رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل السابع
لمح صفوان من بعيد وقوف مهرة مع اليزيد والحاج عبد الجواد. ورغم اندماج رشا في الحديث مع العميل، إلا أن حسّ المسؤولية عنده وتحفظه حركاه فوراً؛ كان يعلم تماماً أنها المرة الأولى لمهرة في حفل رسمي بهذه الضخامة، ولم يشأ أبداً أن تساورها اللحظة بالارتباك أو الشعور بأنها غريبة ومتروكة بمفردها.
التفت إلى رشا وقال بنبرة حازمة ومهذبة:
ـ رشا... تعالي معايا نسلم على الحاج عبد الجواد واليزيد، مهرة واقفة معاهم ولازم نكون موجودين.
استدار معها وتوجه بخطواته الثابتة الهادئة نحو الثلاثة. وما إن وصل حتى ألقى السلام بوقاره المعتاد:
ـ مساء الخير يا حاج عبد الجواد... أهلاً يا يزيد.
رحّب به الحاج عبد الجواد بحفاوة، وتبادلا كلمات الثناء والترحيب. وفي هذه الأثناء، كان صفوان يراقب مهرة بطرف عينيه ؛ يتفحص نبرة صوتها وثباتها وإجاباتها المتزنة والواثقة معهم. لم يجد في ملامحها أي حرج أو توتر، بل كانت تتحدث بوقار ولباقة أثارت استحصانه الصامت.
حين طمأن قلبه أنها غير محتاجة لوجوده وليست محرجة، انسحب بهدوء ورقي ورجع خطوة للخلف مع رشا ليترك لها مساحة الشغل والتواصل الطبيعي.
نظرت إليه رشا بابتسامة دافئة، ثم أمسكت ذراعه ولفتت انتباهه برقة:
ـ صفوان... الجو جوه زحمة شوية، إيه رأيك نخرج البراندا نشم هواء هادي؟
أومأ صفوان برأسه إيماءة خفيفة:
ـ تمام يا رشا... يلا بينا.
خرج الاثنان إلى البراندا المطلة على الحديقة، حيث كان الهواء العليل والهدوء بعيداً عن صخب القاعة. وقفت رشا بجواره، وأسندت يديها على السور الرخامي، ثم التفتت إليه وعيناها تلمعان بسعادة صادقة:
ـ بصراحة يا صفوان... أنا مبسوطة أوَي النهاردة، حاسة إننا بدأنا نقرب من بعض بجد، وإن الحاجز اللي كان بينا بدأ يختفي.
اعتدل صفوان في وقفته، ونظر إليها بنبرة هادئة جادة ولكنها تحمل تفهماً ورغبة حقيقية في النجاح:
ـ وأنا يهمني جداً إنك تحسي بكده يا رشا... ويهمني أنا كمان أحس بنفس الشعور، عشان لما نتجوز ونعيش في بيت واحد، ما يكونش في بينا أي حواجز ولا مسافات.
ابتسمت رشا براحة عميقة وشعرت أن محاولاتها الأخيرة بدأت تؤتي ثمارها بالفعل، في حين كان صفوان يقف بهدوء، يقطع الخطوات الرسمية نحو مستقبله المعلن، بينما كانت تفاصيل الليلة بالكامل ترسم خطوطاً جديدة لم تكن في الحسبان.
تأملها صفوان لثوانٍ بنظرات هادئة سكنت فيها حيلته العملية، ثم قرر أن يخطو خطوة شجاعة لم يعتدها من قبل لكسر هذا الجمود.
رفع يده ببطء ، ووضعها فوق يدها المستقرة على السور الرخامي، يضم أطراف أصابعها بدفء وهدوء، واقترب منها خطوة صغيرة وهو ينظر في عينيها مباشرة وقال بنبرة خفيفة، دافئة على غير العادة:
ـ رشا... أنا يمكن مش أشطر واحد يعبّر عن مشاعره بالكلام، بس وجودك معايا النهاردة ومحاولتك الصادقة دي مقدرها جداً... وعايزك تتأكدي إن القرب ده يهمني قد ما بيهمك وزيادة.
