رواية فوق جبال الهوان الفصل الثاني والثمانون 82 بقلم منال سالم

 




رواية فوق جبال الهوان الفصل الثاني والثمانون

بنظرةٍ حقودة بغيضة، نظر إلى هاتفها المحمول الذي لم يكف عن الرنين بعدما استحوذ عليه حينما نجح في اختطافها من عقر دارها. بدا "زهير" مترقبًا على جمرٍ مشتعل اتصــالٍ محدد بعينه، ليخبر ذاك الشخص المقصود أنه ســـرقها منه، وتحت ناظريه، وهو كالمغفل لم يتمكن من ردعه.
حول عينيه بعدها نحو الصندوق المتروك عند قدميه، في تلك الغرفة الخَرِبة، حيث اعتاد شقيقه الأكبر على مواقعة نسائه هنا، وكأنه قد انتقى ذلك المكان تحديدًا ليكون ملائمًا لها عندما تستفيق من نومها فيصفي حسابه معها بالطريقة التي يراها تستحقها، فيشفي غليله، ويحقق انتقامه المزعوم منها.
مدد "زهير" ساقيه وهو جالس على المقعد قبل أن يرفع اليسرى ليضعها فوق الغطاء مرددًا مع نفسه:
-إيه؟ لسه محستش إنها مش موجودة؟
دلك فقرات عنقه بيده الأخرى، وهسهس في وعيد وتلك اللمعة الشيطـــانية تبرق في حدقتيه:
-أنا هحسرك عليها قبل ما أخلص عليك إنت كمان!
.......................................................
على الجانب الآخر، مشط "غيث" المنطقة بحثًا عن زوجته الغائبة، إلا أنها كانت كما يقول المثل الشعبي الدارج (فص مِلح وذاب)، استعلم عنها من جميع أصحاب المتاجر والدكاكين؛ لكن لم يستدل من أحدهم عليها، فازداد شعوره بالقلق الممزوج بشيءٍ من الخوف، فعاود أدراجه إلى المنزل معتقدًا أنها سبقته إلى هناك، لم يكن ليعاتبها على طيش تصرفها، فقط أراد أن يطمئن على كونها بخير، وليأتي العتاب لاحقًا أو لا يأتي على الإطلاق، يكفيه ألا يصيبها مكروه.
ما إن وقف عند باب المنزل حتى هرعت إليه "عيشة" تسأله في وجلٍ أمومي:
-ها لاقيتها؟
حط الإحباط على محياه متمتمًا باقتضابٍ:
-لع.
فيما أضافت "إيمان" قائلة في نفس الحالة القلقة:
-أنا مابطلتش رن عليها، بس هي ما بتردش!
تساءلت "عيشة" بتحيرٍ وهي تنظر نحو ابنتها البكرية:
-هتكون راحت بس فين؟
ليتحدث "غيث" في غموضٍ:
-أني مش مرتاح، كَنْ في حاجة مش مظبوطة!
اندفعت الكلمات كالسيل من فم "إيمان" حين رددت بعفويةٍ:
-هنعمل إيه دلوقت؟ هنتصرف إزاي؟ ماظنش إنها هربت!
استنكر "غيث" كلمتها الأخيرة، وصاح في وجومٍ متحفز:
-تُهرب كيف يعني؟ 
تدخلت "رضا" محاولة تخفيف حدة التوتر قائلة:
-استهدوا بالله يا جماعة، إن شاء الله خير.
أشار "غيث" بيده نحو المائدة، وقال:
-أني سبت تلافوني إهنه، عطلبها منيه، جايز ترد.
اقترحت "رضا" بعد تفكيرٍ سريع:
-احنا ممكن نقول للحاج "صالح" يساعدنا.
لم تدرك أنها أشعلت فتيــل غضبه بذلك اللغو الفارغ، واستدار ناحيتها صائحًا في نبرة عالية وهجومية بعض الشيء قبل أن يندفع تجاه الباب المفتوح:
-وده كُنيته إيه علشان يتدخل في اللي يخص مَرَتي؟
لحقت به لتوضح له حُسن نيتها:
-مقصدش حاجة وحشة يا ابني، بس ده راجل كُمل ومعارفه كتير، جايز يقدر يفيدنا.
