رواية لأنك انت الحب الفصل السادس 6 والاخير بقلم منار الشريف


 

رواية لأنك انت الحب الفصل السادس والاخير 


دوى صوت الطلقة في أرجاء الطابق السادس، كأنه انفجار قنبلة مترافقًا مع صوت تهشم زجاج الطاولة الجانبية. سقط سليم بكل ثقل جسده على الأرضية الرخامية أمام غرفة التحكم، محتضنًا الأرض بكتفه الأيمن، والدم يندفق بغزارة من أعلى صدره.
التفتت يارا بصلابة مرعوبة، وصراخها شق زئير الدخان:
- سلييييييم.
لم تتردد ثانية. بدلًا من الدخول إلى غرفة التحكم، التفتت وركضت نحوه، وسحبته بكل قوتها خلف زاوية العمود الخرساني الضخم المقاوم للرصاص، بينما كانت طلقات طارق تطارد خطواتها وتتأكل الجص بجوار رأسها. كان سليم يلهث بصعوبة، وعيناه بدأتا تفقدان بريقهما وتغيبان، لكن قبضته الفولاذية الملطخة بالدماء امتدت تعتصر معصمها بآخر ما تبقى له من قوة، قال بصوت صوتي خفيض يخرج كحشرجة احتضار:
- ادخلي... ادخلي يا يارا... متضيعيش... اللي عملته...

