رواية انا مش رقم اثنين الفصل السابع 7
*الخطوة التي لا تُمحى...
إستمر الهاتف في الرنين وعمر واقف مكانه، عينه على الشاشة، وقلبه بين الأوضة اللي وراه، وبين الإسم اللي قدامه. مريم كانت واقفة قدامه مستنية.. مستنية يقولها :
"ده الشغل."
أو:
"رقم غلط."
أي حاجة، إلا الصمت.
قالت بهدوء :
ـ مش هترد؟
بلع ريقه، وبسرعة ضغط على زر الرفض. حط الموبايل في جيبه واتنهد :
ـ فعلًا رقم مش مهم.
بصت له مريم ثواني.. كانت أول مرة تحس إنها مش مصدقة، لكنها ابتسمت إبتسامة صغيرة وقالت :
ـ يلا، الشاي برد.
دخلت جوه، أما عمر ففضل واقف مكانه حاسس إن أول كذبة كانت صعبة، والتانية... أسهل.
...
بعد منتصف الليل...
كانت مريم نايمة، أما هو فكان لسه صاحي. فتح الموبايل، لقى رسالة صوتية، مدة التسجيل: دقيقة وثلاثة وأربعون ثانية. فضل يبص لها، إيده كانت فوق زر التشغيل ورجعها. قال لنفسه :
"لو سمعتها هكون باغلط."
لكن الفضول كان أقوى. ضغط تشغيل، جاءه صوت سارة.. هادئ.. لكن مكسور :
"أنا عارفة إنك قفلت المكالمة، ويمكن ده حقك، وعارفة إنك اخترت بيتك.. وده الصح. أنا مش هعاتبك ولا هطلب منك حاجة، بس كان نفسي قبل ما أمشي أقولك حاجة واحدة يمكن أرتاح."
سكتت ثواني، وكان واضح إنها بتحاول تسيطر على دموعها :
"أنا طول السنين اللي فاتت كنت كل ما أحاول أقنع نفسي إنك بقيت مجرد ذكرى، أكتشف إني باكذب. يمكن غلطت، ويمكن ضيعتك بإيدي، وده ذنب هشيله طول عمري، لكن الحقيقة الوحيدة.. إني عمري ما بطلت أحبك."
توقف التسجيل لحظة، ثم عاد صوتها أهدأ :
"مش عايزة منك ترد، ولا حتى تسامحني، أنا بس كنت محتاجة أقول الحقيقة مرة واحدة قبل ما أقفل الباب ده للأبد."
إنتهت الرسالة، وبقي عمر ساكت، حاسس إن صدره ضيق. قفل الموبايل بسرعة وقام وقف في البلكونة.
الهوا كان بارد، لكن اللي جواه كان وجع. همس لنفسه :
ـ ليه دلوقتي؟ ليه بعد كل السنين؟
وفي اللحظة نفسها، خرجت مريم من الأوضة، كانت صاحية تشرب مية، شافت ظهره واقف في البلكونة، إبتسمت بحنان وقربت منه من غير صوت، وحطت إيديها حوالين خصره وسندت خدها على ظهره :
ـ كنت بدور عليك.
غمض عينيه، حس إن الدنيا كلها بتشده في اتجاهين. لف ببطء، بصلها، كانت مبتسمة.. بريئة.. مطمئنة.
قالت :
ـ مالك؟
قال وهو بيحاول يرسم إبتسامة :
ـ مافيش، أنا كويس.
رفعت إيديها على وشه :
ـ ماتتعبش لوحدك، أنا هنا.
فضل يبص لها، وكان لأول مرة يحس إن أكثر إنسانة بتحبه، هي أكثر إنسانة بيجرحها من غير ما تعرف.
وفي نفس الوقت...
على الجانب الآخر من المدينة، كانت سارة تقفل حقيبتها أخيرًا. مسحت دموعها وأغلقت الهاتف، وقالت بصوت خافت :
ـ خلاص.. عملت اللي عليا. لو رجع، هيكون بإرادته، ولو ما رجعش، هحاول أعيش.
لكنها لم تكن تعلم أن رسالتها لم تُغلق بابًا، بل فتحت بابًا سيكون من المستحيل إغلاقه من جديد.
قبل ما ينام، فضل عمر يتقلب في السرير، كل ما يقفل عينه يسمع صوتين :
صوت مريم وهي بتقول :
"أنا بيتك... وأنا الأمان."
وصوت سارة وهي بتقول :
"لو رجعت هيكون بإرادتك."
كان حاسس إن كل واحدة فيهم بتشده لناحية، واللي بينشد قلبه.
...
في الصباح...
صحى على ريحة القهوة، فتح عينيه لقى مريم واقفة قدامه، لابسة هدوم بسيطة وشعرها مربوط، لكن ابتسامتها كانت كفاية تخلي البيت كله ينور :
ـ صباح الخير.
