رواية طيور تهوى الخداع الفصل السابع
[ عجز ]
كانت "نوارة" مستلقية في فراشها، تحدق في الفراغ بينما تتزاحم الأفكار في رأسها دون أن تجد لها مخرجًا. لم يقطع شرودها سوى دقات خافتة على باب الغرفة، أعقبها صوت "بلال":
ماما أنتِ صاحية؟
_ تعالى يا "بلال".
دخل بعدما سمحت له، واتجه إلى الفراش، ثم جلس على طرفه قبالتها وقال:
خالتو قالتلي قبل ما تروح إنك عايزاني.
هزت "نوارة" رأسها بابتسامة خفيفة وقالت:
أنا فعلا عايزاك.
مدت يدها تمسح برفق على كفه المستقر فوق الفراش، ثم قالت:
هسألك على حاجه بس عايزاك ترد عليا بصراحة.
كانت تعرف أن ابنها لا يجيد الكذب، ورأت في عينيه استعدادًا لأن يخبرها بما عنده، فسألته:
أنت لما كان بابا بياخدك النادي كنت بتقابل طنط "سهر"؟
لم يكن يرغب أن تعلم والدته بالأمر حتى لا يحزنها، لكنه لم يجد ما يبرر أن يخفي عنها الحقيقة الآن، فأجابها بصدق:
الكلام ده حصل السنادي بس، شوفتها في النادي تلات أو أربع مرات، كانت بتبقى موجودة لما أنا وبابا بنروح.
صمت لثوان، ثم أضاف:
وعرفت بابا إني بتضايق، وهو وعدني إن ده مش هيحصل تاني، وفعلا يعتبر مبقتش أشوفها هناك، بس النهارده جت وبابا قالي إنها أحرجته لما عرفت إننا رايحين ومقدرش يعتذر منها.
تنهدت "نوارة" بضيق قبل أن تستفسر من ابنها:
طيب وليه مقولتليش يا "بلال"؟
بان في عينيه حرصه عليها، وهو يجاوبها:
محبتش أزعلك، ومكنتش عايز تتخانقي أنتِ وبابا، علشان كده أنا قولتله من نفسي بعد تالت مره قابلناها إني مش مرتاح.
_ بس أنا زعلت لما عرفت من برا ومعرفتش منك.
عاتبته بذلك، لكنه رد بما بدا أنه حسم الأمر في ذهنه منذ البداية:
لو عرفتي يا ماما كنتي هتطلبي من بابا إنه ميفرضش عليا وجودها، فطالما أنا عملت نفس الحاجه ليه أقولك وأضايقك؟
ثم ابتسم وأضاف:
وأنتِ عارفه إني مش بحب أشوفك متضايقة.
وأمام حنانه هذا لم تستطع إلا أن تقول بابتسامة مماثلة:
وأنت عارف أنا بحبك قد إيه؟
_ عارف، وبحبك أكتر على فكره.
قالها وهو يقترب منها ليقبّل وجنتها، فربتت على رأسه بحنان، وامتلأ قلبها بالامتنان على نعمة وجوده بجوارها التي خففت عنها الكثير
ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن تسأله:
و"سما" بنت أختها كانت بتيجي معاها علطول؟
تغيّرت ملامحه قليلًا حين تذكر ما تعرّضت له تلك الفتاة، ثم أخبر "نوارة":
أنا أول مره أقابل "سما" النهارده.
أبدت تعجبها قائلة:
غريبة، أنا حسيت وهي بتغني وأنت بتعزف إنها واخده عليك.
_ ما احنا اتكلمنا في النادي قبل ما بابا يجيبنا ويرجع على هنا.
هزت "نوارة" رأسها بتفهم، ثم قالت بشفقة:
بس الظاهر إن والدها راجل صعب.
لم يرغب "بلال" في ذكر ما حدث في النادي، ولا ما سمعه من أصدقائها القدامى عن ضرب والدها لها. كان يكفيه ما رأته أمه بنفسها حين حضر الرجل إلى المنزل واصطحب ابنته بتلك الطريقة المهينة.
لاحظت "نوارة" شروده، فسألته:
روحت فين؟
رد عليها بابتسامة:
معاكي.
