رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل الثامن
كان يقف في ممر المستشفى وأنفاسه تتصاعد حارقة من صدره، ملامحه مشدودة بقلق رهيب وعيناه تزيغان بين جنبات المكان. التفت فجأة نحو «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» الواقفين أمامه، والذعر يأكل وجوههن، ليتفحصهن بنظرة حادة وصرامة مكتومة:
ـ «غَالِيَة فين؟! وإيه اللّي جابكم هنية في نص الليل؟ وإزاى عرفتوا مكانها أصلاً؟!»
أنزلت «كَرِيمَة» و«زَيْنَب» رأسيهما في الأرض بكسرة وذعر، والدموع محبوسة في عيونهن دون أن تنطق أي منهما بكلمة واحدة، فشعر «يُونُس» أن هناك سراً كبيراً يدارين عنه. وقبل أن يفرغ غضبه عليهما، فُتح باب الغرفة وفَاح منها عبق الأدوية، ليخرج طبيب الطوارئ وهو يمسح على جبينه.
اندفع «يُونُس» نحوه بلهفة وقلق شديد، ينظر له بنبرة مرعوبة:
ـ «طمني يا دكتور! إيه اللّي حصل؟! غَالِيَة مالها؟!»
تطلع الطبيب في وجوههم جميعاً بنظرة آسفة، ثم قال بهدوء:
ـ «البنت عندها انهيار عصبي حاد، وإجهاد بدني شديد مع حمى قوية من البرد.. البنت دي بقالها فترة بتعاني من ضغط نفسي وقهر وجسمها مكنش بيدخله قوت زين! اللي عمل فيها كده كان هيقتلها بالبطيء!»
نزلت الكلمات على قلب «يُونُس» كالصدمة، بينما ابتلعت «زَيْنَب» غصتها وسألت بصوت خافت والدموع في عينيها:
ـ «ينفع نطمن عليها يا دكتور؟»
أومأ الطبيب رأسه مجيباً:
ـ «طبعاً، بس مش كتير لأنها محتاجة ترتاح وتنام دلوقتي.»
✨ بقلم الكاتبة نسرين نادر ✨
خطى «يُونُس» داخل الغرفة أولاً بخطوات ثقيلة، وتلايته «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» بخطوات خائفة، قبل أن ترتنا في ركن عند الباب. سحب يُونُس الكرسي المائل وجلس جوار السرير، لتسقط عينيه على وجه «غَالِيَة»، فوجده أصفر كـالليمونة، شاحباً ومطفأً تماماً. مد يده الخشنة ببطء ولهفة، يضعها على شعرها ويمسح عليه بحنان هادئ يداري به وجع قلبه.
فتحت «غَالِيَة» عينيها ببطء شديد، لتستقر نظراتها في عينيه المشتعلتين بالتعب. لم تصرخ ولم تتكلم، بل ثبتت عينيها فيه بنظرة ملآنة بالحزن والكسرة، حتى تجمعت الدموع في جفنيها وسالت على خدها الشاحب، ثم أدارت وجهها الناحية الأخرى ببطء شديد هرباً من مواجهته.
لمحت بطرف عينها «كَرِيمَة» و«زَيْنَب» الواقفين عند الباب والذعر يلتهم وجوههن، فتحدثت بصوت خافت ومتقطع من شدة الإجهاد لتدافع عنهن:
ـ «زَيْنَب وكَرِيمَة مالهمش صالح باللّي حصل يا يُونُس.. هم اللّي لقوني وما خلونيش أمشي.. لو هتحاسب حد.. حاسبني أنا..»
التفت «يُونُس» بنظرة ثقيلة وموجوعة نحو «زَيْنَب» و«كَرِيمَة»، فأنزلتا رأسيهما في الأرض والدموع تسيل من عيونهن بحزن. أشار لهما بيده إشارة هادئة دون أن ينطق بكلمة، يطلب منهما الخروج وترك الغرفة.
خرجت «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» بقلوب مكسورة، لتجدا «مَنْصُور» واقفاً في الممر ينتظرهن بقلق. نظرت له «زَيْنَب» وعيناها تفيضان بالدموع، وقالت بصوت خافت يملأه الوجع:
ـ «أنا يُونُس وغَالِيَة صعبانين عليّ قوي يا منصور..»