إبتسم لها :
ـ صباح النور.
حطت الفنجان قدامه :
ـ اشرب بسرعة علشان متتأخرش.
بص لها وفجأة قال :
ـ مريم...
رفعت عينيها :
ـ نعم؟
سكت... كان نفسه يقول :
"أنا محتاج أحكيلك."
كان نفسه يرمي كل الحمل اللي فوق صدره، لكن الخوف كان أكبر. إبتسم ابتسامة باهتة :
ـ تسلم إيدك.
ضحكت :
ـ خوفتني.. إفتكرتك هتقول حاجة مهمة.
نزل برأسه وقال في نفسه :
"هي فعلاً أهم حاجة، لكن أنا جبان."
...
طول اليوم، كان الشغل متراكم، لكن تركيزه كان معدوم. كل شوية يفتح الموبايل، يبص، مافيش حاجة.. ولا رسالة.. ولا اتصال.
الغريب.. إن ده ضايقه. فضل يقنع نفسه :
"كويس، هي بدأت تنساني."
لكن قلبه، ما اقتنعش.
...
قرب المغرب، الموبايل اهتز، رسالة واحدة من سارة. فتحها بتردد :
"إطمن، مش هكلمك ثاني."
قرأها مرة، واثنين، وثلاثة. وكان المفروض يقفل المحادثة، لكن صباعه سبق عقله، كتب :
"ليه؟"
فضل يبص للكلمة ثواني، ثم ضغط إرسال.
ردها جه بعد دقيقة :
"علشان وعدت نفسي إني مش هكون سبب في خراب بيت."
ابتلع ريقه وكتب :
"ماحدش قال إنك السبب."
جاله الرد بسرعة :
"لأ... أنا عارفة إمتى أبقى سبب، وعارفة كمان إن مراتك بتحبك، وأنا آخر حاجة أتمناها إنها تدفع ثمن أخطائي."
سكت.. مش لاقي رد.
لكنها بعثت رسالة ثانية :
"عمر.. ممكن أطلب منك طلب أخير؟"
كتب :
"إيه هو؟"
ظهر أنها بتكتب، ثم اختفت، رجعت تكتب، واختفت ثاني. وأخيرًا... وصلت الرسالة :
"قابلني مرة واحدة.. آخر مرة من غير كذب ولا هروب ولا كلام ناقص. وبعدها... هختفي من حياتك."
فضل عمر يبص للشاشة، إيده كانت متجمدة، عقله بيصرخ :
"أرفض."
لكن قلبه كان بيسأله :
"لو دي فعلًا آخر مرة؟"
رن جرس انتهاء الدوام، فاق من شروده، قفل الموبايل وحطه في جيبه، وقرر إنه مش هيرد. لكن وهو خارج من باب الشركة، إهتز الهاتف مرة ثانية، فتح الرسالة، وكانت جملة واحدة فقط :
"أنا مستنياك في المكان اللي بدأ فيه كل شيء..."
إتجمد مكانه ورجع بعقله سنوات للوراء.. إلى المكان الذي دفن فيه أول حب ظن يومًا أنه انتهى.
وقف عمر قدام عربيته والموبايل لسه في إيده. قرأ الرسالة للمرة العاشرة :
"أنا مستنياك في المكان اللي بدأ فيه كل شيء."
غمض عينه، وسند رأسه على سقف العربية. كان عارف المكان، الكافيه الصغير اللي كان أول مكان اعترف لها فيه بحبه.
إبتسم بسخرية من نفسه وقال بصوت خافت :
ـ بعد السنين دي كلها لسه فاكرة.
طلع نفس طويل ودخل العربية. حط المفتاح، لكن ما دورش الموتور. فضل ماسك الدركسيون وبيكلم نفسه :
ـ لأ.. مش هروح. أنا راجل متجوز ومريم مستنياني.
هز راسه بقوة ونزل من العربية. قفلها ومشى كام خطوة. لكن كل خطوة كان يحس إنها ثقيلة. رجع وقف، طلع الموبايل، كتب رسالة :
"مش هينفع."
نسرين بلعجيلي
بص عليها ومسحها، وكتب ثاني :
"إنسي الماضي."
ومسحها هي كمان، وفي الآخر.. حط الموبايل في جيبه وقال :
ـ لازم أقفل الباب ده.
ركب العربية ودور الموتور. كان المفروض يلف ناحية البيت، لكن من غير ما يحس، إيده هي اللي لفت الدركسيون.
وبعد عشرين دقيقة.. كان واقف قدام الكافيه.
...
نزل من العربية، وقف قدام الباب، قلبه بيدق بسرعة، حاسس إنه لو دخل.. مش هيبقى نفس الشخص اللي دخل.