ثم أكد على ما قالته:
أنا فعلا اتضايقت من الطريقة اللي أخدها بيها من هنا.
دعت "نوارة":
ربنا يهديه.
وبعدها انتبهت إلى ترك "بلال" للفراش وقوله:
هروح أعملك الأعشاب اللي بتحبي تشربيها قبل النوم.
_ ما تتعبش نفسك يا حبيبي، وروح نام يلا، أنا أخرتك على ميعاد نومك.
طالبته برفق، لكنه رفض وهو يبتسم بمشاكسة:
هعمله الأول وبعدين أنام، هو أنا عندي كام "نوارة"؟
اتسعت ابتسامتها، وشعرت بدفء يسري في قلبها من حبه؛ ابنها الذي لا يفوّت فرصة ليحيطها باهتمامه، حتى باتت تشعر، رغم صغر سنه، أنه سندها الذي لن تخذلها الأيام بوجوده.
أحضر لها مشروبها، ولم يذهب إلى النوم إلا بعد إلحاحها عليه، أما هي فأنهت مشروبها، ثم استعانت بعكازيها ونهضت من الفراش.
تناولت شالًا وألقته فوق كتفيها، واتجهت إلى الشرفة،
جلست في مقعدها المعتاد، ثم أدارت المذياع، وما إن انطلق صوت عبد الحليم حافظ حتى ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيها، ورفعت عينيها إلى السماء، تستقبل بأنفاس عميقة برودة الليل ونسائمه.
لم تعرف كم مضى من الوقت وهي على حالها، ولا متى تحول شرودها إلى دموع، فقط وجدت غصة مريرة تصعد إلى حلقها، بينما تعود بها ذاكرتها إلى أيام كانت تجمعها بزوجها وابنها، قبل أن ينتهي كل شيء... قبل أن تهجرها السعادة، ويخفت الدفء الذي كان يملأ أركان منزلها.
انتفضت بفزع حين انفتح باب غرفتها فجأة دون استئذان أسرعت إلى الداخل مستندة إلى عكازيها، وهي تظنه ابنها:
في إيه يا "بلال"؟
لكنها توقفت حين وجدت "طارق" أمامها، كان وجهه مكفهرًا، وملامحه تحمل غضبًا لم يحاول إخفاءه.
لم تهتم بما جاء من أجله في تلك اللحظة، بقدر ما استفزها دخوله بهذه الطريقة، فسألته بانفعال:
إيه الطريقة اللي دخلت بيها الأوضة دي؟
هو مش في باب تخبط عليه؟
أغلق باب الغرفة وكأنه لم يسمع اعتراضها، ثم تقدم منها حتى وقف أمامها قائلا:
أفتكر قبل كام سنة مكنتش بحتاج أخبط على الباب قبل ما أدخل أوضتنا يا "نوارة".
صححت له، وهي تجاهد للحفاظ على هدوئها أمام حالته التي لا تنذر بخير:
قصدك اللي كانت أوضتنا يا "طارق"، دلوقتي فيه أوضتي وأوضتك، وفيه حدود مينفعش حد فينا يتخطاها، وفي....
قاطعها بنبرة هزت ما تبقى من ثباتها:
وفي إنك مراتي.
لم يمنحها فرصة لإكمال حديثها، وتابع مؤكدًا على ما يراه حقًا له:
في إنك لسه على ذمتي يا "نوارة"، وليا حق فيكي، وحتى لو اتنازلت عنه بمزاجي علشان أرضيكي هيفضل موجود.
تنهدت بتعب، ثم سألته وهي تطالعه بغضب:
أنت بتعيد وتزيد في كلام فات عليه سنين ليه؟
أنا لما وافقت أفضل على ذمتك كنت عارف كويس أوي إن مفيش حاجه بيني وبينك غير "بلال"، ووافقت
وبسخرية تابعت:
لو أنت بقى فكرت إن الوضع هيتغير مع الوقت فدي مشكلتك أنت يا "طارق" مش مشكلتي.
وبسخرية مماثلة صفق لها قائلا:
برافوا والله، قد إيه أنا مغفل فعلا علشان فكرت إن الوضع مع الوقت هيتغير.
