رواية الصياد والفريسة الفصل الثامن
ساد صمت خادق أرجاء الصالون الرئيسي، صمتٌ أثقلته الهيبة والكرامة التي فُرضت بقوة الحق. كانت "سعاد هانم" تقف مذهولة، تجرّ أذيال الخيبة والهزيمة لأول مرة في حياتها، بينما انكمشت "درية" على نفسها كأفعى جُردت من سمّها، تجول بعينيها المرتعشتين بين رجال الشرطة المحيطين بالمكان وغضب مراد القاتل.
نظر "مراد" إلى "درية" بنظرة شزراء، وقال بنبرة قاطعة لا تقبل النقاش:
"أمامكِ ساعتان فقط يا درية.. تجمعين فيهما كل متعلقاتكِ وتغادرين هذا القصر إلى غير رجعة. وإن حاولتِ الاقتراب من نور أو التفكير في أي حيلة أخرى، سأحيل ملفات العمليات المشبوهة الخاصة بوالدكِ إلى النيابة العامة فوراً."
لم تجرؤ "درية" على النطق بكلمة واحدة؛ إذ علمت أن مراد لا يهدد بغير حق. قامت متخبطة في خطواتها وانسحبت إلى الأعلى، تحرص على ألا تلتقي عيناها بعيني "نور" الشامختين.
التفت مراد بعد ذلك إلى والدته، وانخفضت نبرته قليلاً احتراماً لسنّها، لكنها ظلت محملة بمرارة لا تُخطئها الأذن:
"أما أنتِ يا أمي.. فكنتُ أتمنى أن تكوني السند والقدوة، لا أن تنجرفي خلف خطط رخيصة تسقط من قدر العائلة التي طالما تفاخرتِ بها. نور زوجتي وسيدة هذا البيت بعقليتي وحمايتي، وإذا لم تتقبلي وجودها بكرامة، فسيكون جناحي ومكتبي هما حدود تعاملنا من اليوم."
نزلت الكلمات على "سعاد هانم" كالصاعقة، فلم تجد أمامهما إلا أن تدير ظهرها وتغادر المكان بخطوات ثقيلة تحمل مرارة الهزيمة.
أمسك مراد بيد "نور" الرقيقة ورفعها إلى شفتيه ليطبع عليها قبلة امتنان واعتزاز، ثم قال بصوت دافئ يملؤه الحب:
"أثبتِ لي اليوم أنني لم أختر زوجة فقط، بل اخترتُ شريكة قوية تُجيد الصمود في وجه العواصف.. هل أنتِ بخير يا ملكتي؟"
ابتسمت "نور" بوقار واعتزاز، ونظرت في عينيه بصلابة ناعمة:
"أنا بخير طالما أنني لم أتنازل عن مبادئي. كنتُ أعلم أن الحق سيتغلب في النهاية، لكن وجودك بجانبي ودفاعك عن كرامتي هو ما جعل هذا النصر كاملاً."
احتضنها مراد مجدداً ببطء، وكأنما يحميها من العالم أجمع، معلناً بداية عهد جديد في قصر الحسيني؛ عهدٍ تحكمه الكرامة ولا يُهان فيه أصحاب النفوس العفيفة.
تسللت دقات الساعة المتسارعة لتعلن مرور المهلة التي حددها مراد. في داخل الغرفة الفاخرة التي طالما شهدت كبرياء "درية"، كانت الأجواء تغلي بغضب عارم وممتزج بدموع القهر والذل. أغلقت درية حقيبتها الأخيرة بقسوة، ويدها ترتجف من أثر الصدمة، ثم أمسكت هاتفها وطلبت رقم والدها "عاصم بك"، رجل الأعمال المعروف بنفوذه وشراسته.
بمجرد أن أتاها صوته الواثق عبر الهاتف، انفجرت درية في بكاء هستيري يحمل كل معاني الانكسار والغل:
"بابا! الحقني يا بابا.. مراد طردني من القصر! أهانني قدام الخدم وعملي فضيحة عشان خاطر الجربوعه الحقيرة دي!"
شهق "عاصم بك" بصدمة، وغالي في نبرة صوته الغضب وهو يستمع لتفاصيل ما حدث، ودموع ابنته تزيد الموقف اشتعالاً. انقبضت يداه على سطح مكتبه الخشبي الفاخر وقال بصوت كالرعد يقطر شراً:
"اطمني يا درية.. دموعك دي جمر هيتحرق بيه مراد واللي شد على إيده! طردك من قصر الحسيني معناه إعلان حرب عليا أنا شخصياً!"
سحبت درية نفسها بكسرة وتحدثت بنبرة تتوسل الانتقام:
"يا بابا مراد هددني بملفات شغلك، ورفع راس "نور" فوق الكل، وأنا مش هقدر أتحمل الشماتة دي!"