اتسعت عينا رشا بشهقة دافئة وخفيفة من أثر المفاجأة، وشعرت بدمائها تتدفق في وجنتيها خجلاً وسعادة؛ فلم تكن تتوقع هذه اللفتة التلقائية الحنونة من صفوان تحديداً.
ابتسمت برقة وشبكت أصابعها بأصابعه، وقالت بصوت خافت
ـ أنا كمان مبسوطه اوى وانا معاك
وفي منتصف تلك اللحظة الدافئة الخاطفة، انفتحت ضلفة الباب الزجاجي للبراندا ببطء، وخطا نادل (ويتر) ينحني بوقار ولطافة ممسكاً بصينية فاخرة عليها كؤوس العصير الطازج الخاصة بالضيافة، وقال بأسلوب مهذب:
ـ بعتذر جداً لحضراتكم على المقاطعة... اتفضلوا المشروبات الخاصة بالحفل يا فندم.
ارتد جفن رشا سريعاً وسحبت يدها برقة وخجل وهي تبتسم ابتسامة هادئة لتداري ارتباكها العذب، بينما اعتدل صفوان في وقفته بثباته وهيبته المعتادة، وأومأ برأسه للنادل بنبرة رزينة:
ـ شكراً... سيبهم هنا.
وضع النادل الكأسين على الطاولة الصغيرة بجانبهما وانصرف بهدوء.
التفت صفوان إلى رشا ونظر إليها بابتسامة خفيفة ووقورة أذابت الموقف، وأعاد بهدوء تلك الأجواء الدافئة بينهما، في حين كانت القاعة بالداخل تهيئ الجميع لما هو قادم.
عادت رشا وبرفقتها صفوان إلى داخل القاعة بعد أن انقضت تلك اللحظة الدافئة بينهما بهدوء.
وما إن وطأت قدمه البهو الرئيسي، حتى اتجهت عينانه تلقائياً وبشكل غير إرادي نحو الزاوية التي تقف فيها مهرة؛ فرآها ما زالت تجلس وتتحدث مع اليزيد والحاج عبد الجواد. وبحسه الصارم ونظره النافذ، التقط الخيط الخفي في نبرة اليزيد ونظراته المتابعة لملامح مهرة واهتمامه الواضح بحديثها.
لم يبدِ صفوان أي رد فعل يشي بما يدور في ذهنه؛ وظل وجهه قناعاً ثابتاً حافظ فيه على جموده ورزانته المعتادة، وكأنه لم يلمح شيئاً، أو كأنه يزن الأحداث برزانه وصمت تام.
سحب نظره ببرود، وأمسك ذراع رشا بوقار ليتوجها نحو مجموعة من كبار التجار ورجال الأعمال، ووقف معهم فترة يتبادلون أطراف الحديث عن تقلبات السوق والصفقات المقبلة بكل هيبة وحضور.
وبعد أن انقضى وقت الحفل وانتهت الواجبات الاجتماعية، استأذن صفوان بوقار من الحضور، ثم التفت نحو مهرة وأشار إليها موضحاً أن وقت المغادرة قد حان.
في طريق العودة داخل السيارة، ساد صمت رزين، حتى أصلح صفوان جِلسته ونظر نحو مهرة عبر المرآة الأمامية، وقال بنبرة عملية هادئة:
ـ أظن العزومة دي كانت فرصة كويسة ليكي عشان تتعرفي على السوق وتشوفيه على أرض الواقع.
اعتدلت مهرة في جلساتها وأجابت بثبات ووقار:
ـ فعلاً يا صفوان... والحاج عبد الجواد و يزيد كانوا في قمة الذوق في التعامل.
لم يعلق صفوان، بل اكتفى بإيماءة رأس خفيفة، وأعاد نظره إلى الطريق، بينما كانت الليلة تطوي أوراقها، تاركة خلفها انطباعات جديدة ومشاعر مكتومة تحت السطح تنتظر من يحركها.
بعد أن أوصل صفوان رشا إلى منزلها واستأنفا الطريق، ساد صمت ثقيل وبارد داخل السيارة. كانت عيناه تتابعان الطريق بتركيز، لكن ملامحه كانت تحضّر لحديث آخر.
وبنبرة حادة وهادئة، قطع صفوان الصمت قائلاً:
ـ يا مهرة... مش حابب طريقتك في الحفلة ، وقوفك مع يزيد الوقت ده كله مش لطيف، في الأماكن دي الواحد لازم يحافظ على رسمية معينة وميقفش مع شخص واحد بالطريقة دي.
التفتت مهرة إليه بملامح مشدودة، وبدت عليها الدهشة الممزوجة بالاعتراض، فردت بحدة خفيفة:
ـ بس أنا ما قفش لوحدي يا صفوان! هو كان بيعرفني على والده وعلى باقي التجار وكبار رجال الأعمال الموجودين، وكان الموضوع كله بخصوص الشغل مش أكتر.
رمقها صفوان بنظرة سريعة وحادة ، ولم يرد بكلمة زيادة، بل شدّ على مقود السيارة وأعاد عينيه للطريق بملامح جامدة، تاركاً إياها غارقة في حيرتها،
ظلت نظرات مهرة معلقة به لثوانٍ وهي تستوعب كلماته، وبدأت ملامح وجهها تتخذ طابع التحدي الهادئ، فردت بنبرة عاتبة وخفيفة:
ـ ما هو يا صفوان كنت مشغول مع رشا ومع باقى العُملا، وما كانتش الفرصة متاحة إنك تعرفني بحد، فالأستاذ يزيد عمل الواجب بحكم شغلنا سوا.
لمح صفوان دفاعها من خلال المرآة، فشدّ على مقود السيارة أكثر، وبنبرة جادة وحاسمة قطع الحوار قائلاً:
ـ المفروض إن أنا اللي أعرفك بالناس في الأماكن دي يا مهرة... مش يزيد ولا غيره.انتى بنت عمى ومسئوليتى
سكتت مهرة فجأة، وعقدت حاجبيها بدهشة حقيقية وهي تطالعه من الخلف. لم تستطع تفسير سر هذا التحفظ الواضح في صوته؛ أهو مجرد تحكم إداري من رئيس لمرؤوسته، أم أن هناك شيئاً آخر يخفيه وراء جموده؟
بينما أطبق صفوان شفتيه بصمت، وعاد بتركيزه الكامل إلى الطريق، تاركاً الحيرة تتلاعب بقلبي الاثنين دون أن يفصح أحدهما عما يدور في داخله حقاً!
مرّت الأيام، وحملت معها إيقاعاً جديداً ومضغوطاً لأيام العمل. كانت العلاقة بين مهرة ويزيد تشهد تطوراً تدريجياً وهادئاً؛ فاليزيد كان يحرص على ترك باب التقرب موارباً بذكاء ودون إفراط، يغلف اهتمامه الدائم بالعمل بلمسات راقية تلامس قلبها من دون أن تشعر بالثقل أو الإزعاج.
أما مهرة، فكانت تعيش حالة من الحيرة المستمرة؛ فمن جهة، كان الخوف يملؤها من خوض تجربة ارتباط جديدة في هذه المرحلة من حياتها، ومن جهة أخرى، كان صوت أنثوي دافئ بداخلها يهمس لها بأنها تستحق أن ترتبط وتعيش حياتها كباقي البنات. لذلك، تركت الباب موارباً ليزيد بحذر شديد وحدود واضحة.
لكن ما كان يزيد الأمر تعقيداً وتشويشاً هو حضور صفوان؛ فعلى الصعيد المهني، كانت علاقتها به تزداد عمقاً وصلابة مع كل ملف جديد، وكان تواجده الطاغي وجموده المهيب يشوش أفكارها، ويجعل قلبها يتأرجح بين وعيد العقل وحيرة المشاعر الخفية.