وتقدم خطوة أخرى حتى أصبح في مواجهتها تمامًا، ثم أضاف:
والغلطة كانت غلطتي أنا علشان أتمنيت "نوارة" هانم تتفضل عليا وتحن لما تشوف إن كل طلباتها بالنسبالي أوامر.
حذرته بنبرة اختلط فيها الغضب بالقهر:
أخر حاجه ممكن أقبلها منك دلوقتي هي إنك تقلب الترابيزة عليا، أنا مطلبتش منك تتمنى ولا تستنى، أنا طلبت الطلاق، وأنت اللي رفضت وعاندت
وأضافت بحرقة:
طلبت الطلاق يا "طارق" رغم إنك عارف كويس أوي الطلاق في وضعي معناه إيه، وإني لا عندي بيت ولا شغل، ولا فلوس، بس أنا مفكرتش في كل ده، فكرت بس إن وجودي على ذمتك حاجه أكبر من احتمالي
وهنا ارتفع صوته للمرة الأولى منذ ما حدث، وكأنه قرر أن يواجهها هذه المرة دون اعتذار أو تراجع:
ليه أكبر من احتمالك يا "نوارة"؟ أنا عملت إيه علشان يبقى أكبر من احتمالك؟
وقبل أن تمنحه إجابة، سألها:
اتجوزت عليكي؟
وبببساطة تابع:
في كام راجل متجوز على مراته وعايشين عادي ومحدش أشتكى؟...كتير أوي يا "نوارة".
ثم نطق بنبرة بان فيها احتراقه:
بس دوري بقى كده في كام واحد قبل يعيش كل السنين دي يراضي ويحايل علشان مراته تقبل مش هتلاقي.
أغمضت عينيها بتعب، فأمسك بذقنها ليجبرها على النظر إليه وهو يتابع:
في كام واحد قبل يكتب شقة لواحده هو عارف كويس أوي إنها ممكن تقوى عليه بيها؟
وذكرها بما فعله بابتسامة:
كتبتلك الشقة رغم إني متأكد إنك من غيرها هتفضلي محتاجاني وقلقانة، صح ولا لأ؟
لم تعطه رد فأكمل بانفعال:
مصاريفك من غير ما تطلبيها بتبقى عندك وبزيادة رغم إنك محرمة عليا نفسك، محرمة عليا حتى أمسك إيدك يا "نوارة".
وكأن ما كتمه طوال السنوات الماضية اندفع دفعة واحدة، فتابع:
قبلت أبقى غريب في بيتنا علشانك وبرضو مش عايزه تتنازلي ولو شويه وتعدي اللي حصل
_ أنت عايز إيه يا "طارق" دلوقتي لإني مش قادره أسمع أي حاجه من اللي أنت بتقولها دي، ولا حتى أرد عليها.
قالتها بإرهاق حقيقي، لكنه رد بكلمة واحده أربكتها:
عايزك.
تراجعت عنه خطوتين، وقد أخافها حالته، ثم سألته:
واتجوزتها ليه لما أنت عايزني؟
قرر أن يكون اليوم هو يوم الصراحة، لذلك رد بما لم تتوقع "نوارة" أن تسمعه منه:
علشان كنت عايزها برضو، عايزه تعتبري عيني زاغت عليها زي ما أختك بتقول أعتبري كده، عايزه تعتبريني حبيتها زي ما أنتِ قولتيلي تقدري برضو تحسبيها كده
ودافع عن موقفه متابعًا:
ومش معنى إني أحبها أبقى مبحبكيش، كان ممكن دلوقتي أكدب عليكي وأقولك أنا مش سعيد معاها علشان كده راجع، لكن أنا كنت مبسوط معاها
ثم أردف:
وعلى فكرة أنا حاولت كتير أوي أبعد عن "سهر" ومدخلهاش حياتي علشانك بس مقدرتش، ومش علشان أتجوزتها هتفضل المشانق متعلقالي لأخر العمر يا "نوارة"
_ هو أنت عايز تموتني؟
سألته وقد ظهر في عينيها رفضها لكل كلمة نطق بها، ثم تابعت:
يعني أنت لقيت إني بفوق لحياتي وحالتي بتتحسن فقولت لما أروح أحرق في دمها لحد ما تطب ساكتة
وأشارت إليه بغضب:
مش مكسوف من نفسك وأنت ابنك بقى طولك وواقف قدامي تقولي بحبك وبحبها؟
مسحت على وجهها بانفعال قبل أن تنطق:
أنت بتضحك عليا ولا بتضحك على نفسك؟
وبانفعال مماثل جاوبها:
ولا عليكي ولا على نفسي، الراجل ممكن يحب ويتجوز مره واتنين وتلاته كمان، احنا كده دي طبيعتنا.