وبمجرد أن أُغلق الباب خلفهن، خيم الهدوء الثقيل على الغرفة، ولم يكن مسموعاً فيها سوى أنفاس «غَالِيَة» المجهدة ونبضات قلب «يُونُس» المتسارعة بالخوف والوجع.
قرّب يُونُس الكرسي أكثر، وسحب يدها الباردة بين يديه الخشنة ببطء شديد كأنه يخشى أن تتكسر بين أضلاعه. تطلع في وجهها الأصفر الشاحب، ونزل بعينيه التي توحي بشرارة العتاب والحنين المكسور، وسألها بنبرة دافئة ومخنوعة:
ـ «كنتِ عايزة تهربي مني ليه يا غَالِيَة؟ وليه من ساعة ما جيت وأنتِ بتعامليني برسمية وبتبعدي عينيكِ عني كأني غريب؟»
سكتت «غَالِيَة» تماماً، وأغمضت عينيها وهي تحاول مداراة الدموع التي انحدرت على خدها، فزاد ذلك من عجز يُونُس ورجائه، ليضغط على يدها برفق ويهمس بلهفة:
ـ «ما تسكتيش يا غَالِيَة.. اتكلمي وقولي لي إيه اللي حصل؟ إيه اللي غيّرك من ناحيتي؟ وإيه اللي وصلك للحالة دي وللضعف ده؟ وليه.. ليه كنتِ عايزة تسيبي الدوار وتهربي مني بالذات؟»
فتحت «غَالِيَة» عينيها ببطء، ولمحت في عينيه نظرة رجاء وانكسار استقرت بقلبها. تنهدت بتعب وثقل كأن صدرها يحمل جبالاً، وقالت بصوت مكسور ومتقطع:
ـ «أنتم ربيتوني وكبرتوني وسطكم.. وكتر خيركم وخير الحاج نُعْمَان على كل حاجة.. بس الظاهر إن الواحد مهما قعد وسطكم ومهما كبر بينكم، لازم يعلم خط فاصل وما ينساش نفسه ولا ينسى أصله.. كان لازم ما أنساش إن في فرق كبير بيني وبينكم..»
انقبض قلب يُونُس وكأن طعنة نُفذت في صدره، فرد بنبرة حادة من الوجع والذهول:
ـ «إيه الكلام اللي بتقوليه ده يا غَالِيَة؟! مين اللي فهمك كده؟! طول عمرك بنعتبروكِ زيك زي بنات الدار، ومحدش فينا يقدر ينقص من قدرك واصل!»
شردت «غَالِيَة» بعينيها بعيداً كأنها تسترجع شريط السنتين الماضيتين بكل قهرهما. افتكرت قسوة الدوار من بعد ما رحل.. افتكرت «وَصَال» وبناتها «سَمَر» و«رَاوِيَة»، وافتكرت «نِعْمَة» وقسوتهن الشديدة عليها كل يوم، وكيف مشوا الفتاة «سَمَاح» التي كانت تساعد في الخدمة، ليضعوا حِمْل العمل والخدمة كله على كتفيها بمفردها ويهدوا حيلها.
✨ بقلم الكاتبة نسرين نادر ✨
افتكرت أيضاً «رَجَب» الذي لم يكن يكف عن مضايقتها والترصد لها في كل نواحي الدوار، واستغلاله لأي فرصة للتقرب منها بأسلوب خبيث، وكلامهم القاسي الذي يدمي قلبها كل حين وهم يعايرونها ويخبرونها بأنها لقيطة ولا أصل لها، بينما هي فتاة حلال لا ذنب لها في شيء.
حتى «الحاجة صَفِيَّة».. رغم أنها لم تكن قاسية معها وكانت حنونة في معاملتها، لكنها كانت تمنع عنها أي خبر عن «يُونُس»، وما إن يجري الاتصال به أو يُذكر اسمه، حتى يبعدوها كي لا تسمع كلمة واحدة عنه، وكأن اسمه أضحى محرماً عليها!
