك فاكر يا خالد يوم كذا؟ وتقوم من مكانها عشان تقعد جنبك، وتقرب منك عشان توريك الموبايل، وتضحك على كل كلمة تقولها—
قاطعني:
_ استني استني... انتي كنتي مركزة معاها للدرجة دي؟
سكت لحظة.
= أنا مكنتش مركزة!
_ لأ خالص، انتي بس عاملة تقرير كامل عن تحركاتها.
= عشان كانت قدامي!
_ كانت قاعدة على الناحية التانية من الترابيزة في الأول.
اتزنقت ثانية، فقلت بسرعة:
= ما هو صوتها كان جايب آخر الشارع!
ضحك.
= متضحكش!
_ حاضر.
= وبعدين حتى لو اتضايقت، طبيعي أتضايق.
_ طبيعي؟
= آه طبيعي... أنا واحدة قاعدة شايفة بت مسهوكة بتتعامل بالطريقة دي مع جوزي، المفروض أعمل إيه يعني؟ اسقفلها؟
الابتسامة اختفت من على وشه.
مش كلها.
بس هديت.
وبصلي بطريقة خلتني أراجع الجملة في دماغي بعد ما كانت خرجت خلاص.
جوزي.
بلعت ريقي، لكني رفضت أتراجع.
= إيه؟
_ ولا حاجة.
= لأ، قول.
_ مقولتش حاجة.
= وشك قال.
_ هو وشي ماله النهارده؟ من الصبح بتحاسبيني عليه.
نفخت بضيق.
= ماشي يا خالد أيًا كان إحنا اتجوزنا إزاي، وأيًا كان اللي بينا إيه... إنت جوزي في الآخر، صح ولا لأ؟
سكت ثانية.
_ صح.
= خلاص! يبقى طبيعي إن حاجة زي دي تضايقني.
خالد شبك إيديه قدام صدره.
_ طب قوليلي إيه بالظبط اللي ضايقك.
= ما أنا لسه قايلة!
_ لأ، انتي قولتيلي كل حاجة عملتها من أول القعدة... انا بسألك إيه اللي عدا الحد بالنسبالك؟
بصيتله.
= لمستك.
رفع حاجبه.
= خبطتني على دراعي وهي بتضحك.
= أيوه...ليه؟
_ ليليا دي كانت ثانية.
= ما أنا عارفة إنها ثانية! هو لازم تقعد ماسكة فيك نص ساعة عشان أتضايق؟
_ أنا مقولتش كده.
= أمال بتبررلها ليه؟
_ أنا مش ببررلها ...أنا بقولك أنا شوفت الموقف إزاي.
= وأنت شايفه عادي؟
_ أنا أصلًا مخدتش بالي منه وقتها.
ضحكت بغيظ.
= أهو ده اللي أنا بتكلم فيه.
_ إيه؟
= إنك مش واخد بالك.
_ طب قوليلي عايزاني أعمل إيه؟
= أنا مش المفروض أقولك!
فرد إيديه باستغراب.
_ أمال مين المفروض يقوللي؟
= إنت المفروض تبقى واخد بالك إن الطريقة دي مينفعش تسمح بيها.
ملامحه جدت شوية.
_ طريقة إيه يا ليليا؟ هي كانت بتتكلم وتهزر معايا وسط سبع أشخاص، وأنا لا خرجت معاها لوحدنا ولا كنت قاعد مركز معاها وسايبك.
= أنا مقولتش إنك عملت كده.
_ أمال إيه اللي أنا سمحت بيه؟
= إنها تاخد راحتها معاك بالشكل ده!
_ وانتي اللي محددة راحتها تقف فين؟
سكت لحظة، والجملة استفزتني أكتر مما المفروض.
= آه، ممكن.
رفع حاجبه.
= ممكن؟
= آه ممكن! عندك اعتراض؟
بصلي ثانيتين، وبعدها هز راسه ببطء.
_ لأ... أنا بس بحاول أفهم.
= تفهم إيه؟
_ أفهم ليه الموضوع مضايقك للدرجة دي.
= ما انا قولتلك ليه.
_ عشان أنا جوزك؟
= آه.
_ وبس؟
سكت.
هو فضل باصصلي.
= آه وبس.
_ متأكدة؟
= اه جدًا.
اتحرك خطوة ناحيتي، مش كتير، بس كفاية تخليني أرفع عيني له.
_ طب سؤال أخير.
= إيه؟
سكت ثانية، وبعدين قال بهدوء:
_ انتي زعلانة منها... ولا زعلانة مني؟
فتحت بوقي أرد.
وقفلتُه تاني.
لأن لأول مرة من ساعة ما دخلنا البيت...
مكنتش عارفة.
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