علت ضحكاتها، ولم تلتفت حتى إلى النظرات الغاضبة التي قابلها بها، كانت تضحك من فرط عدم تصديقها قبل أن تقول:
هو أنت شارب حاجه؟...يعني في وعيك وأنت بتقول الكلام ده ولا أنت بتهزر معايا؟
ثم أخبرته بابتسامة:
لو بتهزر معايا فأنت ضحكتني يا "طارق".
لكن ابتسامتها اختفت سريعًا، وهي تتابع:
أما بقى لو بتتكلم بجد فأنا طارق اللي أتجوزته عمره ما يقول كده، الإنسان اللي كان بيزعل قبل مني وقت حزني، ويفرح بأقل حاجه بعملها ميقدرش يقف قدامي ويقولي كده.
هزت رأسها نافية:
أنت مش طارق اللي أنا اتجوزته
ثن واجهت نظراته مباشرة:
أنت حتى شكلك اختلف في عيني، بقيت أحسك غريب عني، عينك جامده مفيهاش ولا حاجه من اللي خلتني أحبك قبل كده.
ابتسم بتهكم وهو يسألها:
ياه بقيت كل ده علشان أتجوزت يا "نوارة"؟ حزنك مبقاش حزني علشان "سهر" بقت موجوده؟
رأت الدموع في عينيه، ورأت فيهما رفضه لما قالته، وهو يسألها:
عيني الجامدة دي مشوفتيش فيها طول السنين اللي فاتت إنك وحشاني، إني مانع نفسي عنك علشان خاطرك، مشوفتيش فيها اهتمامي وأنا واصل عند أي دكتور بتروحيله قبل ما تكوني هناك رغم معاملتك الزفت ليا؟
وتابع أسئلته نافيًا عن نفسه كل ما قالته:
مشوفتيش فيها يا "نوارة" لهفتي في كل مره أرجع فيها البيت وأخبط على باب أوضتنا علشان أشوفك بس وأنا كلي أمل تضحكي في وشي أو تقوليلي كلمة تبل ريقي؟
ورغم الإرهاق الذي بدأ يظهر على وجهها، لم يتوقف:
مين هيصبر ده كله لو مكانش بيحب؟ لو حد فينا محبش التاني هيبقى أنتِ مش أنا، هيبقى اللي هجر ومسامحش.
ابتلعت غصة مريرة قبل أن تقول:
هو أنت لو وقعت الصبح من طولك وقومت تعبان ولسه بتفوق لقتني بقولك عايزه أتطلق علشان ده حقي
وبابتسامة حملت وجعها تابعت:
وبعد ما طلقتني علطول أتقدملي واحد كان من أقرب الناس ليك وأنا وافقت ساعتها إحساسك هيبقى إيه يا طارق؟
_ دي مش دي.
قالها بحدة رافضًا حتى مجرد تخيل الأمر، لكنها ردت عليه بإصرار:
لأ دي هي دي.
ولم تعد قادرة على الوقوف، فجلست على طرف الفراش وألقت عكازيها إلى الأرض، ثم قالت بقهر:
عارف لو كنت جيت قولتلي أنا هتجوز، جايز مكنتش هعترض، لو كنت اختارت أي واحده غيرها يمكن كنت أسكت.
ضحكت بخذلان وهي تذكره بما فعله:
بس أنت أختارت اللي دخلت بيتي وضربتني في ضهري، أتجوزتها في أكتر وقت أنا ضعيفة فيه، أستغليت تعبي وإني مش هعرف أقول لا وأمشي يا "طارق".