عادت بنظرها إلى «يُونُس»، وعيونها الدامعة تلمع بعتاب قاسي وكسرة لا نهاية لها، وتحدثت بصوت خافت ومبحوح وهي تبكي بحرقة ونفسها مقطوع، ودموعها تسيل على خدها الشاحب:
ـ «السنتين اللي مشيت فيهم يا يُونُس.. «وَصَال» وبناتها «سَمَر» و«رَاوِيَة» و«نِعْمَة» كتموا على نفسي وهدوا حيلي.. مشوا «سَمَاح» عشان يرموا خدمة الدوار كلها عليّ لوحدي.. و«رَجَب» ما كانش بيسيبني في حالي وكان بيستغل أي فرصة عشان يتقرب مني ويعمل لي مشاكل.. وما كانوش بيبطلوا يوجعوا قلبي ويقولوا لي إني لقيطة وما ليّش أصل! حتى «الحاجة صَفِيَّة».. صحيح كانت كويسة معايا وما بتعاملنيش وحش، بس كانت بتمنع عني أي خبر عنك، وكل ما تجيب سيرتك ولا تتصل بالدار، كانوا يبعدوني عشان ما أسمعش حاجة عنك واصل، كأني غريبة مالهاش وجود في الدوار.. بس المشكلة مش فيهم هما بس يا يُونُس.. المشكلة فيك أنت كمان!»
انقبضت ملامح «يُونُس» ونظر لها بذهول ووجع، فاستكملت «غَالِيَة» وهي تتنهد بصعوبة وتبكي بكسرة:
ـ «أنت اللي بعت واشتريت فيّ.. هما قسوا عليّ صح، بس أنت ليه ما سألتش؟ ليه طول السنتين دول ما فكرتش تطمن عليّ بكلمة؟ وليه حتى لما كنت بتنزل الدوار في إجازاتك، كنت بتفوت من جنبي كأني خيال مش شايفه ولا معبره؟ ليه سبتني أتداس وأتهان وأنت عارف إن ماليش حد في الدنيا دي غير ربنا وأنتم؟!»
وفي هذه الأثناء داخل الدوار الكسير، كان الهدوء يخيم على المكان في منتصف الليل، باستثناء ضوء خافت صادر من أباجورة صغيرة على طاولة جانبية في بهو الدوار. كانت «وَصَال» تجلس في العتمة، وملامح وجهها تفيض بالدهاء والشر والترقب.
يُفتح باب الدوار الخارجي بهدوء، ليدخل «رَجَب» وهو ينفث غضبه بحنق، صدره يعلو ويهبط من آثار مشاجرته القاسية مع «يُونُس»، يتلمس طريقه في الظلام وهو يمسك برقبته الموجوعة.
خرج صوت «وَصَال» حاداً ومكتوماً من بين الظلال:
ـ «رَجَب..»
انقفز «رَجَب» في مكانه والتفت بصرعة وهو يضع يده على صدره:
ـ «خلعتِ قلبي ياما! إيه اللّي مقعدك في الضلمة كده؟!»
أومأت له بصرامة ولوحت بيدها:
ـ «اكتم حسك وتعالى هنية!»
اقترب منها «رَجَب» وهو يتنهد بتعب وغل، فتطلعت فيه «وَصَال» بنظرة تهكم وسخرية:
ـ «أنت إيه ده؟! جسمك أخد على الضرب ولا إيه؟ كل ما تلاقي نفسك فاضي تروح ليُونُس يضربك كفين على وشك ويطبق على زمارة رقبتك؟! إيه.. عايز تخلص من روحك بدري كده؟!»
نظر إليها «رَجَب» بضيق وغل وهو يفرك رقبته:
ـ «في إيه ياما مالك؟! أنتِ قاعدة في الضلمة عشان تنكدي عليّ؟!»
ابتسمت «وَصَال» بانتصار وشر:
ـ «ما ليش.. في حاجة كده عايزين نعملوها دلوقتي.»
سألها بترقب:
ـ «خير ياما؟»
اقتربت منه وهمست بنبرة مشتعلة بالدهاء:
ـ «أنا شفت «يُونُس»، و«أَيْمَن» جه أخدوا ومشيوا من شوية.. وقبلها بنص ساعة كده، لقيت «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» بيتسحبوا في العتمة ونزلوا مشيوا! يعني البنات ومش موجودين في الدار كلياتها.. ولو «الحاج نُعْمَان» ولا «نِعْمَة» ولا عمك «عَبْد الرَّحِيم» شموا خبر إنهم مش هنية في نص الليل ده.. هتقوم الدنيا ومش هتقعد واصل!»
نظر إليها «رَجَب»، وبدأت عيناه تلمعان بشر وخباثة، وتعدلت ملامحه بابتسامة مكر وهو يستوعب الخطة:
ـ «فهمتك ياما.. لعبتك صح!»