وفي نفس الوقت، كانت مهرة شديدة الحرص والالتزام؛ متمسكة بالنظام الغذائي بدقة صارمة، تتابع خطواتها نحو تغيير جسدها وثقتها بنفسها يوماً بعد يوم، كانت مهره تطور بشكل سريع اصبحت لا ترى أن وزنها عيبا او شكلها عيبا على العكس اصبحت تحب نفسها أرادت أن تغير من شكل جسدها لانها تريد أن يكون التطور شامل لكنها لم تربط جسدها بعلاقتها مع الاخرين كما كانت تفعل فى السابق لم تهتم بكيف يراها الناس
لم تعد رحلتها مع النظام الغذائي والتغيير الجسدي مجرد وسيلة لإثارة إعجاب أحدهم، أو بحثاً عن نظرة استحسان في عيون الآخرين كما كانت تفعل في الماضي. لقد أدركت أخيراً أن هذا التطور الشامل—جسداً وروحاً وكياناً—هو حق أصيل لها وحدها. أصبحت ترتدي ما يريحها ويحلو لها ، وتتحرك بثقة تنبع من الداخل، غير مهتمة بكيف يراها الناس أو ماذا يقولون عن مظهرها . كانت تكتفي بأنها تفعل ذلك لأجل نفسها، لتصنع صلحاً طال انتظاره بينها وبين مرآتها.
أدركت بمرور الوقت حقيقة أعمق بكثير؛ وهي أن الناس يتعاملون مع الشخص لما هو عليه من جوهر وحضور، لا بناءً على تفاصيل جسده أو قياسات شكله الخارجي.
كانت تلاحظ حولها فتيات أقل جمالاً بكثير، لكنهن يحظين بحبٍ عارم واحترام يملأ قلوب من حولهن لطبيعة روحهن وبهجتهن. ورأت أخريات ممتلئات الجسد، يعشن حياتهن بثقة مطلقة، وسعادة حقيقية لا يشوبها خوف من نظرة أو تعليق.
تلك الملاحظات البسيطة أسقطت آخر الأقنعة والأحكام التي فرضتها على نفسها طويلاً، لتدرك أن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في طمأنينة روحه واتزانه من الداخل، لا في أي شيء آخر.
في أحد الأيام، وبعد انتهاء اجتماع عمل سريع عبر الهاتف بين مهرة واليزيد لمتابعة شحنة جديدة، بادرها اليزيد بنبرة هادئة ومختلفة عن المعتاد، حملت صراحة صادقة بعيداً عن لغة الأوراق والتوريدات:
ـ أستاذة مهرة... عارف إن وقتك ضيق، بس أنا صراحة حابب أتكلم معاكي في حاجة تخصني أنا وانتي بعيد عن الشغل.
شعر قلب مهرة بخفقة سريعة، ووقفت مترددة وهي تستمع لصوته الدافئ وهو يتابع بوضوح:
ـ أنا معجب جداً بيكى ، ومن ساعة ما اتعرفت عليكي وأنا حابب إن علاقتنا تاخد شكل رسمي... مش عايز أضغط عليكِ، بس كل اللي طالبه منك إنك تديني فرصة أقرب، وتسمحيلي أتقدم للخطوة الرسمية دي بالطريقة اللي تحبيها.
ساد صمت قصير على الطرف الآخر من الخط؛ كانت مهرة غارقة في حيرة حقيقية؛ عقلها يهمس لها بالتردد والخوف من خوض تجربة جديدة لم تخطط لها و بينما قلبها يشعر بالارتياح لهذا التقدير الواضح والاهتمام الراقي الذي يعيد لها حقها في أن تعيش وتختار كباقي البنات. لم تستطع التعبير عن مشاعرها بدقة في تلك اللحظة، لكنها وجدت نفسها تتردد قليلاً قبل أن تقول بصوت خافت ومتزن:
ـ أنا... مقدره كلامك يا أستاذ يزيد، ومفيش مانع إننا ندي لنفسنا فرصة عشان نفهم بعض كويس... بس الموضوع محتاج ترتيب مع عيلتي.