ولأن آخر ما كانت تريده هو أن تلتقي عيناها بعينيه، خفضت بصرها، لكنه اقترب وجلس أمامها، فأكملت:
أستغليت قلة حيلة أم ابنك اللي مسنوده عليك، وعملت أكتر حاجه توجعها وأنت متأكد إنها متقدرش تردلك القلم، حتى فكرة إنها تسيبك هتبقى صعبة علشان ظروفها وفي الأخر تقولي إن زعلي هو زعلك يا "طارق"؟
وانسابت دموعها وهي تسأله:
حب إيه اللي يخلينا نجرح الناس ونموتهم بالحيا بالشكل ده؟
حاول أن يمسك يديها، لكنها أبعدته عنها وقالت:
عارف كل محاولاتك علشان نبقى زي الأول اللي كنت بتتكلم عنها من شوية دي؟ لو عملت قدها عشرين مره برضو مش هتلاقي "نوارة" اللي أنت موتها يا "طارق".
وبرجاء طالبته:
طالما بتحبها خليك معاها وسيبني في حالي يا بن الناس، أنا ما صدقت أبدأ أنسى.
هتف بصدق:
وبحبك يا "نوارة"، أنتِ أم ابني، أنتِ أهم حاجه عندي حتى قبلها.
_ أنا أهم حاجه عندك علشان أنا أم ابنك، الله أعلم لما هي تخلف أنا هشوف منك إيه تاني يا "طارق".
تنهدت بإرهاق بعد كلماتها، لكنه لم يتراجع، بل أخبرها:
يعني هيفضل ده نفس كلامك حتى لو عرفتي إني طلقتها؟
انتظر منها أن تسامحه، وربما اكتفى بأي رد يفتح له بابًا للرجوع، لكنه لم يسمع سوى:
لو طلقتها يبقى طلقني أنا كمان وأعمل فيا جميله، ريحني وريح نفسك من المجهود اللي قولت إنك بتعمله بقالك سنين علشان كل حاجه تتصلح، ومبتتصلحش.
_ وهتصرفي على نفسك وعلاجك منين؟
سألها فأسرعت تجيبه:
مش مهم، أنا هدبر أموري المهم أنت تصرف على ابنك.
وضغط على جرحها بسؤال آخر:
هتدبريها من "أميرة" اللي عايشه اليوم بيومه؟ ولا هتنزلي تشتغلي وأنتِ تعبانه؟
تنهدت بإرهاق قبل أن تجيبه:
أنا معايا مبلغ، هبيع دهبي وأكمل عليه، وأعمل أي مشروع من البيت.
ابتسم بسخرية، وعلق:
ده أنتِ بتخططي بقى لكل حاجه من سنين يا "نوارة"، دلوقتي محوشه ومعاكي مبلغ، وهتبيعي دهبك، وعندك شقة باسمك تعملي فيها مشاريع.
_ ياريت كان ينفع أقولك لو عايز البيت خده وطلقني.
نظر إليها بعدم تصديق:
للدرجة دي كارهه تفضلي على ذمتي؟
للدرجة دي بايعة؟
أغمضت عينيها بتعب، فلم تعد تملك طاقة لجولة أخرى من الحديث، ثم قالت:
أنا تعبت من الكلام يا "طارق"، فـ ياريت لو هنفضل ندور في نفس الدايرة دي تخرج وتسيبني علشان أرتاح.
قطع المسافة الفاصلة بينهما حتى أصبح وجهه أمام وجهها تمامًا، شعرت بحرارة أنفاسه والتقطت عيناها ذلك الرجاء الواضح في عينيه وهو يكرر:
أدينا فرصة واحده بس، فرصة واحده نصلح اللي بينا يا "نوارة".
اهتزت عيناها أمامه، وفي لحظة واحدة مرّ أمامها عمر كامل معه؛ لحظات السعادة إلى جوار لحظات الألم، والبيت الذي كان يومًا وطنًا لها قبل أن يصبح المكان الذي تهرب منه..لكن جرحها كان أكبر من أن تسمح لكل ذلك بأن يعيدها إليه.
_أبقى كدابة لو قولتلك إني هقدر يا "طارق".
ثم حاولت إبعاده بيديها، لكنه ظل في مكانه. ظن للحظة أنها قد تستجيب هذه المرة، أن قسوة السنوات الماضية ربما تتراجع أمام رجائه، فمال ليقبّلها، لكنه لم يجد منها إلا النفور.
ثم جاءه صوتها حاسمًا:
مش بالعافية.
_ اللي بتعمليه ده حرام.
قالها بعينين بان فيهما غضبه من رفضها، فردت عليه:
ورفضك للطلاق لما قولتلك إني مش هقدر أستحمل مكانش حرام؟
تحرك أخيرًا مبتعدًا عنها، فاستطاعت أن تستعيد أنفاسها، ثم سمعته يقول:
أديني يومين هظبط أموري وأعملك اللي أنتِ عايزاه.
لم ينتظر لحظة أخرى في الغرفة. خرج منها وأغلق الباب خلفه، وتركها وحدها تحاول استيعاب أنه قرر الانفصال أخيرًا.
لكن وعده لم يمنحها الطمأنينة التي ظنت أنها ستشعر بها.
على العكس، ظل في صدرها ذلك القلق الغامض، وكأن شيئًا في داخلها يخبرها أن القادم مع "طارق" قد يكون أسوأ من كل ما مضى.
_______________________________________
كانت "أميرة" في منزلها حين دخلت إلى غرفة ابنة زوجها لتطمئن إن كانت قد استيقظت أم لا، لكنها وجدتها جالسة على الفراش والدموع تغطي وجهها، فسارعت إليها بقلق:
بت يا "رنا" مالك؟
أخبرتها بما حدث أثناء خروجها للتسوق:
راضي خد الخاتم بتاع أمي وأنتِ برا، قلعهولي بالغصب، ومد إيده عليا.
لم تستوعب "أميرة" ما سمعته، ابن زوجها يزداد جرأة يومًا بعد يوم في التعامل مع شقيقته، مدفوعًا بما يجده من تساهل والده معه.
وهذه الفتاة التي تقضي أسوأ فترات مراهقتها في منزل خالتها، لا تجد في بيت أبيها ملاذًا حين تعود إليه؛ إذ يواصل شقيقها ما اعتادت الهروب منه.
احتضنتها "أميرة" وقالت بغضب:
إياك تتقطع إيده، وأنتِ ادتيهوله يا خايبة؟
_ أنا عايزه الخاتم بالله عليكي، ده أخر حاجه من ريحة أمي.
قالتها بعينين دامعتين فسألتها "أميرة":
متعرفيش خرج راح فين؟
هزت رأسها نافية، فاستقامت "أميرة"، وقررت الخروج وهي تقول:
أنا هدور عليه، لو أبوكي رجع وأنا برا حطيله يتغدى ومتجيبيش سيرة لحد ما أجي.
لم تنتظر لحظة أخرى. تناولت حجابها وخرجت تبحث عنه، وسألت عددًا من أصدقائه حتى أخبرها أحدهم:
ده أنا شوفته مع "مالك" و"علي" رايحين ناحية المدرسة القديمة.
سألته بغير تصديق:
مالك ابني وعلي صاحبه؟
_ أيوه يا خالتي.
أجابها الفتى، فازدادت دهشتها من اجتماع ابنها وصديقه بـ"راضي"، الذي لا تجمعه بهما علاقة جيدة من الأساس.
اتجهت إلى المدرسة القديمة، لكنها لم تجد أحدًا هناك. أخذت تدور حول المكان، تبحث بعينيها في كل اتجاه، حتى وصل إلى مسامعها صوت من أحد الأركان، فتبعته حتى عرفت مصدره.
توقفت مكانها حين وقع بصرها على المشهد...ابنها وصديقه، وابن زوجها، وثلاثة آخرون يجلسون معًا، وفي يد أحدهم لفافة لم تعرف محتواها، مدّها أولًا إلى "مالك" لكن "علي" سارع إلى نصحه:
بقولك إيه يا "مالك" تعالى نمشي أحسن.
ورد عليه "مالك" بحيرة:
أنا برضو خايف نجرب.
فعنفهما "راضي" قائلا:
ولما قلبك خفيف أنت وهو كده اتحايلتوا عليا تيجوا معايا ليه؟...أنا كنت عارف إنكم عيال مش رجالة.
_ لا احنا أرجل منك يا "راضي".
قالها "علي"، فضحك "راضي" وأصدقاؤه، ثم مدّ أحدهم اللفافة نحوهما قائلًا:
طب جرب أنت وهو وورينا.