قامت «وَصَال» من مكانها بصرامة وحسم:
ـ «يبقى يلا بينا.. نطلع نطب على الأوض.. نخبط على باب «الحاج نُعْمَان»، و«صَفِيَّة»، و«نِعْمَة»، وعمك «عَبْد الرَّحِيم» ونصحوهم كلهم.. ونقولوا لهم البنات ملهمش أثر في الدوار ومشيوا في عتمة الليل.. ويا ترى راحوا فين؟!»
✨ بقلم الكاتبة نسرين نادر ✨
وفي بهو الدوار الرئيسي، انكسر الهدوء التام بفوضى عارمة وخبط متواصل بقوة على أبواب الغرف. ارتفعت أصوات «وَصَال» و«رَجَب» وهما ينادون بنبرة ملؤها التصنع والذعر المفتعل:
ـ «يا حاج نُعْمَان! يا عمي عَبْد الرَّحِيم! الحقونا يا أهل الدار!»
انعقدت حواجب «يُونُس» بذهول ووجع، وعينيه بتتفحص وجه «غَالِيَة» الشاحب اللي مغرقاه الدموع، وسألها بنبرة مخنوعة مش قادر يستوعبها:
ـ «عشان كده يا غَالِيَة؟! عشان كده كنتِ عايزة تهربي وتسيبي الدوار في نص الليل؟! عشان فاكرة إني بايع وبنسى؟!»
شردت «غَالِيَة» بعينيها الناحية الثانية، وابتسمت ابتسامة باهتة مليانة كسرة وقهر، وقالت بصوت واطي ومبحوح وهي بتحاول تخبي وجعها:
ـ «ومابيعتش ليه يا يُونُس؟ هو أنا مين أصلاً عشان تتفكرني ولا تسأل عليّ؟ أنت نازل الإجازة دي مخصوص عشان تدور على بنت ناس وعيلة تصون اسمك وتتجوزها.. وأنا وجودي في الدوار ما كنش غير تقل وهمّ على قلبكم.. شغل وخدمة وكسرة نفس، وموقفك معايا ما كنش غير شوية شهامة منك ورجولة، أصلك بتعتبرني زي زَيْنَب وكَرِيمَة.. أخت جديدة متربية وسطكم وكتر خيركم على مأوايا!»
نزلت الكلمات على قلب «يُونُس» زي الجمر، وشعرت عروق جبهته هتنفتح من الصدمة. يضغط على إيدها بلهفة وجنون وهو بيقرّب منها ويهمس بصوت يرعش من الغضب والوجع:
ـ «أخت مين؟! وبنت عيلة إيه اللي نازل أتتجوزها؟! مين اللي قال لك الجنان ده يا غَالِيَة؟! مين اللي دخل السم ده في رأسك ووصل لك إني نازل أخطب غيرك ولا إني بشوفك زي خياتي؟!»
سكتت «غَالِيَة» تماماً، ورفضت تبص في عينيه أو تنطق باسم «الحاجة صَفِيَّة» اللي قالت لها الكلام ده وهي مطروحة على السرير في نوبة تعبها، مش عايزة تعمل مشكلة ولا تفتن على حد، بس صمتها ودموعها المحبوسة كانوا أبلغ من أي كلام.
تأمل «يُونُس» ملامحها ونظرة العزوف في عينيها، وفجأة لمعت الحقيقة في عقله؛ فهم إن الدوار كله كان متآمر عشان يرموا الفكرة دي في قلبها في أضعف لحظاتها ويطردوا طيفه من خيالها. صك على أسنانه بغل مكتوم وقال بنبرة قاطعة:
ـ «فهمت.. فهمت مين اللي حشى رأسك بالكلام الفارغ ده عشان يكسر خاطرك ويبعدك عني.. وحياة دموعك دي يا غَالِيَة ما في حريم في الدنيا دي كلها تملى عيني ولا تدخل قلبي غيرك.. الكلام اللي وصلك ده كذب وسموم اتصبت في وذنك عشان تطفي القنديل اللي بيني وبينك!»
تنهدت «غَالِيَة» بتعب شديد وهزت رأسها بضعف، وكلامه رغم حرارته ما ريّحش نار قلبها ولا شال شكوكها ولا الكسرة اللي عاشتها السنتين اللي فاتوا، ففضلت ساكتة وعينيها متعلقة بالسقف بهروب ووجع، كأنها بتستغيث من كل اللي حصل لها.
وفي بهو الدوار الرئيسي، انكسر الهدوء التام بفوضى عارمة وخبط متواصل بقوة على أبواب الغرف. ارتفعت أصوات «وَصَال» و«رَجَب» وهما ينادون بنبرة ملؤها التصنع والذعر المفتعل:
ـ «يا حاج نُعْمَان! يا عمي عَبْد الرَّحِيم! الحقونا يا أهل الدار!»
انفتحت الأبواب بخرعة، وخرج «الحاج نُعْمَان» يستند على عكازه وملامحه مشدودة بالخوف والدهشة، وتلاه «عَبْد الرَّحِيم» و«نِعْمَة» و«الحاجة صَفِيَّة» وجميع من في الدار وهما يتساءلون بذعر عما حدث.
وعلى الصوت المتصاعد والتجمهر، خرجت «حِكْمَة» من غرفتها وهي تمسح على عينيها بقلة حيلة وتعب. وقفت «وَصَال» في منتصف البهو، وعيونها تلمع بشر ودهاء، وصاحت بأسلوب حاد يملأه الفتنة:
ـ «الحق يا حاج نُعْمَان! الدوار سايب وبناتك مالهومش حاكم ولا رابط! «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» تسحبوا في عتمة الليل ومشيوا من الدوار من غير ما يستأذنوا حد ولا يعملوا اعتبار لكبير ولا صغير!»
انعقدت حواجب «عَبْد الرَّحِيم» بنار الغضب، وصاحت «نِعْمَة» بصدمة وذهول، ليتقدم «رَجَب» ونبرة المكر تخرج من بين أسنانه وهو يكمل الفتنة:
ـ «أيوه يا أبوي.. خرجوا من وراكم في عتمة الليل دي ومشيوا.. كيف يخرجوا في الليل ده من غير ما حد يدري عنهم؟! هي البلد مفيهاش رجالة ولا إيه؟!»
في تلك اللحظة، دق قلب «حِكْمَة» بلهفة وفزع، ولمعت عيونها ببريق أمل مفاجئ، فربما وجدوا بنتها الضائعة! تقدمت خطوات بلهفة وابتسامة أمل تتصارع مع دقات قلبها المتسارعة وقالت بصوت ملهوف:
ـ «يمكن جابوا خبر عن «غَالِيَة» بنتي ولا حاجة وراحوا يشوفوها ويطمنوا عليها؟!»
✨ بقلم الكاتبة نسرين نادر ✨
التفتت إليها «وَصَال» ونظرت لها بشر ونظرة احتقار مسمومة، وقالت بصوت عالٍ ومشتعل بالقسوة:
ـ «حتى لو راحوا للمظغوطة دي يا «حِكْمَة»! حتى لو لقيوها ولا راحت المستشفى.. كيف يمشوا في نص الليالي من البيت من غير ما يستأذنوا حد؟! عمرها ما حصلت في الدوار واصل!»
ثم التفتت بكامل جسدها لـ «الحاج نُعْمَان»، وغمزت بنبرة خبيثة تجرح كبرياءه وتحسسه بعجزه وقلة حيلته في بيته:
ـ «كيف ما يعملولكش اعتبار يا حاج نُعْمَان؟! ده أنت العمدة اللي البلد كلها بتعمل لك ألف حساب وشوارب الرجالة بتهتز لك ولأمرك.. كيف هما في بيتك وفي دارك يتخطوك ولا يعملولكش حساب ولا كأنك موجود ولا ليك كلمة في بيتك؟! بقى العمدة كبر وكلمته ما بقتش تمشي على حريم بيته؟!»
ثم التفتت ونظراتها المسمومة تتنقل بين «عَبْد الرَّحِيم» و«نِعْمَة»، وهي تزيد في التحريض وتحسسهم بالعار:
ـ «وإنت يا عَبْد الرَّحِيم.. ويا «نِعْمَة».. كيف «كَرِيمَة» تخرج عن طوعكم بالشكل ده؟! كيف هانت عليكم هيبتكم وبنتكم تعصى أمركم وتتسحب من الدار في نص الليل من غير ما تدريكم؟! الدار ده عاد سايب وكل واحدة بتعمل اللي على كيفها!»
وفي الوقت ده، نزلت «رَاوِيَة» على السلم وهي بتبص لهم باستغراب وحيرة، وقالت بنبرة ناعسة:
ـ «في إيه يا جماعة؟ صوتكم طالع واصل وفزعني من النوم!»
تطلعت فيها «وَصَال» بحنان مقتضب، ثم عادت بنظرها لباقي أهل الدار، وقالت لابنتها بنبرة ملاطفة:
ـ «ما فيش حاجة يا قلب أمك.. روحي أنتِ نامي..»
ثم حوّلت نظرتها بطرف عينها نحوهم وهي تبتسم بانتصار خفي، وعادت تتحدث لـ «رَاوِيَة»:
ـ «ولا أقول لك؟ تعالي يا «رَاوِيَة» اعملي لعمامك عصير ولا حاجة يبلوا بيها رقبتهم بدال حرقة الدم دي!»
ردت «رَاوِيَة» وهي تفرك عينها بعجب:
ـ «أنا مش فاهمة حاجة ياما!»
فنظرت لها «وَصَال» وقالت بابتسامة شامتة:
ـ «دلوقتي تفهمي يا حبيبتي.. اجري بس اعملي العصير لعمامك عشان دمهم محروق شوية!»
في اللحظة دي، كان «عَبْد الحَمِيد» زوجها نازل ورا بنته «رَاوِيَة»، يتلفت حوله باستغراب وهو يسأل:
ـ «في إيه يا جماعة؟! مالكم في نص الليل؟!»
تطلعت فيه «وَصَال» بنبرة تهكمية وسخرية:
ـ «صح النوم يا حاج! ما فيش.. أولاد أخواتك مشوا في نص الليل من البيت ومن غير ما يستأذنوا حد ولا يعملوا اعتبار للدار!»
اتسعت عينا «عَبْد الحَمِيد» وهلل معهم بغضب وصياح:
ـ «وه! كيف ده؟! ما استأذنوش حد كيف؟! هي سايبة ولا إيه؟! وكيف ما يعملوش خاطر ولا حساب لأبواتهم هنا؟! إحنا دوار العمدة وكل الناس تهابنا وتعمل لنا ألف حساب.. إلا بناتنا؟! كيف يعملوا كده؟!»
تطلعت «وَصَال» لـ «رَجَب»، وتبادلا نظرات الرضا والابتسامة الخبيثة؛ فقد اشتعلت النار في الدوار كما خططا تماماً، ولم يعد أحد يقدر على إطفائها.
قطع الهدوء الثقيل صوت مقبض الباب وهو ينفتح ببطء، لتطرق الممرضة الباب وتدخل وفي يدها صينية صغيرة عليها بعض الأدوية وحقنة تهدئة. تطلعت في «يُونُس» الواقف جوار السرير يمسك بيد «غَالِيَة»، وقالت بنبرة هادئة ومحترفة:
ـ «عن أذنك يا أستاذ يُونُس.. في علاج ولازم غَالِيَة تأخده دلوقتي حالا عشان ترتاح، لأنها اتكلمت وبذلت مجهود كتير، والدكتور شدد إنها المفروض ترتاح تماماً.»
نظر «يُونُس» ببطء نحو «غَالِيَة»، ثم نزل بعينيه الحانيتين إلى يدها الصغيرة التي يطبق عليها بيده الخشنة كأنه يخاف أن تتلاشى إن تركها. رفع عينيه للممرضة وسألها بنبرة وقورة يغلفها القلق:
ـ «طب هي هتطلع ميتى من هنية؟»
ردت الممرضة وهي تحضر الجرعة:
ـ «هسأل الدكتور المفروض يسمح لها بالخروج إمتى وهرد على حضرتك، بس دلوقتي لازم حضرتك تتفضل برة الأوضة عشان تأخد دواها وتنكسر الحمى وترتاح شوية.»
انحنى «يُونُس» ببطء نحو «غَالِيَة»، وطبع قبلة حنونة وطويلة على جبينها الشاحب، ينفث فيها كل حرارة شوقه وخوفه عليها، ثم همس جوار أذنها بنبرة قاطعة يملأها الأمان:
ـ «أنا قاعد لك برة الأوضة هنية، ومش هسيبك واصل ولا هبعد عنك خطوة.»
تطلعت فيه «غَالِيَة» ببطء، وفي وسط تعبها وكسرتها، انطلقت تنهيدة دافئة من بين شفتيها وابتسمت له ابتسامة باهتة لكنها مليانة حنية. وقبل أن يرفع يده ليبتعد، شددت هي بضعف على أصابعه، وقالت بصوت خافت ومبحوح يرجوه:
ـ «زَيْنَب وكَرِيمَة مالهمش صالح يا يُونُس.. ما تحاسبهمش على حاجة ولا تقسى عليهم.. لولاهم كان زمانك فعلاً ما تعرفليش طريق ولا عارف أنا فين دلوقتي..»
طبطب «يُونُس» على يدها ببطء وهو يبتسم لها يطمئنها، وقال بنبرة هادئة:
ـ «ارتاحي أنتِ بس وما تشيليش هم حاجة واصل.»
✨ بقلم الكاتبة نسرين نادر ✨
سحب يده ببطء وخرج من الغرفة، وإغلق الباب خلفه بهدوء شديد. وبمجرد أن التفت، وجد «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» جالسات على مقاعد الممر بقلوب واجفة، وجوارهما يقف «مَنْصُور» و«أَيْمَن» والترقب يلتهم وجوههم.
رفعت «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» أعينهما لنحوه بوجل وذعر، فتقدم «يُونُس» خطوات ثقيلة، ونظر لهما بكسرة وعتاب حاد يدمي القلب، وقال بنبرة مخنوعة بالوجع:
ـ «ليه كده يا زَيْنَب أنتِ وكَرِيمَة؟! بقى تكونوا شايفينها بتموت قدام عينيكم بالبطيء كده وساكتين؟! خفتوا مني للدرجة دي؟! شايفين إن قلبي حجر وقاسي ومش هحس بيها ولا بألمها؟! بقى تخبوا عليّ كل ده؟!»
تقدم «مَنْصُور» خطوة للأمام ووقف بينه وبين البنات، ليخفف حدة الموقف وقال بنبرة رجولية هادئة يدافع عنهن:
ـ «يهداك ربنا يا يُونُس.. زَيْنَب وكَرِيمَة عملوا كده عشان غَالِيَة كانت عايزة تهرب وتسيبي البلد كلها، وما هانتش عليهم.. خبوها عندنا في الدوار عشان عارفين إن مالهاش حد واصل برة الدوار ولا تعرف أراضي حد برة البلد.. أخواتك الخوف سبق عقلهم، بس كان قلبهن رحيم بيها.. أنت عارف إنهن متربيين سوا وبيريدوا بعض كيف الأخوات وأكتر.. ولولا تصرفهن ده، ما كناش هنعرف أراضي غَالِيَة فين دلوقتي ولا كان حد لحقها!»
دمعت عينا «زَيْنَب»، وقامت من مكانها تتقدم نحو أخيها بنظرة رجاء وألم، وقالت بصوت يرعش من الوجع:
ـ «والله يا خوي ما كان قصدي إن كل ده يجرى.. أنا دخلت الأوضة الصبح بدري بعد الفجر بالصدفة لقيت غَالِيَة بتلم هدومها وعايزة تمشي وتسيب الدوار من غير ما حد يحس بيها.. ولما مسكت فيها وعرفت منها القهر اللي شايفاه، قلبي اتخلع عليها.. خفت تسافر لوحدها وتضيع والبلد تبلعها وهي ما ليها حد ولا مأوى.. فقلت نحميها ونخليها عندنا لحين ما نشوف حل.. سامحنا يا يُونُس والله ما ردنا غير صونها!»
وتقدمت «كَرِيمَة» هي الأخرى والدموع تغرق وجهها، وقالت وهي تبكث بنبرة رجاء:
ـ «والله يا خوي كنا خايفين عليها مش أكتر.. والحمد لله ربنا بعت لنا «مَنْصُور» في الوقت المناسب وهو اللي لحقنا وجابها هنا على المستشفى، وكلم الأستاذ «أَيْمَن» وقاله..»
أنهت «كَرِيمَة» جملتها وهي تخفض رأسها بخجل فطري وتسرق نظرة خاطفة نحو «أَيْمَن»، لتجد «أَيْمَن» ينظر إليها بابتسامة دافئة وهادئة تطمئنها وتشجعها.
في تلك اللحظة، لمحت عين «يُونُس» تلك النظرة والابتسامة المتبادلة بين «أَيْمَن» وأخته «كَرِيمَة»، ورغم الوجع والهم الذي يحمله في صدره، لمعت في عينيه التفاتة خاطفة وفهم هادئ لمشاعرهما.
أكملت «كَرِيمَة» بتوتر وهي تحاول مداراة خجلها:
ـ «المهم الأستاذ «أَيْمَن» جابك وجينا كلنا هنا والحمد لله إننا اطمنا على غَالِيَة!»
تأملهم «يُونُس» ملياً، وذاب العتاب والقسوة في عينيه ليحل محلهما الحنان والأخوة. تقدم خطوات هادئة نحو أختيه «زَيْنَب» و«كَرِيمَة»، وانحنى ببطء وقبّل رأس كل واحدة منهما بحنان جارف، ثم يمسح على كتفيهما بيده الخشنة وقال بصوت دافئ يفيض بالامتنان:
ـ «على قد التعب والحيرة اللي شفتها.. بس أنا فرحان ومرفوع الراس إن خياتي بيعرفوا يفكروا، وإن عندكم رحمة وشهامة في قلوبكم بالشكل ده.. وما خليتوهاش تمشي وتضيع في البلاد وهي ملهاش حد.»
ثم التفت «يُونُس» بكامل جسده نحو «مَنْصُور»، وتقدم منه بوقار وامتنان شديد، يمد يده ليصافحه بحرارة ويطبطب على كتفه بقوة:
ـ «كتر خيرك يا «مَنْصُور».. جميَلك ده على راسي من فوق، تسلم رجولتك إنك لحقتها وجبتها هنا على المستشفى وما اتكلمتش ولا حددت لحد في الدوار ولا فتحت باب للفتنة.. سترت حريمنا وصنت أمانتنا، ودي عوايدك يا ولد الأصول.»
رد «مَنْصُور» بابتسامة رجولية وهو يشد على يد «يُونُس»:
ـ «ما تقولش كده يا يُونُس.. غَالِيَة خيتنا زيهم، ودي أصول ومابيهاش جمايل واصل!»
وفي وسط الجو المشحون اللي هدي فجأة بالمشاعر الدافئة، حمحم «مَنْصُور» وهو بيهز رأسه، ونظر لـ «زَيْنَب» اللي كانت واقفة تبص للأرض بحياء خفي، وبعدها التفت لـ «يُونُس» بابتسامة خفيفة وحيدة فيها نبرة شقاوة ودماء خفيفة عشان يفك الجو:
ـ «طب بمناسبة الروقان والأصول دي يا «يُونُس».. ما أقولك إيه يا خوي؟ أنا بقالي فترة كل ما أجي أفتح الكلام مع أبوك «الحاج نُعْمَان» عشان نحدد ميعاد الخطوبة وكتب الكتاب، تطلع لنا مشكلة وتلكيكة من تحت تقاطيق الأرض! ما تقول لي متى بقى هنحدد ونفرح؟ ولا أنا مكتوب عليّ أفضّ المشاكل وبس؟!»
في اللحظة دي، اتسعت عين «زَيْنَب» وحطت عينها في الأرض بسرعة، وخدودها احمرت من الخجل وهي بتفرك إيديها بتوتر دافي.
تدخلت «كَرِيمَة» بضحكة خفيفة وهي بتلطف الجو وتبص لأخوها «يُونُس» بنظرة رجاء:
ـ «أيوه والله يا خوي! بدنا نفرح شوية بقى.. كفاية قوي الأيام اللي فاتت دي كنا فيها على أعصابنا ونار القلق بتاكل فينا.. خلونا نفرح بقى، والحمد لله إن «غَالِيَة» قامت بالسلامة وهتبقى معانا وسطنا!»
تبسم «يُونُس» ابتسامة خفيفة ودافئة كشفت عن جانب الحنية اللي داراه طول اليوم، ورفع إيده وطبطب على كتف «مَنْصُور» بثقة وشهامة:
ـ «ولا تشيل هم واصل يا «مَنْصُور».. أول ما نرجع الدوار إن شاء الله، هقعد مع أبوي «الحاج نُعْمَان» وهكلمه بنفسي، ونحدد ميعاد الفرح وكتب الكتاب ونفرحوا بيكم كلكم قريب.»
تهللت ملامح «مَنْصُور» بالراحة والبهجة، ورد وهو بيمد إيده يربت على كتف «يُونُس» بتقدير وأخوة:
ـ «راجل من يومك يا خوي والله! تسلم لي يا «يُونُس» وماتتحرمش منك!»