تنفس اليزيد بعمق وظهرت الراحة في نبرة صوته المبتسمة:
ـ أنا جاهز لأي خطوة تطلبيها يا مهره كلمى باباكى وأنا مستعد أكلمهم اى وقت واقابلهم
ظلت مهره صامته لا تعرف ماذا تفعل لما وافقت هى لم تحبه لكنها ترتاح فى الحديث معه قررت مره أن تعطى نفسها فرصه ولن تستعجل فى ارتباط رسمى وطلبت منه أن يعطيها بعض الوقت
أنهت مهرة المكالمة وهي تشعر بضربات قلبها تتسارع؛ لقد تركت الباب مفتوحاً أخيراً ودخلت منطقة جديدة كلياً. وبعد تفكير قصير، أخذت هاتفها واتصلت بعمها، وقالت له بهدوء وثبات تداري به ارتباكها، لتخبره أن هناك شخصاً متقدماً لطلب يدها ويريد حضور الجلسة الرسمية للتعارف.
استمع عمها إلى كلماتها بهدوء، ورغم المفاجأة الخفيفة التي حملتها نبرة مهرة، إلا أنه حافظ على وقاره كأب وعم يعلم تماماً قيمة ابنة أخيه. تنهد بابتسامة أبويّة دافئة عبر الهاتف وقال:
ـ الخبر مفاجئ يا مهرة، بس الموضوع ما ينفعش يتلم في مكالمة تليفونية... هستنامى فى المكتب ، ونقعد سوا على رواقة نتكلم في كل التفاصيل براحتنا.
أومأت مهرة برأسها وكأن عمها يراها، وشعرت بجبل من القلق ينزاح عن صدرها، وقالت بصوت متهدج قليلًا:
ـ حاضر يا عمي، هأستأذن وأجيلك على طول.
ومع نهاية ساعات العمل، استأذنت مهرة وتوجهت مباشرة إلى منزل عمها. جلست أمامه في صالون بيته الهادئ، وأخذت نفساً عميقاً قبل أن تبدأ بالحديث، فقد كانت تعلم تماماً أن صراحة العلاقة بينهما هي أساس أمانها فهى رأت منه ما لم تراه من ابيها
نظرت إليه بصدق وقالت:
ـ عمي... أنا جيت لحد عندك لأن أنت ضهري وسندي، ومش حابة أبداً أعمل أي حاجة في الضلمة أو أكون خايفة من خطوة بخطها... يهمني جداً أكون محافظة على ثقتك فيا زي ما دايماً علمتني.
ابتسم عمها بحنو وربت على كفه بحنان وقال:
ـ طول عمري عارفك عاقلة وفاهمة يا مهرة، قولّي في إيه، ومين الشاب اللي اتقدم؟
أطرقت مهرة برأسها قليلاً ثم عادت لتنظر في عيني عمها بصراحة تامة:
ـ اليزيد... ابن الحاج عبد الجواد، صاحب المؤسسة اللي بنتعامل معاها في الشغل... هو إنسان محترم جداً، وأنا برتاح في الكلام معاه وحاسه إنه مقدرني... بس الحقيقة يا عمي... أنا لسه ما حبيتهوش بالطريقة اللي تخلينا نتجوز على طول، ومش عارفة أخد القرار ولا أعمل إيه، وخايفة أظلمه أو أظلم نفسي لو استعجلت.
تأملها عمها بتركيز ووعي كبير، ثم هدأ من روعها بابتسامة واثقة وقال:
ـ طالما الشاب محترم وعيلته معروفة، والقبول المبدئي موجود والارتياح متبادل، فدي بداية كويسة جداً يا بنتي.. الحب الحقيقي والعشرة بتيجي بعد التفاهم والارتباط، مش قبله. وإحنا مش هنستعجل في حاجة،
استمع عمها إلى كلماتها بتركيز واهتمام، وتأمل صدق ارتباكها وحيرتها بقلب الأب الحنون، ثم ابتسم بحنان بالغ وربت على كفها برفق، وقال بنبرة دافئة ومطمئنة:
ـ ما تقلقيش يا مهرة، وماتستعجليش في أي خطوة.. أنا واثق فيكي وفي عقلك كويس قوي، وعارف إنك ما بتعمليش حاجة غلط. خدي وقتك براحتك، اعرفيه كويس وشوفي طباعه وأسلوبه هل هما مناسبين لكي ولا لأ، بس يكون ده كله بحدود واضحة زي ما متعودين.
استطرد عمها بابتسامة مشجعة أكملت احتواءها لقلبها:
ـ ولو حسيتى في وقت من الأوقات إنك ارتحتي وبقيتي مستعدة، أنا هشجعك وهكون أول واحد واقف في ضهرك ومديكِ القبول الكامل.. اتفقنا؟
شعرت مهرة بغشاوة القلق تنقشع عن صدرها تدريجياً، وامتلئ قلبها بامتنان عميق لثقة عمها وحكمته، فأومأت برأسها وهي تبتسم براحة حقيقية:
ـ متفقة يا عمي.. شكراً إنك دايماً سند ليا في كل خطوة.
بعد أن انتهت مهرة من حديثها مع عمها
، وشعرت بجبل القلق ينزاح عن صدرها، استأذنت وغادرت لتعود إلى غرفتها . كانت بحاجة ماسة لتفريغ ذلك الشحن الهائل من الأفكار والمشاعر المتضاربة داخل رأسها، فقررت الذهاب إلى الجيم الخاص بصفوان
—لتفرغ فيه طاقتها، وتتخلص من بقايا الحيرة عبر التمارين الصارمة التي باتت جزءاً من روتينها الجديد.
وفي نفس التوقيت، كانت سيارة صفوان تقترب من مدخل الفيلا. وما إن ترجل ودخل من الباب الرئيسي حتى تفاجأ بوالده يجلس في الاستقبال بانتظاره، وبمحياه ملامح جادة ومباشرة لا تحتمل التأجيل.
اقترب صفوان بخطوات ثابتة وألقى السلام باحترام:
ـ مساء الخير يا حاج... خير، في حاجة واقفاك ولا إيه؟
نظر إليه والده بنظرة نافذة، ثم أجابه بنبرة هادئة وحاسمة:
ـ مساء النور يا صفوان... كنت مستنيك عشان أتكلم معاكي في موضوع وبخصوص مهرة...
...يزيد، ابن الحاج عبد الجواد، ناوي يتقدم لها ويرتبط بيها رسمياً.
استمع صفوان إلى والده بملامح باردة وخالية تماماً من أي تعبير، وبصوت هادئ ومحايد تماماً لا يوشي بشيء، قال:
ـ يزيد؟! وصلك الكلام ده منين يا بابا؟
أكمله والده بجدية تامة:
ـ الموضوع مش سر يا صفوان.. ده الشاب كلم مهرة بنفسه، وهي حالياً بتفكر في الموضوع وبتدّي نفسها وقت تدرس الخطوة قبل ما تاخد أي قرار.
أومأ صفوان برأسه ببطء ودون أي انفعال يذكر، وبنفس النبرة المهنية البحتة رد قائلاً:
ـ تمام يا حاج.. فهمت. أنا هقوم بالواجب وأسأل عن الشاب عشان نكون على بينة من كل الأمور عشان لو فى تطور يبقى اخدنا احتياطنا محصلش نصيب يبقى مخسرناش
أومأ صفوان برأسه ببطء ودون أي اهتمام ظاهر، وقال بنبرة محايدة وبحتة:
ـ تمام يا حاج.. فهمت. أنا هقوم بالواجب وأسأل عن الشاب وخلفيته عشان نكون على بينة من كل الأمور.
استدار بخطوات متزنة وهادئة، وصعد إلى غرفته في الأعلى، وشرع في خلع ملابس العمل ببرود ظاهري لا ينبئ عما يدور في خفايا عقله .
وفي ذات التوقيت، كانت مهرة داخل الجيم ؛ صبت كل طاقتها الجسدية والنفسية في التدريبات الشاقة لتوقف ذلك الصخب الدائر في رأسها. صعدت على جهاز "التريدميل" وزادت من سرعته بشكل متسارع، وكانت تحاول بكل جوارحها أن تركض لتنسى حيرة قلبها وارتباكها.
لكن من شدة إرهاقها وتشتت عقلها، اختل توازنها فجأة؛ لم تستطع مجاراة السرعة العالية، فانزلت قدمها بشكل خاطئ لتلتوي بقوة وسط صرخات أطلقتها بألم حاد:
ـ آآآه!