تناولها "مالك"، وقد دفعه تحدي "راضي" إلى إثبات قدرته، لكنه لم يحالفه الحظ؛ إذ دخلت "أميرة" عليهم فجأة، فسقطت اللفافة من يده، وجاء صوت أمه كفيلًا بأن يبدد أي شجاعة كانت لديه:
بتعمل إيه يا "مالك" أنت و"علي" هنا؟
سارع "راضي" بالإجابة بدلا منهما:
والله يا خالتي أميرة هما اللي اتحايلوا عليا يجوا معايا.
ثم انحنى ليلتقط اللفافة، وأضاف بكل برود:
وبعدين متقلقيش دي في الخفيف منه.
في ثوانٍ، كانت "أميرة" قد خلعت نعلها، وأول من طالته به كان "راضي".
تلقى الضربة الأولى، ففرّ هاربًا، ولحق به أصدقاؤه، بينما صاحت خلفهم:
عارفه أمك أنت وهو، أقسم بالله هروحلهم لحد بيوتهم وأقولهم إنكم سايبين اللي وراكم وقاعدين هنا للشرب والقرف.
وبأعلى صوتها قالت لابن زوجها:
جيالك يا بن عبد الكريم، لو طلعت من تحت إيدي النهارده سليم تف عليا.
ثم استدارت نحو ابنها وصديقه، وقبل أن تقترب منهما بنعلها، هتف "علي":
والله يا خالتي أميرة قولتله بلاش.
_ وجيت معاه ليه يا محروس؟
ثم التفتت إلى ابنها، وقالت بابتسامة ساخرة لم تخف غضبها:
وأنت يا حيلة أمك، سايب المذاكرة واللي وراك وجاي تحشش؟
هز رأسه نافيًا، وحاول التبرير:
والله يا ماما أنا بس...
قاطعته بانفعال، وقد طالته بنعها:
جتك المو، يا خسارة جريي عليك، أنا من الصبح هطلعك من المدرسة وهشغلك مع عبد الكريم في الورشة.
هرول مبتعدًا عنها، ولحق به "علي"، فصاحت خلفه:
وأنت كمان مش هسيبك.
تحركت خلفهما وهي تكمل:
أنا هوريكم، وإن طولت هسلمكم للحكومة علشان تشربوا هناك اللي نفسكم فيه كله.
وسمعها ابنها وهي تقسم:
والله العظيم لو مرجعتش على البيت هتبقى بتجيب أخرتها النهارده يا مالك.
كانت غاضبة بما يكفي لتذهب مباشرة إلى ورشة زوجها، أرادت أن تواجهه بابنه الذي لم يعد يكتفي بإفساد نفسه بل بدأ في جذب ابنها وصديقه إلى طريقه، لكنها لم تجده في الورشة.
عادت إلى المنزل، فوجدته جالسًا في الصالة، وبدا من حالته أنه في وضع غير طبيعي، الأمر الذي زاد يقينها بأنه تعاطى شيئًا.
صاحت فيه فور دخولها:
وأنا اللي بدور عليك أشتكيلك ابنك اللي ضاع وعايز يضيع الواد اللي حيلتي
أشارت إليه وتابعت:
بس هشتكي لمين، ما ليه حق يعمل أكتر من كده طول ما هو شايف أبوه مسطول كده.
كانت "رنا" تتابع ما يحدث من خلف باب غرفتها، ووصل إليها صوت والدها وهو يرد على زوجته بضيق:
أكتمي يا ولية أنتِ، ومتبوظيش دماغي.
_ ولولوا عليك ساعه وسكتوا، ابنك حرامي وبيشرب بلا أزرق على دماغه، وبدل ما تقوم تتنفض تعمل حاجه قاعد تقولي متبوظيش دماغي.
قالتها وقد بلغ بها الغضب منتهاه، لكنها لم تجد منه سوى:
لمي ليلتك يا "أميرة".
ورغم أنها رأت بوضوح أنه فقد ما تبقى لديه من تعقل، هتفت متحدية:
ولو ملمتهاش هتعمل إيه يا عبد الكريم؟
ترك مكانه واستقام واقفًا، وقد بدا أن غضبه يبحث عن هدف أقرب يفرغ فيه ما بداخله. اتجه إليها، وأمسك بذراعها بعنف، ثم باغتها بصفعة على وجهها وهو يصرخ:
أنا هسكتك طالما مبتبلعيش ريقك.