أعلمها بما يشبه الوعد القاطع:
-أني عتصرف وعرجع مَرَتي.
السِجال الدائر بين أفراد الأسرة على بسطة السلم استثار فضول الجارة الساكنة بالدور العلوي أثناء نفضها لسجادة منزلها من الأتربة والشوائب، تنصتت عليهم، وعلمت بوجود مشكلة ما، فانحنت بجزعها للأمام لتتمكن من رؤية ما يجري وهي تتساءل في تطفل متبجح:
-خير يا ست "رضا"؟ كله عندك تمام؟
تفاجأت بوجودها فردت بتحرجٍ:
-أه يا حبيبتي، تسلمي وتعيشي.
إلا أن الجارة لم ترجع عن رغبتها في فهم ملابسات الوضع، واستطردت بنفس الأسلوب السخيف:
-أصل سامعة صوتكم عالي ففكرت يكون في مشكلة.
لكن "رضا" ظلت على موقفها، وتهربت من منحها ما يريحها بقولها:
-لأ كله تمام، كتر خيرك على سؤالك.
محاولته الاتصــال بها جعلته يقف على أول السلم، ما إن أجابت عليه حتى صاح بزئيرٍ غاضب:
-ألو؟ إنتي فين يا "دليلة"؟
أتـــاه ذلك الصوت الرجولي الهازئ وهو يخبره ببرودٍ:
-أخيـــرًا رديت يا جدع، ده أنا قولت خلاص ما صدقت تخلص منها!
غلت الدماء في عروقه، وهدر فيه بصوتٍ ارتج صداه بين الجدران فأثار فضول وانتباه كافة المتواجدين:
-إنت مين؟ وتلافون مَرَتي حداك ليه؟
قلد نبرته بشكلٍ هزلي وهو يجاوبه مباشرةً:
-مَرَتك بحالها عندي.
آخر ما توقع حدوثه أن تتعرض غاليته للخـــطف، وهو غافل عنها، سرعان ما هدر بعنفٍ:
-بتجول إيه؟
بهدوءٍ مثيرٍ للأعصاب أعاد تكرار ما سمعه، ولكن بكلمات استفزازية تهيج النفوس المستكينة:
-مراتك معايا، وشوية وهتكون في حضني، ما هي كان المفروض تكون ليا من الأول.
امتلك "غيث" من الفطنة والفراسة ما جعله يدرك هوية المتحدث الغامض، إنه ذاك اللعين سليل المجرمين، والذي لم يكف عن مطاردتها، أليس من المفترض أن يكون في عداد الموتى الآن؟ لماذا هو بين الأحياء؟ على ما يبدو أنه نجا بأعجوبة من لحظة هلاكه، ليعود محققًا انتقامه، وممن تحديدًا؟ من امرأته التي لن يدخر وسعه في حمايتها، وإن كان في ذلك فنائه! ما لبث أن خرج صوته مهددًا:
-جسمًا عظمًا لو جربت منيها لهجطع جتتك وآ...
قاطعه "زهير" بأسلوبه المتهكم قاصدًا إهانته بألفاظه النابية:
-بطل هرتلة يا (....)!
ثم خفض من نبرته وهو يتابع بصوتٍ لاهث، ليوهمه أنه على وشك ارتكاب شيءٍ مشين، فيصيبه بالجنون:
-أنا بس حبيت أطمنك على الجماعة، أصلها وحشاني، وعايز أدوق الشهد منها.
نجح بأسلوبه المقزز في استثارته، وصرخ فيه بانفعالٍ:
-جولي مُطرحك يا خسيس إنت، يا ولد المحــروق!
أراده أن يفقد السيطرة على نفسه، أن يدور في حلقات مفرغة دون أن ينجح في الوصول إليه، فعلق عليه باستخفافٍ لا يخلو من الإهانة:
-مش هتعرفلي طريق يا (...)...
ثم أطلق صافرة مستمتعة قبل أن ينهي معه المكالمة وهو يقول عن عمدٍ ليضمن بلوغه ذروة ثورته:
-سلام بقى لأحسن شكلها فاقت.