فقدت السيطرة ووقعت على أرضية الجيم بقوة،
حاولت أن تحرك قدمها المصابة، فداهمتها موجة ألم شديدة جعلت العبرات تفر من عينيها رغماً عنها. جلست على الأرض الضخمة للجيم، تضم ركبتيها إلى صدرها وتبكي بصمت وحرقة، وهي غير قادرة على الحركة أو النهوض بمفردها وسط هذا السكون المطبق.
وفي تلك اللحظات، كان صفوان قد انتهى للتو من تبديل ملابسه في غرفته، وقرر النزول إلى جيم الشركة لبعض التمارين الخفيفة التي تعود على القيام بها لتصفية ذهنه، أو لعلها صدفة غير مبررة قادته إلى هناك.
وما إن اقترب من أروقة الجيم، حتى استوقف أذنيه صوت نحيب خافت ومكتوم. عقد حاجبيه بدهشة واستغراب، وفتح الباب بخطوات سريعة ليدخل إلى القاعة.
وقع بصره فوراً على مهرة؛ كانت جالسة على الأرض تضم قدمها المصابة بوجع، ودموعها تبلل وجنتيها وسط حالة من العجز التام.
اقترب منها بخطوات سريعة وملامح وجهه يكسوها القلق الصامت، وانحنى مستنداً بركبتيه أمامها، وسألها بنبرة هادئة وحازمة:
ـ مهرة! مالك.. إيه اللي حصل؟!
رفعت عينيها الدامعتين إليه، وقالت بصوت متقطع يغلبه الألم:
ـ كنت... كنت بجري على التريدميل ووقعت .. وقعت ورجلي التوت جامد، ومش قادرة أحركها خالص.
حاول صفوان أن يساعدها على النهوض برفق، فمد يده ليحركها بحذر، لكن ما إن لمس قدمها المصابة حتى أطلقت مهرة صرخة عالية من شدة الوجع، وارتجف جسدها كله من الألم:
ـ آآآه.. مش قادرة يا صفوان مش قادره ! وجع فظيع!
عقد صفوان حاجبيه بجدية بالغة، وتفحص شكل التواء قدمها ، ثم قال بحسم لا يحتمل النقاش:
ـ كده مينفعش.. الإصابة شكلها مش هينة، لازم نروح المستشفى حالاً.
أخرج هاتفه من جيبه بيمناه، واتصل سريعاً بخديجة وبنبرة سريعة ومختصرة قال لها:
ـ خديجة.. تعالي تعالى على العربيه ، مهرة اتصابت في رجلها ولازم نروح على المستشفى.. أنا مستنيكي هنا
أغلق صفوان الهاتف، والتفت إليها ليجدها تحاول كتم ألمها بصعوبة. لم يتردد ثانية واحدة؛ انحنى ببطء وجلس بقربها على الأرض، ثم مد كفيه بحذر شديد ليحيط بقدمها المصابة ويفحص موضع الوجع بدقة، محاولاً التأكد من طبيعة الإصابة بخبرة وهدوء.
كانت لمساته دافئة وحانية بشكل غير معتاد، رغم جديته المطلقة. رفعت عينيه قليلاً ليقابل عينيها الممتلئتين بالدموع والخجل من هذا الوضع، وقال بصوت خفيض وخالٍ تماماً من أي قسوة، يحمل طمأنينة عميقة:
ـ اهدي يا مهرة.. ما تخافيش، أنا معاكي، ثواني ووجعها هيهدى، استحمليني شوية.
أشعرتها طريقته الحانية وتدثّر صوته بالدفء باحتواء غريب جعلها تنسى جزءاً من ألمها، وأومأت برأسها بصمت وهي تحاول حبس دموعها.
ودون سابق إنذار، انحنى صفوان وأحاط جسدها بذراعيه القويتين، وحملها برفق وثبات واتجه نحو الخارج لتوفير الجهد على قدمها المصابة. تحرك بها
وما إن حملها بين ذراعيه متجاوزاً عتبة القاعة، حتى تسللت الصدمة إلى تفاصيل ملامح مهرة؛ وسط وجعها ارتبكت بشدة، وغطى الخجل وجهها من هذه القُربى المفاجئة، فقالت بصوت متحشرج ومتهدج من الألم والخجل:
ـ لو سمحت يا صفوان... نزلني، أنا... أنا تقيلة عليك !