دفعها فسقطت على الأرض، وتعالى صراخها، فخرجت "رنا" من غرفتها وهرولت إلى الخارج قبل أن تمتد إليها يد أبيها هي الأخرى، تستنجد بالجيران.
أما "عبد الكريم"، فلم يعد يرى أمامه، انقض على "أميرة" بالضرب، وركلها دون أن يتوقف أمام صراخها أو سبابها له
وفي تلك اللحظة، دخل ابنها و"علي"، فاندفعا نحوه محاولين إبعاده عنها، لكنهما لم يستطيعا.
حاولت "أميرة" النهوض مستندة إلى الأرض، وهي تصرخ:
أقسم بالله لهبيتك في القسم النهارده يا عبد الكريم.
لكن يده امتدت إليها من جديد، وجذبها من خصلات شعرها، فأخذت تدفعه بكل قوتها محاولة تخليص نفسها منه وهي تصرخ:
ابعد عني يا ×××
حاول ابنها دفعه مره أخرى وهو يهتف:
سيب أمي.
لكن "عبد الكريم" ابتعد عنه، في الوقت الذي اشتبك فيه "علي" معه بالفعل، وفي النهاية بدأ الجيران يتجمعون بعد أن علا صراخ المنزل، إلا أن "أميرة" كانت قد نجحت في الإفلات منه.
هرولت نحو الخارج، وجذبت حجابها من فوق الأريكة، ثم ارتدته على عجل وهي تقسم:
والله ما هتبات إلا على البورش النهارده.
قررت التوجه إلى القسم والإبلاغ عنه، كانت دموعها تنهمر دون توقف، والغضب والعجز يتنازعانها، بينما وجدت "رنا" خلفها، تمسك بعباءتها وتقول باعتذار:
حقك عليا يا ماما، كل ده بسببي.
لم ترد عليها، واصلت سيرها وهي تبكي في صمت، ولم تتوقف إلا عندما وصلت إلى أقرب نقطة شرطة.
سمعت صوت ابنها يأتيها من خلفها، لكنه لم يثنها عن طريقها، لم تلتفت إليه حتى وصلت إلى باب القسم، وهناك أخيرًا لحق بها.
اقترب منها وهو يحاول التقاط أنفاسه، فسمعها تقول:
عايز إيه دلوقتي مني أنت كمان؟
قال لها ما لم تتوقع سماعه:
خالتو "نوارة" اتصلت وعماله تعيط، بتقول صحيت وملقتش عمو طارق ولا بلال في البيت، ودولاب عمو طارق فاضي ، وحاولت توصل لشغله عرفت إنه خد أجازة.
توقفت "أميرة" عن البكاء للحظة.
كانت تعرف أن زوج شقيقتها لا يأخذ "بلال" معه حتى إلى أقرب مكان دون علم أختها، ولذلك شعرت بالخطر قبل أن يكتمل حديث ابنها، لكن الكلمات التالية جعلت الأمر أكثر وضوحًا:
بتقولك إنه اختفى بعد ما قالها امبارح إنه هيطلقها...أنا كنت هقولها على اللي حصل بس الخط قطع.
مسحت دموعها بظهر يدها، ثم سبّت زوج شقيقتها أيضًا وهي تقول:
هو الرجالة الـ ×××× دي عايزه إيه مني النهارده؟
لاحظ أحد الواقفين أمام القسم حالتها وانهيارها، فتقدم منها وسألها:
خير يا مدام.
عدلت "أميرة" وضع حجابها، وحاولت أن تستجمع نفسها قبل أن تجيبه:
جوزي ضربني وعايزه أعمله محضر، وجوز أختي خطف ابنها وعايزه أعرف نتصرف معاه ازاي دلوقتي.
_ لأ ده أنتِ تدخلي للبيه جوا بقى.
قالها وهو يشير لها لتدخل، فدخلت "أميرة" القسم، وأدركت أن مصيبة "عبد الكريم" ليست سوى بداية لليلة أطول مما تحتمل.