ارتفعت وتيرة غضبه للغاية فصرخ باهتيـــاج ثائر:
-آه يا ابن الـ.....
التفت النساء حوله، وبادرت "إيمان" تسأله في تلهفٍ:
-حصل إيه يا "غيث"؟ "دليلة" فين؟
لتلاحقه "عيشة" بوابل أسئلتها في التياعٍ:
-رد علينا يا ابني، بنتي فين؟
بينما انضمت إليهم الجارة مرددة بنزقٍ:
-لأحسن تكون هي اللي كانت في الصندوق!
تحولت كافة الأبصــار ناحيتها، فكان "غيث" أول من هرع لسؤالها مستفهمًا:
-صندوق إيه؟
استرسلت في التفسير شارحة بيديها:
-أصل أنا شوفت الحاج "صالح" من العين السحرية كان جايب رجالة كتار معاه، كلهم مداريين، زي ما يكونوا مستنين حد يمشي، وبعد شوية نزلوا كلهم عندكم هنا، وكان في دوشة وكلام مش واضح، وبعدها خدوا الصندوق اللي كان معاهم وحطوه في العربية النقل ومشيوا.
لم يحتج "غيث" للكثير لربط أطراف الخيوط معها، سألها مباشرة ليتأكد مما ساوره من شكوكٍ:
-شكله إيه "صالح" دِه؟
أخبرته وهي تدس يدها في جيب عباءتها المنزلية لتخرج هاتفها منه:
-استنى كده يا بلدينا كان في صورة متصورها ابني معاه في الحنة اللي اتعملت قريب.
راحت تعبث في الصور المحفوظة على ذاكرة الهاتف حتى وجدت غايتها، فقامت بتقريب ملامح وجهه وعرضتها على الشاشة قائلة: 
-هو ده الحاج "صالح".
نظر "غيث" إلى قسماته المألوفة رغم التغيير الظاهر عليها بتدقيق، عرفــه على الفور، وكيف له أن ينسى من التقاه بملامحه الغاضبة لأول مرة عند التكية؟ فيما اختطفت "إيمان" الهاتف من يد الجارة لتناظر صورته عن قربت وهي تصيح في فزعٍ:  
-مش ممكن ده.. ده اللي ما يتسمى "زهير"!
دقت "عيشة" على صدرها لتولول في حسرةٍ:
-يا نصيبتي! بنتي ضاعت مني!
بينما كور "غيث" قبضته وضرب بها على الجدار بقوةٍ خلال هبوطه عليه وصوت "إيمان" يرجوه من خلفه:
-الحقها يا "غيث"!
لتتساءل "رضا" بتحيرٍ وهي توزع نظراتها الزائغة بينهن:
-"زهير" مين؟
أوضحت لها "إيمان" بصوتٍ مرتعش:
-فاكرة البلطجي اللي هجم عليكي يا عمتي من فترة؟ ده اللي عامل فيها "صالح"!
أصابتها صاعقة قوية فور أن علمت بالحقيقة، لتلطم على صدغيها منددة في عجزٍ:
-يا لهوي!! إنتي بتقولي إيه؟ مش ممكن! الحاج "صالح" هو الملعون ده؟ طب تيجي إزاي؟ ده شكله متغير!
............................................
في لمح البصر كان "غيث" عند سيارته، لم يعبأ بالأضرار التي أصابت بدنها، حيث اكتسبت ملامحه رهبةً مخيفة وهو يخرج هاتفه المحمول من جيب جلبابه، ليحادث رفيقه بلهجةٍ متصلبة للغاية:
-إيوه يا "وهبة"، رايدك حداي أوام إنت والرجالة.
استشعر الأخير من نبرته تلك بخطورة الظرف الذي يستدعيه فيه هكذا، فسأله محاولًا فهم ما يدور:
-في إيه يا كبير؟ حصل حاجة كفالله الشر؟
ثقلت أنفاس "غيث" وهو يخبره:
-مَرَتي خطفها وِلد الحــــرام إياه.
دُهش من سماعه للنبأ المشؤوم، وتســـاءل ذاهلًا:
-بــاه، كِيف يعني ................................... ؟!!

تعليقات