توقف صفوان عن الحركة لثانية واحدة، والتفت إليها بنظرة هادئة حملت ابتسامة خفيفة وساخرة، وقال بنبرة دافئة وواثقة أذابت كل جبال التوتر:
ـ تقيلة إيه بس يا مهرة؟ أنا بشيل في الجيم أوزان أتقل منك بكتير وأنا بتدرب... ماتخافيش، مش هوقعك، ارتاحي خالص.
تردد صدا تلك الكلمات الدافئة في ذهنها، وغمرها شعور غريب وعميق بالأمان وهو يضمها بثبات ورجولة طاغية. ركزت عينيه في عينيها لثوانٍ معدودة وكأن الزمن قد توقف بهما، وشعرت أن دقات قلبها المرتعبة لم تكن بسبب الإصابة وحدها، بل بسبب هيبة هذا القرب المفاجئ ونظراته التي كانت تحمل احتواءً خفياً يلامس قلبها دون استئذان.
استأنف صفوان خطواته بثبات أكبر نحو ساحة الانتظار أمام الفيلا، حيث كانت خديجة تقف بجوار السيارة بقلق بالغ،
بينما كان صفوان يحملها متجهاً نحو الخارج، كانت مهرة عاجزة عن التقاط أنفاسها المنتظمة. وسط وجع قدمها الحارق، غرق عقلها تماماً في تفاصيل هذا القرب المهيب.
كانت دقات قلبها تتسارع بصخب داخل صدرها، وكأنها تطرق أبواب الارتباك والخفقان مع كل نبضة. شعرت برائحة عطره الخافتة المختلطة ببرودة الجو المحيط تداعب حواسها، وبقوة ذراعيه الصلبتين اللتين تحيطان بها بحماية مطلقة وثبات لا يزول.
لم يكن مجرد حمل جسدي لتخليصها من الألم، بل كان احتواءً غريباً وجارفاً تسلل إلى أعماق روحها، وأزاح عنها كل ذرة خوف أو توتر. ولأول مرة منذ عرفته، شعرت بغشاوة الأمان المطلق تغمرها، وبأنها بين ذراعيه محمية من طعنات العالم وقلقه؛ شعور دافئ وعميق أربك قلبها تماماً وجعلها تتمنى لو أن الطريق إلى السيارة لا ينتهي أبداً.
بينما كان يحملها بخطوات ثابتة وواثقة متجهاً نحو الخارج، كانت مهرة عاجزة عن التقاط أنفاسها .
ولأول مرة منذ عرفته، شعرت بغشاوة الأمان المطلق تغمرها، وبأنها بين ذراعيه محمية من طعنات العالم وقلقه؛ شعور دافئ وعميق أربك قلبها تماماً وجعلها تتمنى لو أن الطريق إلى السيارة لا ينتهي أبداً.
لكن من شدة تقارب جسديهما وقوة خفقان قلبها المتسارع، لم يكن هذا الصوت الخفي غائباً عنه.
شعر صفوان فجأة بتلك الضربات السريعة والعنيفة ترتطم بصدره من خلال ضلوعها، فتوقف لثانية واحدة وخفض بصره إليها بملامح يكسوها الهدوء . وقبل أن تستوعب هي سبب توقفه، سألها بصوت خفيض وخالٍ تماماً من التكلف، يحمل نبرة حانية ونافذة:
ـ قلبك بيخبط جامد كده ليه يا مهرة؟ خايفة من الوجع، ولا في حاجة تاني تعباكي؟
ارتبكت مهرة بشدة، وتوردت وجنتاها بحمرة الخجل الفاجئ، وشعرت أن أنفاسها تكاد تختفي تماماً تحت نظراته الثاقبة التي تكشف ما تخفيه. تلجلجت الحروف على شفتيها ولم تستطع النطق بكلمة واحدة، محاولة إخفاء ارتباكها بإنزال عينيها إلى الأرض، بينما استأنف صفوان خطواته بهدوء وهو يحمل في داخله تساؤلات جديدة لم يعتد على التفكير فيها!