- مش هسيبك تموت.
صرخت بها يارا وهي تضغط بيدها المرتجفة على جرح صدره المفتوح، بينما يداها الأخرى تسحب مسدسه وسقط بجواره على الأرض.
في تلك اللحظة ظهر شريف من بين سحب الدخان الكثيفة، وجهه الشاحب المشوه بغضب جنوني يناقض كل هدوء سلف. كان يمسك مسدسه الذهبي، ويسير بخطوات حثيثة نحو العمود الخرساني، وصوته يتردد بصداء مجوف:
- انتهت اللعبة يا يارا... سليم خلاص بيموت، والشريحة دي مش هتخرج من المبنى ده.
أخذت نور نفسًا عميقًا، واسترجعت كل لحظة خوف وقهر عاشتها منذ سجن أخيها زياد. رفعت المسدس الثقيل بكلا يديها، وخرجت بجسدها نصف خطوة من خلف العمود، وأطلقت ثلاث طلقات متتالية بجرأة وتركيز صحفية تدافع عن حياتها.
أصابت إحدى الطلقات ذراع طارق الممسك بالسلاح ليسقط سلاحه صارخًا، بينما اضطر شريف للقفز خلف إحدى الطاولات الخشبية الكبيرة للاحتماء.
استغلت يارا هذه الثواني الذهبية، وجذبت سليم من سترة معطفه، وزحفت به إلى داخل غرفة التحكم الزجاجية المعزولة، وأغلقت الباب الفولاذي الأوتوماتيكي بالضغط على زر الطوارئ، لتنزل الستارة الحديدية الواقية وتغلق المكان بالكامل.
_______________
داخل غرفة التحكم المغلقة، كان صوت آلات السيرفرات وضجيج مروحيات التبريد هو الصوت الوحيد المسموع، متداخلًا مع أنفاس سليم المتهدجة على الأرض.
جثت يارا بجواره فورًا، ونزعت معطفها حتى تطويه وتضغطه بقوة على جرح صدره لتعطيل النزيف:
- خليك معايا يا سليم. أرجوك خليك معايا، وفتح عينيك يا حبيبى. إحنا وصلنا خلاص وصلنا.
فتح سليم عينيه ببطء، وجسده يرتجف أثر الصدمة النزفية، لكنه ابتسم ابتسامة باهتة للغاية، وقال بصوت شبه مسموع:
- الفلاشة... شغلي البث... يا يارا.
التفتت نور نحو لوحة التحكم الرئيسية المليئة بالشاشات المضاءة. أدخلت الشريحة الرقمية في المنفذ الرئيسي للسيرفر الدولي، وضغطت بأصابعها المرتجفة على لوحة المفاتيح لتفك الشفرة الأخير باستخدام كلمة السر التي حفظتها عن ظهر قلب.
على الشاشات المعلقة أمامها، بدأت النواصي تضيء باللون الأخضر: «جاري رفع الملفات المكبوسة... تم الاتصال بالسيرفر السحابي الدولي... جاري البث المباشر على 12 شبكة إخبارية.»
في تلك اللحظة ظهرت الصورة الحية للمستندات، والتسجيلات الصوتية لشريف وهو يتحدث عن قضايا التصفية ورشاوى المسؤولين، وتبعتها صور الحسابات البنكية السرية والتفويضات التي تحمل توقيعه المباشر.
لم تكتفِ يارا بذلك، بل فتحت الميكروفون المباشر للمنصة الإخبارية الخاصة بالجريدة، وقالت بصوت ناري، متماسك، يملأ الصدأ عبر البث الحي الذي يشاهده الملايين في تلك اللحظة:
«أنا الصحفية يارا الخشاب... أحدثكم من داخل مبنى الجريدة المحاصر. هذه أدلة إدانة النائب شريف زهران كاملة، وشقيقي الرائد زياد الخشاب يقبع في السجن مظلومًا لحماية هذه الحقيقة. أنا والمقدم سليم العطار نتعرض للتصفية الآن... والوثائق أصبحت ملكًا للرأي العام والقضاء.»
خارج الباب الحديدي لغرفة التحكم، كان شريف يسمع صوتها عبر مكبرات الصوت الداخلية للمبنى، وتحولت ملامحه إلى ذعر مطلق، وهو يرى الشاشات في البهو تعرض وجهه وحساباته السرية.
صرخ شريف بنشاز جنوني في رجاله:
- فجروا الباب. اقطعوا الكابلات، وافصلوا الكهرباء عن المبنى كله، وعن بنت الكلب دي.
لكن الأوان كان قد فات...
من الأسفل، بدأت أصوات سرينات سيارات الشرطة، والقوات الخاصة تتصاعد في الشارع، وتملأ أرجاء حي وسط البلد. المئات من سيارات الشرطة والمدرعات كانت تطوق المبنى بالكامل بعد أن شاهدت النيابة العامة والأجهزة السيادية البث المباشر القاطع .
_____________________
انقضت قوات العمليات الخاصة على الطابق السادس عبر المروحيات والنوافذ الجانبية في هجوم خاطف وسريع. خلال دقائق معدودة تحول البهو إلى ساحة استسلام. أُلقي القبض على طارق ورجال شريف زهران بعد تجريدهم من السلاح، بينما كان شريف يقف في منتصف البهو، مسدسه يسقط من يده المرتجفة على الرخام، وعيناه تتطلعان بذهول نجل نحو رجال الشرطة الذين أحاطوا به وقيدوا يديه بالحديد.