وقف عاصم بك من مقعده بثبات مرعب، وجالت في عينيه نظرات الانتقام المظلمة، ثم قال بنبرة حازمة قاطعة:
"الملفات دي تحت جزمتي، ومراد الحسيني هيدفع ثمن كل دمعة نزلت من عينك غالي قوي! النفوذ اللي فاكر إنه بيحميه ههده فوق دماغه، والبت اللي رفعها دي.. هخليها تتمنى الموت وماتلاقيهوش! ارجعي بيتك مرفوعة الراس يا بنتي، والانتقام سيبيه ليا.. الصياد الحقيقي هو اللي بيضحك في الآخر."
أغلقت درية الخط وهي تمسح دموعها بابتسامة خبيثة أطلت من بين انكسارها، بينما كان عاصم بك في مكتبه يضع أولى خطوط المؤامرة التي ستستهدف مراد في عمله ونور في كرامتها، لتشتعل شرارة معركة جديدة لا ترحم.
خرجت "درية" من القصر يحيط بها الشحوب، تجرّ حقائبها بخيبة أمل وغلّ يلتهم قلبها. كانت كل خطوة تخطوها على درج القصر الرخامي تزيد من حقدها على "نور" و"مراد"، بينما كان والدها "عاصم بك" في مكتبه الفاخر بوسط العاصمة يجري اتصالاته الهاتفية رفيعة المستوى فور إغلاق الخط معها.
جلس عاصم بك خلف مكتبه المظلم، وأشعل سيجاره الثمين ببطء والشرارات تتطاير من عينيه الحاقدتين. لم تكن المسألة مجرد طرد لابنته، بل كانت إهانة مباشرة لنفوذه واسمه في السوق. طلب مديرة أعماله الخاصة ونبيل، ذراعه الأيمن في العمليات المشبوهة.
ألقى عاصم بك بالسيجار في المنفضة الرخامية، وقال بنبرة حادة كالسيف:
"مراد الحسيني افتكر إن بدلته الميرية ونفوذ عيلته هيحموه مني.. زاد في غروره وطرد بنتي عشان حتة بت لا راحت ولا جَت! المطلوب جاد وسريع.. مش عاوز ضربة عادية، عاوز ضربة تقسم ظهره وتخليه يركع!"
تقدم "نبيل" بثعلبية وقال بصوت خفيض:
"تؤمر بإيه يا عاصم بك؟ نلعب في قضية من قضاياه في المديرية، ولا نضرب اشغاله واستثماراته الخاصة؟"
ابتسم عاصم بك ابتسامة شريرة، وضرب بقبضته على الطاولة:
"المرادي اللعب هيكون على جبهتين! الجبهة الأولى: ملفات شغل مراد.. هنسرب مستندات مزورة للرقابة الإدارية تتهمه باستغلال سلطته والتستر على عمليات تهريب لتوريطه في تحقيق رسمي يوقف اشغاله ويهز هيبته. أما الجبهة الثانية وهي الأهم.. 'نور'!"
توسعت عين نبيل باهتمام، بينما أكمل عاصم بك بقسوة:
"الفتاة دي هي نقطة ضعفه ونقطة قوته في نفس الوقت. ابحثوا في ماضيها، هاتوا أهلها، قرايبها، أي سر أو نقطة ضعف قديمة نلوّي بيها دراعها! ولو مفيش.. نخلق لها قضية ومصيبة تخليها تجيب مناخيره الأرض!"
في تلك الأثناء، كان "مراد" يقف في شرفة الجناح الفاخر محتضناً "نور" من الخلف، ينظران إلى غروب الشمس. رغم الهدوء الظاهري الذي حلّ على القصر بعد مغادرة درية، إلا أن مراد كان يحمل في قلبه حساً أمنياً عالياً، ويعلم تماماً أن عاصم بك لن يصمت على هذه الإهانة.
التفت مراد إلى نور، ومسح على شعرها الحريري بحنان، وقال بصوت خفيض:
"نور.. المعركة مخلصتش، بالعكس هي بدأت. عاصم بك مش يسيب حقه بالساهل، ووجودك جنبي قواهم بس خُوفهم منك بنفس الوقت."
نظرت إليه نور بعينين تلمعان بالثبات والذكاء، ووضعت يدها على صدره بثقة:
"أنا مش خايفة يا مراد.. اللي عدى الصعب هيعدي السهل. أنا جمبك، وطالما إيدك في إيدي والحق معانا، أي شبكة هيحاولوا ينصبوها، هنكسرها زي ما كسرنا حيلتهم النهاردة."
ابتسم مراد ب بحنان وحب، وضغط على يدها بقوة وهو يتوعد في سرّه لكل من يحاول المساس برفيقته وسيدة قلبه.