فتح الباب، رن الجرس الصغير المعلق فوقه، رفعت سارة عينيها، كانت قاعدة في آخر ركن. ولما شافته، وقفت. فضلت تبص له ثواني، ولا واحد فيهم عرف يبدأ. لحد ما قالت هي بابتسامة باهتة :
ـ كنت متأكدة إنك مش هتيجي.
رد بهدوء :
ـ وأنا كنت متأكد إني مش هاجي.
ضحكت بخفة :
ـ أهو إحنا الاثنين طلعنا غلط.
سحب الكرسي وقعد، لكن المسافة بينهم كانت أكبر من مساحة الترابيزة. نزلت عينيها على فنجان القهوة اللي قدامها وقالت :
ـ طلبتلك قهوة زي زمان.
بص للفنجان ولمسه بإيده، كان لسه دافي.
رفع عينه لها :
ـ إنت لسه فاكرة كل حاجة؟
إبتسمت.. لكن الإبتسامة كانت مليانة وجع :
ـ فيه حاجات الزمن بيقدر يمحيها.. وفيه حاجات، كل ما يعدي عليها وقت تثبت أكتر.
سكت، وبص ناحية الشباك. قال بهدوء :
ـ ليه طلبتِ تشوفيني؟
تنهدت :
ـ علشان تعبت من الكلام في الرسائل، أنا عايزة أبص في عينك وأنا بتكلم.
رفع عينه لها، كانت عينيها حمرا من كثر السهر، وشها مرهق، لكنها كانت هادية. قال :
ـ إتفضلي.
سكتت لحظة، ثم قالت :
ـ فاكر آخر مرة شُفنا بعض قبل ما نمشي؟
هز راسه من غير كلام..
ـ يومها كنت مستنية تقولي استنيني وأنا كنت جبانة. افتكرت إن البعد هيكون أهون وإن كل واحد هيكمل حياته.
إبتسم عمر بحزن :
ـ وكل واحد كمل فعلًا.
هزت راسها بالنفي :
ـ لأ... إنت كملت، أنا لأ.
عقد حاجبيه :
ـ سارة.. ماتقوليش كده، أنا متجوز وبحب مراتي.
قالها بوضوح، من غير تردد.
إبتسمت إبتسامة صغيرة، وكان واضح إن الجملة وجعتها، لكنها هزت راسها وقالت :
ـ عارفة، وعلشان كده أنا مش جاية آخذ مكانها، ولا أطلب منك وعد، ولا حتى أقولك سيبها. أنا لو عملت كده أبقى ما استحقش حتى إنك تسمعني.
ارتاح عمر قليلًا وقال :
ـ أمال إيه اللي فاضل؟
بصت له طويلًا، وقالت بصوت منخفض :
ـ الحقيقة.
سكت.. فكملت :
ـ أنا كل السنين دي كنت بضحك على نفسي، كل ما حد يسألني أقول الحمد لله، كل ما حد يقولي الزمن بينسي، أهز راسي وأوافق، بس الحقيقة إني كنت كل يوم باصحى وأحاول أقنع نفسي إنك بقيت مجرد ذكرى... وأفشل. كل يوم.
كان يسمعها وقلبه بيثقل. قال بهدوء :
ـ حتى لو ده حقيقي، إحنا خلاص يا سارة. فيه حياة اتبنت، وفيه ست ملهاش ذنب.
أومأت برأسها ودموعها بدأت تلمع :
ـ عارفه.. والله عارفه. وعشان كده أنا قاومت نفسي كثير قبل ما أبعثلك. يمكن لو ما شفتكش في المستشفى كنت كملت أكذب على نفسي، لكن أول ما شُفتك افتكرت كل حاجة دفنتها.
وسكتت.. ثم قالت بصوت مرتجف :
ـ أنا مش جاية أخذك من مريم، أنا جاية أقولك إني آسفة وإني كنت محتاجة تسمعها مني.
ساد الصمت.. صمت طويل.. حتى صوت فناجين القهوة في المكان كان أوضح من أنفاسهم.
نظر عمر إلى ساعته ثم إلى الباب، وقال :
ـ لازم أمشي.
إبتسمت بحزن :
ـ عارفة.
وقف من مكانه، لكن قبل أن يتحرك، قالت بهدوء :
ـ عمر لو خرجت من الباب ده، يمكن فعلًا تكون آخر مرة أشوفك.
توقف ولم يلتفت. بقي واقفًا مكانه بين الباب.. وبين الماضي.. غير قادر على أن يخطو خطوة واحدة.
يقف...
ثم يسمعها من وراه تقول :
"أنا لسه مستعدة أبدأ من أول وجديد.. لو إنت كمان لسه في قلبك مكان ليا."