انفتحت الستارة الحديدية لغرفة التحكم ببطء. خرجت يارا يداها وملابسها ملطخة بدماء سليم، وعيناها تلمعان بثبات لا يلين. وقفت أمام شريف مباشرة، وهو يُسحب بواسطة رجال الحراسة.
نظر إليها شريف بنظرة غل وانكسار، وزمجر بصوت خفيض:
- فاكرة إنك كسبتِ يا يارا؟ الفلاشة دي هتدمر الكل... سليم مش هيطلع منها نضيف.
ردت يارا بثبات وقسوة لم تتزعزع:
- سليم قدم روحه عشان الحقيقة تطلع، وأنت هتقضي بقية حياتك في السجن اللي حبست فيه الأبرياء. انتهت لعبتك يا شريف يا زهران.
اندفع الفريق الطبي فورًا إلى داخل غرفة التحكم، يحملون المحفة الطارئة. جثت يارا بجوار سليم وهو يُرفع من الأرض، ومسكت بيده الباردة بكلتا يديها:
- سليم يا حبيبي البث اتنشر والشرطة هنا. شريف اتقبض عليه، وزياد قضيته بتتراجع دلوقتي في النيابة. أنت نجحت يا سليم أرجوك اضغط على إيدي وتماسك وخليك معايا.
فتح سليم عينيه بتعب شديد، ونظر إلى وجهها المبتل بالدموع والابتسامة المشتعلة بالتحدي. تحركت أصابعه الضعيفة تعتصر يدها برفق، وخرجت نبرته الخفيفة الممتلئة بالشغف:
- قلت لك... حياتك في إيدي... وأنا عمري ما أخسر يا ...
________________
بعد مرور ثلاثة أشهر...
كان الطقس دافئًا والشمس تشرق على الهضبة الجبلية المرتفعة المطلة على العاصمة، نفس المنطقة التي شهدت بداية رحلتهما وهروبهما تحت خط النار. كانت يارا تقف عند حافة التلة، ترتدي معطفًا أبيض أنيقًا، وشعرها الأسود المموج يطير مع نسيم الصباح الدافئ. في يدها كانت تحمل النسخة الأولى من الجريدة الرسمية التي تصدرت صفحتها الأولى الصورة الكبيرة لشقيقها «زياد الخشاب» بعد تبرئته بالكامل وإطلاق سراحه، وإلى جوارها عناوين سقوط شبكة الفساد الكبرى.
سمعت خطوات حثيثة متزنة تقترب منها من الخلف. لم تلتفت كانت تعرف خطوته الرزينة ورائحة عطر خشب الصندل التي تطارد ذاكرتها.
توقف سليم بجوارها مباشرة. كان يرتدي قميصًا رماديًا هادئًا، وذراعه الأيسر يرتدي داعمًا طبيًا خفيفًا أثر العمليات الجراحية التي أخرجت الطلقة من صدره، لكن وقفته وظلت حادة، مهيبة، ومسيطرة.
نظر سليم نحو الأفق الممتد، ثم التفت إليها بنبرة هادئة تحمل دفئًا غير معتاد:
- زياد اتصل بيا من ساعة بيكلمني، كأنه هو اللي كان معالجني مش الدكاترة.
ابتسمت يارا ابتسامة دافئة، والتفتت إليه بكامل جسدها، وتطلعت في أثر جرحة، وعينيه البنيتين القاتمتين اللتين لم تعد ترى فيهما أي غموض أو خيانة.
قالت وهي ترفع الجريدة في وجهه:
- زياد راجع شغله الأسبوع الجاي، وأنا أخدت الجائزة الأبرز للتحقيقات لسنة ٢٠٢٥.
اقترب سليم خطوة واحدة، لتتقلص المسافة بينهما كالعادة، ويده السليمة امتدت تمسك بخصرها بجرأة وحنان، يجذبها نحو جسده الصلب:
- والجايزة الحصرية دي مفيش فيها نصيب للحارس الشخصي اللي أخد رصاصة بدالك؟
رفعت يارا رأسها ونظرت إلى شفتيه القريبتين جدًا، وقالت بنبرة مشحونة بحب حقيقي ورغبة لم تعد بحاجة للاختباء خلف الكره أو الساتر:
- ضابط قلبي اللي خطف قلبي من سنين، من أول نظرة، ومن أول مرة وقف فيها يحميني.
ابتسم سليم ابتسامة خطيرة ومشتعلة، واقتنص فرصة القرب الكامل بينهما، ونزل بشفتيه يلتقط شفتيها في قبلة هادئة، عميقة، وممتدة تحت أضواء النهار الساطعة... قبلة أعلنت نهاية الخوف، وانطفاء صوت الرصاص، وبداية حياة جديدة بنيت على خط النار.

              تمت بحمد الله

انتهت أحداث الرواية نتمني ان تكون نالت اعجابكم وبإرائكم في التعليقات وشكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

للمزيد من الروايات الحصرية زورو قناتنا علي التليجرام من هنا 
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات